تفسير سفر اللاويين – الأصحاح التاسع عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

يتضمن هذا الأصحاح عدة أوامر ونواه إلهية بعضها روحى وبعضها أدبى وبعضها اجتماعى ومعظمها ينبع من الوصايا العشر. ويشدد الله عليهم فى طاعتها والعمل بها باعتبارهم شعبه المختار المفرز من جميع الشعوب الوثنية حتى يحيوا حياة مقدسة تليق بمركزهم الروحى الخاص. وبذلك يضمنون لأنفسهم السعادة والسلام فى حياتهم على الأرض والمكافأة الحسنة فى الحياة الأبدية. ولسمو التعاليم الواردة فى هذا الأصحاح كان اليهود يقرأونه دائماً فى اجتماعاتهم الروحية.

مسائل تتعلق بعبادة الله وإكرام الوالدين (ع1-8)

1- وكلم الله موسى قائلاً :

كان موسى هو وسيط العهد القديم الذى يتسلم الشرائع من الله رأساً. وعليه أن يبلغها إلى شعبه بدقة وأمانة.

2- كلم كل جماعة بنى إسرائيل. وقل لهم تكونون قديسين لأنى قدوس الرب إلهكم .

(كلم كل جماعة بنى إسرائيل): إن النبى راع لشعبه. والراعى مسئول عن كل نفس من نفوس شعبه. ولذلك كان على موسى أن يكلم (جميع بنى إسرائيل). وكان يكلمهم أحياناً بنفسه وأحياناً عن طريق الكهنة أو الشيوخ أو الرؤساء الذين يلقنهم كلمة الله ليبلغوها للشعب .

(وقل لهم تكونون قديسين لأنى قدوس الرب إلهكم): إن الرب إله قدوس. وليس كباقى الآلهة الكاذبة التى للأمم. فيجب على الشعب الذى ينتمى إليه ويدعى باسمه أن يعيش أيضاً فى القداسة لكى تكون حياته ملائمة للدعوة المقدسة التى دعى إليها ولصفات إلهه العظيم، وللشريعة السمائية التى تسلمها. والأوامر والأحكام والنواهى الموجودة فى هذا السفر. بل وفى جميع الأسفار مبنية على هذه القاعدة المقدسة أن يحيا أولاد الله فى القداسة لأن إلههم قدوس. وقد شبه علماء الكتاب الرب بالملك العظيم وشبه شعبه برجال البلاط الملكى. ومن البديهى أن العاملين فى بلاط الملك يجب أن تظهر فى حياتهم صفات ملكهم ونحن فى عهد النعمة يجب علينا أن نمثل مليكنا وفادينا الذى دعانا بنعمته إلى حياة القداسة (نظير القدوس الذى دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين فى كل سيرة 1بط1: 15)، وفى عظة السيد المسيح على الجبل أعطانا ناموساً إلهياً كاملاً لنسعى وراء الكمال المسيحى الذى يليق بأولاد الله حيث يقول له المجد (فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل مت 5: 48) .

(الرب إلهكم): تكررت عبارة (أنا الرب) أو (أنا الرب إلهكم) فى هذا الأصحاح نحو ست عشرة مرة لكى يذكرهم بأن الشرائع والأحكام صادرة منه وحده. ويعرفهم أنه الإله الحقيقى وحده الذى يجب أن يطاع. ويذكرهم بمركزهم الممتاز كشعب الله القدوس (راجع شرح ص18: 1) .

3- تهابون كل إنسان أمه وأباه . وتحفظون سبوتى . أنا الرب .

(تهابون كل إنسان أمه وأباه): أى تحترمون الوالدين وتخافوهما الخوف المبنى علي الحب والإكرام وهذا الأمر الإلهى المقدس مبنى على الوصية الخامسة التى تقول (أكرم أباك وأمك لكى تطول أيامك على الأرض خر20: 12)، وهى أول وصية بوعد (أف6: 2)، ولاحظ أن الوصية الخامسة تقدم الأب على الأم. وهذ النص يقدم الأم على الأب دليلاً علي أن الأب والأم متساويان. وأنه من الواجب على الأولاد أن يعطوهما حقهما من الاحترام والتقدير.

ولأن الأم معروفة بشدة حنانها ورقتها. ففى الغالب يكون أولادها وبناتها متعلقين بها أكثر من تعلقهم بأبيهم. وقد تكون دالتهم عليها أكثر من دالتهم على الأب. والله تعالى لحكمته الفائقة قدم الأم فى هذا النص على الأب لئلا تدفع الدالة بين الأولاد وأمهاتهم على تهاون الأولاد فى مهابة الأم وإعطائها حقها من الخوف والاحترام.

ومهابة الوالدين تدفع أولادهم وبناتهم إلى حبهم وإكرامهم حتى إذا تغيرت ظروفهم. فطرأ عليهم المرض أو الفقر أو الشيخوخة. وحتى بعد موتهم يجب أن يظل الأولاد فى تقديس ذكراهم. ولقد كان اسحق مطيعاً لأبيه. وكان يعقوب يقدر هيبة أبيه اسحق ويشعر ببركتها ويقسم بها (تك31: 42، 53)، واليهود إذ استهانوا بهذه الوصية وبخهم المسيح بقوله (لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم فإن الله أوصى قائلاً أكرم أباك وأمك ومن يشتم أباً أو أماً فليمت موتاً وأما أنتم فتقولون من قال لأبيه أو أمه قربان هو الذى تنتفع به منى. فلايكرم أباه أو أمه. فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم مت15: 3-6).

(وتحفظون سبوتى) أى تقدسونها. وهذا الأمر الإلهى مبنى على الوصية الرابعة: (أذكر يوم السبت لتقديسه خر20: 8). ويدخل تحت هذه الوصية أيضاً تقديس السنة السابعة. وسنة اليوبيل. أى السنة الخمسين التى تلى كل سبعة أسابيع سنين (ص25: 4-12)

(أنا الرب إلهكم) فمن الواجب عليكم أن تذكروا وصاياى وتقدسوا يومى الذى رسمته لكم.

4- لاتلتفتوا إلى الأوثان . وآلهة مسبوكة . لاتصنعوا لأنفسكم . أنا الرب إلهكم .

هذه الأوامر مبنية على الوصيتين الأولى والثانية (لايكن لك آلهة أخرى أمامى خر20: 3) و (لاتصنع لك تمثالاً منحوتاً ولاصورة مما فى السماء من فوق وما فى الأرض من تحت وما فى الماء من تحت الأرض. لاتسجد لهن ولا تعبدهن خر 30: 4-5) .

وقد أمرهم الوحى هنا :

( أ ) ألا (يلتفتوا) إلى الأوثان أى لاينظروا إليها أو يعتبروها أو يعيروها شيئاً من اهتمامهم لأنها آلهة كاذبة مصنوعة بأيدى البشر .

(ب) ولا (يصنعوا) آلهة مسبوكة. وقد كانوا يصهرون المعدن ويصبونه فى قوالب وأحياناً ينحتونه بالأزميل ليعملوا أصناماً ويظنون أنها آلهة أو أن قوة الآلهة تحل فيها وأحياناً كانوا يتصورون أن قوة الرب نفسه تحل فى الصنم الذى نحتوه. وكان بنو إسرائيل قد وقعوا فى هذا الخطأ الجسيم فى غياب موسى على الجبل وصنعوا لأنفسهم تمثالاً منحوتاً هو العجل الذهبى (خر32). والرب هنا يحذرهم لئلا يسقطوا فى هذا الخطأ من جديد. ومما يؤسف له أنهم وقعوا فيه مراراً وتكراراً مما أدى إلى زوال مجدهم الروحى والاجتماعى.

(أنا الرب إلهكم) الذى استحق أن أُعبد وحدى دون سواى.

5- ومتى ذبحتم ذبيحة سلامة للرب فللرضا عنكم تذبحونها.

كانوا يذبحون ذبائح السلامة أو السلام للرب. وهى ذبائح الشركة المقدسة حيث يكون للرب منها نصيب يوقد على المذبح، وللكهنة نصيب، ولمقدم الذبيحة وأقاربه وأصدقائه باقى الذبيحة.

(للرضا عنكم تذبحونها) أى لكى يرضى الله عليكم وتكونوا مقبولين أمامه.

6- يوم تذبحونها تؤكل وفى الغد. والفاضل إلى اليوم الثالث يحرق بالنار .

الحديث هنا عن ذبيحة السلامة إذا كانت نذراً أو نافلة. فكان يجوز الأكل منها فى اليوم الذى تقدم فيه وفى اليوم التالى. وما يبقى منها إلى اليوم الثالث كان يحرق بالنار (ص7: 16-18) أما ذبيحة السلامة التى للشكر فكانت تؤكل فى يوم تقديمها فقط ولايبقون منها شيئاً إلى الصباح. وما يتبقى كان يحرق (ص7: 15) (راجع شرح ص7: 11-21) .

7- وإذا أكلت فى اليوم الثالث فذلك نجاسة لايرضى بها .

أكل لحم الذبيحة فى اليوم الثالث يعتبر (نجاسة) لأنها اعتداء ومخالفة لشريعة الله، زيادة على أنه أكل من طعام غير مقبول أمام الله لأنه حمل فى ذاته مخالفة الإنسان لخالقه.

(لايرضى به) أى لايكون وسيلة لرضى الله على مقدم الذبيحة ولا على الذبيحة بعكس لحم الذبائح التى تقدم قانونياً فكان الله يرضى به.

8- ومن أكل منها يحمل ذنبه لأنه قد دنس قدس الرب فتقطع تلك النفس من شعبها .

من تعمد أكل لحم الذبيحة فى اليوم الثالث (يحمل ذنبه) أى يكون مذنباً وعليه أن يتحمل مسئولية ذنبه.

(لأنه قد دنس قدس الرب):

1- قدس الرب هنا يقصد به أولاً لحم الذبيحة لأنه من أقداس الرب أى من الأشياء المقدسة له. وقد (دنّسه) أى استهان به وتصرف به تصرف غير قانونى لأنه أكله فى اليوم الثالث بخلاف ما أمر الله. وفى العهد الجديد ينبهنا الوحى المقدس ألا نستهين بكرامة أقداس الله ومن بينها سر الشركة المقدسة حيث يأكل المؤمنون جسد الرب ودمه. والذى يأكل ويشرب بدون استحقاق يكون مجرماً فى جسد الرب ودمه. ويأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب ( 1كو11: 27،29).

2- والذى يهين الذبيحة ويأكل منها بخلاف ما أمر الله يهين (قدس الرب) بمعنى بيته أيضاً لأن بيت الرب يضم جميع المشتملات التى فيه بما فيها المذبح  والذبيحة. ومذبح الرب هو الذى يقدس الذبيحة (مت 23: 17).(فتقطع تلك النفس من شعبها) لأنها خالفت أوامر الله واستهانت بأقداسه.

شرائع بخصوص الحصاد والجمع (9-10)

9- وعندما تحصدون حصيد أرضكم لاتكمل زوايا حقلك فى الحصاد . ولقاط حصيدك لا تلتقط .

كان على بنى إسرائيل فى مواسم حصاد الحبوب. وجمع الثمار:

( أ ) أن يذكروا مراحم الله وإحساناته فيقدموا له باكورات الغلات.

(ب) وأن يذكروا المساكين والفقراء فيجعلوا لهم نصيباً فى الخيرات التى أنعم الله بها عليهم (ص23: 9-22). والوصية هنا بشأن الفقراء والمساكين الذين يجب أن نذكرهم فى كل حين. سيما فى الأوقات التى نتسلم فيها العطايا من الله كأوقات الحصاد والجمع وغيرها.

وتتضمن الوصية هنا أمرين خاصين بالحصاد توضحهما فقرتا الآية:

1- (وعندما تحصدون حصيد أرضكم لاتكمل زوايا حقلك فى الحصاد)

أى لايجب أن يحصدوا النبات حتى حافة الحقل وإلى أقصى حدوده. بل كان عليهم أن يتركوا شيئاً على الحدود للمساكين والغرباء والمحتاجين. الذين كانوا يخرجون إلى الحقول فى مواسم الحصاد ليجمعوا فضلات المحسنين من أصحاب الحقول. ونرى صورة لهذا فى راعوث الموآبية التى ذهبت للالتقاط وراء الحصادين (را2: 2) .

وقد كان ترك شئ من النبات بدون حصاد على الحدود مما يسهل على الفقراء التقاطه. وكان من تعليمات معلمى اليهود أن يترك مالا يقل عن جزء من ستين من المحصول لهذا الغرض .

وقالوا أن المقصود بهذه النباتات:

( أ ) النباتات التى كانت تزرع فعلاً لا الفطريات وما شابهها مما ينمو بالطبيعة.

(ب) ما كان يخزن كالحبوب وليس ما يجمع يومياً ويؤكل فوراً كالبقول.

(ج) ما كان يستخدم للطعام لاللصباغة.

(د) ما كان يزرع وينضج فى أوقات معينة من السنة لا ما ينضج كل عام على أشجاره كالثمار .

ومثل هذا النوع من الإحسان كان إلى حد ما لايشعر الفقراء بالإحراج الذى يشعرون به فى التسول الفردى لأنه كان شيئاً عاماً يشترك فيه فقراء الشعب فى وقت واحد. كما كان وسيلة مباركة لإشراك صاحب الحقل إخوته الفقراء فى المحاصيل، ووسيلة لتقليل التسول.

2- (ولقاط حصيدك لا تلتقط)

(لقاط الحصيد أو نثاره) ما يتناثر من السنابل أثناء الحصاد. وكان عليهم أن يتركوه للمساكين أيضاً حيث كانوا يدخلون الحقول ويسيرون وراء الحصادين.

وكانوا يخصصون فرصاً لكل فئة من الفقراء للخروج للالتقاط سواء من زوايا الحقول أو من وراء الحصادين. ففى الصباح كانت تلتقط النساء اللاتى لهن أولاد نائمين فى ذلك الوقت غالباً. وفى الظهر كانت النساء المرضعات يلتقطون.

وإذا صادف ألا يتساقط شئ من السنابل أثناء الحصاد كان عليهم أن يخصصوا جزءاً من المحصول لهذا الغرض. وحتى ما يذريه الريح كانوا يتصدقون بجزء منه للمساكين.

10- وكرمك لاتعلله ونثار كرمك لاتلتقط. للمسكين والغريب تتركه . أنا الرب إلهك .

(الكرم) هو أشجار العنب. و(لاتعلله) أى لاتجمع ثمره عدة مرات حتى تجرد الشجرة من كل أثر للثمر. وقد جاءت العبارة الأولى فى الترجمة السبعينية (ولا تعد إلى خصاصة الكرم) أى لاتعد فتجنى الفضلات الباقية فيه كما جاءت فى الترجمة الإنجليزية (لاتجرد كرمك حتى يكون عارياً)، والمقصود من النص أن يترك أصحاب الكرم للفقراء نصيباً من العناقيد على الأشجار.

(ونثار كرمك لاتلتقط) (نثار الكرم) هو الحبوب التى تتساقط طبيعياً أو أثناء جمع الثمار. وكان عليهم ألا يأخذوها بل يتركوها لمساكين الأرض .

(أنا الرب إلهكم) إن هذه الأعمال الإنسانية التى كانوا يتركون فيها نصيباً من محاصيلهم فى الحقول. ونصيباً من ثمارهم فى الكروم. للفقراء والمساكين مبنية أيضاً على تشبههم بالله القدوس كما ورد فى أول الأصحاح (ع2). لأن الله إله رحوم ورؤوف ومحسن إلى الجميع. لاينسى الأرملة أو المسكين أو اليتيم أو الغريب أو الضيف. وقد قال الوحى الإلهى أنه أبو اليتامى وقاضى الأرامل (مز 68: 5) وقال (أعين الكل إياك تترجى وأنت تعطيهم طعامهم فى حينه. تفتح يدك فتشبع كل حى رضى مز145: 15،16) .

فرائض تتعلق بالأمانة والعدالة والمحبة (ع11-18)

11- لاتسرقوا ولاتكذبوا ولا تغدروا أحدكم بصاحبه .

يحذر هذا النص الإلهى من:

( أ ) (السرقة) كما هو واضح فى الوصية الثامنة من الوصايا العشر (خر20: 15) وهذا التعليم يتضمن عدم السرقة من حقوق الإنسان ومتاعه. وقد تتعلق أيضاً بالأعداد السابقة الخاصة بحقوق المساكين والفقراء علينا. وقد قال الوحى الإلهى فى العهد الجديد (لايسرق السارق فيما بعد بل بالحرى يتعب عاملاً الصالح بيديه ليكون له أن يعطى من له احتياج أف4: 28) .

(ب) ومن (الكذب) لكى يكلم كل إنسان صاحبه بالصدق والأمانة. لأن الله حق وأولاده يجب أن يسلكوا وينطقوا بالحق. والرسول يقول أيضاً (لاتكذبوا بعضكم على بعض إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه كو3: 9،10) .

(ج) ومن (الغدر) والغدر يتضمن الخيانة بجميع صورها. وعدم الوفاء بالوعود. وعدم الحفاظ على المحبة. وعدم سداد الحقوق. ظلم الأرامل واليتامى والمساكين والضعفاء. وهناك أمثلة رديئة للغدر مثل قايين الذى قتل أخاه هابيل (تك 4: 8)، وإخوة يوسف الذين غدروا بأخيهم وألقوه فى البئر ثم باعوه (تك37: 17-28)، ويهوذا الذى باع المسيح مت26: 47-49) وغيرهم.

12- ولاتحلفوا باسمى للكذب . فتدنس اسم إلهك . أنا الرب .

(ولا تحلفوا باسمى للكذب). وقد نصت الوصية الثالثة (لاتنطق باسم الرب إلهك باطلاً  خر20: 7)، ونهت المسيحية عن الأقسام لكى يكون إنسان الله كاملاً فى تقديس اسم إلهه وقد قال المسيح (ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير مت 5: 37) .

(فتدنس اسم إلهك) أى تحتقره وتهينه وتبرهن على استخفافك به بقسمك الكاذب.

(أنا الرب): أنا الرب القدوس الحق المهاب المخوف. فلا يجب الاستخفاف باسمى المبارك وتعريضه للأقسام الكاذبة كأن جلال الله وعظمته لاشئ فى عينيك وكأنك لاتخاف بطشه وانتقامه. ولاتبالى بحميته وكرامته.

13- لاتغضب قريبك ولاتسلب . ولاتبت أجرة أجير عندك إلى الغد .

(لاتغضب قريبك): أى لاتظلم أحداً فى أجر أو فى حق له. ولاتأخذ شيئاً بالظلم من أحد. ولاتستخدم دهاءك أو ذكاءك أو قوتك أو سلطانك فى الاستيلاء على ما للغير بدون وجه حق أو فى هضم حق أحد إن كان حقاً مادياً أو أدبياً أو معنوياً. وقد ردد يوحنا المعمدان هذا المعنى حينما قال لبعض الجنود الذين طلبوا نصحه: (لاتظلموا أحداً ولاتشوا بأحد واكتفوا بعلائفكم لو3: 14).

(ولاتسلب): حذر الله فى العدد الحادى عشر من السرقة. وهنا يحذر من السلب بجميع وجوهه. فالنهب والسلب سرقة سافرة حتى إن كان السّلاب يعمل عمله بصورة غير ظاهرة أمام الناس. وحتى إن حاول أن يبرر نفسه أمام ضميره لأن الله العادل لايرضى إلا بكل عمل مستقيم وعادل.

(ولاتبت أجرة أجير عندك إلى الغد) إن الله منذ القدم يدافع عن العامل والأجير. لأن الإنسان الكادح إنما يعمل لكى يحصل على قوته بعمله. وهو يأكل خبزه بعرق جبينه ويتحمل متاعب العمل وثقل النهار وحره منتظراً بالصبر أن يأخذ أجرته التى يشقى لأجلها. فليس من العدل أن يسوف صاحب العمل فى إعطائه أجرته. بل عليه أن يعطيها له فى حينها. وقد قال سفر التثنية فى هذا الموضوع: (لاتظلم أجيراً مسكيناً وفقيراً من إخوتك أو من الغرباء الذين فى أرضك فى أبوابك. فى يومه تعطيه أجرته ولاتغرب عليها الشمس لأنه فقير وإليها حامل نفسه لئلا يصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطية تث24: 14،15) ) .

وإذا كان من الواجب عدم التسويف فى دفع أجرة الأجير. فبالأولى يجب عدم بخس أجرته.

أو ظلمه أو أكل حقه. أو القسوة على العامل بتثقيل العمل عليه أو زيادة ساعات العمل أو إرهاقه

بنوع ما من الإرهاق الغير عادل أو إساءة معاملته لأنه إنسان له حقوقه من الأجر والراحة ومن

التقدير ومن الإكرام. وظلم العمال والأجرة والفعلة إثم يعاقب عليه الظالمين وتأباه الإنسانية ويتنافى

مع حقوق الإنسان. وقد قال الرسول يعقوب مندداً بالظالمين من الأغنياء وأصحاب الأعمال:

(هوذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ وصياح الحصادين قد دخل إلى أذنى رب الجنود يع 5: 4).

14- لاتشتم الأصم . وقدام الأعمى لاتجعل معثرة . بل اخش إلهك . أنا الرب .

إن أصحاب العاهات يستحقون العطف والرثاء والمساعدة. وليس من اللائق أن نضايقهم بوجه من الوجوه لأن من يضايق واحداً من هؤلاء كأنه يعير الله الذى سمح بأن يصاب صاحب العاهة بعاهته. وكأنه يستهزى بمقاصده الإلهية ويجعلها هدفاً لاستخفافه وتصرفاته الرديئة. فضلاً على أنه يزيد من آلام أخيه الإنسان ويجرح شعوره.

(لاتشتم الأصم):

1- أى لاتنتهز فرصة كونه أصم لايسمع فتشتمه. لأنه إن كان لايسمعك فالله يسمعك ويستذنبك و( كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين مت12: 36).

2- وتتضمن هذه الوصية عدم شتم الأصم معنوياً. بمعنى عدم اغتياب الناس والتكلم عنهم بالسوء فى غيابهم حيث لايسمعوننا. وعدم إبداء إشارات استهزائية أو تهكمية أو انتقامية ضد الناس وإن كانوا لايلاحظوننا. وبالجملة فلتكن إشاراتنا وملاحظاتنا وأقوالنا وأعمالنا كلها مبنية على المحبة.

3- ويوجد أناس يغضون الطرف عن الإهانات التى تلاقيهم من المعتدين. ولايردون عليها. بل قد يتظاهرون أنهم لايسمعونها ومثلهم كمثل داود الذى قال: (وأما أنا فكأصم لاأسمع وكأبكم لايفتح فاه وأكون مثل إنسان لايسمع وليس فى فمه حجة مز38: 13-14) ولقد يكون تصرفهم هذا عن ضعف أو عن أدب جم ووداعة وحلم. وهم يسلمون لله فى كل ظروفهم فلا تنتهز مثل هذه الفرص فتعتدى عليهم أو تشتمهم أو تطيل لسانك عليهم فى حضورهم أو فى غيابهم لأنهم إن كانوا يسكتون عن حقهم فالله لايسكت وإنما يطالبك ويعاقبك .

(وقدام الأعمى لاتجعل معثرة):

1- من أكبر الشرور أن يضع الإنسان معثرة أمام إنسان أعمى لكى يصطدم بها أو يعثر أو يسقط. كأن يضع فى طريقه حجراً أو يحفر حفرة أمامه. سواء فعل هذا انتقاماً من الأعمى أو رغبة فى إيذائه. أو الضحك عليه أو لأى غرض آخر.

2- ومن الناحية الروحية: هناك عميان معنوياً أى أناس ضعفاء الإيمان وقليلوا المعرفة وجهلاء. لايجب أن نجعل أمامهم عثرة لا فى تعليم ولا فى عمل ولا فى تصرف. لئلا يعثروا ويسقطوا فنكون نحن المسئولين عن سقوطهم.

ولقد قال المخلص (ويل لذلك الإنسان الذى به تأتى العثرة مت18: 7) وقال الرسول (واصنعوا لأرجلكم مسالك مستقيمة لكى لايعتسف الأعرج بل بالحرى يشفى عب12: 13).

(بل أخش إلهك): إن كنت لاتخاف من الأصم لأنه لايسمعك ومن الأعمى لأنه لايراك، فأخش الرب وخفه لأنه يسمع كل شئ ويرى كل شئ.

(أنا الرب) العالم والمطلع على الخفايا. الذى يراقب كل تصرفاتك ويحاسبك عليها. ويدافع عن الصم والعميان. معين من ليس له معين. ورجاء من ليس له رجاء.

15- لاترتكبوا جوراً فى القضاء . لاتأخذوا بوجه مسكين . ولاتحترم وجه كبير . بالعدل تحكم لقريبك .

1- من الواجب أن يحكم الإنسان بالعدل ولايرتكب (جورا) أى ظلماً فى قضائه. وهذه الوصية موجهة. ليس فقط إلى الحكام والرؤساء والقضاة. بل حتى إلى الإنسان العادى الذى يحكمونه فى مسألة ما تتعلق بشخص آخر. والوحى هنا يبين وجهين من ناحية أطراف الدعاوى:

الوجه الأول: قوله (لاتأخذ بوجه مسكين) أى لاتأخذك الشفقة على مسكين مذنب فتحكم لصالحه بدون حق لأن هذا يعوج القضاء ويهضم حقوق الأطراف الأخرى ويساعد هذا المذنب على التمادى فى اعتداءاته.

الوجه الثانى: قوله (ولاتحترم وجه كبير) أى لاتخش كبيرا أو غنياً أو عظيماً فتحكم حكماً غير عادل فى صالحه خوفاً منه أو احتراماً له. لأن هذا أيضاً يتنافى مع العدل والمساواة والحق. ويبرئ مذنبين ويضيع حقوقاً لأناس. ويساعد هذا العظيم على التمادى فى آثامه واعتداءاته .

وقد وردت مثل هذه الأحكام فى سفر الخروج (ص23: 1-3،6) وفى سفر التثنية (ص1: 7،10: 7) .

2- وإذا كان من الواجب الحكم بالعدل فى القضايا. فيجب أن نحكم بالعدل أيضاً فى الأحكام المعنوية والأدبية إزاء جميع الناس:

( أ ) فليس من العدل أن نحكم على تصرفات الناس أو أخلاقهم أو صفاتهم أو طبائعهم بأنها جيدة أو ردية بمجرد نظرنا السطحى. أو الظن أو الحسد والتخمين. أو لأجل تحسين سمعتهم أو تسويئها. أو لكونهم أصدقاء أو خصوماً لنا أو لغرض ما فى أنفسنا.

(ب) وليس من العدل أن نسئ الظن بإنسان من أجل كلمة أو تصرف قد يكون أتاه بحسن النية أو مضطراً أو عن غير قصد .

وبالجملة يجب أن نتريث فى أحكامنا على الظنون أو على الأغراض الشخصية .

16- لاتسع فى الوشاية بين شعبك . لاتقف على دم قريبك . أنا الرب .

(لاتسع فى الوشاية بين شعبك) إن النميمة شر ردئ لأنها إذا كانت بين الأصدقاء عملت على تفريقهم وفصم عرى المحبة بينهم. وأولاد الله يجب أن يكونوا صانعى سلام لا أصحاب وشايات خبيثة مغرضة

ويقصد بالوشاية النميمة الحاقدة والافتراء على الناس سواء أمام ذويهم وأصدقائهم أو أمام الحكام والقضاة للنيل من خصومهم. وسليمان الحكيم يقول عن النميمة (الساعى بالوشاية يفشى السر والأمين الروح يكتم الأمر أم 11: 13). وإرميا النبى يعبر عن هؤلاء الذين يميلون إلى الكذب والافتراء بقوله عنهم أنهم (علموا ألسنتهم التكلم بالكذب وتعبوا فى الافتراء أر9: 5) .

(لاتقف على دم قريبك) وفى الترجمة اليسوعية (لاتقف ضد دم قريبك) وفى الترجمات الإنجليزية (ضد حياة قريبك) والغرض من الآية ألا يقف الإنسان موقفاً فيه خطورة على حياة أخيه. فلا يحاول مثلاً اغتيال أحد ولايمتنع عن الشهادة فى صالحه أمام القضاة على أن تكون شهادته صادقة. ولايمتنع عن الدفاع عنه ضد الاعتداء مادام فى إمكانه أن يفعل ذلك. ولا يكف عن إغاثة إنسان وقع فى خطر. ولا يجب أن يشهد شهادة زور ضد إنسان حتى إن كان عدواً له. لأن تقصير الإنسان عن تأدية واجبه الإنسانى نحو أخيه الإنسان قد يعرض ذلك الإنسان للخطر. وقد يودى بحياته. ويكون المقصر أو شاهد الزور بمثابة القاتل .

(أنا الرب) الذى يغار على سمعة الناس وعلى حياتهم ويطالب كل من يتسببون بقصد ردئ أو بتقصير أو بإهمال فى الإساءة إلى سمعتهم أو الإضرار بحياتهم .

17- لاتبغض أخاك فى قلبك . إنذاراً تنذر صاحبك . ولاتحمل لأجله خطية .

(لاتبغض أخاك فى قلبك): أى لاتتظاهر بالمحبة أمام صديقك بينما قلبك يكن له العداوة والبغضة وما أجدر أن يكون الإنسان نقياً. مكشوفاً أمام إخوته. صريحاً معهم .

(إنذاراً تنذر صاحبك): إذا بدت من صاحبك إساءة أو خطأ فيجب أن تعاتبه بروح المحبة والوداعة وتنذره بروح الاعتدال. لأن هذا خير من أن تكلمه كلاماً حسناً بشفتيك وقلبك غاضب من نحوه وناقم عليه. ولقد قال السيد المسيح فى هذا الشأن (وإن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك. وإن لم يسمع فخذ معك واحداً أو اثنين لكى تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة فليكن عندك كالوثنى والعشار مت18: 15-17) .

وعتاب المحبة وإنذار الصديق لصديقه بالصراحة واللطف خير من إضمار الشر لأنه (أمينة هى جروح المحب وغاشة هى قبلات العدو أم 27: 6) .

(ولا تحمل لأجله خطية): أى لاتجعل خطية تحسب عليك بتقصيرك فى معاتبته والتحدث معه عن خطأه لأن عتاب المحبة والمكاشفة الهادئة قد يساعدان على تقريب وجهات النظر وحسم النزاع بينكما. وخلق جو من السلام والمحبة والصفاء والصلح .

ومن هنا نرى أن الذين يكفون عن مصالحة المسيئين إليهم مكتفين بأن يقاطعوهم ويعيشوا فى معزل عنهم بحجة أن هذا فيه الراحة أو السلام. إنما يحملون خطية ويعتبرون مقصرين ومذنبين فى نظر الله. ومن الواجب أن يسعى الإنسان بكل جهده فى مصالحة من يسيئون إليه.

18- لاتنتقم ولاتحقد على أبناء شعبك . بل تحب قريبك كنفسك . أنا الرب .

(لاتنتقم) أى لاتأخذ بالثأر. لأن التسامح من ثمار القلب النقى. ولقد قال الوحى فى العهد الجديد (لاتنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء بل أعطوا مكاناً للغض لأنه مكتوب لي النقمة أنا أجازى يقول الرب فإن جاع عدوك فأطعمه وإن عطش فاسقه لإنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه. لايغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير رو 12: 19-21) .

(ولاتحقد) أى لاتحمل البغضاء ولاتجعل الغضب يستقر فى قلبك لأن هذا مما يضرك شخصياً ويتعبك روحياً ونفسياً وربما جسمياً أيضاً كما أنه يعمل على زيادة التوتر بينك وبين صاحبك وقد يخلق شروراً ومضاعفات كثيرة. وما أجمل ما يقوله الرسول (لاتغرب الشمس على غيظكم ولاتعطوا ابليس مكاناً أف4: 26،27) .(بل تحب قريبك كنفسك)  كان سؤال الناموسى الذى جرب المسيح (أية وصية هى العظمة فى الناموس؟) فأجابه الرب (تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هى الوصية الأولى والعظمى. والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء مت 22: 36-30 . مر12: 28-32). وهاتان الوصيتان هما خلاصة ناموس الكمال: لأن الذى يحب الله يعبده بقلب مستقيم ويعمل بكل وصاياه ويبتعد عن كل ما لا يرضيه. ومن يحب قريبه محبته لنفسه يعمل كل ما فيه خيره. ويتمنى له ما يتمناه لنفسه. وتأبى محبته أن يسئ إلى أخيه بأى وجه من وجوه الإساءة .

فسر بعض اليهود معنى العلاقات البشرية حسب هواهم فقالوا (تحب قريبك وتبغض عدوك). ولكن المسيح علمهم المفهوم الروحى للناموس والأنبياء وأعلن أن ملكوت الله محبة وسلام وأخوّة بين جميع الناس فقال (وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم باركوا لأعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم مت5: 44) .

(أنا الرب) أنا الرب المحب للبشر. الذى يحسن حتى على الخطاة. ويهب خيراته حتى على العصاة الذى (يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين مت 5: 45) .

أحكام خاصة بالحيوانات والزراعة والثياب (ع19)

19- فرائضى تحفظون . لاتنز بهائمك جنسين . وحقلك لاتزرع صنفين . ولايكن عليك ثوب مصنف من صنفين .(فرائضى تحفظون): يذكرهم الله بين الحين والحين بأن يحفظوا فرائضه. جميع الفرائض التى سبق الوحى فذكرها. والمذكورة أيضاً فيما بعد. ووضع هذه العبارة على رأس الفرائض التالية لها تجعلهم يعطونها نفس الاهتمام ولايظنون أن بعضها أقل قدراً من البعض الآخر. حتى إن كانت متعلقة بالبهائم أو الزراعة أو الثياب كما نرى فى هذا العدد. لأن كلمة الله حية وفعالة. وفرائضه كلها لبنيان المؤمنين وخيرهم .

(لاتنز بهائمك جنسين): لاتجعل ذكور جنس من البهائم تثب على إناث جنس آخر لإيجاد نسل جديد مغاير للجنسين كما هو الحال مع البغل الذى يتناسل مثلاً عن الفرس والحمار. ولقد كان بنو إسرائيل فى أجيالهم المختلفة يستخدمون البغال ولكنهم لم يجعلوها تتناسل على أيديهم. بل ربما نتجت صدفة عن اختلاط الحيوانين من ذاتهما دون دخل أصحابها. وفى الغالب كانوا يستوردونها من شعوب أخرى كانت تهجن الحيوانات.وهذه الحكمة قد يكون الأمر بها لعدة عوامل:

( أ ) لأن الله منذ البدء خلق كل شئ كجنسه (تك 1: 21،25) والرب بحكمته أراد أن يحافظ على مملكة الحيوانات وعلى الممالك الأخرى بالنظام الذى خلقه دون التشويشات التى تحدثها يد الإنسان .

(ب) والله خلق كل شئ حسناً (تك1: 21،25) وبحكمة (مز104: 24) وليس الإنسان أحكم من الله حتى يجرى تعديلات فى أعماله. ومن العجيب أن الأجناس الجديدة التى تنتج عن تناسل حيوانين مختلفين لاتحمل فى الغالب الصفات الكاملة فالبغل مثلاً لايتناسل .

(ج) ولعل الوحى يرمى إلى غاية روحية هى لئلا يتصور الإنسان أنه بقدرته يستطيع أن يخلق أجناساً جديدة من البهائم ويدعى لنفسه الألوهية لأن الإنسان لم يعمل إلا عملية تهجين بين حيوانات قائمة بالفعل. ولكن الخالق الحقيقى وجابل نسمة كل كائن حى هو الله وحده.

(د) ولعل الله أيضاً بعلمه السابق وبحكمته أراد أن يعلم الإنسان على مدى الأجيال أنه إذا رأى حيواناً متطوراً عن طريق التهجين مثل البغل. لايظن أنه تطور تطوراً ذاتياً. بمرور حقبات من الزمن أو عن طريق الصدفة. وإنما كان ذلك باختلاط جنسين مختلفين اختلاطاً تناسلياً.

(هـ) ولعله تعالى أيضاً قصد أن يجعلهم يخجلون من الخطية الشنيعة التى كانت الشعوب تعملها فى الفسق مع الحيوانات (ص18: 23) لأنه إن لم يسغ لهم أن يجعلوا بهيمة تجتمع مع بهيمة أخرى من غير جنسها فبالأولى الإنسان لايسوغ له أن يتنجس مع حيوان وهو من غير جنسه .

2- (وحقلك لاتزرع صنفين):

1- كان هذا أولاً لكى لايقعوا فى اعتقادات وخرافات بعض الشعوب الوثنية خصوصاً عبدة النار الذين كانوا يظنون أن زراعة عدة أنواع فى حقل واحد مما يسر آلهتهم. وكانوا يقرنون أعمالهم بعبادات وطقوس وثنية ويعتقدون بأمور خرافية أخرى تحيط بهذا العمل. والله بحكمته أراد أن يبعد عن شعبه كل أثر للوثنية .

2- ومن الناحية العملية فإن علماء الزراعة يقولون أن خلط أنواع من الزراعة فى قطعة واحدة من الأرض قد يربك الزارع نفسه لأن كل نوع له طريقة خاصة فى الزراعة وفى التلقيح وفى الرى وفى الحصاد. فضلاًعلى أن ذلك قد ينتج محاصيل أضعف. والنباتات باشتراكها فى امتصاص غذائها مع نباتات أخرى تمتص نفس التربة قد تنتج حبوب وثمارا تختلف فى الطعم وفى الصفات الأخرى التى للنباتات الأصلية. وإننا نلتمس هذه الحقيقة حتى فى الخضر التى تزرع فى الحقول على أثر حصد نباتات مختلفة. فالخضرة التى تزرع فى أرض كانت مزروعة بقصب السكر مثلاً تختلف فى الطعم عن المزروع فى تربة كانت مزروعة بالذرة وهكذا. وقد فهم علماء الكتاب أن المقصود من الآية نباتات الحبوب التى يأكلها الإنسان. أما الأشجار والنباتات التى كانت غذاء للحيوان. فكانوا يزرعون منها أصناف متنوعة فى الحقل.

3- إن الإسرائيليين كانوا مكلفين بتقديم باكوراتهم وترديد حزم من محاصيلهم أمام الرب. ومن المعروف أن الحبوب لاتنضج فى موعد واحد ولذلك فزراعتهم لعدة أنواع فى حقل واحد يبلبلهم ولا يمكنهم من أداء فريضة الرب كما يجب ولذلك يقول الوحى فى سفر التثنية (لاتزرع حقلك صنفين لئلا يتقدس الملء الزرع الذى تزرع ومحصول الحقل تث22: 9) أى حتى لاتكون المحاصيل التى زرعتها مقدسة ويكون عليك أن تقدم منها للرب. واختلاف مواعيد حصادها قد يعرضك للتقصير فى أداء حق الله من جميعها (ولايكن عليك ثوب مصنف من صنفين): كان الصنفان اللذان ينسج منهما النسيج وقتئذ هما الكتان والصوف (تث22: 11). ولعل حكمة الوحى من عدم مزج الشعب لهاتين المادتين فى ثيابهم تتضمن عدة أمور أيضاً:

1- لأن بعض الشعوب الوثنية كانت تفعل هذا وتعتقد بعملها اعتقادات وثنية وخرافية وسحرية وقد أنذر الرب على لسان صفنيا النبى قائلاً (إنى أعاقب الرؤساء وبنى الملك وجميع اللابسين لباساً غريباً صف1: 8) أى الملابس التى تلبسها شعوب وثنية بقصد التبرج وباعتقادها اعتقادات فاسدة .

2- وكان للكهنة أن يلبسوا مثل هذه الملابس فى غير أوقات الخدمة المقدسة لأنهم أبعد عن أن تعثرهم خرافات الوثنية. أما فى أوقات الخدمة كانوا يلبسون الكتان فقط ولا يلبسون ما يساعد على إفراز العرق مثل الصوف (خر44: 17-19،حز44: 17-19). ولذلك يرى يوسيفوس أن هذه الفريضة كانت خاصة بالعلمانيين فقط.

3- وخلط نوعين من الخيوط قد يشير روحياً إلى بلبلة الفكر وإلى عدم النقاوة وانقسام الإنسان على نفسه ولذلك ربما يقصد الوحى أن يعلمهم بساطة الإيمان ونقاوة الفكر والبساطة بوجه عام وعدم الاختلاط بما يشين حياتهم أو يخدش طهارتهم.

4- وهناك ناحية صحية يراها بعض العلماء أن الصوف بخلطه مع الكتان يزيد من مقدار الكهرباء المنبعثة من جسم الإنسان. وبخروج هذا القدر من جسم الإنسان مع مقابلة الجسم للجو الحار يجهد جسم الإنسان وقد يعرضه للحمى وقد يصاب جسده بالالتهابات وأمراض الحساسية .

فريضة تتعلق بالقداسة (ع20-22)

20- وإذا اضطجع رجل مع امرأة اضطجاع زرع وهى أمة مخطوبة لرجل ولم تفد فداء ولاأعطيت حريتها فليكن تأديب . لايقتلا لأنها لم تعتق .

1- إذا وقعت خطية الزنى بين رجل وبين أمة (جارية) مخطوبة ولم (تفد) أى لم يفدها خطيبها قبل الزواج بالمال ولم تعتق (تحرر). ففى هذه الحالة كانوا لايقتلون الرجل والمرأة. بل كانوا يحكمون بتأديبهما. والتأديب كان على أيدى القضاة. وكان فى الغالب بجلد الاثنين.

2- أما إذا كانت الفتاة المخطوبة من عامة الشعب أو أمة قد حررت فكان عقابها القتل رجماً بالحجارة (تث 22: 23..) .

3- ولقد تساهلت الشريعة قديماً فى أمر الرقيق بالنسبة لعدم استعداد الشعب الإسرائيلى استعداداً تاماً وعدم نضجهم الروحى الكامل بسبب اختلاطهم بالشعوب الوثنية فأعطى الرب الناموس القديم على يد موسى بما فيه من بعض التساهلات من بينها أمر الرقيق وجواز تطليق الزوجة وغيرها (لقساوة قلوبهم). أما فى عهد النعمة بعد أن تدربت البشرية على قبول شرائع الله. فقد أكمل الله لها ناموس الحياة الذى ارتقت به وسمت. ولذلك كانت المسيحية أساساً لإبطال تجارة الرقيق فى العالم كما أنها سمت أيضاً بسر الزواج المقدس. لأن الشريعة المسيحية حفظت للإنسان حقوقه وساوت بين طبقات البشر. ونرى تعليقاً مفصلاً عن موضوع الرق فى تفسير الأصحاح الخامس والعشرين.

21- ويأتى إلى الرب بذبيحة لإثمه إلى باب خيمة الاجتماع كبشاً ذبيحة إثم .

22- فيكفر عنه الكاهن بكبش الإثم أمام الرب من خطيته التى أخطأ فيصفح له عن خطيته التى أخطأ .

1- قضت الشريعة أن الشخص الذى يأثم إلى الرب يقدم ذبيحة إثمه كبشاً من الغنم فيكفر عنه الكاهن لكى ينال الصفح عن إثمه (ص5: 17-19) .

2- أما الأمة التى اشتركت مع الرجل فى هذا الذنب فقد أعفاها الله بحكمته من تقديم الذبيحة لأنها أمة مملوكة لسيدها ولاتملك ما تقدمه. وكان الله يصفح عنها نظير توبتها وإصلاح أمورها أمامه.

 بشأن الأشجار المثمرة (ع23-25)

23- ومتى دخلتم الأرض وغرستم كل شجرة للطعام تحسبون ثمرها غرلتها . ثلاث سنين تكون لكم غلفاء لايؤكل منها .

هذه الشريعة وضعت للعمل بها بعد دخولهم أرض كنعان ومثلها الكثير من الشرائع كما يظهر ذلك فى شرح (ص14: 33). والشريعة خاصة بالأشجار المثمرة التى يزرعونها هنالك. ولذلك فيستثنى منها الأشجار التى لاتثمر أثماراً للأكل. والتى كانت مزروعة بمعرفة شعوبها الأصلية قبل أن يدخلوا الأرض ويمتلكوها .

وتقضى هذه الشريعة ألا يأكلوا من ثمر الشجرة الجديدة لمدة ثلاث سنوات، وثمر السنة الرابعة كانت قدساً للرب. ولهم أن يأكلوا منها ابتداء من السنة الخامسة.

(تحسبون ثمرها غرلتها ثلاث سنين تكون لكم غلفاء لايؤكل منها):

(الغرلة) الغرلة عدم الختان. و (غرلتها) هنا بدل مطابق لكلمة (ثمرها) والمقصود ثمراً لثلاث سنين الأولى حيث لم يكن مباحاً لهم أن يأكلوا منه. وقد شبه عدم صلاحية الثمار للأكل بالغرلة لأن الختان يشار به إلى كمال الحياة. والشجرة فى خلال هذه الثلاث سنوات اعتبرت مجازاً (غلفاء لهم) أى غير مختتنة بمعنى أنه لايحق لهم أن يأكلوا منها. وكان ذلك لحكم إلهية أيضاً منها:

1- من الناحية الروحية كان كل بكر من الناس ومن البهائم يقدس للرب. حيث كان بكر الإنسان يفدى وبكر الحيوانات الطاهرة يذبح للرب وبكر الحيونات الغير طاهرة يفدى أو يستبدل أو يقتل (خر13). وكذلك كانت باكورات مزروعاتهم تقدس للرب. فباكورات محاصيلهم بعد دخولهم أرض كنعان. وباكورات محاصيل النباتات وثمار الأشجار سنوياً. وحتى باكورات صوف الغنم. والعشور من كل شئ كانت كلها تقدس للرب. كان يردد منها جزء أمام الرب وتوقد منها أجزاء على المذبح. والباقى للكهنة كما كانت العشور للاويين كما نرى ذلك فى مواضعه.

والذكور كانت تختن فى اليوم الثامن لتدخل فى عهد الرب. وبكر الإنسان كان يدفع عنه الفداء متى بلغ شهراً من عمره ليكون قد نضج إلى حد ما وقد أخذ اللاويون ليكونوا عوضاً عن أبكار الشعب (عد3). أما أبكار الحيوانات فكانت تقدم للرب بعد ولادتها بسبعة أيام أيضاً حتى تكون أمها قد تمتعت بها لوقت ما وتكون هى قد تمتعت بأمها. وتكون قد نضجت .

وثمار الأشجار فى السنين الأولى للشجرة الحديثة لاتكون كاملة الجودة والحلاوة فى الغالب. فكان لايليق أن تقدم باكورات الرب منها. وكان من اللائق أن تترك الثمار ثلاث سنوات حتى تثمر الأشجار بعد ذلك فإن بعض الشعوب الوثنية كانت تخصص ثمار السنين الأولى لآلهة الخصب عندهم استرضاء لها حتى تبارك الأرض ولاتتركها. والوحى الإلهى أراد أن يصون الشعب من هذه العادات الرديئة. فحرم عليهم أكل هذه الثمار أو استعمالها كما تستعملها هذه الشعوب.

2- ومن ناحية اقتصادية علمية فإن إراحة الأشجار الحديثة فترة وعدم إرهاقها يعطيها قوة ويضاعف من أثمارها. وبناء عليه فكان بنو إسرائيل فى خلال الثلاث السنوات الأولى يقطفون الأزهار قبل أن تثمر أو يقطفون الأثمار قبل أن تنضج ويدفنونها فى التربة حتى تسمد الأرض وتكسبها خصوبة. أو يحرقونها ويسمدون بها الأرض أيضاً حتى لايأكلها أحد ويخالف بذلك أمر الله ومن كل الوجوه نرى شريعة الله البناءة كانت نافعة للشعب روحياً ومادياً .

24- وفى السنة الرابعة يكون كل ثمرها قدساً لتمجيد الرب .

كانت ثمار السنة الرابعة تقدس للرب. ومعنى قوله (لتمجيد الرب) أى لشكره على نعمه والاعتراف بأن الخيرات جميعها منه ولتتميم ناموسه وشرائعه. فكان تقديم هذه الثمار عبادة للرب.

وكان بعضه كما ذكرنا يردد أمامه. والباقى يعطى للكهنة. وفى بعض الظروف كانوا يأكلون منه أمام بيت الرب بفرح وابتهاج.

25- وفى السنة الخامسة تأكلون ثمرها. لتزيد لكم غلتها. أنا الرب إلهكم.

كان لهم أن يأكلوا من ثمار الأشجار ابتداء من السنة الخامسة. (تزيد لكم غلتها): إذا نفذوا أمر الله فأراحوا الأشجار الثلاث سنوات الأولى. وأعطوا غلات السنة الرابعة للرب. يزيد الله لهم الغلات ويباركهم كمكافأة عن طاعتهم أولا وكنتيجة طبيعية للعمل بتوجيهاته الإلهية الحكيمة ثانياً.

(أنا الرب إلهكم) أنا الرب القدير الغنى الذى أستطيع أن أغنيكم وأكافئكم وأبارك لكم فى خيراتكم وحياتكم.

أحكام عامة (26-37)

26- لا تأكلوا بالدم. لاتتفاءلوا ولا تعيفوا.

(لاتأكلوا بالدم) تتضمن هذه الفريضة حسب ما رأى علماء اليهود:

1- عدم أكل لحم الحيوان بدمه كما تنص الشريعة.

2- عدم أكل لحم الحيوان المذبوح توا ودمه يختلج فيه أى مازال فيه أثر الحياة.

3- عدم أكل اللحم قبل أن يرش الدم على المذبح للتكفير.

4- عدم أكل اللحم الذى يذبح ويعد فى مأتم إنسان قطع من شعبه ونفذ فيه حكم الموت.

5- عدم أكل القضاة لحماً فى بيت حكموا فيه على إنسان بالموت.

6- عدم التشبه بالوثنيين الذين كانوا يأكلون الدم. وقد كان الصابئون والكثير من القبائل السامية يذبحون الحيوان أمام الوثن ويجعلون دمه فى إناء أو فى حفرة ويأكلون اللحم أمامه وأحيانا يغمسون اللحم فى الدم ويأكلونه كشركة بينهم وبين الآلهة التى كانوا يزعمون أنها تشرب الدم.

7- تحاشى حتى الشراهة فى الأكل لأنها أحيانا تقود إلى جريمة القتل ولذلك اعتبرها معلمو اليهود أكلاً بالدم.(لاتتفاءلوا. ولاتعيفوا)

(لاتتفاءلوا) حرم عليهم التفاؤل والتشاؤم. و(التفاؤل) أن ينتظر الإنسان خيراً إذا قابل أو شاهد أو صادف شخصاً أو شيئاً معينا. و(التشاؤم) أن ينتظر الإنسان شراً إذا صادف أيضاً شخصا أو شيئاً معينا. وبعض الناس يتفاءلون أو يتشاءمون إذا اختلجت العين اليمنى أو اليسرى أو إذا نعب غراب. أو صوتت بومة. أو إذا سقطت اللقمة من الفم أو صرخ طفل وراء أبيه وهو خارج من المنزل. وأحيانا يكون التفاؤل والتشاؤم بيوم معين من الأسبوع أو من الشهر أو بعدد معين وهكذا.

(لاتعيفوا) والعيافة فى الأصل زجر الطير كأن يرى غراباً مثلاً فيتطير (يتشاءم) به أو أن يهش الطيور لتطير ويلاحظ اتجاهها شرقا أو غربا أو شمالا أو جنوبا أو يرى أين تحط فيتشاءم أو يتفاءل.

والوحى يقصد من العيافة أيضاً جميع أعمال السحر وادعاء علم الغيب أو المستقبل أو تفسير الأحلام إلى غير ذلك.والتفاءول والتشاؤم والعيافة كلها أمور لاتليق بأولاد الله. لأنهم يسلمون حياتهم كلها ليد الله المعتنى بهم والمحافظ عليهم. ويثقون بأن الله له وحده علم الغيب ومعرفة الماضى والحاضر والمستقبل. ونحن فى حياتنا نتكل على الله من أعماق القلب. ونسلم حياتنا كلها لذلك الذى معه أمرنا (عب4: 13) عالمين أن (كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله رو8: 28).

27- لاتقصروا رؤوسكم مستديراً. ولاتفسد عارضيك.

(لاتقصروا رؤوسكم مستديرا): كان من عادات بعض الشعوب الوثنية أن يقص الرجال جميع الشعر حول الرأس ويبقوا الشعر فى شكل سطح مستدير فى وسط الرأس فقط.

وكانوا يفعلون هذا إرضاء لآلهتهم ولخرافات وثنية أخرى. والرب هنا ينهى بنى إسرائيل عن ممارسة هذه العادة الوثنية. يدل على ذلك أنه ندد بالشعوب الخاطئة حتى ببنى إسرائيل المختتنين وذكر أصحاب هذه العادة فى تنديده فقال مثلاً: (ها أيام تأتى يقول الرب وأعاقب كل مختون وأغلف مصر ويهوذا وأدوم وبنى عمون وموآب وكل مقصوصى الشعر مستديراً إر9: 25،26)، وقد ندد أيضاً بمثل هذا فى (إر25: 23)

(ولاتفسد عارضيك): العارضان هما جانبا اللحية. وكانت بعض الشعوب الوثنية أيضاً تقص الشعر الذى على جانبى اللحية ولا تبقى من شعر اللحية إلا الجزء الأسفل الذى يغطى الذقن. وقد نرى مثل هذه المناظر فى صور قدماء المصريين. وبعض الشعوب التى كانت تفعل هذا أيضا إرضاء للآلهة ولاعتقادات خرافية من بينها أنهم كانوا يحاولون أن يخفوا شخصياتهم عن أرواح الموتى التى قد تؤذى الناس. أو كعلامة لتعبدهم لإله خاص أو ما شابه ذلك.

والرب فى كل حال يريد أن ينزه شعبه عن كل ما يشابههم بالأمم أو يعثرهم. وقوله (لاتفسد عارضيك) أى لاتعبث بتخليصها من الشعر.

28- ولاتجرحوا أجسادكم لميت. وكتابة وسم لاتجعلوا فيكم. أنا الرب.

(ولا تجرحوا أجسادكم لميت) أو (لاتخمثوا أجساكم لميت): كان الناس أحيانا خصوصا فى الشعوب الوثنية يفرطون فى الحزن على الميت ويعملون أعمالاً رديئة كأن يدهنوا أجسادهم بصبغة سوداء أو زرقاء أو أن يمزقوا ثيابهم وأحيانا كانوا يجرحون أجسادهم.

وكانوا يفعلون هذا كعلامة لحزنهم وكنتيجة لعدم رجائهم وكتعبير عن شدة محبتهم للميت وكعلامة لمكانته فى قلوبهم. ولكن الرب يحذر شعبه من مثل هذه الأعمال المتطرفة. لأن المؤمنين يسلمون لله فى كل طرقهم ويستودعون أنفسهم وأنفس أحبائهم الراقدين فى يديه عالمين أنهم أحياء وأنهم سيتلاقون معهم فى المجد.

وفى العهود القديمة سلم أيوب للرب فى كل ما وقع عليه من بلايا ومن بينها فقد أولاده وبناته فقال (الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً  أى 1: 21). وفى عهد الناموس سلم داود عندما مات ابنه وقال (أنا ذاهب إليه وأما هو فلا يرجع إلي 2صم12: 23). وقد قال الوحى لدانيال عن حقيقة قيامة الموتى (وكثيرون من الراقدين فى تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار للإزدراء الأبدى والفاهمون يضيئون كضياء الجلد والذين ردوا كثيرون إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور دا12: 2،3)، وقال له الله أخيراً معزياً ومشجعاً (أما أنت فاذهب إلى النهاية فتستريح وتقوم لقرعتك فى نهاية الأيام ع13). وكان المكابيون يصلون من أجل موتاهم عالمين أنهم أحياء وواثقين بالقيامة (2مكا 12: 43-46).

وفى العهد الجديد يعلمنا الكتاب قائلاً: (ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة الراقدين لكى لاتحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضاً معه (1 تس4: 13،14).

(وكتابة وسم لاتجعلوا فيكم): (الوسم أو الوشم) هى علامات تجعل فى جسم الإنسان. وكان الوسم قديماً يعمل أحياناً بالكى بقطع من الحديد المحمى. ولكن الطريقة الشائعة كانت ولا تزال للآن بوخذ الجلد إلى عمق ما بمجموعة من الإبر ثم دهن الوشم بالسناج (الهباب) المخلوط بالماء ووضع بعض أوراق النباتات عليه، فيبقى الوشم فى الجلد بلون أخضر.

والرب ينهى شعبه عن عمل كتابة أو رسم لوشم فى أجسادهم لأن بعض الشعوب الوثنية كانت ترسم صور آلهتها الكاذبة كعلامة لحبهم أو تكريس أنفسهم لها. أو تيمناً بهذه الرسوم وطلبا لبركة هذه الآلهة الكاذبة.

29- لاتدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزنى الأرض وتمتلئ الأرض رزيلة.

كان بعض الرجال يعرضون بناتهم للزنى:

(أ) إما للفقر لكى يكسبوا من وراء ذلك الفعل الغير إنسانى مالاً.

(ب) وإما إكراماً للآلهة الكاذبة خصوصاً عشتروت آلهة القمر التى كان الفنيقيون وغيرهم يعبدونها. وقد كانت بعض الفتيات والنساء يقدمن أنفسهن للزنى ويعتبرون أنفسهن مقدسات للآلهة وعملهن النجس فضيلة تحبها الآلهة. وكانت المرأة التى تهب نفسها لهذا العمل الدنئ تدعى (قدشة) أى قديسة بمعنى مكرسة ومقدسة أو نذيرة للآلهة. وكان ما تجمعه من مال من عملها الشائن يقدم للآلهة. وكان نذرها لنفسها فى الغالب لمدة سنة.

والله هنا ينهى بنى إسرائيل عن هذه العادة النميمة مهما كان الغرض أو الدافع (لئلا تزنى الأرض وتمتلئ الأرض رذيلة) لأن هذا مما يشجع الناس على تقديم بناتهم لعمل النجاسة. ويشجع الرجال على السقوط فى هذه الخطية ويجعل الشعب يستهين بالقداسة وينجذب إلى عبادة الأوثان.

30- سبوتى تحفظون. ومقدسى تهابون. أنا الرب.

(سبوتى تحفظون): تأمر الوصية الرابعة بحفظ يوم السبت وتقديسه (خر20: 8-11) والرب هنا يأمرهم بحفظ سبوته. سواء أكان اليوم السابع من الأسبوع. أو المحافل التى كانت تعطل فيها الأعمال ويدعى كل محفل منها (سبتا) أى راحة مثل يوم الكفارة (لا16: 31،23: 32)، أو السنة السابعة (لا25: 2-3)، وسنة اليوبيل (ع10).(ومقدسى تهابون): (مقدسى) أى بيتى المقدس وكان من الواجب عليهم أن يهابوه ويوقروه. وكان عليهم ألا يدخلوا بيت الرب إلا وهم أطهاراً. وقد أمر الله بنيه أن يتقدسوا استعداداً لإقامة مذبح للرب فى بيت إيل (تك25: 2،3). وكان اليهود أيضاً لايدخلون بأدواتهم مثل أدوات النجارة وغيرها فى بيت الرب. ولا يدخلون وهم لابسون أحذيتهم أو حاملون العصا أو معهم كيس النقود وكانوا فى الغالب يخصصون ثوباً للدخول إلى بيت الرب. ولما استهان اليهود بكرامة الهيكل وكانوا يبيعون ويشترون فيه وبخهم المسيح وطردهم حيث يروى مرقس البشير أنه (ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون فى الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسى باعة الحمام ولم يدع أحداً يجتاز الهيكل بمتاع. وكان يعلم قائلا لهم أليس مكتوبا بيتى بيت صلاة يدعى لجميع الأمم وأنتم جعلتموه مغارة لصوص مر11: 15-17).ونحن المسيحيين علينا أن نقدس بيت الرب ونستعد للمثول فى حضرة العلى فى كنيسته المقدسة فنطهر أفكارنا. ونصطلح مع الذين أساءوا إلينا (مت5: 23-24) ونتطهر روحا وعقلا وجسدا وثياباً. ونقف فى بيته بمهابة واحترام عالمين أننا فى حضرة ملك الملوك ورب الأرباب متذكرين قول الكتاب (ببيتك تليق القداسة يا رب إلى طول الأيام مز93: 5). وما أجمل القول الذهبى الذى ينبه به الشماس الإكليروس وكل شعب الله وهم فى القداس الإلهى: (لنقف حسناً. لنقف بتقوى. لنقف باتصال. نقف بسلام. نقف بخوف الله ورعدة وخشوع).

(أنا الرب): أى أنا الرب أغار على (سبوتى) التى أعطيتها لكم لتكون راحة لكم ولعبيدكم وحتى لحيواناتكم، ورياضة روحية لأرواحكم لكى تتفرغوا فيها لعبادتى والتأمل فى أعمالى وعجائبى. وأغار على (بيتى) المقدس الذى أحل فيه بمجدى وأسكن فيه معكم.

31- لاتلتفتوا إلى الجان ولا تطلبوا التوابع فتتنجسوا بهم. أنا الرب إلهكم:

(الجان) اسم جمع للجن. ويرى البعض أن الجان عالم من المخلوقات الروحية الشريرة والمقصود بها الشياطين. و(التوابع) أرواح نجسة يظن البعض أنها تتبع بعض الناس وترافقهم فتضرهم وتشفيهم أحياناً تصاحبهم وتسعدهم وتعرفهم ببعض الأسرار. ويرجح أن (الجان) هم الأرواح الشريرة التى قد يتصل بها السحرة أو يحضرونها من وقت إلى آخر. و (التوابع) هى الأرواح الشريرة التى تصاحب الناس دائماً أو تكون بهم مثل الأرواح النجسة التى أخرجها المسيح من أناس كثيرين. ومثل روح العرافة التى أخرجها بولس الرسول (أع16: 16-18).

والرب فى قوله (لاتلتفتوا إلى الجان) أى لاتأبهوا بها أو تلجأوا إليها أو تقدروا عملها لأن الشيطان لايمكن أن ينفع البشر بل بالعكس يستعبدهم ويجتذبهم إلى طاعته والاتكال عليه. (ولا تطلبوا التوابع) أى لاتطلبوا مساعدة الشيطاين أو مشورتها. والنص الإلهى يقصد به البعد عن جميع أعمال السحر بكل صوره مثل استشارة الموتى ورصد النجوم ورؤية الحظ فى الكف أو الفنجال وتحضير الشياطين وما إلى ذلك. لأن كل هذه تصرف الإنسان عن عبادة الله والاتكال عليه وتجعله يطلب المعونة من الشيطان عدو الخير. وقد شدد الوحى الإلهى كثيراً فى التنبيه بهذا الخصوص فجاء مثلاً فى سفر التثنية (لايوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته فى النار ولا من يعرف عرافة ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر ولا من يرقى رقية ولا من يسأل جانا أو تابعة ولا من يستشير الموتى لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب تث18: 10-12) وجاء بسفر أشعياء (وإذا قالوا لكم اطلبوا إلى أصحاب التوابع والعرافين المشقشقين والهامسين ألا يسأل شعب إلهه أيسأل الموتى لأجل الأحياء؟ أش8: 9). ولا يقصد بسؤال الموتى هنا طلب صلوات القديسين وشفاعاتهم لأن قديسى العلى أحياء ونحن نتعامل معهم بروح المحبة والشركة المقدسة كأعضاء فى الكنيسة المنتصرة وفى جسد المسيح الواحد وكما نذكرهم فى صلواتنا نطلب إليهم أيضاً أن يصلوا لأجلنا كإخوة أحباء لنا، وإنما القصد من النص النهى عن الاعتماد على أعمال السحر الماجنة وعن تحضير أرواح الموتى بقصد استشارتهم والاتكال عليهم مما يضعف إيمان الناس بالله

عز وجل.

والمؤمن الذى فداه المسيح بدمه وأصبح ابنا لله لا يجوز له مطلقاً أن يتكل على ابليس وعلى أعمال الظلمة التى قال عنها الكتاب (ولا تشتركوا فى أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحرى وبخوها أف5: 11) والكنيسة المقدسة تنبه بنيها فى ممارسة سر المعمودية إلى وجوب إنكار كل أعمال الشيطان وحيله وخبائثه حيث يقولون فى طقس جحد الشيطان: (أجحدك أيها الشيطان وكل أعمالك النجسة وكل عبادتك المرذولة وكل حيلك الرديئة والمضلة…).

(أنا الرب إلهكم): أعتنى بكم. وأنا وحدى الملك عليكم فليس لكم أن تتبعوا الشيطان أو تتكلوا عليه أو تتطلبوا منه حاجاتكم أو تلجأوا إلى عمل ما من أعماله الشريرة.

32- من أمام الأشيب تقوم وتحترم وجه الشيخ. وتخشى إلهك. أنا الرب.

(من أمام الأشيب تقوم): وترجمت أيضاً (قم قدام الأشيب). والمقصود أن يقف المرء احتراما للإنسان المسن. ولا يجلس فى حضرته إلا إذا سمح له. وقد استثنى مفسرو اليهود من ذلك العمال الذين كانوا يعملون فى الحقول والصناع المنهمكين فى عملهم فكانوا يعفون من ترك عملهم بالوقوف لمن هم أكبر منهم سناً. ولكنهم بالطبع كانوا يحيونهم بالاحترام اللائق.

(وتحترم وجه الشيخ): أى تكرمه وتحسن لقياه بمجرد رؤيتك له.

(وتخشى إلهك): أى تخافه وتتقيه فى معاملة جميع الناس حتى إن كانوا شيوخا مسنين. وفى جميع أعماله أيضاً.(أنا الرب): الذى أعطيكم شرائع الكمال الروحى والأدبى وأعلمكم كيف تتعاملون مع جميع الناس. ومن الواجب أن تطيعونى وتخشونى فى كل طرقكم.

33- وإذا نزل عنك غريب فى أرضكم فلا تظلموه.

34- كالوطنى منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم. وتحبه  كنفسك. لأنكم كنتم غرباء فى أرض مصر. أنا الرب إلهكم.

أمر الرب فى مواضع متعددة بإكرام الغرباء والنزلاء مراعاة لحقوق الإنسان وحفظ الجوار وتحاشياً للتفرقة العنصرية والعداوة والبغضاء وحسما للنزاع والحرب. والمسيحية تنادى بالمساواة بين الناس لأن الله خالق الجميع، (وصنع من دم واحد كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض أع 17: 26). والكنيسة فى قداسها الإلهى العظيم تطلب بركة الله (من أجل الأرملة واليتيم والغريب والضيف).

والله تعالى يجعل شخصه المبارك مثالاً عظيماً فى العطف على الغرباء فيقول عن ذاته إنه (الصانع حق اليتيم والأرملة والمحب الغريب ليعطيه طعاما ولباسا تث10: 18).

وقد نهى الله الشعب عن التشبه بالشعوب الوثنية الغريبة فى عاداتها الوثنية لأنهم شعب مقدس للرب. لكنه فى نفس الوقت أمر بإكرام الغرباء ومعاملتهم بالمحبة. وكانت المعاملة الطيبة وسيلة لربح نفوس للرب. وآمن الكثيرون بيهوه العظيم ومجدوه ودخلوا الإيمان اليهودى. وكسب النفوس للإيمان لايكون بالعنف ولا بإساءة المعاملة. بل بالصلاة والتعليم والقدوة الصالحة والمحبة والمعاملة الحسنة. وفى هذا يقول الرسول بطرس (وأن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة لكى يكونوا فيما يفترون عليكم كفاعلى شر يمجدون الله فى يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التى يلاحظونها 1 بط 2: 12).

كان على المتغربين بينهم الذين يتهودون أن يشتركوا فى الأعمال الدينية مثل صوم يوم الكفارة (ص16: 29) ويقدموا الذبائح المفروضة (17: 8،9،22: 18) ولا يأكلوا الدم أو الميتة أو الفريسة (17: 10،15) ويعيشوا أطهاراً أنقياء (18: 26: 16-22) وأن يختتنوا ليكون لهم الحق فى الشركة فى الأمور المباركة كالأكل من الفصح (خر 12: 44،48) إلي غير ذلك.

والوحى فى النص الإلهى يبين عدة واجبات من نحو الغريب توضحها العبارات الآتية:

1- (وإذا نزل غريب فى أرضكم فلا تظلموه) أى لاتظلموه لا فى القضاء ولا فى المعاملة ولا فى الحقوق ولا بأى وجه من أوجه الظلم. ولا حتى تعيروه بكونه أممياً أو دخيلاً.

2- (كالوطنى معكم يكون لكم الغريب النازل عندكم) وهذا يعنى المساواة الكاملة بين الوطنى أى اليهودى الأصل وبين الغريب بينهم.

(لأنكم كنتم غرباء فى مصر) اختبرتم مرارة الغربة وذقتم مذلة العبودية ولمستم الظلم الذى عاملكم به فرعون فيجب عليكم أن تعطفوا على الغرباء. ولقد قال الوحى فى هذا (فإنكم عارفون نفس الغريب خر 23: 9) أى مشقته ومتاعبه وحالته النفسية المؤلمة.

(أنا الرب إلهكم) رب الجميع الذى يعتنى بالكل ويبالى بالكل، الذى يطالب بحق الضعيف المظلوم وينصفه من ظالميه وينتقم له منهم.

35- لاترتكبوا جورا فى القضاء. لا فى القياس ولا فى الوزن ولا فى الكيل.

1- يحثهم أولاً ألا يرتكبوا (جوراً) فى القضاء. والجور هو الظلم. بل يحكموا بالعدل وبدون محاباة.

2- ويجب أن يتجلى عدلهم ونزاهتهم لا فى الأحكام فقط بل حتى فى قياس الأراضى والقماش والوزن والكيل وفى كل مايبيعونه أو يشترونه بذلك يأخذ كل إنسان حقه سواء أكان بائعاً أو مشترياً. وكل من يهضم حق إنسان فى شئ من هذا يعتبر غشاشاً وسارقاً.

36- ميزان حق ووزنات حق وإيفة حق وهين حق تكون لكم. أنا الرب إلهكم الذى أخرجكم من أرض مصر.(ميزان حق ووزنات حق) يجب أن يكون (الميزان) نفسه مضبوطاً. و (الوزنات) أى الأوزان التى يوزن بها مضبوطة.(وإيفة حق وهين حق) الإيفة مكيال للحبوب ومقداره عشرة أعمار، وتسع الايفة تقريباً نحو 962, 22 من اللترات والهين مكيال للسوائل يسع نحو خمسة لترات تقريباً. وكل هذه المكاييل يجب أن تكون مضبوطة لا زيادة فيها ولا نقص.

وكان الغشاشون من التجار يحتفظون بمكاييل وموازين ومقاييس مغشوشة بعضها أكبر وبعضها أصغرمن مقاديرها المحددة لكى يستخدموا الكبير منها للشراء والصغير للبيع فحذرهم الوحى قائلاً (لايكن لك فى كيسك أوزان مختلفة كبيرة وصغيرة. لايكن لك فى بيتك مكاييل مختلفة كبيرة وصغيرة وزن صحيح وحق يكون لك. ومكيال صحيح وحق يكون لك لكى تطول أيامك على الأرض التى يعطيك الرب إلهك. لأن كل من عمل ذلك. كل من عمل غشاً مكروه لدى الرب إلهك تث25: 13-16).

ورغم أنه كانت توجد فى القدس نماذج صحيحة ومضبوطة للأوزان والمقاييس والمكاييل فإن بنى إسرائيل قد وقعوا مراراً فى الأمور التى حذرهم الله منها. فغشوا فى بيعهم وشرائهم غير مبالين بظلمهم للناس حتى وبخهم الرب على لسان عاموس النبى قائلاً: (اسمعوا هذا أيها المتهمون المساكين لكى تبيدوا بائس الأرض. قائلين متى يمضى رأس الشهر لنبيع قمحاً والسبت لنعرض حنطة. لنصغر الإيفة ونكبر الشاقل ونعوج موازين الغش …عا8: 4،5). وقال عنهم على لسان ميخا النبى: (أفى بيت الشرير بعد كنوز شر وإيفة ناقصة ملعونة؟ هل أتزكى مع موازين الشر ومع كيس معايير الغش؟ ص6: 10،11).(أنا الرب إلهكم الذى أخرجكم من أرض مصر): أى أنا الرب العادل الحق الذى لا أرضى بالغش ولا بظلم المساكين واستغلالهم. لأنى استخلص حقهم من أيدى التجار الجشعين الطامعين. وكما أخرجتكم من أرض مصر حيث كنتم مظلومين وكان حقكم مهضوماً بقدرتى وقوتى. فإنى أيضاً أطالب الظالمين والطامعين بكل ما أخذوه زوراً وبدون وجه حق. وأعوض المساكين والمظلومين عن حقوقهم المهضومة. وعن كل ما أخذ منهم عنوة أو غشاً أو ظلماً أو احتيالاً.

37- فتحفظون كل فرائضى وكل أحكامى وتعملونها. أنا الرب.

بهذا النص الإلهى يختم الأصحاح. والمقصود منه أنه إذا انتبه بنو إسرائيل إلى كلمة الله فعليهم أن يحفظوا جميع الفرائض والأحكام التى أوضحها لهم وأن يعملوا بها. لأن العبرة ليست فى أن يسمع الإنسان كلمة الله فقط. بل وأن يعيها ويحفظها ويعمل بها (لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون رو2: 13)

(أنا الرب): هذه هى المرة السادسة عشرة فى هذا الأصحاح التى تذكر فيها هذه العبارة المقدسة المملؤة بالحب والرهبة والحق والعمق. أنا الرب القدوس المحب الذى استحق منكم أن تطيعونى وتخضعوا لكلمتى وتحفظوا فرائضى المستقيمة وأحكامى الشافية والبناءة لحياتكم وتعملوا بها.

تأمـــــل

تذكر يا أخى الحبيب أن الرب فى كل مجال يسمعك هذه العبارة المقدسة: (أنا الرب)، إذا ما أسمعك كلامه المحى. أو عمل معك عملاً حسناً. أو أصابتك تجربة أو تأديب. إذا تصرفت أنت تصرفاً حسناً أو رديئاً. إذا أويت إلى فراشك أو قمت من نومك. إذا كنت تصلى وتعبد الله أو تعمل عملاً فى خدمته المقدسة. إذا تعاملت مع الناس أو كنت بينك وبين نفسك… إذا نطقت أو سكت أو فكرت أو تصرفت أى تصرف … ثق أنه يناديك ويقول لك: (أنا الرب).

أنا الرب القوى أساعدك فى ضعفك. أنا الرب المعتنى لاأتركك ولا أهملك. أنا الرب المعزى أعزيك فى حزنك. أنا الرب شافيك فى مرضك. أنا الرب القدوس لا أرضى بما تعمل من خطايا تتنافى مع القداسة. أنا الرب العادل الحق لا أرضى بما يخالجك من أعمال الظلم والغش والاحتيال والباطل.

أنا الرب الذى عملت معك الكثير: إذ خلقتك مما لم يكن. وحفظت روحك وعقلك وجسدك. وأظهرت حبى الفائق لك إذ اشتريت حياتك بموتى على عود الصليب.

أنا الرب … وهذه هى صفاتى. وتلك هى أعمالى من أجلك…فماذا أنت فاعل إزاء جلالى الذى لايوصف. وإزاء محبتى التى لاتقدر؟

Leave a Comment