تفسير سفر اللاويين – الأصحاح الثالث – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

ذبيحـــة الســلامة

كلمة تمهيدية

ذبيحة السلامة أو السلام كانت تقدم للشكر وفى ظروف الفرح و النجاح، شعبية أو  فردية، وفى الغالب كان يقدمها الإنسان لأجل خير  يرجوه أو شكرا أو ابتهاجا بخير ناله بالفعل. وكانت من بينها ذبائح النذور والنوافل. من أمثله ذبائح السلامة الشعبية الذبائح التى قدمها اليهود فى تنصيب شاول ملكا فى الجلجال (1صم15:11)، وأحيانا كانت أية أسرة ترتب لنفسها يوما أو أياما فى كل سنة تحتفل فيه بتقديم ذبائح السلامة(1صم20: 6).

وذبيحة السلامة قديمة العهد. ومن أمثلتها قبل الناموس الذبائح التى ذبحت فى العهد بين يعقوب ولابان (تك31: 54 ). وفى لقاء يثرون لموسي (خر 18: 12 ).وكانت الشعوب الوثنية مثل أشور وبابل وفارس وغيرها تقدم أيضاً  مثل هذه الذبائح  .لابد أنها نقلت هذا عن الآباء المؤمنين بالله وحفظتها بالتقليد. وقد قدم اليهود ذبائح سلامة أمام العجل الذهبى مقتدين بالشعوب الوثنية التى تذبح للأوثان  (خر6:32). وندد إشعياء النبي ببعض اليهود الذين قدموا ذبائح وأعدوا موائد للسعد الأكبر وللسعد الأصغر (كوكبى المشترى والزهرة ) (اش11:65).وظلت الشعوب فى عوائدها هذه حتى فى العهد الجديد ،  والرسول بولس يشير إلى موائد الشعوب الوثنية التى كانوا يأكلون فيها من ذبائحهم،  ويدعوها موائد للوثن وللشيطان(1كو10: 19-21).

وفى سفر اللاويين نري تفاصيل عن ذبائح السلامة فى هذا الأصحاح وفى الأصحاحات السابع والسابع عشر والثانى والعشرين والثالث والعشرين. ومنها نرى أن معظمها كان اختيارياً مثل ذبائح الشكر(11:7-15). والنذر والنافلة (ص7: 16 -21 ، 22: 21- 25)وما كان يقدم تطوعا فى المناسبات المختلفة،  وبعضها كان إجبارياً كذبيحة الملء التى      كانت تقدم فى سيامة الكهنة (خر29: 19 -28 )(لا 8: 22 – 32). وذبيحة السلامة التى كانت تقدم في عيد الخمسين ( لا 23: 19، 20 )، هذا فضلاً عن ذبائح السلامة التى كانوا يقدمونها تطوعا فى باقى الأعياد والمواسم (عد29 : 39). كان للرب وللكهنة ولمقربى الذبيحة أنصبة فى ذبائح السلامة فنصيب الرب فيها كان الشحم الذى يغشي الأعضاء الداخلية والكليتين وزيادة الكبد بالإضافة إلى الألية إذا كانت الذبيحة من الضأن. أما نصيب الكاهن فكان الصدر (صدر الترديد ) و الساق اليمني الأمامية ( ساق الرفيع).وباقى لحم الذبيحة كان يأكله مقدم الذبيحة مع أهله وأصدقائه والفقراء  الذين كان يدعوهم علي شرط أن يكون جميع الآكلين من الذبيحة أطهارا.

وقد كانت ذبائح السلامة تقدم من البقر أو الضأن أو المعز من الذكور أو الإناث ، بالإضافة إلى تقدمة طعامية وأخري شرابية  (لا 12:7-14، عد 15: 3 – 12) ولم تقدم الطيور كذبائح سلامة، ربما لضآلة الشحم فيها من جهة، وربما لصغرها وعدم مناسبتها للتقسيم من جهة أخرى .

ولهذا فإن ذبيحة السلامة تشير روحيا إلى الفرح الروحى وشكر النفس المؤمنة لله الذى تعتبره مصدر جميع خيرها الذى تسلمته والتى تنتظر أن تتسلمه أيضا،  وهى أيضاً رمز المصالحة مع الله ورمز السلام بين الله والإنسان،  وبين الإنسان وأخيه الإنسان،  كما أنها شركة مقدسة بين الله وبين عبيده من الكهنة ومن الشعب،  لأن جميعهم يشتركون فى وليمة مقدسة واحدة. وهذه الوليمة لها معنى مزدوج،  لأنها تعنى أولا أن مقدمى الذبيحة يدعون الله إلى مائدتهم. وهو تعالى يتنازل ويقبل منهم نصيبا من ذبيحتهم وكأنه يأكل على مائدتهم. وهى تعنى بنوع أقوى أن الله هو المضيف ويدعو الكهنة وأصحاب الذبيحة ليكونوا ضيوفا عنده. لأن الذبيحة إذ تقدم تكون فى الأصل ملكا لله. لأنها إنما تقدم تكفيرا عن زلات الإنسان وإقرارا بفضله وجميله. والله لكرمه يأخذ من هذه الذبيحة ويعطى عبيده الذين يدعوهم إلى مائدته أنصبة سخية منها. يوضح هذا المعنى فى العهد القديم قول داود النبى “ترتب قدامى مائدة تجاه مضايقى” (مز23: 5) وقال إشعياء “ويصنع رب الجنود لجميع الشعوب فى الجبل وليمة سمائن” (اش25: 6)،  ويوضحه فى العهد الجديد مثل الملك الذى صنع وليمة فى عرس ابنه وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين ويقولوا لهم “هوذا غذائى أعددته. ثيرانى ومسمناتى قد ذبحت وكل شئ معد”(مت22: 1-4).ومثل الرجل الذى صنع عشاء عظيم ودعا إليه الكثيرين (لو 14 : 15 – 24)ومثل الابن الضال حيث أمر الأب أن يذبح العجل المسمن ليأكل الجميع ويفرحوا برجوع ابنه (لو 15: 23 ).

وعندما كان الشعب فى البرية كان الذبح العادى فى الغالب مقترنا بالعمل الديني لأنه كان عليهم أن يذبحوا أمام خيمة الاجتماع لتكون الحيوانات التى يذبحوها فى استعمالهم اليومى ذبائح سلامة. وكان قصد الرب من ذلك أن يقيمهم من التعرض للذبح للشيطان وللأوثان كالأمم. وفيما بعد لما استقروا فى كنعان وتوزعت الأسباط فى أماكنها كان لهم أن يذبحوا فى أماكنهم (تث12: 15).

Leave a Comment