تفسير سفر اللاويين – الأصحاح الثالث والعشرون – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

– وكلم الرب موسى قائلاً.

2- كلم بنى إسرائيل وقل لهم: مواسم الرب التى فيها تنادون محافل مقدسة هذه هى مواسمى.

هذا إعلان عام عن مواسم الرب. و (المواسم) أوقات معينة محددة، والأعياد المقدسة هنا دعيت مواسم لأن الرب عين مواعيدها ليعيد الشعب فيها.

(التى يتكلم هذا الأصحاح عن الأعياد المقدسة. والأعياد بصفة عامة هى مواسم يحتفل بها الناس تذكاراً لحادث تاريخى أو أمرا ما له مكانته فى نفوسهم. بعض الأعياد ترتب لأجل أمور طبيعية كالاحتفال بحلول فصل الربيع مثلاً فى عيد شم النسيم. وكالاحتفال بمناسبة فيضان النيل فى عيد وفاء النيل. وبعضها ترتب لأجل نجاح فى عمل سياسى كعيد استقلال شعب ما أو عيد انتصاره وهكذا. وقد يعيد شعب ما لمولد أو لجلوس حاكمهم أو زعيم لهم.

والأعياد الدينية لها أهمية كبرى فى كل ديانات العالم. والأعياد فى العهد القديم رتب بعضها تذكاراً لحوادث تاريخية كعيد الفصح الذى كان يذكرهم بنجاة أبكارهم من الموت وخرجهم من مصر وخلاصهم من العبودية. وبعضها رتب لأجل أمور طبيعية تذكاراً لإحسانات الله على بنى الإنسان كأعياد الباكورة والحصاد والجمع. لكى يتذكر الشعب عمل الله فى الطبيعة إذ خلق الشمس والقمر والنجوم وجعلها لآيات وأوقات وأيام وسنين (تك1: 14). والذى يعطى عبيده المطر المبكر والمتأخر (يع5: 7).وحتى الشعوب الوثنية لها أعياد دينية. لأن الأعياد مبنية على مشاعر الإنسان وطبيعته.

والكنيسة المسيحية لها أعيادها المقدسة رتبت بعضها لنذكر بها عمل الله وإحساناته وبركاته التى شملت جميع البشر. ورتبت البعض لنذكر أبطال الإيمان فى العهدين كالسيدة العذراء مريم البتول والأنبياء والرسل والشهداء والنساك والسواح لنتذكر جهادهم وننهج على منوالهم ونطلب صلواتهم لأجل إخوتهم الذين لايزالون فى الكنيسة المجاهدة. وبعضها رتب تكريماً للملائكة والكائنات الروحية الذين يخدمون العلى لكى تعرض الكنيسة على المؤمنين أعمالهم ونقاوتهم وتطلب مساعدتهم وشفاعاتهم وبركاتهم.

ويمكننا أن نتأمل فى المسائل الآتية المتعلقة بالأعياد فى كنيسة العهد القديم

أولاً: الأعياد فى الأسفار الخمسة

نبه الله شعبه مراراً كثيرة بشأن الأعياد على يد نبيه موسى خلال الأسفار الخمسة  فسفر الخروج مثلاً يذكر معظم الأعياد مثل يوم السبت (ص20: 8-11). والفصح والفطير (ص12،13) ويذكر الخمسين والمظال (ص23: 16).وسفر العدد يذكر الأعياد أيضاً ويفصل الذبائح والقرابين التى تقدم فى كل عيد (ص28،29)، كما يذكرها أيضاً سفر التثنية (ص16).

وفى هذا الأصحاح من سفر اللاويين يذكر الرب معظم الأعياد كما نرى ذلك فى شرح العدد الثانى من الأصحاح، وقد ذكر عيد الكفارة فى الأصحاح السادس عشر.

ودعيت الأعياد أيضاً (مواسم للرب ع2). ومعظمها دعى محافل مقدسة (ع2،3،4) وسنرى ذلك فى مواضعه أيضاً.

ثانياً: أنواع الأعياد بالنسبة لوضعها

يمكننا أن نقسم الأعياد من هذه الناحية إلى نوعين:

(النوع الأول): الأعياد المرتبة من الله رأساً وهى الأعياد المذكورة فى الأسفار الخمسة.

(والنوع الثانى): الأعياد المرتبة من قبل شعب الله وأبطاله بإرشاد من الله أيضاً وكان لها شأن روحى وتاريخى مثل:

1- أعياد خاصة ببناء الهيكل أو تجديده وهى أربعة:

( أ ) عيد تدشين هيكل سليمان فى الشهر السابع ويدعى (شهر ايثاينم أو تشرين) (امل 8: 2)

(ب) تذكار ترميم الهيكل على يد زربابل فى الشهر الثانى عشر (آذار) (عز6: 15).

(جـ) عيد التجديد الذى رتبه يهوذا المكابى تذكاراً لانتصارهم العظيم على جيوش أنطبوخدس أبيفانيس وتطهير الهيكل وترميمه. وقد دعى أيضاً (عيد المصابيح) حيث كانت تضاء به مصابيح كثيرة وتوزع الصدقات بوفرة على الفقراء. ومدته ثمانية أيام تبدأ من اليوم الخامس والعشرين من الشهر التاسع (كسلو) (امكا4: 59). وهذا العيد هو المذكور فى (يو10: 22).

(د) عيد تذكار تكريس هيكل هيرودس الكبير (يو2: 20).

2- يوما الفوريم (القرعة) اللذان رتبهما استير الملكة ومردخاى تذكاراً لانتصار الشعب على أعدائه وعلى مؤامرة هامان، فى الرابع عشر والخامس عشر من الشهر الثانى عشر (آذار) (اس9: 29-32). وقد دعى أيضاً (عيد مردخاى).

3- اليوم الذى رتب تذكاراً لمراحم الله إذ ساعد يهوديت على قتل اليغانا القائد الوثنى ورفع الحصار عن شعب الله (يهوديت16: 31).

4- عيد ظهور النار المقدسة فى عهد نحميا (2مكا1: 18).

5- تذكار نصرته على نكانور القائد على يد يهوذا المكابى فى يوم السادس عشر من الشهر الثانى عشر (آذار ) (امكا7: 48،49),

ثالثاً: الأعياد بالنسبة لدورات الاحتفال بها

وتنقسم من هذه الناحية إلى أربع مجموعات :

(المجموعة الأولى): أعياد أسبوعية يحتفل بها كل أسبوع. وهى عيد واحد هو يوم السبت

(خر20: 8-11)

(المجموعة الثانية): أعياد شهرية يحتفل بها فى كل شهر وهى رؤوس الشهور وقد دعيت أيضاً الأهلة لأنهم كانوا يعيدونها عند ظهور الهلال فى بدء كل شهر (عد10: 10،28: 11-15).

(المجموعة الثالثة): أعياد سنوية يحتفل بها دورياً فى كل سنة وهى الأعياد الآتية:

( أ ) أعياد الشهر الأول من السنة الدينية وهى الفصح (خر12) والفطير (خر13).

(ب) أعياد الشهر الثالث وهى عيد الخمسين أو عيد الأسابيع (خر 23: 16).

(ج) أعياد الشهر السابع وهى عيد الأبواق أو الهتاف فى أول الشهر (لا23: 23،249) وعيد الكفارة فى اليوم العاشر منه (ص16) وعيد المظال الذى يبدأ من اليوم الخامس عشر (لا23: 33-36).

(د) عيد التجديد فى الشهر التاسع ومدته ثمانية أيام ابتداء من اليوم الخامس والعشرين (1مكا4: 54).

(هـ) عيد الفوريم (القرعة) فى الشهر الثانى عشر (آذار) وهو يومان فى اليومين الرابع عشر والخامس عشر من الشهر كما مر بنا.

(و) يلحق بهذه الأعياد أيضاً عيد انتصار يهوديت وأعياد تدشين الهيكل كما رأينا .

(المجموعة الرابعة): أعياد دورية طويلة المدة وتتضمن:

(أ) السنة السابعة (خر23: 10،11،لا25: 1-7).

(ب) سنة اليوبيل الذى كان يحتفل به كل خمسين سنة أى بعد مرور كل سبعة أسابيع سنين (لا25: 8-22).

رابعاً: الأعياد الموسوية بالنسبة لبدء العمل بها

1- أعياد أمر الله البدء فى الاحتفال بها بمجرد أن أعطاهم شريعته وهى حفظ السبت. والفصح والفطير والهتاف والكفارة.

2- وأعياد أمرهم بالاحتفال بها بعد دخولهم أرض كنعان وزراعتهم للأرض وهى عيد الباكورة وعيد الخمسين وعيد المظال.

خامساً: الأعياد بالنسبة لمكانة الاحتفال بها

1- كان السبت هو العيد الأسبوعى الذى يقدسونه للرب. كانوا يعيدونه فى بيوتهم

2- وقد أمر الرب أن يحضر أمامه أى عند بيت المقدس كل الذكور ثلاث مرات فى السنة. فى عيد الفصح. فى عيد الخمسين. فى عيد المظال (خر23: 14-17). وكان حضور الذكور يمثل الشعب كله لأنهم نواب عنهم .وكان النساء يحضرن أيضاً إذا رغبن.

ومن المعروف أن عيد الفطير مرتبط بعيد الفصح وترديد حزمة الباكورة كان فى فترة عيد الفصح والفطير أيضاً كما كانت أعياد الشهر السابع قريبة من بعضها وكان معظم الشعب يحضرونها عند بيت الرب ومن هذا نرى أنهم كانوا يحضرون إلى المكان المقدس الذى فى بيته معظم أيام السنة.

ومع هذا الاحتفال بالأعياد كلها كان يقتضى تقديم ذبائح وتقدمات للرب فى بيته المقدس.

سادسا : قدسية الأعياد وروحانيتها

كانت الأعياد مقدسة ولها مكانتها السامية فى قلوب الشعب. لأنها دعيت (مواسم الرب) و(محافل مقدسة). وقد كانت معظم الأعياد تحمل معنى مزدوجا. أحد جانبيه روحى والآخر رمزى.

(أ) فالجانب الروحى أنها كانت تذكر الشعب بحوادث تاريخية هامة تتجلى فيها محبة الله وعنايته ورعايته لشعبه وقوته وقدرته على كل شى. وأحياناً كانت تذكره بإحساناته إليهم وبركته الفياضة فى زرعهم وحصادهم وكل ما تمتد إليه أيديهم. وكانت الأعياد تساعد الشعب على أن يحفظوا كل هذه الذكريات والمعانى. لتظل حية فى قلوبهم وفى حياتهم.

ولذلك كانوا يقضون الأعياد فى عبادة حيث يزداد قربهم من الله. ويتضاعف حماسهم ونشاطهم الروحيان ولذلك أمرهم الرب أن يقدموا وقوداً (قرابين) لكل عيد (عد28،29)، ومهما طالت أيام العيد كان لكل يوم قرابينه. ومع تعدد قرابين الأعياد ووفرتها. كانوا لاينسون أن يقدموا بالإضافة إليها القرابين اليومية وقرابين السبوت أيضاً. والأعياد كانت محافل مقدسة يجتمع فيها المؤمنون معاً ليفرحوا أمام الرب ويعبدوه بنفس واحدة. وبعض الأعياد كان يتخللها اعتكافات مقدسة يتفرغ فيها المؤمنون للتأمل الروحى وعبادة الرب أيضاً.

وزيادة على قرابين العيد كان الشعب يقدم أيضاً قرابين وتقدمات تطوعية. وقد قال لهم الله فى هذا الشأن (ولا يحضروا أمام الرب فارغين تث16: 16)، وكانوا يقدمون أيضاً صدقات وعطايا سخية. لكى يشترك فى أفراح العيد وبركاته اللاويون خدام الله والفقير واليتيم والغريب والضيف والأرملة. ويكون الفرح بالعيد كاملاً وشاملاً.

ومما هو جدير بالذكر أن كل الأعياد كانت مواسم بهجة وفرح (ع40، عد10: 10، تث16: 9-11،13-14 عز6: 19-22.اس9: 22،1مكا4: 59…الخ) فيما عدا عيد الكفارة الذى كان يوم تذلل وحزن على الخطايا التى قدموا عنها كفارتهم. ولكن كل من الفرح الروحى والحزن الذى بحسب مشيئة الله كان يقربهم أيضاً إلى الله ويزكى فيهم روح محبته والإيمان به. وكان الفرح بالأعياد لجميع الشعب على اختلاف ظروف الناس وطبقاتهم. حتى للحزانى والمجربين والمتألمين لأن الأعياد للرب. وجميع أفراد الشعب المختلفين بالأعياد كانوا يجدون عزاءهم فى الرب.

(ب) أما الجانب الرمزى فإن معظم الأعياد كانت تشير أيضاً إلى المسيح المبارك الذى كانت تنتظره كل نفس، وإلى عهد النعمة الذى أسسه لخير البشر. كما سنرى ذلك فى تأملنا فى كل عيد.

(جـ) وكان للأعياد جانبها الطقسى. يظهر فى ترتيب تقديم القرابين وفى خطوات العبادة. وكل ناحية من نواحى الطقس كانت تجمل معانى روحية رائعة ونافعة. فخروف الفصح وذبائح العيد والسكنى فى المظال. والمزامير التى كانت تردد. وحمل سعف النخيل وما إلى ذلك كانت كلها تترك آثاراً روحية مقدسة فى نفوس المؤمنين.

وهكذا الأعياد فى كلا العهدين لها الكثير من المعانى ولها قدسيتها وروحانياتها وآثارها العظيمة وجلالها. وهكذا يجب أن يعيد المؤمنون فى كنيسة الله أعيادهم للرب. لكى تكون أعياداً مقدسة وفرصاً مباركة تذكرهم بمحبة الله ومراحمه. وتزكى فيهم روح الإيمان والشكر والعبادة والتسبيح.

التفسير

التنبيه بحفظ مواسم الرب (ع1-2)

1فيها تنادون محافل مقدسة) (ينادون) فيها أى يعلنون عنها. وكان الكهنة يعلنون عن الأعياد بالنفخ فى الأبواق الفضية (عد10: 2،10) فيما عدا عيد الكفارة وعيد الهتاف فكانوا ينفخون فى أبواق مصنوعة من قرون الكباش.

و(المحافل) اجتماعات قد تكون سياسية مدنية (أع19: 32-41). وقد تكون روحية. واجتماع الملائكة دعى (محفل الملائكة عب13: 22). والمواسم التى أعلن عنها الوحى فى هذا الأصحاح دعاها الوحى (محافل مقدسة) حيث يجتمع فيها الشعب مع الله ويعبدونه بالروح والحق.

(هذه هى مواسمى) أى أن المواسم التى أذكرها لكم فيما يلى. ويجب أن تعلنوها للشعب هى أعيادى التى أغار على حفظها وقد رتبتها لكم لخيركم الروحى.

السبت (ع3)

3- ستة أيام يعمل عمل وأما اليوم السابع ففيه سبت عطلة محفل مقدس. عملا ما لاتعملوا. إنه سبت للرب فى جميع مساكنكم.

السبت هو أول الأعياد المقدسة وأقدمها. لأن الله إذ خلق العالم فى ستة أيام. استراح فى اليوم السابع وباركه (تك2: 2-3). وقد نبه الرب شعبه مراراً كثيرة فى الأسفار الخمسة ليحفظوا السبت (خر16: 29،20: 8،عد15: 32،تث5: 12…الخ) وتنص الوصية الرابعة (أذكر يوم السبت لتقدسه خر20: 8) ومعنى السبت (راحة).

وقد مر الحديث عن يوم السبت فى شرح هذه الوصية فى سفر الخروج ورأينا أن السبت قد استبدل بالأحد فى العهد الجديد وقد عرفنا فى نفس الموضوع من سفر الخروج بعض الاعتبارات لإحلال يوم الأحد مكان السبت. ونضيف أن اليوم الثامن الذى أحيط بالاهتمام فى بعض الحالات فى الأسفار الخمسة قد ينبه أفكار المؤمنين إلى أهمية يوم الأحد فى عهد النعمة. ونرى تفصيلاً لهذا فى شرح (خر20: 11، لا12: 3).

(عملا ما لاتعملوا): هذه العبارة ذكرت فقط فى شريعة السبت وفى شريعة يوم الكفارة (ع28،ص16: 29-31)، ومعناها ألا يعملوا أى عملا هاماً كان أو غير هام فى هذين اليومين. وكان لا يجوز أن يشعلوا ناراً فى مساكنهم فى يوم السبت (خر35: 3) ولايخرجوا من أماكنهم إلا إلى مسافة محدودة دعيت سفر سبت (أع1: 42) على أنه كان مصرحاً لهم بالقيام بالخدمة الضرورية لحياة مواشيهم (مت11: 12،13،لو13: 15). ولأن السبت ويوم الكفارة كانا يومى عطلة كاملة فقد دعاهما الكتاب (عطلة أو سبتاً أو سبت عطلة).

أما فى شريعة الأعياد الأخرى فقد جاءت العبارة: (عملا ما من الشغل لاتعملوا) أو (كل عمل شغل لاتعملوا) (ع8،21،25،35،36). وقد جاءت بالترجمة اليسوعية: (عمل خدمة لاتعملوا) والمقصود بذلك أن يكفوا فقط عن أشغالهم اليومية سواء الأعمال الوظيفية أو المهنية أو الحرف مثل أعمال الزراعة أو التجارة أو الصناعة أو غيرها وسواء أكانت أعمالاً يتحصلون منها على رزقهم ويتعيشون منها أو هوايات. أما الأعمال الإضافية والثانوية اللازمة مثل ذبح الذبائح وإعدادها وأعمال العجن والخبز وغيرها فكان مصرحاً لهم القيام بها.

ومن جهة إعداد الطعام فى يوم السبت فبعض المفسرين يرون أنه لم يكن مصرحاً لهم به وذلك بناء على أمر الرب لهم ألا يوقدوا ناراً فى مساكنهم (خر35: 3). وعلى أمره لهم فى شأن المن أن يطبخوا ويخبزوا منه ما يشاءون فى يوم الجمعة ويحفظوا الباقى ليوم السبت (خر16: 23).

والبعض يرون أنه كان مصرحاً لهم إعداد طعامهم أسوة باليومين الأول والسابع من عيد الفطير اللذين كانا محفلين مقدسين (خر12: 16) وأن النار كانت تعد فى يوم الجمعة لأنها تستغرق وقتاً ومجهوداً وشغلاً. وأن الحديث عن خبز المن أو طبخه فكان المقصود منه ما يلزمهم فى يوم الجمعة. والباقى الذى كانوا يحفظونه كان لهم أيضاً أن يطبخوه أو يخبزوه أو يأكلوه نيئاً فى يوم السبت، والرأى الأول أرجح.

ومن المعروف أن عقاب الشخص الذى يكسر السبت كان الرجم بالحجارة (عد15: 32-36).

ونحن فى عهد النعمة يجب علينا أن نقدس يوم الرب. ونتفرغ من أعمالنا بقدر استطاعتنا وبحسب ضميرنا الحى. لنصرفه فى عبادة الرب وفى التأمل الروحى فى أعماله من أجلنا ومعنا. وفى عمل الخير وافتقاد الإخوة. وكل ما نستطيع عمله من ضروريات الحياة قبل يوم الأحد أو بعده فلنعمله لكى نتفرغ بقدر الإمكان من العمل فى يوم الرب.

وقد أمر الله الشعب أن يقدسوا السبت لأن الرب استراح فيه من أعماله (تك2: 2،3) ولكى يستريحوا فيه من أعمالهم مع بنيهم وبناتهم وعبيدهم وإمائهم وبهائمهم (خر23: 12)، ويتذكروا بذلك راحتهم بخروجهم من مصر (تث5: 15)، وقد صار السبت عهداً بينهم وبين الله (تث5: 2) وعلامة تميزهم عن الشعوب الأخرى.

والسبت رمز إلى راحة الفداء الذى نلناه فى عهد النعمة بموت المسيح وقيامته من الأموات وبالتالى فهو رمز إلى الراحة الأبدية فى ملكوت السموات.

إعلان عن الأعياد السبعة (ع4)

4- هذه مواسم الرب المحافل المقدسة التى تنادون بها فى أوقاتها.

أعلن الرب عن مواسمه (أعياده) المقدسة فى العدد الثانى. وقد ذكر يوم السبت على حده فى العدد الثالث بالنسبة لأنه معروف لدى اليهود. ومقدس منذ خلق الله الخليقة واستراح فى اليوم السابع. وبالنسبة لأنه يتكرر أسبوعياً. وكان يعتبر أقدس أعيادهم وأساسها. وفى هذا العدد يعلن عن الأعياد السنوية السبعة التى سنتها شريعة موسى. وأمرهم أن (ينادوا بها فى أوقاتها) أى يعلنوا عنها بالتعليم وبالنفخ فى الأبواق فى أوقاتها التى عينها الرب.وفى هذا الأصحاح بيان بهذه المواسم المقدسة وهى:

1- الفصح (ع5).

2- والفطير (ع6-8).

3- عيد الباكورة (ع9-14).

4- عيد الخمسين (ع15-22).

5- عيد الهتاف (ع23-25).

6- عيد الكفارة (ع26-32).

7- ثم عيد المظال (ع33-36).

عيد الفصح (ع5)

5- فى الشهر الأول فى الرابع عشر من الشهور بين العشاءين فصح للرب.

1- الحديث فى هذا العدد عن (عيد الفصح) وهو أول الأعياد السنوية السبعة عند بنى إسرائيل. وقد مر الكلام بالتفصيل عن هذا العيد فى شرح الأصحاح الثانى عشر من سفر الخروج (ع1-14). كما ذكرت تفصيلات عن الطقوس المتعلقة بالعيد فى سفر العدد (ص28) وذكر أيضاً العيد فى سفر التثنية (ص16: 6) وفى مواضع أخرى من الأسفار الخمسة.

2- و (الفصح) فى العبرية (بيسح) وفى اليونانية والقبطية (بصخة) ومعناه العبور. لأن الفصح تذكاراً لعبور الملاك المهلك عن بيوت العبرانيين الذين وضعوا دم شاة الفصح علامة على بيوتهم، ونجاة أبكارهم من الموت. أما المصريون الذين لم يجعلوا الدم علامة على بيوتهم فقد قتل أبكارهم وأبكار بهائمهم. وبالتالى فقد كان الفصح أيضاً تذكاراً لخروج الشعب العبرانى من مصر وخلاصهم من العبودية.

3- كان العيد فى اليوم الرابع عشر من شهر (أبيب) الذى دعى بعد السبى (نيسان) ويقع فى شهر مارس أو ابريل. وهو الشهر الأول من سنتهم الدينية والسابع من سنتهم المدنية. وكان خروف الفصح يذبح (بين العشاءين) أو العشية (خر12: 6). والمقصود بقوله (بين العشاءين) إما المدة المحصورة بين الساعة التاسعة (الثالثة بعد الظهر) والمغرب (الساعة الحادية عشر) المقابلة للساعة الخامسة مساءً بتوقيتنا أو المدة المحصورة بين الساعة التاسعة وحلول الظلمة على الأرض فعلاً. ولعل التوقيت الأول أرجح.

4- والفصح له معان روحية ورمزية عظيمة:

( أ ) فخروف الفصح المذبوح الذى كان فيه الفداء لأبكار الإسرائيليين رمز كامل عن الرب يسوع المسيح الذى ذبح عن حياة العالم. وفى ذبحه فداء وخلاص كاملان ولذلك يقول الوحى الإلهى (لأن فصحنا أيضاً المسيح ذبح لأجلنا 1كو5: 7).

(ب) وكان على اليهود أن يضعوا دم شاة الفصح على أبوابهم بناء على أمر الرب كعلامة على إيمانهم بكلامه وبصدق مواعيده وطاعتهم له. وفى نفس الوقت أن يأكلوا من الشاة المذبوحة. وعلى هذا القياس فالمؤمنون فى العهد الجديد عليهم.

(أولاً) أن يؤمنوا بالرب يسوع المذبوح ويقبلوه مخلصاً وفادياً ويثقوا فى فاعلية دمه المقدس ويخضعوا لكلمته المحيية ويطيعوه ويثقوا فى جميع مواعيده.

(ثانياً) وفى نفس الوقت عليهم أن يأكلوه ليفتدوا به وينموا فى النعمة. يأكلوه روحياً بقبوله فى حياتهم واتحادهم بشخصه المبارك. ويأكلوه فعلياً بالتناول من جسده المقدس ودمه الكريم اللذين يقدمهما للمؤمنين فى سر الشركة المقدس وقد مر الكلام بالتفصيل عن النواحى الروحية والرمزية للفصح فى تفسير الأصحاح الثانى عشر من سفر الخروج.

عيد الفطير (ع6-8)

6- وفى اليوم الخامس عشر من هذا الشهر عيد الفطير للرب. سبعة أيام تأكلوا فطيراً.

1- يرتبط عيد الفطير بعيد الفصح. لأن عيد الفصح فى اليوم الرابع عشر من أبيب وعيد الفطير يبدأ من اليوم الخامس عشر ويستمر سبعة أيام إلى اليوم الحادى والعشرين. وقد كانوا يعتبران عيدين مستقلين وفيما بعد اعتبرا عيداً واحداً لارتباطهما معاً. وقد كان اليوم الأول واليوم السابع محفلين مقدسين كما سنرى. وقد سبق الرب فأمرهم بالاحتفال فى هذا العيد فى (خر 12،13).

2- كان أكلهم الفطير وهو الخبز الغير مختمر. يذكرهم بخروجهم بعجلة من أرض مصر بعدما ضرب الرب أبكار المصريين (خر12)، كما دعى الفطير أيضاً (خبز المشقة تث 16: 3) لأنه لكونه خبزاً غير مستساغ فى الطعام. وغير صحى تماماً لصعوبة هضمه. يذكرهم بالمشقة ومرارة النفس اللتين قاسوهما فى مصر.

3- ومن ناحية روحية فإن الخميرة كان يشار بها اصطلاحاً إلى الشر والفساد اللذين يدخلان حياة الإنسان فيشوهانها. وقد أمر الرب شعبه أن يأكلوا فطيراً أى خبزاً غير مختمراً لمدة سبعة أيام بعد أكلهم خروف الفصح. بل أن يأكلوا الفصح أيضاً مع خبز غير مختمر. لكى يذكرهم أن يقدروا العمل العظيم الذى عمله الله معهم بعتقهم من عبودية فرعون. فيعزلوا الشر من حياتهم، ويحيوا لله حياة نقية طاهرة.

4- وعيد الفطير له معان رمزية وروحية أيضاً تتعلق بالعهد الجديد. فالفطير فى نقاوته يشير إلى كمال المسيح ونقاوته. وكخبز للمشقة يذكرنا بالمشقة التى قاستها البشرية بسبب الخطية حينما كانت مستعبدة لإبليس وللخطية وتحت حكم الموت. وبالمشقة العظيمة التى حملها المسيح عنها لكى يرفع عنها القصاص ويحقق لها الخلاص.

وكون أسبوع الفطير يصاحب ذبح الخروف ويتبعه يذكرنا من جهة بأن صليب المسيح وموته برر البشرية من خطاياها لأنه حملها عنها فى جسم بشريته. ومن جهة أخرى يضع أمام المؤمنين صورة للحياة النقية الطاهرة البعيدة عن كل شر وعن كل فساد التى يجب أن يحياها كل مؤمن آمن بالسيد المسيح المصلوب. وإن كنا نشترك فى أكل جسد المسيح وشرب دمه كما كان اليهود يأكلون من الفصح كم ينبغى أن نأكل ونشرب ونحن أطهاراً، وقلوبنا خالية من خمير الخطية.

والعدد سبعة يشير إلى الكمال. وهذ يعنى أن المؤمنين يجب أن يكونوا على غاية من الكمال والنقاوة كل أيام حياتهم. دون أن تكون هناك فرصة أو لحظة ليدنسوا بها حياتهم أو يلوثوها (ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله؟ إذا نقوا منكم الخميرة العتيقة لكى تكونوا عجيناً جديداً كما أنتم فطير. لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا. إذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق (1كو5: 6-8).

5- والكنيسة المقدسة تضع الخميرة فى القربان المقدس الذى يعد للتقديس تذكاراً إلى أن المسيح حمل خطايانا. وخبز هذا الخبز فى النار تذكار وصورة وإشارة إلى أنه بموته عنا أحرق الخطايا وقطع عنا ربطاتها.

7- فى اليوم الأول يكون لكم محفل مقدس. عملا ما من الشغل لاتعملوا.

8- وسبعة أيام تقربون وقودا للرب. فى اليوم السابع يكون محفل مقدس. عملا ما من الشغل لاتعملوا.

1- كان لهم محفل مقدس فى كل من اليوم الأول واليوم السابع. فيجتمعون للاحتفال بهما ويكفون عن أعمال المعيشة اليومية. ويقضونها فى عبادة الرب. وفى فرح مقدس وتسلية بريئة (انظر شرح ع2). وكان الذى يشتغل بعمل من أعمال المعيشة يعاقب بالجلد.

2- وكانوا يقدمون (وقوداً للرب) خلال السبعة أيام. والوقود اليومى طوال السبعة أيام مفصل فى الأصحاح الثامن والعشرين من سفر العدد (ع17-25) وكان يشتمل على:

( أ ) محرقة من ثورين من البقر. وكبش واحد. وسبعة خراف حولية صحيحة ومعها تقدمة طعامية من دقيق ملتوت بالزيت ثلاثة أعشار الإيفة عن الثور. وعشرين للكبش وعشراً واحداً عن كل خروف.

(ب) ذبيحة خطية للتكفير عنهم وهى عبارة عن تيس من المعز.

(جـ) هذا بالإضافة إلى المحرقة اليومية صباحا ومساءً مع سكيبها. كما هو واضح فى طقس المحرقة اليومية (عد28: 3-10).

(د) وهذا أيضاً عدا التقديمات الاختيارية التى كان عليهم أن يأتوا بها إلى الرب (تث16: 16،17).

عيد الباكورة (ع9-14)

9- وكلم الرب موسى قائلاً.

10- كلم بنى إسرائيل وقل لهم: متى جئتم إلى الأرض التى أنا أعطيكم وحصدتم حصيدها تأتون بحزمة أول حصيدكم إلى الكاهن.

1- هذه الآيات تتكلم عن عيد (باكورات الغلات) وهو أول الأعياد الزراعية فى السنة حيث كان يحتفل به فى شهر أبيب خلال أيام الفطير. ولذلك فهو مرتبط بعيدى الفصح والفطير. وفى نفس الوقت مرتبط أيضاً بعيد الخمسين الذى يأتى بعده بسبعة أسابيع (ع15). وقد أمرهم الرب أن يبدأوا فى الاحتفال بهذا العيد بعد أن يدخلوا أرض كنعان لأنه لم يتسن لهم أن يزرعوا فى البرية. وقد أورد الكتاب شرائع مشابهة أعطيت فى البرية ليعمل بها بعد دخولهم أرض كنعان (شرح ص14: 33).

وكان هذا العيد يوافق بوادر حصاد الشعير لأنه كان ينضج قبل الغلات الأخرى. ومع أن الحصاد كان يبدأ فى الغالب بعد موعد عيد الباكورة بمدة. لكن كان عليهم أن يأخذوا حزمة من المحصول قبل أن يحصدوه. ويأتوا بها إلى الكاهن ليرددها أمام الرب حتى يكونوا مبكرين دائماً فى إكرام الرب وفى عمل الخير. وكما كان من المحتم عليهم أن يقدسوا له أبكار الناس والحيوانات كان عليهم أيضاً أن يقدموا له باكورات غلاتهم الزراعية.

2- وتقديم الباكورات للرب كان لأغراض روحية منها:

(أ) اعتراف الشعب بأن الرب هو صاحب النعم وهو الذى أعطاهم الأرض التى يزرعونها ويمنحهم جميع الخيرات. ويعطيهم الغلات فى حينها.

(ب) شكر الله على عطاياه.

(جـ) وتقديس باكوراتهم كان كعلامة لتكريس حياتهم ومحاصيلهم وخيراتهم كلها له. لأن منه وله وبه جميع الأشياء. والقاعدة الروحية العامة أن ما يقدس جزء منه للرب يكون كله مقدساً ومباركاً. فتقديسنا البكور يجعل الله يبارك لنا فى المحصول كله. وتقديسنا يوماً من الأسبوع يجعل الأسبوع كله مباركاً وهكذا لأنه (إن كانت الباكورات مقدسة فكذلك العجين رو11: 16).

3- كان فريق من شيوخ الشعب ومن مجمع السنهدريم فيما بعد يرسلون إلى عدد من الحقول المجاورة لأورشليم ومعهم مناجلهم فيجمعون سنابل من الشعير لو فركت حبوبها تملأ نحو عمر (عشر الآيفة). والبعض يرون أن الدقيق الناتج من طحنها يجب أن يملأ العمر. والحزمة بالعبرية (عمر) ولعل العمر الذى كان يستعمل للكيل دعى بنفس اللفظ لأن الحزمة المعتادة كان دقيقها يملأ عمراً. ولعل كلمة العمر التى تعنى الحزمة فى العبرية تقابل كلمة (الغمر) فى العبرية والتى تعنى الحزمة الكبيرة.

وقد كانت السنابل تحصد بعد غروب الشمس من اليوم السابق للفصح. وكان الشيوخ يحصدونها فى مظهر شعبى روحى بهيج. بين هتافات الفلاحين وتهليلهم. وكان كل شيخ يحمل منجلاً وصندوقاً يضع فيه السنابل. وكل واحد من الحصادين كان يسأل ثلاث دفعات: (هل غربت الشمس؟) فيجاوبه الشعب (نعم) فيسأل ثلاثاً أيضاً: (أهذا الصندوق؟) ويجاوبونه (نعم). ويسأل (أهذا المنجل؟) ويجاوبنه (نعم). ويسأل: (أهذا السبت؟) ويجيبونه (نعم). ثم يسأل: (هل أحصد؟) ويجيبونه (نعم) فيحصد ويضع فى الصندوق، ويحملون ما حصدوه إلى الهيكل. حيث كان يعد لتقديمه كما سنرى فى العدد التالى.

(تأتون بحزمة أول حصيدكم) أى باكورته.

11- فيردد الحزمة أمام الرب للرضا عنكم. فى غد السبت يرددها الكاهن.

(فيردد الحزمة أمام الرب للرضا عنكم) يردد الكاهن حزمة الشعير أمام الرب ليرضى عليهم ويكلل سنتهم بالبركة ويبارك لهم فى أرزاقهم. وهناك أكثر من رأى فى طريقة ترديد الحزمة أمام الرب.

1- البعض يرون أن الكاهن كان يردد الحزمة كما هى بسنابلها. بعد أن يغمسها فى الزيت. ثم يوقد منها مقدار قبضته على المذبح مع اللبان والباقى يكون للكهنة.

2- والبعض يرون أن السنابل التى قدمها الشيوخ إلى الهيكل كانت تضرب بالعصى لتخرج منها الحبوب. ثم تشوى على النار لتحمص. ثم يملأون منها غمراً. يلته الكاهن بالزيت ويردده أمام الرب ثم يأخذ ملء قبضته ليوقده تذكاراً أمام الرب مع اللبان. ويأخذون الباقى هو ورفاقه الكهنة لأنفسهم.

3- الرأى الثالث وهو الأرجح أن الحبوب بعد أن تحمص كانت تطحن فى الهاون وينخل الدقيق بثلاثة عشر منخلاً كل منها يعطى دقيقاً أنعم. ويملأون غمراً من الدقيق. حيث يلته الكاهن بالزيت. ويردده أمام الرب. ويوقد ملء قبضته على المذبح. والباقى يكون له مع رفاقه. والذين يقولون بهذا الرأى يستندون على ما ذكر بشأن التقدمات الطعامية العادية (ص2: 1-3) وتقدمة الباكورات (ص2: 14-16).(فى غد السبت يرددها الكاهن): كان هذا العمل العظيم يجرى فى (غد السبت) أى فى اليوم الذى يلى السبت. وهناك رأيان أيضاً بخصوص السبت المذكور هنا.

فالبعض يرون أنه يوم السبت فعلا أى اليوم السابع من الأسبوع الذى يتخلل أيام الفصح والفطير. ويكون ترديد الحزمة فى يوم الأحد. وكان الصدوقيون اليهود يقولون بهذا الرأى.

2- أما الرأى الثانى وهو الأرجح فكان يقول به الفريسيون. ويقول به معظم العلماء المسيحيين وهو أن (السبت) هنا معناه الراحة ويقصد به يوم عيد الفصح نفسه أى الخامس عشر من نيسان وهو أول أيام الفطير الذى كان محفلاً مقدساً وسبت عطلة للرب (خر12: 16) مهما كان موقعه من أيام الأسبوع. وغده الذى تردد فيه الحزمة كان اليوم السادس عشر من نيسان مهما كان موقعه من الأسبوع أيضاً.

12- وتعلمون يوم ترديدكم الحزمة خروفاً صحيحاً حولياً محرقة للرب.

13- وتقدمته عشرين من دقيق ملتوت بزيت وقوداً للرب رائحة سرور. وسكيبه ربع الهين من خمر.

لما كان للأعياد من مكانة خاصة. كانت طقوس العبادة لها وضع خاص. وأوضاع العبادة فى الأعياد والمواسم المقدسة تعكس على القلوب والأذهان معانى واعتبارات ومشاعر روحية عميقة. وتوحى إلى النفس أن تقدر هذه الأيام المباركة وتعطيها توقيراً أعظم.

وعيد الباكورة شأنه شأن جميع أعياد الرب كانت له أنواع خاصة من القرابين والتقدمات. وقرابين هذا العيد تشتمل على:

1- حزمة الشعير التى يرددها الكاهن.

2- ذبيحة محرقة عبارة عن خروف حولى صحيح.

3- وتقدمة طعامية مع الخروف وهى عشران من الدقيق الملتوت بالزيت. وسكيبه ربع الهين من الخمر. وكان الكاهن يوقد قبضة من الدقيق الملتوت على المذبح الباقى للكهنة وهذا هو الأرجح.

4- هذا بالإضافة إلى تقدمات أيام الفطير السبعة المقررة وهى محرقة ثورين وكبش وسبعة خراف حوليه وتقدمتها ثلاثة أعشار من الدقيق الملتوت للثور وعشران للكبش وعشر لكل خروف. وذبيحة خطية عبارة عن تيس من المعز (عد28: 19-22)

5- وبالإضافة أيضا إلى المحرقة اليومية الدائمة صباحاً ومساءً مع تقدمتها وسكيبها (عد28: 1-8).

14- وخبزاً وفريكاً وسويقا ولاتأكلوا إلى هذا اليوم عينه إلى أن تأتوا بقربان إلهكم فريضة دهرية فى أجيالكم فى جميع مساكنكم.

كان لايسوغ لهم أن يأكلوا من غلة العام الجديد. فى أية صورة من الصور، خبزاً أو فريكاً أو سويقا أو غيرها. إلا بعد أن يقدموا حزمة الباكورة للرب. ولذلك ففى الأيام الأولى من أيام الفطير كانوا يأكلون من غلة العام الماضى. وبمجرد ترديد حزمة الباكورة كانت الغلة الجديدة تعرض فى الأسواق وتباع وتشترى ويسوغ لهم أن يأكلوا منها. (والخبز) هو العجين المخبوز. وكان يؤكل فطيراً بدون خميرة فى هذا الأسبوع حسب الشريعة (ع6). (والفريك) هو الحبوب الخضراء التى تحمص أو تشوى ولعلها دعيت فريكاً لأن السنابل أو الحبوب ذات القشور كانت تفرك باليدين وأحياناً تضرب بالعصى لتخليص الحبوب من القشور.

و (السويق) ترجم إلى الحبوب المحمصة المطحونة. وإلى السنابل الخضراء الطرية قبل أن تشوى أيضاً. والمقصود أنه كان لايجوز لهم أن يأكلوا من الغلة الجديدة لا خضراء طرية طازجة ولا مجففة أو محمصة أو مطحونة إلا بعد أن يقدموا الباكورة للرب.معان روحية ورمزية لعيد الباكورة

1- كان على الشعب اليهودى أن يقدسوا للرب البكر من الإنسان ومن الحيوان وباكورات الغلات أيضاً. علامة على شكرهم لله. وعلى تكريس الحياة والممتلكات كلها له.

ومن الواجب أن نقدم للرب أول ثمر مجهوداتنا وباكورات دخلنا وأرزاقنا. ونقدس الرب من بدء حياتنا ونكرس له أولادنا منذ باكورة حياتهم. ونخدمه فى شبابنا وزهرة عمرنا. والكنيسة تذكر فى صلواتها الذين يقدمون القرابين والنذور والبكور. وتطلب لأجلهم بقوله: (أذكر يا رب صعائد وقرابين وشكر الذين قربوا، كرامة ومجداً لإسمك القدوس. اقبلها إليك على مذبحك المقدس الناطق السمائى رائحة بخور تدخل إلى عظمتك التى فى السموات. أعطهم ما لايفسد عوضاً عما يفسد. السمائيات عوض الأرضيات. الأبديات عوض الزمنيات. بيوتهم ومخازنهم املأها من كل الخيرات…..)

2- إن الفصح كما نعلم يرمز إلى موت المسيح الفدائى. وحزمة الباكورة ترمز إلى قيامة المسيح من الأموات. كما يقول الرسول (ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين 1كو15: 20).ومن أعجب الأمور التى تدل على عمق حكمة الله فى تدبيره الفائق أن اليوم الذى كان اليهود يقدمون فيه حزمة الباكورة فى هيكلهم بعد أن صلبوا رب المجد كان نفس اليوم الذى قام فيه حياً من الأموات، وبينما كانوا مشغولين بطقس هذا اليوم كان أتباعه ومحبوه يتلقون أو يبلغون البشارة بقيامته المجيدة.وارتباط الفصح بتقديم الباكورة يوضح ارتباط موت المسيح بقيامته فى عملية فدائية واحدة دبرها الله بقصده الإلهى لخلاص البشر. والمسيح الذى مات هو الحى فى ذاته يقول عن نفسه:

(أنا هو الأول والآخر والحى وكنت ميتاً وها أنا حى إلى أبد الآبدين رؤ1: 17،18)، والذى يقول عنه الرسول: (المسيح هو الذى مات بل بالحرى قام أيضاً الذى هو أيضاً عن يمين الله الذى أيضاً يشفع فينا رو8: 34).والمؤمنون يربطون دائماً بين موت المسيح وحياته الذاتية فتقول الكنيسة فى تمجيداتها: (قدوس الله. قدوس القوى. قدوس الحى الذى لايموت. يا من صلبت عنا ارحمنا). وفى أخص الأيام المقدسة التى تعيد فيها بذكرى آلامه تناجيه بقولها: (لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين. يا عمانوئيل إلهنا وملكنا) وبقبولها (قدوس القوى الذى أظهر بالضعف ما هو أعظم من القوة. قدوس الذى لايموت الذى صلب من أجلنا وصبر على موت الصليب وقبله فى جسده وهو أزلى غير مائت).

والمسيح الذى مات، مات بإرادته وسلطانه ولذلك فقد قال له المجد: (لهذا يحبنى الآب لأنى أضع نفسى لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتى. لي سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها أيضاً يو10: 17،18).

3- وهو بكر الراقدين أو باكوراتهم لأنه إذ قام لم يعد ليموت ثانية. وليس للموت عليه سلطان بعد قيامته كما أنه لم يكن له عليه سلطان قبل موته. لقد قام بعض الموتى من الموت مثل ابنة يايروس وابن الأرملة فى نايين ولعازر. ولكنهم ظلوا تحت سلطان الموت بعد إقامتهم من الموت. وعادوا وماتوا مرة أخرى. أما المسيح فقد قام من الأموات وصعد إلى السموات وجلس عن يمين العظمة فى الأعالى ليملك إلى أبد الآبدين.

وهو بكر الراقدين أيضاً لأن قيامته عربون لقيامة الأموات لجميع الراقدين. والذين يؤمنون به بالروح والحق سيقيمهم أيضاً معه. ويورثهم معه الميراث السماوى لكى يتمتعوا بما لم  تر عين ولم تسمع به أذن وما لم يخطر على قلب بشر. ولايكون للموت عليهم سلطان بعد.

4- ومن أعجب الأمور أن المسيح يربط بين عالم النبات وبين موته وقيامته من الأموات. الذى إذ أراد أن يعلن عنهما قال: (الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت فهى تبقى وحدها ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير يو12: 24)، قال هذا معلناً عن البركة العظيمة التى كان العالم مزمعاً أن ينالها بعمله الفدائى الجليل. ونحن كلما تذكرنا حزمة الباكورة التى ربما كانت تضرب أو تفرك لكى تخرج منها الحبوب. وتشوى بالنار وربما تغربل وتطحن. ثم إذ يرددها الكاهن كان يوقدها كلها أو جزءاً منها على المذبح ويأكل الباقى هو وأخوته. ويكون فى كل هذا العمل الطويل والعمليات الشاقة التى تجرى على الحنطة مسرة الله ورضاه على شعبه. كلما تذكرنا كل هذا. وسمعناه تبارك اسمه يتكلم عن حبة الحنطة التى تدفن فى الأرض لتموت حسب الظاهر لكى تقوم من جديد وتأتى بثمر كثير كلما فعلنا هذا ارتسمت أمامنا صورة مجيدة  واضحة لآلام المسيح المبرحة وموته العجيب وقيامته من الأموات وإقامة جميع المؤمنين معه.

5- وحزمة الباكورة تبين مركز المسيح بالنسبة لجميع الخليقة وبالنسبة للمؤمنين به خاصة. فالمسيح هو بكر كل خليقة (كو1: 15).

بمعنى أنه كلمة الله الأزلى الأبدى. وصاحب السلطان والرئاسة على كل المخلوقات (لكى  تجثو باسم يسوع كل ركبة من فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض (فى2: 10). والمسيح بالنسبة للمؤمنين هو أخوهم البكر. لأنه جعلهم واحد فى شخصه. وأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله (يو1: 12). هو ابن الله الوحيد بالطبيعة. وهم أبناء الله بنعمة التبنى التى نصرخ بها (يا أبا الآب رؤ8: 15). وبها صرنا شركاء الطبيعة الإلهية (2بط1: 4) ونؤهل للميراث السماوى (فإن كنا أولادا فإننا ورثة أيضا ورثة الله ووارثون مع المسيح رو8: 17)، ويقول الكتاب فى هذا الشأن (لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون  هو بكرا بين إخوته الكثيرين رو8: 29). وما أعظم هذا الإنعام السماوى أن يكون الله مع أولاده المؤمنين به أسرة واحدة مقدسة.

6- وحزمة الباكورة تلقى أشعة على عمل الله الخلاصى العجيب مع شعبه فى العهدين: فبخصوص إسرائيل فى العهد القديم قد اختار الله أبانا ابراهيم ودعاه ليكون من خاصته لأنه كان إنساناً صديقاً باراً ولديه استعداد للإيمان بمواعيد الله وطاعته. وقد وعده الله بقوله (ويتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض تك 22: 18). ونسل ابراهيم هو المسيح الذى كان فى قصد الله الأزلى أن يخلص به الجميع.

ومن ثم فقد دعى الله إسرائيل الابن البكر لذاته حيث يقول لفرعون على لسان عبده موسى (هكذا يقول الرب: إسرائيل ابنى البكر خر 4: 22) لأنهم الشعب الذى آمن بالله منذ عهد الآباء القديسين. وقد صاروا مدرسة للعالم. وخميرة صالحة تخمر عجين المسكونة. منهم خرج الأنبياء الذين تكلموا بكلمة الحق. والأهم والأعظم من هذا أن الله أعدهم ليظهر المسيح له المجد منهم. وقد أعلن له المجد أن (الخلاص هو من اليهود يو4: 22) لأن باكورة الذين آمنوا بالمسيح هم من اليهود. ومن اليهود امتدت كلمة الله إلى ربوع العالم وبإيمان الشعوب بالمسيح نال المؤمنون فى كل الشعوب نعمة التبنى أيضاً وأصبح الجميع من جميع الأمم والقبائل أولاد الله. ورعية مع القديسين وأهل بيت الله (أف 2: 19) ومن جهة المؤمنين بالمسيح فى كل العالم فإن لهم مركزهم الممتاز إذ هم أولاد الله. وإذ دعاهم الرب أحباء (يو15: 15) وأعطاهم أن يعرفوا أسرار ملكوت السماوات (مت13: 11) وإذ قربهم إليه بل جعلهم واحدا معه ومع أبيه الصالح والروح القدس (يو 17: 21). إذ قد صار لهم هذا المركز الممتاز السامى بين كل خلائق الله فهم أيضاً باكورة لعمله الخلاصى المبارك لأنه (شاء فولدنا بكلمة الحق لكى نكون باكورة من خلائقه يع1: 18)، باكورة لأننا بالإيمان بالمسيح خليقة ممتازة ومتقدمة على كل الخلائق. ولأننا بالنعمة قد أصبحنا خليقة جديدة نقية ودعينا لكى نلبس الإنسان الجديد المخلوق بحب الله فى البر وقداسة الحق (أف 4: 24) كما أن باكورة الشعير كانت من أثمن المحصول وأجوده. وباكورة لأن كل مؤمن يمكن أن يكون رسالة حية ناطقة ينتقل منه الإيمان والخلاص إلى ألوف من الناس بقدوته ومثاله الصالحين. وبمناداته بكلمة الله وإعلان عمل الله الخلاصى للآخرين والكنيسة فى كل زمان ومكان تلد فى كل يوم أبناء لله ونسعى لأجل خلاص البعيدين والقريبين.

عيد الخمسين (ع15-22)

1- دعى هذا العيد فى الأسفار الخمسة (عيد الحصاد خر 23: 16) لأنه كان يأتى بعد نضج القمح وفى وقت حصاده. و(عيد الباكورة تث 28: 26) حيث كانت تقدم للرب باكورة من محصول القمح الجديد ودعى أيضاً (عيد الأسابيع خر34: 22،تث16: 10) لأنه كان يأتى بعد تمام سبعة أسابيع من تقديم حزمة الشعير المذكورة فى الأعداد السابقة (من9-13) ولذلك فقد دعى فى العهد الجديد عيد الخمسين الذى يعنى باليونانية البنديكستى (أع2: 1، 20: 16) والذى حل فيه الروح القدس على المؤمنين.

2- وهذا العيد من الأعياد الثلاثة الكبيرة التى كان يتحتم أن يظهر فيها ذكور بنى إسرائيل أمام هيكل الرب وهى عيد الفصح، وعيد الخمسين وعيد المظال (خر 34: 22،23)

3- وقد رتب هذا العيد:

( أ ) لتقديم الشكر لله بمناسبة حصاد القمح وباقى الغلات وتكليل السنة بجوده.

(ب) وتذكاراً لإعطاء الوصايا العشر والشريعة المقدسة على جبل سيناء ولأن اليهود اعتقدوا أن الله أعطاهم الناموس فى يوم الخمسين من خروجهم من أرض مصر ولذلك فاليهود كانوا ولايزالون يستعدون له بالاعتراف بخطاياهم والاغتسال للتطهير وكثيراً ما كانوا يقضون ليلة العيد فى التسبيح والتعبد.

 

15- ثم تحسبون لكم من غد السبت من يوم إتيانكم بحزمة الترديد سبعة أسابيع تكون كاملة .

16- إلى غد السبت السابع تحسبون خمسين يوماً. ثم تقربون تقدمة جديدة للرب.

1- كان عليهم أن يحسبوا سبعة أسابيع كاملة من غد السبت الذى عملوا فيه المحفل المقدس وهو أول أيام الفطير. إلى غد السبت السابع. ويقول سفر التثنية (سبعة أسابيع تحسب لك من ابتداء المنجل فى الزرع تبتدئ أن تحسب سبعة أسابيع تث 16: 9) وابتداء المنجل يقصد به بوادر نضج الشعير وأول ابتداء استعمال المنجل للحصاد. والمقصود بذلك اليوم الذى قدمت فيه حزمة الشعير.

وغد السبت كما عرفنا هو اليوم التالى له ومن المعروف أن المدة من غد السبت الأول إلى غد السبت السابع خمسون يوماً وفى هذا اليوم الخمسين كان عيدهم ولأن باكورة الشعير كانت تردد فى منتصف شهر أبيب (نيسان) فإن عيد الخمسين كان يقع فى سيوان وهو الشهر الثالث من السنة الدينية والتاسع من السنة السياسية الذى يقع فى الغالب فى شهر مايو أو يونيو من سنتنا الحالية.

(ثم تقربون تقدمة جديدة للرب): كانت حزمة الشعير التى رددوها فى أول الموسم الباكورة الأولى

من غلات الأرض. وفى يوم الخمسين بعد تمام نضج الغلات كان عليهم أن يقدموا للرب أيضاً

(باكورة جديدة) من خبز القمح لأن الإنسان يجب عليه أن يكرم الرب من كل الخيرات والبركات

التى ينعم بها عليه (أكرم الرب من مالك ومن باكورات غلتك فتمتلئ خزائنك شبعاً وتفيض

معاصرك مسطاراً أم3: 9).

2- نلاحظ أن الوحى عند كلامه عن هذا العيد لم يفتتح الكلام بقوله: (وكلم الرب موسى قائلاً) بالنسبة لارتباط أعياد الفصح والفطير وباكورة الشعير بعيد الخمسين ولعل هذا الارتباط كان لحكمة تاريخية وروحية للعبرانيين ولحكمة رمزية لدى الكنيسة المسيحية

( أ ) فالفصح والفطير كانا يذكران الشعب قديماً بخلاص الله العجيب ونجاتهم من مصر ومن حياة العبودية وخبز المشقة بينما الباكورة والحصاد يذكرانهم بدخولهم أرض الموعد بسلام وأكلهم من ثمارها ومن محاصيل أرضها وهكذا أعمال الله ترسم أمام المؤمنين أنه بعد الضيق يأتى الفرج وبعد الحزن يأتى الفرج (الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج والذاهب ذهاباً بالبكاء حاملاً مبذر الزرع مجيئاً يجيئ بالترنيم حاملاَ حزمة مز126: 5،6).

(ب) أما بالنسبة للكنيسة المسيحية فإن الفصح الذى يصور موت المسيح الفدائى ويرمز إليه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالباكورة التى ترمز إلى قيامة المسيح من الأموات وقيامة المسيح من ناحيتها ترتبط أيضاً بموعد الآب أى بحلول الروح القدس على الكنيسة فى يوم الخمسين وتمتع المؤمنين بشركتهم الكاملة مع الله وبجميع النعم والبركات التى أفاضها عليهم فى العهد الجديد

17- من مساكنكم تأتون بخبز ترديد رغيفين عشرين يكونان من دقيق ويخبزان خميراً باكورة  للرب

1- كانت التقدمة رغيفين من دقيق القمح النقى الفاخر جداً وكان يطحن فى دار الهيكل وينخل باثنى عشر أو ثلاثة عشر منخلاً. ومعنى (رغيفين عشرين) أى أن كل رغيف يصنع من عشر إيفة من الدقيق ولذلك فكان طوله نحو سبعة عروض من عروض الكف وعرضه أربعة وسمكه نحو عرض من عروض الكف.

2- كان الرغيفان (يخبزان خميراً) أى توضع فيهما خميرة ليكونا خبزاً مختمراً وكانا يخبزان قبل العيد بيوم. ومن المعروف أن باقى القرابين كانت من الفطير الغير مختمر فتقديم الرغيفين المختمرين فى يوم الخمسين كان يشير إلى شكر الرب على جميع نعمه كما ذكرنا وإلى تكريس خبزهم العادى وطعامهم اليومى اللذين يأكلونهما باستمرار لله.

ومن المعروف أيضاً أنه لم يكن جائزاً أن يوقدوا الخمير على المذبح (لا2: 11) ولذلك فكان الرغيفان يرددان فقط أمام الرب ويأكلهما الكهنة.

(من مساكنكم تأتون بخبز) أى من حقولكم التى فى فلسطين أرضكم

18- وتقربون مع الخبز سبعة خراف صحيحة حولية وثوراً واحد ابن بقر وكبشين محرقة للرب مع تقدمتها وسكيبها وقود رائحة سرور للرب

19- وتعملون تيسا واحداً من الماعز ذبيحة خطية وخروفين حولبين ذبيحة سلامة

هذه هى التى كان عليهم أن يقدموها مع الرغيفين بعد دخولهم أرض كنعان وزراعتهم للأرض وهذا بالإضافة إلى ذبائح أخرى للعيد ذكرها لهم فى سفر العدد (ص28: 26-31) كان عليهم أن يقدموها فى الخمسين وهم فى البرية بدون رغيفى الخبز. وكانوا يقدمونها أيضاً فى كنعان مع الذبائح المذكورة هنا.

ويمكن تفصيل القرابين والتقدمات فى هذا العيد كالآتى:

(اولا) رغيفا الخبز بعد دخولهم أرض الموعد (ع 17).

(ثانيا) القرابين التى تقدم مع رغيفى الخبز بعد دخولهم أرض الموعد أيضاً وهى المذكورة فى هذه الأعداد وهذه القرابين تتضمن:

1- ذبيحة المحرقة من ثور من البقر وكبشين وسبعة خراف حولية مع تقدمتها وهى ثلاثة أعشار من الدقيق الملتوت بالزيت للثور وعشران لكل من الكبشين وعشر لكل خروف مع سكيب الخمر.

2- ذبيحة خطية من تيس من المعز. ويظهر من التاريخ أنهم كانوا أحياناً يقربون تيسين.

ويفصل كتاب المشنة الذى يشتمل على تعاليم الأحبار هذه الأمور. كما يروى يوسيفوس المؤرخ بناء على كلام الوحى. وما شهده بعينه أن المحرقات التى كانت تقرب بمناسبة عيد الخمسين كانت ثلاثة ثيران وثلاثة كباش وأربعة عشر خروفا وذبائح الخطية كانت ثلاثة تيوس.

(رابعا) هذا بالإضافة إلى المحرقة الدائمة فى الصباح وفى المساء (خر 38:29- 42).

(خامسا) وتقدمات تطوعية يتبرع بها الشعب حسب ما تسمح به أيديهم وكما يباركهم الرب لكى يأكل منها اللاويين والغرباء والفقراء (تث 9:16- 12).

20- فيرددها الكاهن مع خبز الباكورة ترديدا أمام الرب مع الخروفين فتكون للكاهن قدسا للرب.

1- كانت المحرقات تحرق كلها على المذبح بعد سلخها وتقطيعها وبعد رش دمها على المذبح (ص1).

2- أما ذبيحة الخطية فكان دمها يرش على المذبح للتكفير. ويوقد شحمها وأجزاؤها المقررة على المذبح وباقى اللحم كان للكاهن الخديم ورفاقه (ص4).

3- أما ذبيحة السلامة التى كانت من خروفين فكان على الكاهن أن يردد الخروفين وهما حيان أمام الرب إما أن يردد كل واحد على حدة أو أن يرددهما معا. وبعد ذبحهما كان يأخذ لنفسه صدر الترديد وساق الرفيعة ويرددهما أيضاً مع الرغيفين. ثم يجرى طقس رش الدم وإيقاد الشحم. وباقى اللحم يكون له ولإخوته الكهنة.

4- وبخصوص الرغيفين كان رئيس الكهنة يأخذ إحداهما لنفسه ويقسم الباقى على إخوته الكهنة.

5- ولأن لحم ذبيحة هذا العيد قدس أقداس. كانوا يأكلونه فى المكان المقدس وفى نفس اليوم بحيث لا يتعدى الأكل منتصف الليل.

6- والذبائح الاختيارية للشعب كان يجرى بها طقس ذبائح السلامة. حيث يوقد على المذبح نصيب الرب ويأخذ الكهنة نصيبهم. والباقى لأصحاب الذبيحة الذين كانوا يشركون معهم اللاويين والفقراء والمحتاجين (لا 28:7- 36، تث 9:16- 12).

21- وتنادون فى ذلك اليوم عينه محفلا مقدسا يكون لكم. عملا ما من الشغل لا تعملوا. فريضة دهرية فى جميع مساكنكم فى أجيالكم.

كان الكهنة (ينادون) أى يعلنون عن العيد بالنفخ فى الأبواق ليكون للشعب محفلا مقدسا يكفون فيه من أعمالهم اليومية ويقضونه فى عبادة الرب. وفى فرح روحى وتسلية بريئة أمام بيت الله.

(فريضة دهرية فى جميع مساكنكم فى أجيالكم): أى يعيد به جميع أسباطهم ليجتمعوا معا من كل مكان إلى الموضع الذى يكون فيه بيته المقدس. ما دامت أمتهم وطقوسهم وكهنوتهم باقية. ولقد كان العيد يوما واحدا. وكانوا أحيانا يحتفظون به يومين لروعته ومركزه فى قلوبهم. وهو من الأعياد التى لا يزال اليهود يعيدونها ويتعبدون فيها.

22- وعندما تحصدون حصيد أرضكم لا تكمل زوايا حقلك فى حصادك. ولقاط حصيدك لا تلتقط. للمسكين والغريب تتركه. أنا الرب إلهكم.

1- ذكرت هذه الوصية وشرحها فى الأصحاح التاسع عشر (ع 9، 10). كما ذكرت بتفصيل أكثر فى سفر التثنية (ص 19:24- 22)، ويذكرها الوحى هنا أيضاً بمناسبة ذكره عيد الحصاد.

ومن كل هذا نرى اهتمام الرب بأمر المساكين المحتاجين والغرباء. حتى يترك لهم أصحاب الحقول لقيط الحصاد. وما يقع من ثمار. أو ما ينسى من الحزم فى الحقول. أو ما يتبقى من الثمار على الأشجار بعد جنيها.

هذا زيادة على ما علينا من حقوق أخرى شرعية. وما نقدمه لهم من العطايا السخية.

2- ألا نرى كيف ترقى كلمة الله بالإنسان حتى لا يكون أنانيا أو جشعا أو محبا للعالم وماديا. وكيف تسمو به وبإحساساته وعواطفه لكى يشرك الجميع معه فى أفراحه ومسراته؟

3- يرى بعض المفسرين فى قوله (لقاط حصيدك لا تلتقط. للمسكين والغريب تتركه)، يرى صورة جميلة للحصاد الروحى فى عهد النعمة. الذى لم يتمتع بخيراته وبركاته اليهود وحدهم. بل تمتعت به أيضاً الشعوب التى كانت غريبة ونالت الآن نعم الخلاص وبركات الفداء وأصبحت أولادا لابراهيم كما يقول الرسول: (إنكم كنتم فى ذلك الوقت بدون مسيح اجنبيين عن رعوية إسرائيل وغرباء عن عهود الموعد لا رجاء لكم وبلا إله فى العالم ولكن الآن فى المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلا بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح أف 12:2، 13).

أعياد الشهر السابع

أولاً : عيد الهتاف (ع 23 – 25)

23- وكلم الرب موسى قائلا.

24- كلم بنى إسرائيل قائلا. فى الشهر السابع فى أول الشهر يكون لكم عطلة تذكر هتاف البوق. محفل مقدس.ينتقل الوحى إلى الكلام عن أعياد الشهر السابع من السنة الدينية، وهو شهر تشرى (تشرين الأول) ويدعى أيضاً (ايثانيم 1مل 2:8). وهو أول شهر فى السنة السياسية. وأعياد الشهر السابع هى عيد الهتاف أو الأبواق. وعيد الكفارة. وعيد المظال. والكلام فى هذه الآيات عن عيد الهتاف.

1- يقع عيد الهتاف فى اليوم الأول من الشهر. ودعى هكذا لأنه كان يحتفل به بالهتاف فى الأبواق. وقد عبر عنه سفر العدد بقوله (يوم هتاف بوق يكون لكم عد 1:29) وقد دعاه اليهود (عيد ميلاد العالم) حيث كانوا يجمعون ثمار العام القديم ويبذرون بذار السنة الجديدة.

وقد كان الكهنة هم الذين يبوقون فى الأبواق فى الخدمات المقدسة وفى المواسم والأعياد ومعظم الظروف الطارئة. وكان رؤساء الشعب واللاويون يبوقون فى بعض الظروف كما نرى ذلك فى تتويج الملك يوآش (2مل 14:11). و(الضرب) فى الأبواق معناه النفخ العادى المتقطع. أما (الهتاف) فمعناه النفخ العالى المتصل. وكانوا يضربون بها لأغراض خاصة كدعوة الجماعة. أو الرؤساء. وفى روؤس الشهور عند تقديم المحرقات والذبائح. وكما كانوا يهتفون بالأبواق فى ظروف خاصة ولأغراض خاصة أيضاً كإعلان الشعب فى البرية بالارتحال. أو فى الذهاب إلى الحرب. وترى هذا مفصلا فى سفر العدد (ص 1:10- 10). كما كانوا يهتفون أيضاً فى بعض الأعياد.

2- كان الكهنة كما مر بنا يهتفون فى الأعياد والظروف المختلفة بالأبواق المصنوعة من الفضة أما فى عيد الكفارة فكان البوق من قرن كبش. وكذلك فى عيد الأبواق كانوا يهتفون فى بوق مستقيم عبارة عن قرن خروف أحيط فمه الذى ينفخ فيه بالذهاب. ويقولون إنه كان يذكرهم بالخروف الذى أعده الله لابراهيم فقدمه عوضا عن اسحق ابنه (تك 13:22). وبوق الفضة كان يدعى بالعبرية (حصوصرة). وبوق القرن كان يدعى (شوفار). وهى من الأصل الذى يقابله فى العربية معنى (الصفير) ومنها الفعل (يصفر) ودعت أداة الصفير (صفارة). وقد جاء نفس الفعل فى مواضع مختلفة من أسفار العهد القديم فى العبرية كما فى (أش 26:5) مثلا فى قوله (فيرفع راية للأمم. من بعيد ويصفر لهم من أقصى الأرض فإذا هم بالعجلة يأتون سريعا).

التعبير المذكور عن عيد الأبواق (هتاف بوق) أو (بوق هتاف). وفى العبرية كلمة جديدة هى كلمة (تروعة). وقد تعنى قصف البوق أو الهتاف أو كليهما معا. والمقصود بها الإعلان الواضح والمناداة العالية بالنفخ فى الأبواق. ولذلك ففى باقى الأعياد والمحافل كان الكهنة يبوقون داخل الهيكل على الذبائح أو خارجه، أما فى عيد الأبواق فكان الكهنة يبوقون من غروب الشمس من اليوم السابق للعيد إلى شروقها. ويقول المعلمون إنهم كانوا يبوقون ثلاثين مرة متوالية. بل كان مصرحا لكل أفراد الشعب أن يبوقوا فى أنحاء البلاد إعلانا عن العيد وابتهاجا به.

3- وكان الكهنة يهتفون فى الأبواق للعيد خارج القدس. أما إذا وقع العيد فى يوم السبت فكان الهتاف داخل القدس.

4- وكان العيد (يوم عطلة) من الأعمال اليومية. وكان (محفلا مقدسا) يفرح فيه الشعب باجتماعهم معا للاحتفال المقدس ذاكرين مراحم الرب وحسناته.

(تذكار هتاف البوق): هناك رأيان فى تفسير معنى (التذكار) هنا:

(الرأى الأول) أن الهتاف فى البوق كان ليذكر الشعب بإحسانات الله بمناسبة حلول اليوم الأول من الشهر السابع. وهو رأس سنتهم المدنية لكى يحيوا حياة روحية جديدة. ولكى يستعدوا استعدادا كاملا لإستقبال أعياد الشهر السابع خصوصا عيد الغفران (الكفارة).

(والرأى الثانى) هو الأرجح. أن التبويق فى الأبواق كان ليصعد تذكارا أمام الرب فيذكر فيه عهده مع آبائهم. ويثبت رحمته لهم بمعنى أن الله يسمع هتافات البوق فيحسن إليهم. لأنهم أولاد ابراهيم واسحق ويعقوب وقد نفذوا أوامره بخصوص العيد.

وقد قرر مجمع السنهدريم هذا المعنى للعيد وقالوا إن ولادة اسحق وحياته وذبحه وفداءه كانت مثالا لعيد الهتاف (تك 21، 22).

وهذا المعنى للتذكار قد ذكر فى مواضع ومواقف مختلفة. فالتقدمات والقرابين كان يوقد منها على مذبح الرب (تذكارها أو ذكرانها) (لا 2:2، 9، 16) أى أجزاء منها تجعل الرب يذكر عطاياهم ويقبلها ويقبلهم فى محبته ورحمته. ولقد قال الرب لهم عن استعمال الأبواق فى الحرب (وإذا ذهبتم إلى حرب فى أرضكم على عدو يضربكم تهتفون بالأبواق فتذكرون أمام الرب إلهكم وتخلصون من أعدائكم عد 9:10)، وقال عن التبوق فى الأعياد: (وفى يوم فرحكم وفى أعيادكم ورؤوس شهوركم تضربون بالأبواق على محرقاتكم وذبائح سلامتكم فتكون لكم تذكارا أمام إلهكم أنا الرب إلهكم عد 10:10). وكثيرا ما جعل الله الأشياء الحسية تذكارا أمامه ليرحم الناس مثلما جعل قوس السحاب علامة ميثاق بينه وبين البشر وقال عنه: (فمتى كانت القوس فى السحاب أبصرها لأذكر ميثاقا أبديا بين الله وبين كل نفس حية فى كل جسد على الأرض تك 16:9)، ومثلما قال عن دم خروف الفصح الذى يوضع علامة على أبوابهم: (وأرى الدم وأعبر عنكم خر 13:12). لأن الدم كان علامة على أنهم شعب الله المطيع والمفتدى، وفى نفس الوقت كان رمزا إلى دم المسيح الذى يخلص إلى التمام الذين يؤمنون به. وقد استخدم الوحى هذه التعبيرات لا لأن الله ينسى. حاشا. بل عبر تبارك اسمه بهذه التعبيرات بلغة البشر ليؤكد لهم أنه صادق فى مواعيده. ويبين أنها مرسومة أمامه. وأنه لن يندم عليها، لكى يدعم إيمان المؤمنين ويقويه. والإنسان من ناحيته كثيرا ما يطلب من الله أن يذكر مراحمه. ويذكر أمورا وحوادث وأشخاصا. ويلتمس من وراء ذلك أن يجدد الله رحمته ومحبته مع خليقته. فموسى يتوسل من أجل شعبه الذى عبد العجل الذهبى بقوله: (اذكر ابراهيم واسحق وإسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك وقلت لهم أكثر نسلكم كنجوم السماء…. خر 13:32) وصاحب المزمور المائة والثانى والثلاثين ويرجح أنه سليمان يصلى أمام الرب قائلا: (اذكر يارب داود كل ذله كيف حلف للرب نذر لعزيز يعقوب لا أدخل خيمة بيتى لا أصعد على سرير فراشى لا أعطى وسنا لعينى ولا نوما لأجفانى أو أجد مقاما للرب مسكنا لعزيز يعقوب…. مز 1:132……)، وهكذا الكنيسة المقدسة تصلى فى صلواتها المختلفة بقولها (اذكر يارب… وتفضل يارب أن تذكر…). وكثيرا ما نذكر أسماء أبطال الإيمان فى الكتاب المقدس أو فى التاريخ المقدس. تذكارا أمام الرب. وتذكيرا لبنيها بإيمانهم وجهادهم.

الأغراض الروحية من ترتيب العيد:

1- رتب العيد بمناسبة ختام الموسم الزراعى تذكارا لغنى مراحم الله وإحساناته على شعبه ولذلك يقول حاخام اليهود عنه إنه يوم ميلاد العالم لأن فيه تجمع الأثمار القديمة وتبذر البذار للسنة الجديدة كما عرفنا.

2- وهو كما رأينا أيضاً رأس السنة الدينية لدى اليهود.

3- وفيه استعداد للشهر السابع المملوء بالأعياد المقدسة وكانوا يستعدون فيه استعدادا تاما بالصلاة والتطهير والتوبة استعدادا ليوم الكفارة العظيم ويقول علماء اليهود إن الأتقياء من الشعب كانوا يعدون أنفسهم إعدادا روحيا كاملا فى الفترة ما بين عيد الأبواق وعيد الكفارة أكثر من أى وقت آخر. والكنيسة المقدسة كثيرا ما تحث بنيها على أن يستعدوا استعداد خاصا للأعمال المقدسة بنشاط وحرارة روحية أعمق كالاستعداد للتناول من الأسرار المقدسة واستقبال يوم الرب. والأعياد أو الأصوام المقدسة وقد ترتب لهم فرصا وترتيبات كنسية تساعدهم على هذا الاستعداد فأصوام البرامون مثلا تعد المؤمنين لاستقبال عيدى الميلاد والغطاس والأسبوع الأول من الصوم الكبير قد يكون فيه استعداد لاستقبال الأربعين يوما المقدسة التى صامها المخلص والأسبوع الذى تألم ومات فيه لأجلنا وقام بعده حيا من الأموات. والواقع أن المؤمن يجب أن يكون على استعداد تام وناميا فى النعمة وحارا فى الروح فى كل لحظات حياته ولكن مثل هذه الترتيبات والمواسم تعتبر منبهة له. ومذكرة له بمراحم الله وإحساناته. مثلما أعطى لنا سر الشكر مثلا لكى نأكل جسد الرب ونشرب دمه، وفى نفس الوقت لكى نذكر موته وقيامته. ومثل ما أعطى لنا أن نقدس يوم الأحد لنذكر فيه قيامة الرب من الأموات، وهكذا.

4- والشهر السابع الذى يذكر الشعب باليوم السابع الذى استراح فيه الله بعد أن خلق العالم فى ستة أيام (تك 1) وبالتالى كان يذكرهم بأن الله هو الخالق وليس إله سواه. ولعل الهتاف فى الأبواق يصور فرحة الملائكة والعوالم المختلفة بعد أن تمت عمليات الخلق العجيبة كما يصور الرب ذلك فى قوله لأيوب: (أين كنت حين أسست الأرض….. عندما ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بنى الله أى 4:38،7).

5- وابتداء الشهر السابع بالهتاف فى الأبواق كان ليضاعف اهتمام اليهود بتقديس اليوم السابع والسنة السابعة وسنة اليوبيل.

6- وقد قرر مجمع اليهود السنهدريمى كما عرفنا أن العيد رتب تذكارا لعهد الله مع الآباء الأولين وقالوا أن ولادة اسحق وذبحه وفدائه بالكبش مثال لعيد الهتاف (تك 21،22).

7- ويرى البعض أن الهتاف كان ليذكرهم أيضاً بأصوات الأبواق والرعود التى صحبت نزول الشريعة فى سيناء (خر 14:19- 19).

25- عملا ما من الشغل لا تعملوا لكن تقربون وقودا للرب.

(عملا ما من الشغل لا تعملوا): كان شأنه شأن المحافل المقدسة التى يكفون فيها عن أعمالهم المهنية والوظيفية ليكون يوم عطلة للتعبد والراحة.

(لكن تقربون وقدا للرب): أى يقربون القرابين المقررة لهذا العيد. ويمكننا أن نتأمل فى هاتين الناحيتين المتعلقتين بقرابين هذا العيد.

الناحية الأولى:

القرابين التى تقرب فى يوم الهتاف، وتشتمل على:

1- القرابين المقررة للعيد (عد 1:29-6) وهى:

(أ) محرقة ثور وكبش وسبعة خراف حولية وتقدمتها ثلاثة أعشار دقيق ملتوت بالزيت للثور وعشران للكبش وعشر لكل خروف مع السكيب من الخمر.

(ب) ذبيحة خطية من تيس من المعز للتكفير عن الخطية.

2- قرابين رأس الشهر (الهلال) بما أن العيد يقع فى اليوم الأول من الشهر. وتضمن هذه القرابين:

(أ) المحرقة من ثورين وكبش واحد وسبعة خراف حولية وتقدمتها من الدقيق الملتوت بالزيت والسكيب.

(ب) ذبيحة خطية من تيس من المعز (عد 21:38-15).

3- هذا بالإضافة إلى المحرقة اليومية الدائمة فى الصباح وفى المساء وتقدمتها وسكيبها

(عد 1:28- 8).

الناحية الثانية:

طقس العبادة فى يوم العبادة يتضمن :

(أولا) خدمة الصباح وطقسها كالآتى:

1- يبتدئ الطقس بتأدية خدمة المحرقة اليومية الصباحية.

2- يتلوا ذلك تقديم قرابين هلال الشهر الجديد.

3- ثم يبتدئون بتقديم قرابين العيد حيث ينفخ الكهنة فى أبواق القرن. ويعزف اللاويون على الآلات الموسيقية ويترنم الشعب بالمزامير ومن بينها المزمور الحادى والثمانون. الذى يبدأ بالعبارات الآتية: (رنموا لله قوتنا اهتفوا لإله يعقوب ارفعوا نغمة وهاتوا دفا عودا حلوا مع رباب. انفخوا فى رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا…..).

4- ثم يبارك الكاهن الشعب بالبركة المقدسة بقوله (يباركك الرب ويحرسك. يضئ الرب بوجه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلاما عد 24:6-26). وكان يتلو البركة ووجهه متجه نحو الشعب. بينما يكون الشعب منطرحين وساجدين على الأرض ثم يسجدون مرة ثانية بعد البركة.

5- كان الشعب فى مدة الهيكل يتوجهون بعد ذلك إلى المجامع حيث تقرأ عليهم فصول من الكتاب المقدس منها (تك 1:21-34، عد 1:29-6) (1صم 1- 10:11، تك 1:22-24، أر 2:31-20). ليتأملوا فيها ويحفظوها وكانوا يترنمون بالمزامير ثم يعودون إلى منازلهم.

(ثانيا) خدمة المساء: يعود الشعب إلى الهيكل حيث يشاهدون تقديم المحرقة المسائية اليومية ويتوسلون إلى الله أن يصفح عن خطاياهم التى عملوها فى سنتهم الماضية. ويبارك لهم فى العام الجديد. ثم يهنئون بعضهم بعضا بعامهم الجديد وعيدهم السعيد.

تأملات فى عيد الهتاف:

1- إن النفخ فى الأبواق كان يشير إلى المناداة ببشارة الخلاص فى عهد النعمة كما يقول إشعيا النبى: (ويكون فى ذلك اليوم أنه يضرب ببوق عظيم فيأتى التائهون فى أرض آشور والمنفيون فى أرض مصر ويسجدون للرب فى الجبل المقدس فى وأرشليم إش 13:27) وتشير هذه النبوة أولاً إلى رجوع الشعب اليهودى من سبيه قديما. كما تشير إلى دخول الناس فى الإيمان المسيحى، ثم إلى إيمان اليهود بالرب يسوع.

2- وصوت البوق فى كل الأجيال ينبه أولاد الله أن يعلنوا للناس خلاص الله العجيب. وينادوا بكلمته. ويبكتون الخطاة. ويعزوا الحزانى. ويبعثوا الرجاء فى قلوب الناس. وقديما قال الرب لنبيه إشعيا: (ناد بصوت عال. لا تمسك ارفع صوتك كبوق وأخبر شعبى بتعديهم وبيت يعقوب بخطايهم أش 1:58). ومفروض علينا نحن المؤمنين أن نكون كأبواق نكرز باسم الرب وندعو الجميع إلى التوبة و (نسعى كسفراء عن المسيح كان الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله 2كو 20:5).

3- إن الأبواق كانت تستخدم بترتيبات خاصة بالنسبة للغرض من استخدامها. أحيانا كان يضرب بها. وأحيانا كانت للهتاف. أحيانا كان يستخدم بوق واحد. وأحيانا كانوا ينفخون فى بوقين وهكذا. والشعب كان يميز كل حالة من الأخرى. وخدام الكلمة يجب أن ينادوا بكلمة الله بوضوح. والخدمة يجب أن تكون بلياقة وترتيب. وعلى السامعين فى كل حالة أن يسمعوا كلمة الله ويفهموها ويجعلوها مثمرة فى حياتهم.

4- كان عيد الأبواق مستهل العام الجديد لدى اليهود. ولقد كان هذا مصورا لعمل المسيح فى عهد النعمة الذى جاء ليكرز بنسبة مقبولة للرب (أش 2:61، لو 19:4). لأنه نقل المؤمنين به من عهد الناموس والعبودية إلى عهد النعمة وإلى حرية مجد الله.

عيد الكفارة (26- 32)

26- وكلم الرب موسى قائلا.

27- أما العاشر من هذا الشهر السابع فهو يوم الكفارة محفلا مقدسا يكون لكم. تذللون نفوسكم وتقربون وقودا للرب.

28- عملا ما لا تعملوا فى هذا اليوم عينه لأنه يوم كفارة للتكفير عنكم أمام الرب إلهكم.

يتكلم الوحى الإلهى فى هذا الجزء من الأصحاح عن عيد الكفارة العظيم الذى يدعى أيضاً عيد الاستغفار. أو عيد الغفران وقد مر الحديث عنه بالتفاصيل فى تفسير الأصحاح السادس عشر. ونلاحظ هنا:

1- إن العيد كان يقع فى اليوم العاشر من الشهر السابع (ع 27).

2- كان العيد محفلا مقدسا (ع 27).

3- وكان يوم عطلة كاملة من جميع الأعمال الضرورية والغير ضرورية مثله فى ذلك كمثل يوم السبت (ع28، 30، 31، 32).

4- وكان اليوم يوم صوم وتذلل (ع 27، 28).

5- وقد دعى يوم الكفارة لأن رئيس الكهنة كان يكفر فيه عن نفسه وعن الشعب وعن بيت الله.

(وتقربون وقودا للرب) الوقود هو القرابين التى كانت تقدم فى هذا العيد. وقد كان يتضمن:

1- محرقات الخدمات الصباحية والمسائية الدائمة فى مواعيدها.

2- ذبيحة خطية عن رئيس الكهنة والكهنة من ثور من البقر. يدخل بدمه إلى قدس الأقداس.

3- ذبيحة خطية عن الشعب من تيس يذبح ويدخل بدمه إلى قدس الأقداس وآخر يطلق حيا هو تيس عزازيل.

4- ذبائح إضافية هى محرقة عن رئيس الكهنة من كبش من الضأن، ومحرقات عن الشعب من ثور وسبعة خراف حولية بتقدماتها وسكائبها. وتيس لذبيحة خطية (عد 7:29-12). وترتيب هذه الخدمة مفصل فى شرح (طقوس الخدمة فى يوم الكفارة). فى مقدمة الأصحاح السادس عشر.

 

29- إن كل نفس لا تدخل فى هذا اليوم عينه تقطع من شعبها.

ورد شرح هذا فى تفسير الأصحاح السادس عشر (ع 29).

(تقطع من شعبها): كان الشخص الذى يتعمد عدم الصوم يعاقب بالقتل. لأنه يعتبر مصرا على خطاياه التى يكفر عنها فى ذلك اليوم. ومخالفا لأوامر الله.

30- وكل نفس تعمل عملا ما فى هذا اليوم عينه أبيد تلك النفس من شعبها.

حتى إن أعفى أو أفلت من يد القضاء البشرى. كان الله يبيده بنفسه.

31- عملا ما لا تعملوا فريضة دهرية فى أجيالكم فى جميع مساكنكم.مر هذا فى شرح (ص 29:16).

32- إنه سبت عطلة لكم فتذللون نفوسكم. فى تاسع الشهر عند المساء من المساء إلى المساء تسبتون سبوتكم.مر شرح هذا فى تفسير (ص 31:16). وكلمة (سبت) هنا معناها الراحة. (وتسبتون) أى تستريحون. و(تسبتون سبوتكم) أى تأخذون اليوم عطلة لكم. فتكفون عن أعمالكم وتستريحون.

(فى تاسع الشهر عند المساء من المساء إلى المساء): كانوا يكفون عن العمل ابتداء من مساء اليوم التاسع لأنه بداية اليوم العاشر عند اليهود. وتستمر العطلة إلى مساء اليوم العاشر أى إلى بداية اليوم الحادى عشر.

عيد المظال (ع 33- 43)

33- وكلم الرب موسى قائلا.

تتكلم هذه الآيات عن عيد المظال باستثناء العددين (37، 38) اللذين يلفت الرب نظرهم فيها إلى المحرقات اليومية وحفظ السبت والنذور والنوافل. ثم يستأنف الكلام عن عيد المظال كما سنرى :

1- هذا العيد هو آخر الأعياد والمواسم المقررة فى الناموس. وبه يختتم العام الزراعى. وقد سمى

(عيد المظال) لأنهم كانوا يسكنون خلاله فى مظال مصنوعة من أغصان الشجر (ع42). ودعى

أيضاً (عيد الجمع خر 16:23،22:34) حيث كانوا يجنون جميع المحاصيل الباقية وثمار الأشجار مثل الكروم والزيتون، ويضعون الجميع فى الأهراء (المخازن)، وبذلك يعتبر ثالث عيد زراعى باعتبار أن عيد تقديم باكورة الشعير هو العيد الزراعى الأول، وعيد الخماسين هو العيد الثانى. كما يعتبر المظال أيضاً ثانى أعياد الحصاد باعتبار أن الخمسين هو عيد الحصاد الأول. ودعى هذا العيد أيضاً (عيد الشكر) لأنهم كانوا يقدمون فيه شكرهم للرب على إحساناته وبركاته.

2- رتب هذا العيد:

(أ) شكرا لله على انتهاء عامهم الزراعى ومرور الأعياد المقررة بسلام وعلى النعم التى يغدقها عليهم.

(ب) وتذكارا لتغربهم فى البرية حيث كانوا يسكنون الخيام التى تشير إليها مظال العيد. وتمجيدا للرب الذى أدخلهم أرض الموعد حيث استقروا فيها بعد غربة طويل وتجول شاق.

3- كان من الأعياد الثلاثة التى يمثل فيها الذكور أمام الرب (خر 14:23- 17)، ولذلك كان الاحتفال به أمام بيت الله.

4- وكان من الأعياد التى يعيد بها بعد دخولهم أرض كنعان.

5- مدة العيد سبعة أيام. يليها يوم ثامن. كان بعض العلماء يعتبرونه عيدا قائما بذاته. والبعض يضمونه لعيد المظال لاتصاله به. وكل من اليوم الاول واليوم الثامن كان محفلا مقدسا.

6- وعيد المظال يشبه عيد الفصح من بعض الوجوه منها:

(أ) أنهما حدا الاعياد الموسوية المقدسة. فعيد الفصح أول الأعياد وبه تبتدئ مواسم الرب. وعيد المظال آخر الأعياد وبه تختتم.

(ب) وهما العيدان الطويلا المدى لان كلا منها يستغرق اسبوعا. غير ان عيد الفصح كان يعيد بفطير وليس بخبز مختمر. وعيد المظال لم يشترط فيه ذلك.

7- لأهمية العيد نراه قد ذكر فى مواضع متعددة فى الكتاب المقدس. وذكر الوحى الأشخاص الذين اهتموا به والظروف السعيدة التى كانوا يحتفلون فيها به. فذكر مثلا اهتمام سليمان به (2أى 13:8). وفى غمرة الفرح بعد عودة الشعب من السبى فى عيد نحميا وعزرا وزربابل احتفلوا بعيد المظال

(نح 13:8 – 18، عز 4:3)، وقد ذكر يوحنا البشير اهتمام اليهود بالاحتفال به حيث يقول: (وكان عيد المظال قريبا يو 2:7). وتنبأ زكريا النبى بأن الكنيسة المسيحية فى مجدها ستحتفل روحيا بعيد المظال. كما – سنرى ذلك فى التأمل فى آخر الأصحاح (زك 16:14…..).

8- وقد كانت الشريعة تقرأ بناء على أمر الرب فى كل سنة سبتية (سابعة) فى عيد المظال (تث 9:31- 13، نح 13:8- 18).

9- وكان العيد فرحا شاملا لجميع الأغنياء والفقراء (ع 40). ولذلك كانت الذبائح المقررة له وفيرة العدد جداً تعبيرا عن الفرح الروحى العظيم وشكرهم الجزيل للرب (عز 12:29-39). وسنرى كيف كان الشعب يعيدون العيد باحتفالات بالغة الروعة والجمال. ونظرا لأهميته دعاه بعض المؤرخين مثل يوسيفوس وفيلو (العيد الأقدس والأعظم).

34- كلم بنى إسرائيل قائلا. فى اليوم الخامس عشر من هذا الشهر السابع عيد المظال سبعة أيام للرب.

1- كان العيد سبعة أيام تبدأ من اليوم الخامس عشر أى بعد مساء اليوم الرابع عشر من الشهر السابع (تشرين الأول) الذى يدعى أيضاً (ايثانيم 1مل 2:8). ويوافق شهر سبتمبر أو أكتوبر. وينتهى فى اليوم الحادى والعشرين.

(سبعة أيام للرب) لأن الأعياد كلها للرب. حيث يتذكر الإنسان إحساناته ويمجده. وقول الوحى أن العيد سبعة أيام يبين أن اليوم الثامن كان عيدا قائما بذاته.

2- كان اليهود يذهبون إلى أورشليم قبل العيد بيوم. وكان بعضهم يذهب إليها قبل اليوم العاشر من الشهر ليرى أيضاً يوم الكفارة العجيب. ويقيم فى أورشليم حتى يعيد بعيد المظال وكانوا يبتدئون فى إقامة المظلات بمجرد انتهائهم من عيد الكفارة. وفى مساء اليوم الرابع عشر ينفخ الكهنة فى الأبواق إعلانا عن قدوم العيد وينظفون مذبح المحرقة. ويفتحون الأبواب حتى يتسنى للشعب أن يدخل ليشاهد الاحتفالات العظيمة بالعيد.

35- فى اليوم الأول محفل مقدس. عملا ما من الشغل لا تعملوا.

1- كان كل من اليوم الأول واليوم الثامن محفلا مقدسا. لا يعمل فيه الناس أعمالهم المعيشية. وإنما يجتمعون للاحتفال بالعيد فى العبادة والفرح المقدس.

2- ويذكر التلمود أنه ابتداء من اليوم الأول ولمدة السبعة أيام كان يخرج مع الفجر موكبان عظيمان أحدهما يتوجه لجمع أغصان الزيتون والأشجار الأخرى وسعف النخل. والثانى يتوجه إلى بركة سلوام ومعه أحد الكهنة يحمل ابريقا من الذهب فيغترف ثلاث مرات من مياه البحيرة ويملأ ابريق الذهب. ومع الموكبين جماعات من المرنمين. ويعود الموكبين بين الهتافات والترانيم ويصلان إلى الهيكل فى وقت واحد تقريبا حيث توقد محرقة الصباح. ويقيم حاملوا الأغصان مظلة جميلة من سعف النخل وأغصان الأشجار على المذبح. بينما يستقبل الكهنة زميلهم الذى يحمل ابريق الماء بالنفخ ثلاثا فى الأبواق. فيصعد الكاهن على درج المذبح ومعه كاهن آخر يحمل ابريقا آخر من الذهب به الخمر. فيسكبان المحرقة من الماء والخمر فى طستين من الذهب مثقوبين ومنبتين على المذبح. فينساب السكيب إلى أسفل المذبح. وكان الناس يستقون الماء بفرح من بركة سلوام فى أيام العيد تذكارا لخروج الماء من الصخرة على يد موسى النبى وشرب آبائهم منها. كما كانوا يرون فى ذلك صدى لقول اشعيا النبى: (أيها العطاش جميعا هلموا إلى المياه والذى ليس له فضة تعالوا اشتروا بلا فضة وبلا ثمن خمرا ولبنا أش 1:55) وقوله أيضاً (وتستقون مياها بفرح من ينابيع الخلاص أش 3:12).

وهذه النبوات تشير إلى النعم والبركات التى سكبها الله على البشرية فى عهد النعمة.

ومما يروى بهذه المناسبة أن الصدوقيين كانوا يرون الاقتصار على سكب الخمر وحده بينما كان الفريسيون يرون سكب الخمر والماء. وحدث أن رئيس الكهنة واسمه اسكندر بانياس كان من الصدوقيين سكب فى عيد المظال فى سنة من السنين الخمر فقط وألقى بالماء بازدراء على الأرض بعيدا عن المذبح فهاج عليه الفريسيون وحاولوا قتله وقامت معركة بين القريقين فى الهيكل أسفرت عن قتل نحو ستة الآف شخص. وظل الفريسيون فيما بعد يتفاخرون بانتصارهم على الصدوقيين. وكلما سكب الماء كانوا يلوحون بأغصان الأشجار والسعف ويهتفون علامة على فرحهم وافتخارا بانتصارهم على الصدوقيين.

4- أما اليوم الثانى فكان يدعى الاحتفال الأصفر تمييزا له عن اليوم الأول الذى كان فيه محفلا مقدس. وابتداء من اليوم الثانى وإلى اليوم السابع كانت تقام احتفالات مسائية بهيجة يسمونها (فرح مجارى المياه)، حيث كانوا يضيئون فى دار الهيكل منارتين عاليتين يبلغ ارتفاع الواحدة نحو خمسين ذراعا فى أعلى منهما أربعة سرج كبيرة من الذهب. قال العلماء إن فتائلها كانت من الملابس المستهلكة للكهنة، فيرى نورها جميع أهل مدينة أورشليم فى مختلف نواحيها. وحول أنوار هذه الثريات كان أتقياء الشعب وحتى الكهنة يرقصون رقصا مقدسا ويطربون ويترنمون وهم يحملون مصابيح مضاءة أيضاً. بينما الكهنة وهم واقفون على الدرجة الخامسة عشرة من درجات الهيكل التى كانت تؤدى إلى دار النساء كانوا يشاركون بترنيم مزامير المصاعد (من مزمور 120 إلى مزمور 134) بأصواتهم وبالأدوات الموسيقية، وفى نفس الوقت كان الناس فى كل أنحاء المدينة يضيئون المصابيح فى الشوارع حتى تصبح المدينة كتلة من النور البهيج. كما كانوا يزينون البيوت بالزهور والرياحين.

والمؤمنون فى الكنيسة المسيحية كثيرا ما يحتفلون بالأعياد المجيدة التى تحمل أجمل الذكريات وأمجدها بالترنيم والتسبيح. وكثيرا ما يحملون الشموع المضاءة إشارة إلى نور عهد النعمة. وإلى فرحهم المقدس بأعمال الله لأجل الإنسان، وإلى حياتهم وأعمالهم التى يجب أن تكون مشرقة ومضيئة.

5- يحدثنا القديس يوحنا فى بشارته (ص 7،8) عن صعود الرب يسوع إلى أورشليم فى عيد المظال لآخر مرة فى حياته المقدسة بالجسد. حيث علم فى الهيكل. وتحدث عن ازليته وألوهيته. وعن موته وقيامته وصعوده وصارت مباحثات كثيرة بشأنه فمن السامعين من آمن به. ومنهم من دافع عنه مثل نيقوديموس. ومنهم من جدف عليه. وأظهر حسده وحقده على شخصه المبارك. حتى طلبوا أن يمسكوه ولم يقدروا لأن الساعة التى عينها فى قصده الإلهى لم تكن قد أتت بعد.

وبعد هذا العيد المجيد دافع عن المرأة التى أمسكت فى زنى بعد أن كشف للمشتكين عليها شرورهم وريائهم (يو 2:8- 11). ويرجح أنه شفى الشخص المولود أعمى بعد العيد بقليل أيضاً (يو 9).

ويقول البشير الجليل: (وفى اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلا: إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب). من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حى. قال هذا عن الروح الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه لأن الروح القدس لم يكن قد أعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مجد بعد (يو 37:7- 39).

ويرى بعض المفسرين أن المقصود باليوم الأخير من العيد هنا هو اليوم السابع. والأرجح أنه ثامن يوم حيث كان المحفل المقدس. ويرجح أن يسوع قال هذا إذ رأى الناس مهتمين فى أيام العيد بالاستقاء من بركة سلوام. وفى جلب الماء منها تذكارا لإخراج موسى الماء من الصخرة. فأعلن لهم المخلص أنه ينبوع المياه الحية وأنه الصخرة الحقيقية التى تابعتهم فى البرية. وتتابعهم وستتابع المؤمنين فى كل الأيام وإلى إنقضاء الدهر كما يقول الرسول عنه (والصخرة كانت المسيح 1كو 4:10). كما كشف لهم عن نعمة الروح القدس. موعد الآب. الذى يحل عليهم بعد صعوده إلى السماء.

وفى العيد أيضاً أعلن يسوع إعلانا آخر بقوله: (أنا هو نور العالم من يتبعنى فلا يمشى فى الظلمة بل يكون له نور الحياة يو 12:8). ويرجح أيضاً أنه قال هذا إذ رأى الأنوار الكثيرة التى كانوا يضيئونها فى العيد، لكى يعلمهم أنه النور الحقيقى الكامل الشامل الذى يضئ ليس مدينة أورشليم وحدها لفترة العيد ثم ينطفئ. بل يضئ لكل العالم. ويمكث معهم إلى الأبد. والذى قال عنه البشير نفسه بالروح القدس فى بدء بشارته: (فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس والنور يضئ فى الظلمة والظلمة لم تدركه…. كان النور الحقيقى الذى ينير كل إنسان آتياً إلى العالم. كان فى العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم. إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه يو 4:1- 12).

36- سبعة أيام تقربون وقودا للرب. فى اليوم الثامن يكون لكم محفل مقدس. تقربون وقودا للرب. إنه اعتكاف. كل عمل شغل لا تعملوا.

يتحدث الوحى فى هذا العدد عن أمرين:

(أولا) (الوقود) أى القرابين التى تقدم خلال السبعة أيام.

(ثانيا) (اليوم الثامن).

أولا : الوقود خلال السبعة أيام

(سبعة أيام تقربون وقودا للرب)

ذكر سفر العدد الذبائح التى كانت تقدم للرب فى كل يوم من أيام العيد (عد 12:29- 39). وكانت الذبائح التى تقدم يوميا هى :

(اولا) محرقة العيد من عدد من الثيران يتناقص يوما بعد يوم. ففى اليوم الأول كان يقدم ثلاثة عشر ثورا وفى الثانى اثنا عشر ثورا وفى الثالث أحد عشر ثورا وهكذا إلى تمام السبعة أيام فيبلغ مجموع الثيران سبعين ثورا. وكبشين وأربعة عشر خروفا حوليا لكل يوم. والتقدمة الطعامية كالمعتاد لكل ثور ثلاثة أعشار دقيق ملتوتة بالزيت. ولكل كبش عشران. ولكل خروف عشر واحد.

(ثانيا) ذبيحة خطية للعيد من تيس من المعز.

(ثالثا) هذا فضلا عن المحرقة اليومية الدائمة فى الصباح وفى المساء.

(رابعا) وفضلا عما يقربه الشعب من ذبائح السلامة والنذور والنوافل والقرابين التطوعية ابتهاجا بالعيد.

ثانيا : اليوم الثامن (فى اليوم الثامن يكون لكم محفل مقدس):

أى يكفون فيه عن جميع الأعمال الغير ضرورية كما يفعلون فى اليوم الأول.

1- يعتبر اليوم الثامن عيدا مستقلا وإن كان يضم إلى عيد المظال لاتصاله به كما عرفنا. وكان الاحتفال به أروع وأبهج الاحتفالات ويرجح أنه الذى دعى اليوم الأخير والعظيم فى العيد فى بشارة يوحنا (37:7) كما رأينا أيضاً.

2- كانت الجموع تستقى الماء من البركة كما مر بنا وهم يترنمون ترنيمة أشعياء (أيها العطاش جميعا هلموا إلى المياه والذى ليس له فضة تعالوا اشتروا وكلوا. هلموا اشتروا بلا فضة وبلا ثمن خمرا ولبنا. فتستقون مياها بفرح من ينابيع الخلاص أش 1:55، 3:12). وإذ يصلون إلى دار الهيكل كانوا يطوفون سبع مرات حول المذبح المقدس وهم يرنمون ترانيم النصر والفرح. تذكارا لطواف آبائهم حول أريحا على يد يشوع بن نون حيث سقطت أسوار المدينة العظيمة (يش 12:6- 20). وهم يتذكرون بكل ذلك جميع ما فعله الرب معهم من قوات وعجائب وإحسانات. وسقوط جميع أعدائهم أمامهم.

3- و(اليوم الثامن) مثله كمثل (غد السبت) الذى كانت تقدم فيه حزمة الباكورة (ع 9-15). فكلاهما بداية أسبوع جديد. وكلاهما يوم جديد. وكلاهما يشير إلى :

(أ) يوم الرب (الأحد) الذى قام فيه الرب من الأموات فأصبح راحة المؤمنين ومحفلهم المقدس فى عهد النعمة.

(ب) وإلى الراحة العظمى والفرح الكامل اللذين حظى بهما المؤمنون بموت المسيح وقيامته.

(جـ) وإلى نصرة الكنيسة الكاملة وازدهار الإيمان فى ربوع العالم. وإلى أبهج العصور التى ينتشر فيها ملكوت الله فى القلوب وفى الشعوب التى نصلى من أجلها دائما: (ليأت ملكوتك) لتكون ممالك الأرض كلها للرب ولمسيحه.

(د) ثم إلى الراحة العتيدة والمجد البهيج اللذين يتوقعهما أولاد الله فى السماء حيث تكون (سموات جديدة وأرضا جديدة يسكن فيها البر. 2بط 13:3). ومن هذه الناحية فهو (يوم الدهر) الذى يشير إليه القديس بطرس الآن وإلى يوم الدهر 2بط 18:3).

هذا هو اليوم البهيج العظيم الذى ينتظره المؤمنون حيث يفرحون مع الفادى ولا ينزع أحد فرحهم منهم (يو 22:16). وحيث يسكنون معه إلى أبد الآبدين. ويكونون كل حين مع الرب (1تس 17:4).

4- هذا وقد مر التعليق على اليوم الثامن بالتفصيل فى شرح (ص 3:12).

(تقربون وقودا للرب) :

كان الوقود والقرابين فى اليوم الثامن هى :

(أ) المحرقة من ثور من البقر وكبش واحد وسبعة خراف حولية مع تقدمتها وسكائبها.

(ب) ذبيحة خطية من تيس من المعز.

(جـ) فضلا عن المحرقة الدائمة فى الصباح وفى المساء وتقدمتها وسكائبها.

(د) وفضلا عما يقربه الشعب من الذبائح الأخرى التطوعية (عد 35:29- 39).

(إنه اعتكاف. كل عمل شغل لا تعملوا) :

دعا الوحى كلا من اليوم الثامن من عيد المظال واليوم السابع من أيام عيد الفطير (اعتكاف) (تث 8:16). والاعتكاف المقدس هو عطلة خشوعية تعييدية فيها يكف الإنسان عن أعماله ويتفرغ للعبادة.

وقد نادى الأنبياء بالاعتكاف المقدسة فقال يوئيل النبى (قدسوا صوما نادوا باعتكاف. يوئيل 15:2)، وندد الرب بالاعتكاف إذا لم يقترن بالتوبة وترك الخطايا فقال على لسان أشعياء النبى (لست أطيق الإثم والاعتكاف أش 13:1)، كما وبخهم على لسان عاموس بقوله: (لست التذ باعتكافاتكم عا 21:5). والكنيسة المقدسة ترتب أياما مباركة لبنيها يستطيعون فيها أن يعتكفوا اعتكافا روحيا. كما أنه من الواجب على المؤمنين فى عبادتهم الفردية والعائلية أن يخصصوا لأنفسهم أياما يعتكفون فيها عن أعمال العالم ومشاغله واهتماماته ليتفرغوا للصلاة والصوم وقراءة كلمة الله والكتب التقوية والتأملات الروحية التى تبنى النفس وتعزيها على أن يكون اعتكافهم مقترنا بالتوبة الصادقة والخشوع والانسحاق.

 

37- هذه هى مواسم الرب التى فيها تنادون محافل مقدسة لتقريب وقود للرب محرقة وتقدمة وذبيحة وسكيبا أمر اليوم بيومه.

هذا عرض إجمالى لمواسم الرب التى ذكرت فى الأصحاح. وهى السبت والفصح والفطير والباكورة والخمسين وأعياد الهتاف والكفارة والمظال. وقد اعتبرها الوحى محافل مقدسة للاجتماع بالرب وتقريب ذبائح وتقدمات لجلاله.

(أمر اليوم بيومه) أو (فريضة كل يوم بيومه): أى بحسب أنواع القرابين ومقدارها التى أمر بها الرب لكل يوم من هذه الأيام المقدسة.

38- عدا سبوت الرب وعدا عطاياكم وجميع نذوركم وجميع نوافلكم التى تعطونها للرب.

يجب تقديم جميع القرابين المقررة للأعياد (عدا سبوت الرب) أى بالإضافة إلى القرابين المخصصة للسبوت التى تتخلل الأعياد حيث كانت المحرقة الصباحية والمسائية ضعف ما كان يقرب فى كل يوم من أيام الأسبوع (عد 9:28، 10) وبالإضافة أيضاً إلى النذور والنوافل والعطايا التطوعية التى كان الشعب يقدمها.

إن الرب يعطى جميع عبيده بسخاء ولا يعير (يع 15:1). وهم بدورهم يجب أن يقدموا للرب كل حقوقه. ولا يجعلوا واجبا أو خدمة يقومون بها أو عطية يقدمونها تطغى على باقى الواجبات أو الخدمات أو العطايا. لأن من قصر فى واحدة يعتبر مستهينا بمجد الله ومعتديا على حقوقه.

39- أما اليوم الخامس عشر من الشهر السابع ففيه عندما تجمعون غلة الأرض تعيدون عيدا للرب سبعة أيام. فى اليوم الأول عطلة وفى اليوم الثامن عطلة.

عاد الوحى بعد الآيتين السابقتين فنبه عن عيد المظال. بالنسبة لأهميته ولأنه خاتمة الأعياد وذكرهم بوجوب اعتبار اليومين الأول والثامن محفلين مقدسين حتى يقدسوهما.

40- وتأخذون لأنفسكم فى اليوم الأول ثمر أشجار بهجة وسعف النخل وأغصان أشجار غبياء وصفصاف الوادى وتفرحون أمام الرب إلهكم سبعة ايام.

كانوا يأخذون من أثمار الأشجار ومن أغصانها. فالأثمار كانت تعلق على المظلات للزينة. بينما السعف الكبير والأغصان الكبيرة كانت تستخدم فى إقامة المظال وعمل سقوفها. أما السعف الصغير (القلوب الداخلية) للنخيل أو الأغصان الصغيرة من الأشجار فكانت تحمل فى الأيدى ابتهاجا بالعيد. وفى الغالب كانت تضفر أو تجدل وتصنع منها لباليب أو لوالب. والبلاب أو اللولب كان يزين بالريحان والزيتون وأوراق الليمون والمشمش وغيرها كما يفعل المسيحيون اليوم فى الاحتفال بأحد الشعانين (السعف). ويلاحظ أنه كان عليهم أن يأخذوا:

(أ) (ثمر أشجار بهجة) أى فواكه الثمار النضرة الجميلة مثل التفاح والاترج.

(ب) (وسعف النخل) الكبير منه والصغير أى أغصانه. وسعف النخل يشير إلى الانتصار. وأعضاء الكنيسة المنتصرة سيحملون سعف النخل فى أيديهم (رؤ 9:7).

(جـ) و(أغصان أشجار غبياء) أو (اثيثة) أى كثيفة الأوراق تصلح لعمل المظلات وتغطية جدرانها وسقوفها وتحمل فى الأيدى أيضاً مثل شجر الآس.

(د) و (صفصاف الوادى) وهو الصفصاف الذى ينبت عند مجارى المياه (أش 4:44) وورقه طويل وناعم الملمس. وينمو الصفصاف كثيرا فى فلسطين. وتوجد أشجار الصفصاف أيضاً فى بابل. المدينة التى سبى إليها بنو إسرائيل فيما بعد. وكانوا يرنمون بحزن قائلين: (على أنهار بابل هناك جلسنا. بكينا أيضاً عندما تذكرنا صهيون. على الصفصاف فى وسطها علقنا أعوادنا لأنه هناك سألنا الذين سبونا كلام ترنيمة ومعذبون سألونا فرحا قائلين رنموا لنا من ترنيمات صهيون. كيف نرنم ترنيمة الرب فى أرض غريبة…… مز 1:137…).

لعل جمعهم الأشجار المختلفة فى عيد المظال بما فيها الصفصاف الذى جلسوا تحته فى حزن وتذلل فى بابل، وسعف النخل الذى يشير إلى النصر والأشجار البهجة التى تشير إلى الفرح، وصفصاف الوادى الذى يشير إلى النمو والازدهار، لعل فى كل هذا صورة لشعب الله فى مختلف تطوراته. وموجزا لتاريخه فى مختلف عصوره. ومعاملة الله لهم حيث يهئ لهم مع التجربة المنفذ. وحيث كان يخرجهم من ضيقاتهم وآلامهم.

(وتفرحون أمام الرب إلهكم سبعة أيام):

كان عيد المظال أبهج الأعياد وأروعها فيه يفرح جميع بنى إسرائيل. حتى أن معلمى اليهود والمؤرخين مثل يوسيفورس وبلوطرخوس يقولون (من لم ير أفراح عيد المظال لا يعرف ما هو الفرح)، ونلاحظ أنه:

(أولا) كان للفرح دواعيه المقدسة:

(أ) لأنه يذكرهم بالأربعين سنة التى كانوا متجولين فيها فى البرية بدون وطن وبدون استقرار. وفى نفس الوقت يذكرهم بدخولهم أرض الموعد وتمتعهم بالحرية والسلام وملكية الأرض.

(ب) وكان العيد خاتمة عامهم الزراعى حيث يكونون قد جمعوا محاصيل الأرض وثمار الأشجار ووضعوها فى المخازن كما يقول سفر التثنية (تعمل لنفسك عيد المظال سبعة أيام عند تجمع من بيدرك ومن معصرتك تث 13:16).

(جـ) وكانوا فى نفس الوقت ينتظرون البركة من الرب فى محاصيلهم حسب وعده فى سفر التثنية أيضاً: (لأن الرب إلهك يباركك فى كل محصولك وفى كل عمل يديك فلا تكون إلا فراحا تث 15:16).

(د)  وكان العيد خاتمة أعياد الرب ومواسمه. ومازالت الشعوب تفرح فرحا عظيما فى ختام أعيادها التى يؤهلهم الله للاحتفال بها.

(هـ) وقد حمل إليهم ذكريات أخرى كسقوط أسوار أريحا أمامهم وانتصارهم على الشعوب الكثيرة.

(و) وقد كان للفرح فى عيد المظال واقعة الممتاز لأنه يجئ مباشرة بعد عيد الكفارة بأربعة أيام. حيث كانوا يتذللون ويصومون ويحزنون ويقدمون للرب ذبيحته للتكفير عن خطاياهم. وهذا هو طريق الرب دائما مع أبنائه المنسحقين بالروح والذين يعيشون فى شركة مقدسة معه. فدموع التذلل والانسحاق والصوم والتوبة تتبعها أفراح الغفران. ومشقة الطريق الضيقة التى يسلكها المؤمنون بما يلاقون فيها من مشقات ومتاعب واضطهادات وضرورات وتجارب. يصحبها الرجاء الحى وهدوء القلب وراحة الضمير وسلام الله الذى يفوق كل عقل، وتتبعها أفراح الأبدية وأمجاد السماء.

(ثانيا) وكان للفرح روحانيته:

(أ) لأنه كان (أمام الرب). أمام بيته المقدس. وفى نطاق محبته وطاعته ومخافته. مقرونا بالعبادة الروحية المقدسة. والتسلية النقية والموقرة البريئة. كانت أبواق العيد وطبوله تضرب كل يوم إحدى وعشرين مرة. وقد رأينا روعة استقاء الماء من بحيرة سلوام وكيف كانوا يقيمون الأفراح صباحاً ومساء. وعندما كانت الذبائح تقدم كانوا يضربون بالأبواق وكان اللاويون يترنمون بالمزمور المائة والثامن عشر وعندما يبدأونه بقولهم (احمدوا الرب لأنه صالح لأن إلى الأبد رحمته ع1). كان جميع الشعب يلوحون بلبالب سعف النخل وأغصان الأشجار. وعندما يصل المرنمون إلى قول المزمور: (أه يارب خلص آه يارب أنقذ ع25) وهى نفس الآيه التى تعنى (أوصنا) أو (هو شيعه نا) كان الشعب يلوح مرة ثانية. وإذا ما رنموا (ع29) الذى يقول أيضاً (احمدوا الرب لأنه صالح لأن إلى الأبد رحمته)، كان الشعب يلوحون مرة ثالثة.

وعندما كان الكاهنان يسكبان الخمر والماء على المذبح كان المرتلون يرنمون بالمزامير من (113) إلى (118) ويسمونها التهليل. كما كانوا يرنمون بمزامير (136) الذى كان يسمى التهليل الكبير. وكلما وصلوا فيه إلى قول المرنمين (احمدوا الرب لأنه صالح لأن إلى الأبد رحمته) كان الشعب يلوح بالسعف والأغصان أيضاً. ولكثرة التهليلات والتمجيدات والاستغاثات الابتهالية فى اليوم السابع من العيد حتى أنهم كانوا يرددون التهليل سبع مرات دعوا هذا اليوم (هوضاه دباه) أى يوم (أوصنا العظيم).

والكنيسة المقدسة لا تزال تصلى وترنم بالمزامير المقدسة. والمزمور المائة والسادس والثلاثون (وترقيمه أيضاً المائة والخامس والثلاثون) من ضمن تسابيح الكنيسة وتدعوه فى تسبيحتها وتبدأ به (الهوس الثانى) وكلمة (هوس) كلمة يونانية معناها التسبيح، ويبدأ هذا المزمور بقول الوحى واحمدوا “اشكروا” الرب لأنه صالح لأن إلى الأبد رحمته).

(ب) وكان من روحانية الفرح أن عطايا الأغنياء كانت غنية جدا حتى يكون الفرح بالعيد شاملا

لجميع طبقات الشعب … حتى الفقراء والمساكين كما يقول الوحى الإلهى فى حديثه عن هذا العيد

(وتفرح فى عيدك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك واللاوى والغريب واليتيم والأرملة الذين فى

أبوابك تث 14:16).

ولقد قدس علماء اليهود هذه الأفراح المقدسة الموقرة بل اعتبروها خدمة للرب حتى قال بعضهم:

(إن الفرح الذى يعمله الإنسان لتنفيذ وصية هو بالحقيقة خدمة عظيمة).

 

41- تعيدونه عيد للرب سبعة أيام فى السنة. فريضة دهرية فى أجيالكم. فى الشهر السابع تعيدونه.

كرر الرب لهم أمر هذا العيد تقريرا للمعنى فى أذهانهم. وقوله (فريضة دهرية فى أجيالكم) أى مادامت أمتهم وكهنوتهم اللاوى قائمين.

42- فى مظال تسكنون سبعة أيام. كل الوطنيين فى إسرائيل يسكنون فى المظال.

(فى مظال تسكنون سبعة أيام):

1- المظال جمع (مظلة) ومعناها (الخص). وهى بالعبرية (سكوت تك 17:33). وكانت هذه الأخصاص تصنع فى أشكال مختلفة. من الجريد الذى به أوراق ومن أغصان الأشجار وكانت جدرانها وسقوفها لا تكسى بالجلد أو القماش كالخيام. وإنما كانت تغطيها الفروع والأوراق. حتى يمكن رؤية السماء بنجومها من خلالها ليتذكروا العراء الذى كانوا يعيشون فيه فى تجولهم فى البرية. ولم يكن لهذه المساكن الوقتية أبواب. وكانت تقام فى الدار الخارجية من الخيمة أو من الهيكل. وفى شوارع أورشليم وعلى الجبال التى تحيط بها وعلى سطوح المنازل.

2- كانوا يقيمون فى هذه المظال سبعة أيام. أما فى اليوم الثامن فكانوا لايقيمون فيها.

(كل الوطنيين فى إسرائيل يسكنون فى المظال):

يسكن جميع الشعب فى المظال. حتى سكان أورشليم أنفسهم كانوا يتركون منازلهم ويسكنون فى المظال التى يقيمونها لأنفسهم.

43- لكى تعلم أجيالكم أنى فى مظال أسكنت بنى إسرائيل لما أخرجتهم من أرض مصر. أنا الرب إلهكم.إن سكناهم فى المظال فى أيام العيد يذكرهم بارتحالهم فى البرية حيث كانوا يعيشون فى خيام. وتذكرهم هذا يرسم أمامهم صورا واضحة لسعة محبة الله لهم. وعنايته بهم. ورعايته وحراسته لهم. ليذكرهم أنه أنقذهم من عبودية فرعون ملك مصر. وشق أمامهم البحر بعد أن ضرب المصريين بضربات متنوعة. يذكرهم أنه كان ينزل عليهم المن والسلوى لكى يأكلوا. ويفجر لهم ينابيع مياه من الصخرة لكى يشربوا. ويظللهم بعمود السحاب نهارا ويضئ لهم بعمود النار ليلا. ويذكرهم بالشعوب والملوك الأقوياء الذين انتصروا عليهم بقوته مثل شعب العمالقة. ومثل عوج ملك باشان وسيحون ملك الآموريين وبالاق ملك كنعان. يذكرهم أنه منع بلعام بن بعور عن أن يلعنهم. فنطق بالبركة عنهم بدل من أن  يلعنهم. يذكرهم بعصيانهم وتمرداتهم وخيانتهم مرارا وتكرارا. ومعاقبة الله لهم ولآبائهم. ثم بطول أناته وصفحه ورحمته. ويذكرهم أخيرا بدخولهم أرض كنعان بعد أن طرد الرب شعوبا قوية شريرة من أمامهم. وباستقرارهم فى الأرض وتمتعهم بخيراتها وبركاتها.

وهكذا الأعياد فى العهدين القديم والجديد لها ذكرياتها القوية. وتأثيرها الروحى الفعال فى قلوب المؤمنين.(أنا الرب إلهكم): الذى فعلت كل هذا مع آبائكم ومعكم. ومازلت وسأظل أعتنى بكم وأرعاكم إذا سرتم فى فرائضى.

44- فاخبر موسى بنى إسرائيل بمواسم الرب.

أبلغ موسى شعبه جميع وصايا الرب. وعلمهم كل ما يتعلق بأعيادهم حسب ما أمره الرب. وموسى كان راعيا مثاليا وخادما أمينا فى بيته (عب 5:3). والرعاة والخدام مؤتمنون على كلمة الله وشريعته. وعلى شعبه ورعيته. وعليهم أن يكونوا أمناء فى التعليم. غير مقصرين فى واجبهم الروحى من أجل مجد الله وخلاص النفوس.

تأملات روحية ورمزية فى عيد المال:

إن عيد المظال هو خاتمة مواسم الرب فى العهد القديم. وكل ما فيه من صور وطقوس مقدسة ومعان يملأ قلوب المؤمنين بالإيمان والرجاء والمحبة والفرح بالرب.

والعيد يرسم أمامنا عدة أمور روحية ورمزية منها:

1- كان المعيدون يقيمون خلال العيد فى (مظال) تذكرهم بتجولهم فى البرية قبل أن يصلوا إلى أرض كنعان حيث الاستقرار والإيمان. والمؤمنون فى هذا العالم يعيشون فى برية. غرباء ونزلاء. ويجب أن يعيشوا زمان غربتهم بخوف (1 بط 17:10 ). والمرنم صرخ قديما (غريب أنا فى الأرض لاتخف عنى وصايك مز 19:119 ). وما أجسادنا إلا خيمة وقتية. خيمة تظللنا فى برية. خيمة تتعرض لعوامل متنوعة من الأمراض والمتاعب والمشقات. ونحن فى غربتنا ننتظر وطنا أفضل (لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة عب 14:13 ). وهذه الأجساد التى تعتبر خيمة ومظلة لأرواحنا سوف تتغير لصورة أمجد (لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضى فلنا فى السموات بناء من الله بيت

غير مصنوع بيد أبدى 2كو 1:5 ).

إننا فى آلامنا وأتعابنا وأمراضنا نعيش فى رجاء وسلام لأننا ننتظر (لتبنى فداء أجسادنا رو23:8) حينما تتغير أجسادنا إلى عدم الفساد. وإلى حالة المجد والقوة لتكون مشابهة لجسد ابن الله بعد قيامته من الأموات. (فإننا فى هذه أيضاً نئن مشتاقين إلى أن نلبس فوقها مسكننا الذى من السماء. وإن كنا لابسين لانوجد عراة. فإننا نحن الذين فى الخيمة نئن مثقلين إذ لسنا نريد أن نخلعها بل أن نلبس فوقها لكى يبتلع المائت من الحياة 2كو2:5-4).

2- دعى هذا العيد أيضاً (عيد الجمع) لأنهم كانوا يعيدونه بعد أن يكونوا قد جمعوا محاصيلهم وثمارهم ووضعوها فى مخازنهم. والحصاد والجمع يرسمان أمامنا صورا معزية كثيرة.

فنحن نتذكر بالحصاد الحصاد الروحى فى كرم الرب الواسع حيث يعمل فيه عبيد الله وخدامه. ولقد اختار الرب له رسلا وتلاميذ يعملون فى حصاده المقدس وقال لهم (الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون. فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده مت37:9،38 ). ولقد أنبأهم بأن عملهم الروحى يجب أن يبدأ فيه بالفعل لأن الأنبياء قد أعدوه لهم لأنهم سبقوا فأعدوا القلوب للمسيح المنتظر صانع الخلاص العظيم. وهو تبارك اسمه وضع لهم الأساس المقدس فى العمل الروحى. وعلمهم أن يبنوا على هذا الأساس. وينشروا كلمته. ليس بين اليهود فقط بل وبين الأمم أيضاً. قال هذا عندما وجده تلاميذه يتكلم مع المرأة السامرية ويعد قلبها وقلوب شعبها لقبول بشارة الخلاص: (أما تقولون أنه يكون أربعة أشهر ثم ياتى الحصاد. ها أنا اقول لكم ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول إنها قد ابيضت للحصاد. لأنه فى هذا يصدق القول إن واحدا يزرع وآخر يحصد. أنا أرسلتكم لتحصدوا ما تتعبوا فيه. آخرون تعبوا وأنتم دخلتم على تعبهم يو 35:4-38).

ونحن نتذكر أيضاً بجمع المحاصيل أمرا مزدوجا عظيما يكون فى آخر الأيام. أمر له وجهان، وجه يتعلق بالأشرار الذين يشبههم الكتاب المقدس أحيانا بالتبن وأحيانا بالزوان. وكلاهما يحزمان حزما ويلقيان فى النار. والوجه الثانى يتعلق بالصديقين والأبرار الذين يشبههم بالحنطة التى يضمها إلى المخازن (مت12:3،24:13-30).

والزرع والحصاد يرسمان أمامنا صورة جميلة للزارع فى عمله وجهاده وسهره ثم فى نجاحه وفرحه. إنه يعمل على رجاء. وما أحلى الساعة التى يحصد فيها ثمار زرعه وتعب يديه. فإن الذى يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً (غل 7:6).

ونحن فى غربتنا فى هذا العالم نؤمن بربنا. ونعمل جادين مثابرين. فى عبادتنا وخدمتنا وجهادنا، نجاهد قانونيا. ونزرع بالبركة زرعا جيدا صالحا. ونسلك فى رضى الرب ومخافته. وإن كنا نتعب قليلا أو كثيرا الآن. فكل أتعابنا ومشقاتنا ستنسى حينما نحصد ثمر جهادنا. ونكافأ بأسمى المكافآت ونأخذ الأكاليل التى لاتبلى فينطبق على كل واحد منا قول الرسول: (قد جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعى حفظت الإيمان وأخيرا قد وضع لي إكليل البر يهبه لي فى ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً 2 تى 7:4،8).

3- اتسم عيد المظال بالابتهاج والفرح الكاملين. وفى هذا رمز إلى الفرح الكامل الذى يصيب المؤمنين فى عهد النعمة. سواء أكانوا من اليهود أو من الأمم. فاليهود سيرد الرب سبيهم. ويقبلون المسيح الفادى ويؤمنون به. عندما يكمل ملء الأمم لأن البقية لابد أن تلخص (رو 27:9). والكنيسة ستتمتع بازدهار ونمو وسلام وفرح عظيم بالرب. يرى البعض أن هذا سيكون فى مدة محددة بألف سنة. ولكن معظم علماء الكتاب يرونها فترة غير محددة. تبدأ من قيامة الرب من الأموات وصعوده إلى السموات وتمتد إلى يوم مجيئه. والمؤمنون يصلون دائما من أجل تمجيد اسم الله وانتشار ملكوته فى القلوب فى الشعوب بقولهم دائما ( ليأت ملكوتك مت 10:6). والرب يجاوبهم مشجعا دائما بقوله (ها ملكوت الله داخلكم لو 21:17). وسيستمر هذا الازدهار وهذا النمو وهذا السلام وقد يكمل بشكل أروع وأعظم فى عصور مقبلة حتى تصير ممالك العالم لربنا ومسيحه (رؤ 15:11).

وقد أكد الوحى الإلهى أن الإيمان بالمسيح. والخلاص بالفداء الكفارى سيعم شعوب العالم. وقد رأى  زكريا بروح النبوة أن أمم العالم ستعيد عيد المظال حيث يقول: (ويكون يوم واحد معروف للرب لا نهار ولا ليل بل يحدث أنه فى وقت المساء يكون نور.. ويكون الرب ملكا على كل الأرض. فى ذلك اليوم يكون الرب وحده واسمه وحده.. ويكون أن كل الباقى من جميع الأمم الذين جاءوا على أورشليم يصعدون من سنة إلى سنة ليسجدوا للملك رب الجنود وليعيدوا عيد المظال زك 7:14،9،16). يقول النبى هذا روحيا مشيرا إلى الإيمان الواحد المشترك بالرب يسوع الذى يتمتع به المؤمنون من جميع الشعب. اليهود والأمم على حد سواء.

4- وعيد المظال يشير إلى الفرح الأعظم والأكمل الذى يحظى به المؤمنون فى ملكوت السموات. عندما يدخلون إلى حجال الملك السماوى (نش 4:1).ويسكنون معه فى المظال الأبدية. على هذا الرجاء يحيا المؤمنون. وعليه آمنوا بالمسيح المخلص. وعليه يجاهدون. ويسعون. ويحتملون ويبذلون ويضحون ويقدمون للرب مجدا. ولجميع الناس محبة كاملة، وخدمة صادقة أمينة. عاملين بقول الفادى: (وأنا أقول لكم اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم فى المظال الأبدية لو 9:16).

دروس وتأملات ختامية تتعلق بالأعياد:

أولا – الترتيب المعجزى للأعياد:

إن أعمال الله العجيبة تظهر حتى فى الترتيب الزمنى للأعياد. نرى هذا فى التوافق العجيب بين الترتيب الذى جاءت به وبين أعمال الفداء العجيب الذى صنعه الرب يسوع. سواء فى الأعياد التى ابتدأت بها سنتهم الدينية. أو فى أعياد الشهر السابع التى ختموا بها أعيادهم.

فالأعياد الأولى كانت على التوالى عيد الفصح والفطر وعيد ترديد الباكورة ثم عيد الخمسين. والفصح والفطير يرمزان إلى موت المسيح فصحنا الجديد لأجل فداء البشر. وكان الفصح والفطير يتصلان اتصالا وثيقا بتقديم باكورة الشعير الذى يشير إلى قيامة المسيح من الأموات. وتقديم الباكورة يتصل بدوره بعيد الخمسين (الحصاد) وهو العيد الذى حل فيه الروح القدس على كنيسة المسيح بعد موته وقيامته بأسابيع. واتصال الخمسين بترديد الباكورة زيادة على الجانب التاريخى الذى يحمله فإنه يحمل معنى تدبيريا عجيبا أيضاً. لأن يوم الخمسين الذى حل فيه الروح القدس بعد قيامة المسيح بخمسين يوما كان المنطلق لكنيسة المسيح للعمل فى الحصاد الروحى فى العهد الجديد بسعة وبحسب قصد الله الأزلى. حيث كان الروح القدس يعمل بشدة. وحيث كان الرب يضم إلى الكنيسة فى كل يوم الذين يخلصون (اع 47:2)، وحيث كانت كلمة الرب ولاتزال تنمو وتزداد وتقوى بشدة (اع 20:19).

وهكذا الحال فى أعياد الشهر السابع التى ختمت بها مواسم الرب. فعيد الهتاف كان فى أول السنة السياسية. وتبعه بمدة وجيزة عيد الكفارة الذى كان الشعب  يكفر فيه عن خطاياه. وبعد أيام من عيد الكفارة كان عيد المظال الذى فرح فيه الشعب باستقرارهم فى الأرض وتملكهم إياها بعد سكناهم فى المظال فى البرية. وهذا الترتيب المعجزى ظهر فى عمل المسيح العظيم. لأنه بدأ ينادى يكرز بسنة الرب المقبولة فى مستهل حياته العملية بالجسد. وبعد فترة قدم نفسه ذبيحة وكفارة عن جميع الناس. وبعمله الكفارى انتقل المؤمنون من حياة التيه والضلال الروحيين. من حياة التغرب عن الله، إلى حياة البنوة والحرية. إلى كنيسة العهد الجديد. وهذا كله عربون لاستقرارهم فى أورشليم السماوية مسكن الله مع الناس حيث ينسون غربتهم نسيانا كليا وحيث يمسح الله كل دمعة من عيونهم (رو 4:21).

ثانيا- كيف يجب على المؤمنين أن يعيدوا:

من خلال هذا الأصحاح رأينا أن الأعياد المقدسة قد وضعت لأجل خير المؤمنين ونفعهم. وفى الاحتفال بأعيادنا يجب أن نلاحظ:

1- أنه يجب أن نتذكر أن الأعياد ليست مجرد مهرجانات عالمية أو مواسم أرضية نستقبلها ونقضيها فى فرح عالمى. أو فى لهو ومجن. وإنما يجب أن تتسم أعيادنا بالروحانية ومخافة الرب لأن الأعياد كلها للرب كما رأينا.

2- إن الأعياد يجب أن تكون فرصا مجيدة لعبادة الرب. وتقديم القرابين مع ذبائح التسبيح والحمد.

3- ومع تقريب ذبائح الرب يجب أن نشرك إخوتنا الفقراء والمساكين معنا فى أفراح العيد بما نبعثه فى نفوسهم من المواساة والتعزيات وما نقدمه لهم من تقدمات وصدقات سخية.

4- وأفراح الأعياد يجب أن تنسينا الآمنا وأحزاننا. فنعيش فى جو روحى ملؤه الفرح الذى لا ينطق به. وبتعزيات السماء الفائقة التى يسكبها الروح القدس المعزى فى كل قلب وفى كل نفس.

5- يجب أن تتلامس قلوبنا مع الذكريات المجيدة لكل عيد. سواء كانت أعيادا سيدية نتذكر بها أعمال الفداء العجيب الذى صنعه الرب يسوع كعيد الميلاد أو عيد الغطاس أو عيد القيامة أو غيرها، أو أعيادا للقديسين أو للملائكة أو أعيادا دورية أخرى كعيد رأس السنة وغيره…. لأن تأملنا فى الذكريات المباركة تعمل على تهذيب أرواحنا وتدعم إيماننا وتملأنا قوة وتعزية وحماسا روحيا.

6- ويجب أن نستفيد من الترتيب الطقسى لكل عيد وما فيه من جلال وروحانية وعمق. وما يشتمل عليه من عبادات وقراءات وتأملات.

7- وبالجملة يجب أن نجعل الأعياد مناسبات سعيدة تذكرنا بأعمال الرب لأجلنا. ولنجتهد فى جعلها مثمرة فى حياتنا. نافعة لأجل تجديدنا. وبركة لنا ولكنيستنا ولبيوتنا وأولادنا. وكلما وضع الواحد منا

يده فى يد أخيه مهنئا بعيد من الأعياد. ليضع يده فى يد الله صاحب الأعياد وربها ليقدم الشكر من أعماق القلب. وليطلب رحمته ورضاه ومعونته. وليقطع مع نفسه عهدا ليتوب عن الخطايا ويعيش

فى شركة عميقة مع الله. وليضع يده مع جميع إخوته على أن يعيش مع الجميع بروح المحبه والصلح والسلام . وليعمل على تطهير حياته من كل شر وشبه شر ليكون له ضمير بلا عثرة من نحو الله

والناس ( اع 16:24).

8- بقى أن نذكر أيضاً أن نجعل كل أيام حياتنا فى عهد النعمة عيدا متصلا سعيدا، عيدا يسوده الشكر، والمحبه والسلام، عيدا يملأه الفرح الروحى المجيد، الفرح بالرب فى كل الظروف وفى كل الأحوال متذكرين قول الرسول: (افرحوا فى الرب كل حين وأقول أيضاً افرحوا فى 4:4).

 

 

Leave a Comment