تفسير سفر اللاويين – الأصحاح الثامن عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

يتضمن هذا الأصحاح بعض الأحكام الروحية والأدبية والاجتماعية يمكن أن نستنتج منها :

1- النهى عن التشبه بالشعوب الوثنية مثل المصريين والكنعانيين فى عباداتها وأمرهم بحفظ شرائعه (ع1-5).

2- الزيجات المحرمة (ع6-18).

3- أحكام تتعلق بحياة القداسة وتحاشى بعض العادات الوثنية أيضاً (ع19-23).

4- تهديدهم بالعقاب إذا زاغوا عن طريقه كما عاقب الشعوب التى زاغت عن طريقه (ع24-30).

النهى عن التشبه بالشعوب الوثنية مثل المصريين والكنعانيين فى عباداتها وأمرهم بحفظ شرائعه (ع1-5).

1- وكلم الرب موسى قائلاً .

2- كلم بنى إسرائيل وقل لهم . أنا الرب إلهكم .

1- كان على موسى أن (يكلم بنى إسرائيل) بأن يوصى هرون وبنيه بتعليمهم باعتبارهم الكهنة المكلفين بتعليم الشعب. وبأن يكلف الشيوخ والرؤساء بذلك باعتبارهم المسئولين عنهم أيضاً وبأن يكلم الشعب بنفسه رأساً أيضاً باعتباره نبى الله والرئيس المسئول الأول عن شعبه. والرؤساء مسئولون عن تبليغ كلمة الله إلى شعبهم بشتى الوسائل الممكنة.

2- (أنا الرب إلهكم) أو (أنا يهوه إلهكم): هذه العبارة المقدسة تكررت كثيراً فى هذا السفر وفى غيره. وكان الرب يذكرها عند إصداره الأحكام الهامة لكى يذكر الشعب:

( أ ) بأنه وحده إلههم فلا يجب أن يعبدوا غيره من الآلهة.

(ب) وبأن له أحكاماً مقدسة خاصة تختلف عن أحكام وشرائع الآلهة الوثنية فيجب أن يحفظوا شرائعه دون غيرها من الشرائع الباطلة.

(ج) وبأنه صاحب الأفضال العظيمة عليهم لأنه خلقهم واختارهم دون جميع الشعوب الوثنية وأخرجهم من مصر واعتنى بهم فى جميع الأجيال فلا يجب أن ينسوا نعمه وأفضاله عليهم .

(د) وأنه فى نفس الوقت الإله القادر القوى الرحيم الذى يكافئ محبيه ويعاقب مخالفيه فيجب عليهم أن يحبوه ويطيعوه .

(هـ) وأنهم الشعب المنتسب إليه والمكرس له فلا يسوغ لهم أن ينسوا هذه النسبة المقدسة. بل يسلكوا كما يليق بشعب مختار لله القدوس وبحسب الدعوة المقدسة التى دعوا بها.

3- مثل عمل أرض مصر التى سكنتم فيها لاتعملوا. ومثل عمل أرض كنعان التى أنا آتى بكم إليها لاتعملوا . وحسب فرائضهم لاتسلكوا .

يحذرهم هنا من أن يعملوا الأعمال الشريرة والعادات الممقوتة والخرافات الرديئة التى للمصريين الذين عاشوا بينهم أجيالاً، أو التى للكنعانيين الذين كانوا مزمعين أن يعيشوا فى أراضيهم متى وصلوا إلى أرض الموعد.

والمقصود (بالفرائض) هنا جميع تقاليد الشعوب وأحكامها وشرائعها الدينية والأدبية والاجتماعية.

4- أحكامى تعملون. وفرائضى تحفظون لتسلكوا فيها. أنا الرب إلهكم.

وإنما يجب عليهم أن يعملوا (أحكام) الله وحده أى شرائعه وأوامره ونواهيه، ويسلكوا فى (فرائضه) وحده أى كل ما فرضه عليهم روحياً أو أدبياً أو اجتماعياً، وكل ما يتعلق بنظم العبادة وطقوسها وممارساتها.

عاد الرب فقال لهم (أنا الرب إلهكم) ليؤكد لهم أن يعملوا أحكامه ويسلكوا فى فرائضه وحده دون أعمال وفرائض الآلهة الغريبة والشعوب الأخرى لأنهم شعب مختار ومقدس للرب .

5- فتحفظون فرائضى وأحكامى التى إذا فعلها الإنسان يحيا بها. أنا الرب .

إن العمل بوصايا الرب وحفظ أحكامه وشرائعه فيها حياة للناس، وهذه الحياة تتضمن:

( أ ) الحياة الطبيعية وكثيراً ما يكون زيغان الإنسان عن طريق الله عاملاً موته (لأن أجرة الخطية هى موت رو6: 23)، وقد عوقب أفراد بالموت وعوقبت شعوب بالدمار والانقراض بسبب البعد عن طريق الله (البر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الخطية أم14: 34) .

(ب) الحياة السعيدة المباركة سواء أكانت طويلة أو سمح الله أن تكون قصيرة، وقد قال داود النبى عن الرجل الذى يسير فى ناموس الرب إنه (يكون كشجرة مغروسة عند مجارى المياه التى تعطى ثمرها فى أوانه وورقها لايذبل وكل ما يصنعه ينجح مز1: 3) .

(ج) الحياة الروحية لأن كلمة الرب تعطى حياة لكل محبيها إذ (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله مت 4: 4) .

(د) الحياة الأبدية لأن القصد الإلهى من إعطائه وصاياه وشرائعه أن يحيا الحياة المقدسة هنا ويتمتع بالحياة الأبدية فى السماء كنتيجة طبيعية لمحبة المؤمنين لله وتسليمهم حياتهم له وطاعتهم لكلمته .

وقد ربط الكتاب المقدس مراراً بين الحياة وبين كلمة الله، فقد قال المخلص له المجد (الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة يو6: 63) وقال القديس بطرس الرسول (يارب إلى من نذهب كلام الحياة الأبدية عندك ع68) .

(أنا الرب) إن أحكامه وحده فيها الحياة والهداية والبركة بعكس الأحكام الملتوية التى للآلهة والشعوب الغريبة التى تعرض فاعلوها للأخطار والتعثر والسقوط .

الزيجات المحرمة (ع6-18)

هذه الآيات توضح الزيجات التى كانت محرمة على بنى إسرائيل، ونرى أن الشعوب المتحضرة والمسيحية بنوع خاص لاتزال تعمل بهذه الأحكام لليوم .

والزيجات الممنوعة فى هذه الأعداد هى :

1- الزواج من الأب أو الأم (ع7) .

2- الزواج من امرأة الأب (ع8) .

3- بالأخت (ع9) .

4- بالحفيدة (ع10) .

5- ببنت امرأة الأب (ع11) .

6- الزواج بالعمة أو الخالة (ع12: 13) .

7- الزواج من زوجة العم (ع14) .

8- بالكنة (ع15) .

9- ومن امرأة الأخ (ع16) .

10- الزواج بامرأة وبنتها، أو بامرأة وابنة ابنها أو بنت بنتها (ع17) .

11- الزواج من أخت كضرة لأختها (ع18) .

6- لايقترب إنسان إلى قريب جسده ليكشف العورة . أنا الرب .

قصد الوحى هنا من العبارتين (لايقترب إنسان) و (ليكشف العورة) بوجه عام عدم النجاسة والزنا، والمقصد الخاص عدم الزواج من الأقارب الذين توضحهم الآيات القادمة (لايقترب إنسان إلى قريب جسده) والمعنى الحرفى (لقريب جسده) هو (لحم لحمه) أى لايسوغ الزواج من قريب اللحم أو النسب القريب جداً، وهذه العبارة كوصية إجمالية يفصلها الوحى ويشرحها فى الأعداد التالية.

والله بحكمته ومحبته ورحمته نهى عن الزواج من الأقربين قرابة اللحم وقرابة النسب القريب لعدم اللياقة أدبياً واجتماعياً أولاً، ثم لناحية صحية هامة لأن الزواج فى مثل هذه الحالات فى الغالب قد يؤدى إلى العقم أى عدم إنجاب نسل بالمرة أو إلى إنجاب نسل ضعيف أو مشوه .

7- عورة أبيك وعورة أمك لاتكشف . إنها أمك لاتكشف عورتها .

المعنى الأصلى (للعورة) أو (السؤة) هو عضو التناسل، ويشير هنا إلى (الحرمة) كما أن المقصود (بكشف العورة) فى هذا الأصحاح كما عرفنا الزواج .

لايسوغ زواج البنت من أبيها، أو زواج الولد من أمه، وقد حدث أن ابنتى لوط اضجعتا مع أبيهما لتنجبا منه نسلاً (تك 19: 30-38)، وكان هذا خطأ. ولكن هذا حدث قبل نزول الشريعة، وربما كانت نية البنتين حسنة لأنهما ربما ظنتا أن عقاب سدوم وعمورة قد شمل جميع المسكونة كما حدث فى الطوفان فأرادتا أن تنجبا نسلاً من أبيهما حتى لاينقرض الجنس البشرى. أو على الأقل ليكون لأبيهما نسل.

(إنها أمك لاتكشف عورتها)  أى لايليق أن تتزوج بها لأنها تتصل بك بصلة الأمومة.

8- عورة امرأة أبيك لاتكشف . إنها عورة أبيك .

1- لايجوز للابن أن يتزوج بامرأة أبيه سواء أكان أبوه حياً أو بعد وفاته .

(إنها عورة أبيك) اعتبرت عورة زوجة الأب عورة الأب نفسه باعتبارين:

( أ ) لأن الأب وزوجته صارا بالزواج جسداً واحداً (تك2: 24) .

(ب) ولأن مضجع الأب مع زوجته يعتبر حرمة له يجب على الابن احترامها وتقديسها.

2- لقد وقع رأوبين فى هذا الخطأ لأنه اعتدى على كرامة أبيه يعقوب باضطجاعه مع بلهة سريته (تك35: 22)، ويعقوب وإن كان قد سكت عند سماعه بهذا التصرف المشين من ابنه البكر إلا أنه ظل متألماً له طول حياته. وفى بركته لأولاده قال مندداً بعمل رأوبين (فائراً كالماء لاتتفضل لأنك صعدت على مضجع أبيك. حينئذ دنسته. على فراشى صعد. (تك 49: 4)، وقد حرم رأوبين نتيجة لذلك من حق البكورية الذى أعطى ليوسف (تك48: 22) .

3- ووقع فى هذا الخطأ أبشالوم بن داود فى قيامه ضد أبيه الذى إذ أراد أن يعلن نفسه ملكاً عوضاً عن أبيه اضطجع أيضاً مع سرارى أبيه (2صم 16: 22) ومن المعروف أنه قتل أخيراً كعقاب من الله عن خيانته لأبيه وشروره الكثيرة.

وقد تدعى امرأة الأب (رابة أو ربية) بمعنى حاضنة.

9- عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة فى البيت أو المولودة خارجاً لاتكشف عورتها .

1- تتضمن هذه الشريعة النهى عن :

( أ ) الزواج بالأخت الشقيقة من الأب والأم .

(ب) أو بنصف الأخت أى بالأخت من الأب وحده  أو من الأم وحدها لأنها بمنزلة الأخت الشقيقة .

(المولودة فى البيت أو خارجاً): أى الشقيقة التى ولدت فى نفس البيت أو الابنة للأب من امرأة أخرى أو للأم من رجل آخر .

وعند بدء الخليقة تزوج أبناء آدم بأخواتهم وكان هذا للضرورة لإيجاد نسل وتعمير الكون، وفيما بعد تزوج ابرآم بساراى أخته من أبيه (تك20: 12) ولكن كان هذا قبل نزول الشريعة، وقد اعتادت بعض الشعوب أن يتزوج الإخوة أحياناً بأخواتهم الشقيقات أو بالأخوات من الأب أو الأم، وملوك مصر فى الأسر المختلفة فى عهد الفراعنة وحتى عهد البطالمة كانوا يفعلون هذا أحياناً .

2- ويمكن أن يدخل تحت هذه الوصية عدم جواز الزواج بابنة الأخ أو ابنة الأخت. وقبل الشريعة تزوج ناحور بن تارح ملكة ابنة أخيه هاران (تك 11: 29) وتزوج عثنيئيل أحد القضاة عكسة ابنة أخيه كالب (قض1: 12-13)، وبعض اليهود بعد الشريعة كانوا يجيزون الزواج بابنة الأخ أو بابنة الأخت .

10-عورة ابنة ابنك أو ابنة بنتك لاتكشف عورتها . إنها عورتك .

ينهى الوحى هنا الجد عن الزواج من حفيدته سواء أكانت ابنة لابنه أو ابنة لابنته. (إنها عورتك) أى أنها حرمة الجد نفسه، لأن الجد وزوجته صارا بالزواج جسداً واحداً، وتربطهما بالأبناء وبالأحفاد رباط الوحدة الجسدية والأسرية .

وتتضمن الوصية ضمنا عدم زواج  الأب من ابنته وعدم زواج الأم من ابنها كما مر ذلك فى (ع7) .

11- عورة بنت امرأة أبيك المولودة من أبيك لاتكشف عورتها .إنها أختك .

نهى الوحى فى العدد التاسع عن الزواج بالأخت الشقيقة أو بالأخت من الأب أو الأم. والنهى هنا عن الزواج من ابنة زوجة الأب من رجل غير الأب، فقد يحدث أن يكون لرجل أولاد ويتزوج بامرأة لها ابنة من زوج آخر أو تولد لها ابنة فيما بعد من زوج آخر، فلا يسوغ لابن الرجل الذى له أولاد أن يتزوج بابن هذه السيدة لأنها زوجة أبيه وقد ربطهما مع أبيه رباط الزيجة فأصبحا جسداً واحداً وبذلك تكون بنتها ابنة لزوجها بطريق المجاز أيضاً، أى بمثابة الأخت .

والفقرة الأولى من الآية ونصها (عورة بنت امرأة أبيك. المولودة من أبيك)  فيها تشبيه بليغ حذفت فيه أداة التشبيه، ومعناها هكذا (عورة بنت أبيك كالمولودة من أبيك) أى مثلها كمثل (أختك أو نصف أختك المولودة من أبيك)، ويكون معنى الآية كلها هكذا: عورة بنت أبيك ومثلها كمثل (المولودة من أبيك لاتكشف عورتها. إنها أختك) أى لأنها بمثابة أختك وبمنزلتها.

والكتاب المقدس فيه تشبيهات كثيرة حذفت فيها أداة التشبيه مثل قوله مثلاً: (لأن الوصية مصباح والشريعة نور أم 6: 23)، (أما أنا فدودة لا إنسان مز22: 6)، (اسمك دهن مهراق نش1: 3)، ومثل قول المسيح (أنا الكرمة الحقيقية وأبى الكرام يو15: 1)، (أنا الكرمة وأنتم الأغصان ع5)، (أنا هو الطريق والحق والحياة يو14: 6)، (أنا باب الخراف يو 10: 7) إلى غير ذلك .

12- عورة أخت أبيك لاتكشف . إنها قريبة أبيك .

13- عورة أخت أمك لاتكشف . إنها قريبة أمك .

1- ينهى الوحى هنا عن زواج الشخص بعمته (أخت أبيه) ولا بخالته (أخت أمه)، وقوله (إنها قريبة أبيك) و(إنها قريبة أمك) أى أنها قريبة لحم من الدرجة الأولى، وقبل الشريعة تزوج عمرام أبو هرون وموسى بعمته يوكابد (خر6: 20) .

2- يدخل تحت هذه الوصية النهى عن زواج البنت من عمها أو من خالها .

14- عورة أخى أبيك لاتكشف . إلى امرأته لاتقترب . إنها عمتك .

الفقرة الأولى من الآية ونصها (عورة أخى أبيك لاتكشف) تفسرها الفقرة الثانية (إلى امرأته لاتقترب)، والمقصود ألا يتزوج شخص بامرأة عمه، وقوله (إنها عمتك) أى إنها بمنزلة العمة، لأنها زوجة عمه، وقد ربطهما الزواج بالرباط المقدس فصارا جسداً واحداً.

15- عورة كنتك لاتكشف . إنها امرأة ابنك . لاتكشف عورتها .

(الكنة) هى امرأة الابن، وقد نهى الوحى هنا عن أن يتزوج إنسان بامرأة ابنه سواء أكان ابنه حياً أو ميتاً، وسواء أكانت هى مع ابنه أو مطلقة لأنها بمنزلة ابنته .

وكانت عقوبة من يضطجع مع امرأة ابنه سواء بالزواج أو بالزنى القتل (ص20: 12).

16- عورة امرأة أخيك لاتكشف . إنها عورة أخيك .

1- تنهى الآية عن الزواج بامرأة الأخ فى حياته وبعد مماته أيضاً إذا كان لها أولاد من الأخ المتوفى .

2- وقد استثنت الشريعة حالة واحدة من هذه القاعدة لأنها أمرت أن يتزوج الأخ الحى بامرأة أخيه المتوفى إذا كان المتوفى لم ينجب أولاداً (تث25: 1-10)، والابن البكر الذى كان يولد كان يعتبر ابنا للأخ المتوفى ويدعى اسمه عليه، وكان الله يقصد من ذلك حفظ اسم المتوفى وبناء بيته والأخ الذى يرفض الزواج من امرأة أخيه المتوفى كانت تشهد عليه الشيوخ وتخلع نعله وتبصق فى وجهه لأنه لم يكن وفياً لأخيه ولم يشأ أن يقيم له نسلاً ويبنى بيته، وكان يتزوجها حينئذ أقرب الأولياء للمتوفى .

17- عورة امرأة وبنتها لاتكشف . ولاتأخذ ابنة ابنها أو ابنة بنتها لتكشف عورتها . إنهما قريبتاها. إنه رذيلة …. ينهى النص عن :

( أ ) زواج الشخص بابنة زوجته من رجل آخر لأنها بمثابة ابنته حيث جعله الزواج مع زوجته جسداً واحداً كما مر بنا .

(ب) وعن الزواج بابنة ابن زوجته أى حفيدته لأنها بمثابة حفيدته .

(ج) وبابنة ابنة زوجته أى حفيدتها أيضاً لأنها بمنزلة حفيدته .

(إنهما قريبتاها): قريبتان لزوجته قرابة لحم من الدرجات الأولى .

(إنه رذيلة): لأنه كسر لشريعة الله وتدل على دناءة مقترفها لأنه يتساوى مع الشخص الذى يتزوج بابنته أو بحفيدته .

وقد قضت الشريعة بأن الشخص الذى يتزوج بامرأة وبنتها يحرق بالنار معهما (لا20: 14) .

18- ولاتأخذ امرأة على اختها للضر لتكشف عورتها معها فى حياتها .

1- يظن البعض أن قوله (لاتأخذ امرأة على أختها) النهى عن تعدد الزوجات بمعنى عام أى لاتأخذ زوجة على زوجة أخرى .

2- والأصح أن النص ينهى عن الزواج بالأخت على أختها وهى على قيد الحياة. وقوله (للضر) بكسر الضاء أى لتكون ضرة لأختها لأن تعدد الزوجات قد يخلق الكراهية والحسد والتنافس الردئ والغيرة وغير ذلك بين الزوجات، وقد تجتهد الواحدة فى إغاظة الأخرى ومعنى هذا أن الأختين اللتين نشأتا على الأخوة والمحبة والسلام ستتحولان إلى عدوتين، ولذلك فسر علماء اليهود النص بأنه لايجوز أن يتزوج الشخص بأخت زوجته مادامت الزوجة الأولى على قيد الحياة حتى لو كانت قد طلقت لكى لايكون الزواج بأختها عاملاً على إغاظتها وعلى فساد المحبة وعلى توتر العلاقات وفصم عرى الأخوة والسلام بين الأختين .

3- وقد كان هذا يحدث قبل الشريعة مثلما تزوج يعقوب بليئة وبأختها راحيل (تك29: 23-28) .

4- وكان اليهود يصرحون بزواج الشخص بأخت زوجته بعد وفاتها .

النهى عن بعض الرذائل الممقوتة (ع19-23)

يحذر الوحى فى هذه الآيات من بعض الرجاسات والخطايا التى كانت منتشرة فى بعض الشعوب الوثنية. وكان الشعب الإسرائيلى يتعرض للسقوط فيها متأثراً بهذه الشعوب. والرب يندد بهذه الأعمال وبفاعليها لأنه يريد أن يحفظ لنفسه شعباً مقدساً .

19- ولاتقترب إلى امرأة فى نجاسة طمثها لتكشف عورتها.

تنهى الشريعة هنا عن مضاجعة الرجل لامرأته وهى فى حالة الطمث طبيعياً أو بسبب المرض، وكانت المرأة تتنجس بالطمث سبعة أيام (ص15: 19- 24)، أما إذا فعل هذا عمداً فكان الاثنان يقطعان من شعبهما (ص20: 18) (راجع شرح ص15: 19-24) .

20- ولاتجعل مع امرأة صاحبك مضجعك لزرع فتتنجس بها .

1- ينهى هذا النص عن الزنا لأن الاعتداء على الأعراض شر من أقبح الشرور، و(امرأة صاحبك) أى امرأة إنسان آخر و(مضجع زرع) أو (مضجعاً لزرع) يعنى به المضجع الجسدى، ودعى هكذا لأنه أساس للتناسل، وقد أوضح الوحى أن هذه الخطية الشنيعة تنجس الإنسان، وقد نهت الوصية السادسة عن الزنى (خر20: 14)، ونهت الوصية العاشرة حتى عن مجرد اشتهاء الإنسان لامرأة إنسان آخر أو لشئ مما له (خر20: 17). والسيد المسيح يسمو بالمؤمنين أكثر حيث يقول لهم (قد سمعتم أنه قيل للقدماء لاتزن وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه مت 5: 27،28) .

2- كان عقاب الرجل الذى يزنى مع امرأة رجل آخر الموت رجماً هو والمرأة (لا20 :10)،

(تث22: 22) لأن هذا العمل خيانة زوجية أثيمة، نجاسة لاتليق بالمؤمنين.

21- ولاتعط من زرعك للإجازة لمولك لئلا تدنس اسم إلهك . أنا الرب .

يحذرهم الوحى من تقديم (زرعهم) أى نسلهم ذبائح لمولك إله العمونيين أو (لإجازة) بنيهم فى النار لأجل هذا الصنم… وإجازتهم كان بإحراقهم بالنار كذبائح أو بجعلهم يجتازون بين النيران وأحياناً بحملهم وإمرارهم فوق اللهب المتصاعد منها .

و(مولك) وقد دعى أيضاً (مولوك) و(ملكوم) و(البعل إر2: 8) هو إله النار، وقد ظنوا أن قوة الشمس حالة فيه، وهو من بين الآلهة التى عمل لها سليمان هياكل ومرتفعات إرضاء لنسائه الأجنبيات (1مل11: 7)، وقد أقامه فى وادى هنوم (يش15: 8،2مل23: 10)، وقد ضل بعض من الملوك والكثيرون من الشعب فكانوا يجيزون أولادهم فى النار لتمثال مولك فى هذا الهيكل حتى دعا إرميا الوادى (وادى القتل إر7: 31) وأصبح فيما بعد مزبلة، وفى الغالب قد اشتق من اسمه اسم (جهنم) موضع عذاب الأشرار بالنسبة لما كان يرمز إليه من الشر والتعبد للأوثان.

وكان تمثال مولك وقاعدته من النحاس، وكانا أجوفين لإشعال النار داخلهما، والتمثال بصورة إنسان يبسط ذراعيه ليتقبل القرابين عليهما. وأما رأسه فرأس عجل متوج بإكليل. ومعنى (مولك) ملك، وقيل إن هيكله الذى كان خارج أورشليم اشتمل على سبعة أقسام للذبائح والتقدمات المختلفة فواحد لتقديم الذبائح من الطيور والثانى لتقديم النعاج والثالث للحملان والرابع للكباش والخامس للعجول الصغيرة والسادس للثيران، أما السابع فكان لتقديم الذبائح البشرية من البنين خصوصاً الأطفال، قيل إنهم كانوا يشعلون النار داخل التمثال حتى يحمر من شدة الحرارة فيضعون أبناءهم على ذراعى التمثال لكى يشووا، ولكى لايسمع الوالدون صراخ الأبناء كانوا يصحبون هذا العمل بدق الطبول العالية، وأحياناً كانوا يذبحون الابن ثم يقدمونه محرقة لذلك الإله، وكانوا يعتقدون أن تقديم أحد الأبناء محرقة لمولك يحفظ باقى الأبناء ويباركهم.

أحياناً كانوا يجيزون الأبناء بين النيران المشتعلة أمام التمثال أو يمسكون الواحد منهم ويرددونه على النار، وكانوا يفعلون هذا طلباً للبركة ويزعمون أن الذى لايتبارك من النار التى توقد لمولك يموت فى سن مبكرة.وقد ندد الوحى بالشعوب التى تفعل مثل هذه الأفعال الممقوتة، ومما يؤسف له أن بنىإسرائيل وقعوا فى نفس هذه الأخطاء وكانوا يجيزون أبناءهم فى النار أو يقدمونهم محرقات له. فندد الرب أيضاً بهم (إر7: 31،19: 5) .وفى الأصحاح العشرين من اللاويين (ع1-5) تنديد بهذه الخطية، وإعلان عن غضب له على مقترفيها. وقد أمر الله فيها برجم من يجيز من زرعه (نسله) لمولك .

(لئلا تدنس اسم إلهك): أى لئلا تظن فى نفسك أننى معادل (لمولك) الذى تتعبد له وتقدم له أبناءك محرقات، ولئلا تظن الشعوب الوثنية أن شريعة الرب كشريعة مولك التى تفرض على ذويها تقديم الذبائح البشرية وبذلك تسئ إلى اسم الرب فيها بسبب تصرفاتك الخاطئة.

(أنا الرب): أغار على مجدى وعلى كرامة اسمى الجليل القدوس وكما يقول إشعياء النبى:

(أنا الرب هذا اسمى ومجدى لا أعطيه لآخر ولاتسبيحى للمنحوتات إش42: 8) .

22- ولاتضاجع ذكراً مضاجعة امرأة . إنه رجس .هذه الخطية الدنيئة كانت منتشرة بين الشعوب الوثنية، وقد كانت الشعوب تأتيها فى عبادة عشتروث والبعل، ويظنون أنها رمز للقوة التناسلية والإخصاب، ودعيت هذه الخطية (السدومية) نسبة إلى سدوم التى أحرقها الله بالنار، ودعيت (اللواط) نسبة إلى لوط البار الذى كان يسكن فى هذه المدينة النجسة وكان يستاء من أعمال شعبها (إذ كان البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم يعذب يوماً فيوماً نفسه البارة بالأفعال الأثيمة 2بط2: 8)، وقد نددت المسيحية بهذه الخطية وأعلنت أن فاعليها وفاعلى مثيلاتها من النجاسات لايدخلون ملكوت السموات (رو11: 27،1كو6: 9،10).(إنه رجس) أى نجاسة من أشنع النجاسات.

23- ولاتجعل مع بهيمة مضجعك فتتنجس بها. ولاتقف امرأة أمام بهيمة لنزائها. إنه فاحشة .

يحذر الرب هنا من الخطايا الدنيئة التى كان الذكور والإناث فى الشعوب الوثنية يعملونها بدون حياء بالنسبة لموت ضمائرهم وفقدانهم حياة الروحانية والقداسة، والتى يقول عنها الرسول (لأن الأمور الحادثة منهم سراً ذكرها أيضاً قبيح أف 5: 12) .

(ولاتجعل مع بهيمة مضجعك) كان الذكور يزنون حتى مع الإناث من البهائم، وقوله (فتتنجس بها) أى تقترف بها عملاً ينجس حياتك.

(ولاتقف امرأة أمام بهيمة لنزائها) والمرأة فى الشعوب الوثنية كانت تقف أمام الذكر من البهائم لكى تعمل معه الفحشاء، و(النزاء) أى الوثوب والمقصود وثوب الحيوان على المرأة لمجامعتها، وقد وصف الوحى هذه النجاسة بأنها (فاحشة) أى عمل أثيم فاضح يدل على الاستهتار وعدم الحياء والتوغل فى القبح. نلاحظ أن الوحى الإلهى يذكر للشعب هذه النواهى بالتفصيل لكى يوضح لهم الأخطار الروحية والأدبية الأليمة التى يتعرض لها الإنسان بسبب بعده عن الله وموت ضميره، ولكى يعيش أولاد الله فى كل الأجيال فى سهر ويقظة وعلى حذر تام من كل ما يشين حياتهم المقدسة ويؤثر على شركتهم مع الله.

تهديد المستبيحين (ع24-30)

فى هذه الأعداد ينصح الرب شعبه بالابتعاد عن الأعمال المنحرفة التى حذرهم منها فى هذا الأصحاح ويذكرهم بالويلات إذا مارسوا أعمال تلك الشعوب، ولقد أعلن الوحى فى الكتاب المقدس غضب الله فى كل العصور على الإنسان الفاجر (لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم رو 1: 18) .

24- بكل هذه لا تتنجسون لأنه بكل هذه قد تنجس الشعوب الذين أنا طاردهم من أمامكم.

فى الأعداد الأولى من الأصحاح حذر الرب شعبه من التشبه بالشعوب الوثنية، ويعود هنا بعد أن ذكر الأعمال الأثيمة التى يجب أن يتحاشوا الاشتراك فيها وممارستها، فيحذرهم منها من جديد لئلا يتنجسوا بها كما تنجست الشعوب الكنعانية التى سيطردهم الرب من أمامه، أى ينصر شعبه عليهم ويورثهم أرضهم بسبب خطاياهم.

25- فتنجست الأرض. فأجتزى ذنبها منها. فتقذف الأرض سكانها.

(فتنجست الأرض) إن الأعمال الشريرة التى تنجست بها الشعوب نجست الأرض نفسها بمعنى أنها أصبحت بقعاً لاتليق بسكنى الله بين سكانها ولا أن يتجلى مجده فيها، ولقد قال الله لآدم بعد أن أخطأ (ملعونة الأرض بسببك تك 3: 17)، ولقد رأينا أن آثام الشعب قد تجعل الله يغضب ليس على الأرض فقط، بل حتى على بيته المقدس الذى يعبد فيه ويذكر فيه اسمه المبارك كما غضب الله قديماً على هيكله فى أورشليم وتركه ليخرب حتى لم يبق فيه حجر على حجر (مت 23: 38، 24: 2) .

(فأجتزى ذنبها منها) أى أعطيها جزاءها، وقد ترجمت (فسأفتقد إثمها) والمقصود أن الله سيذكر لهذه الشعوب ذنوبها وخطاياها التى اقترفتها وأصرّت عليها عبر الأجيال الطويلة ويعاقبها عليها فتنال جزاءها العادل الذى تستحقه .

(فتقذف الأرض سكانها) أى تلفظهم وتطرحهم بعيداً وتتقيأهم لأنها تغضب عليهم بسبب إهانتهم لمجد الرب وتستنكر أفعالهم الأثيمة ولاتحتمل فاعليها فوقها .

والخليقة الجامدة فى خلقها الجميل، ووجودها البديع، وسيرها حسب النواميس التى وضعها الله تعلن مجد الله وقدرته كما يقول المرنم: (السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه مز 19: 1)، وكما يقول الثلاثة فتية فى تسبيحتهم (باركى الرب يا جميع أعمال الرب سبحيه وارفعيه إلى الدهور دا3: 57) .والخليقة التى تسر بمجد الله ترضى على الإنسان الذى يسلك فى طريق الرب وتغضب عليه إذا حاد عن طريقه، ورضى الخليقة والطبيعة أو غضبهما على الإنسان تعبيرات مجازية يقصد بها أن الله يستخدمها لمكافأة الإنسان التقى أو الانتقام من الإنسان الشرير وبذلك تكون الطبيعة واسطة لإعلان مجد الله.

والله عن طريق الطبيعة يظهر رضاه على الناس بطرق متنوعة: فالمطر يأتى فى حينه، والأرض تعطى غلتها، والجو يكون صالحاً ويخلو من الجراثيم والآفات التى تضر بالإنسان والحيوان والنبات، وبالتالى فإن الإنسان يعيش فى شبع وسرور وأمان.

كما أن الله يستخدم الطبيعة فى قذف الإنسان عن الأرض بطرق متنوعة أيضاً: فقد ينعدم المطر، ويقل النبات، وتحدث الزلازل، أو تثور البراكين، أو ينزل السيل أو البرد، أو تنتشر الأمراض أو المجاعات، وتزحف الحشرات مثل الجراد وغيره كما حدث لفرعون وقومه على يد موسى وهرون، وقد تسود الحروب أو القلاقل أو الاضطرابات أو يهاجم الأعداء شعب الأرض، فتحتل أراضيهم، أو يطرد أهلها منها أو يسبون بعيداً عنها وبالجملة يحرمون من الاستقرار والهدوء والأمن .

وقد قال الله لآدم بعد معصيته: (ملعونة الأرض بسببك بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك وشوكاً وحسكاً تنبت لك وتأكل عشب الحقل، بعرق وجهك تأكل خبزاً … تك3: 17-19) والرسول يعلن أن كل الخليقة كلها واقعة تحت الفساد إلى أزمنة رد كل شئ (لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله إذ أخضعت الخليقة للبطل ليس طوعاً بل من أجل الذى أخضعها على الرجاء. لأن الخليقة نفسها أيضاً ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله، فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن … رو8: 19-22) .

وقد سخر الله السموات والأرض فأمطرت طوفاناً أهلك الخلائق فى أيام نوح تك6،7)، وكبريتاً وناراً لإحراق سدوم وعمورة (تك19)، وفى صلب ربنا يسوع المسيح كانت ظلمة على الأرض وتزلزلت الأرض وتشققت الصخور وانشق حجاب الهيكل (مت27: 45-51) .

وقد وعد الله بنى إسرائيل بالبركة التى قد تأتيهم عن طريق الطبيعة إذا هم سلكوا فى طريقه ومن أقواله تعالى لهم (فتعملون فرائضى وتحفظون أحكامى وتعملونها لتسكنوا على الأرض آمنين لا25: 18،19)، (إذا سلكتم فى فرائضى وحفظتم وصاياى وعملتم بها أعطى مطركم فى حينه وتعطى الأرض غلتها وتعطى أشجار الحقل أثمارها ويلحق دراسكم بالقطاف ويلحق القطاف بالزرع فتأكلون خبزكم للشبع وتسكنون فى أرضكم آمنين وأجعل سلاماً فى الأرض ولايعبر سيف فى أرضكم. وتطردون أعداءكم فيسقطون أمامكم بالسيف … لا26: 3-7) .

وبعكس ذلك أنذرهم بويلات كثيرة إذا لم يسلكوا فى أحكامه، ومن إنذاراته لهم: (أسلط عليكم رعباً وسلا وحمى تفنى العينين وتتلف النفس وتزرعون باطلاً زرعكم فيأكله أعداؤكم، وأجعل وجهى ضدكم فتنهزمون أمام أعدائكم ويتسلط عليكم مبغضوكم وتهربون وليس من يطردكم، وأصير سماءكم كالحديد وأرضكم كالنحاس فتفرغ باطلاً قوتكم وأرضكم لاتعطى غلتها وأشجار الأرض لاتعطى أثمارها … أطلق عليكم وحوش البرية فتعدمكم الأولاد وتقرض بهائمكم وتقللكم فتوحش طرقكم …

أجلب عليكم سيفاً ينتقم نقمة الميثاق فتجتمعون إلى مدنكم وأرسل فى وسطكم الوبأ فتدفعون بيد العدو … لا26:16-25).

26- لكن تحفظون أنتم فرائضى وأحكامى ولاتعملون شيئاً من جميع هذه الرجسات لا الوطنى ولا الغريب النازل فى وسطكم.

عليهم :

( أ ) إيجابياً: أن يحفظوا فرائضه وأحكامه، و (الفرائض) كل ما يجب عليهم أن يعملوه و(الأحكام) هى نواميسه وشرائعه وأوامره ونواهيه، وهذه وتلك أوضحتها كلمة الله، لأن كلمة الله هى التى تهديهم إلى الحق الذى يجب أن يسلكوا فيه ويتبعوه وهى التى تنير لهم الطريق فلا يتعثروا، ثم عليهم:

(ب) سلبياً: ألا يعملوا شيئاً من الرجسات التى أوضحها لهم الوحى (لا الوطنى ولا الغريب) انظر شرح (ص17: 8) .

27- لأن جميع هذه الرجسات قد عملها أهل الأرض الذين قبلكم فتنجست الأرض.

إن الكنعانيين الذين سكنوا هذه الأرض توغلوا فى الوثنية وفى عمل الموبقات والنجاسات فتنجست الأرض بنجاساتهم (شرح ع25)، وأما شعب الله فيجب أن يميز نفسه عن هذه الشعوب لأنه شعب مقدس للرب.

28- فلا تقذفكم الأرض بتنجيسكم إياها كما قذفت الشعوب التى قبلكم.

سكن فى كنعان منذ القدم شعوب وثنية كثيرة ذكرها سفر التكوين (ص15: 19-21) وقد وعد الله أبانا ابراهيم بأن يعطى نسله أراضى هذه الشعوب (تك15: 18-21)، ولكن بعد أجيال، وقد قال فى حديثه الإلهى (لأن ذنب الأموريين ليس إلى الآن كاملاً) وقد قصد الله بالأموريين جميع الشعوب الكنعانية الوثنية لأن الأموريين كانوا أشهرها، وقد شاءت حكمة الله ومراحمه أن يعطيهم فرصة طويلة تمتد إلى أجيال لكى لايكون لهم عذر فى خطاياهم، وعندئذ متى كملوا مكيال آثامهم يحرمهم من أراضيهم ويعطيها لشعبه الذى يعبده، وقد تم كل هذا على أيدى رجال الله أمثال موسى وداود ويشوع وسليمان، فمعظم هذه الشعوب بادت من الأرض وبعضها هرب، والبعض عاش فى مذلة وضعة ولم تقم لهم قائمة

ونلاحظ أن الله كان يوبخ إسرائيل أحياناً على عدم تقدير حسناته إليهم فكان يقول لهم (ليس لأجل برك وعدالة قلبك تدخل لتمتلك أرضهم بل لأجل إثم أولئك الشعوب يطردهم الرب إلهك من أمامك ولكى يفى بالكلام الذى أقسم الرب عليه لآبائك ابراهيم واسحق ويعقوب تث9: 5) .

وهنا نراه يهددهم إذا هم سلكوا فى الشرور التى سارت عليها هذه الشعوب بأن تقذفهم الأرض كما قذفت الكنعانيين من قبلهم، ولقد تحقق إنذار الله لليهود فعلاً بسبب الشرور التى وقعوا فيها فكان يسلمهم كثيراً لأعدائهم فى عهود القضاة والملوك، وقد سبيت مملكة إسرائيل على يد ملوك أشور (2مل 17)، وسبيت مملكة يهوذا على يد نبوخذ نصر ملك بابل (2مل25)، وحتى بعد عودتهم من السبى نالتهم اضطهادات مريرة على أيدى ملوك مملكة سوريا اليونانية السلوقية خصوصاً على يد أنطيوخوس ابيفانيس، وفى العهد الجديد لما استمر اليهود فى عنادهم أنبأهم المسيح بالحصار الأليم الذى تحاصر به مدينتهم العظيمة أورشليم وبالخراب الذى يصيب هيكلهم، وقد تحقق هذا عندما حاصر الرومانيون أورشليم سنة 70ميلادية، وأصاب اليهود من الضيقات الشئ الكثير، وأحرق هيكلهم، وتشتتوا فى أنحاء الأرض .

29- بل كل من عمل شيئاً من جميع هذه الرجسات تقطع النفس التى تعملها من شعبها.

إن الذين يقترفون هذه الموبقات النجسة يقطعون من الشعب، فيحرمون من رعوية إسرائيل، ومن امتيازات شعب الله الروحية والاجتماعية، وتنفذ فيهم أحكام الشريعة، وقد يكون حكم الشريعة عليهم بالموت، وحتى إن قصر الحكام فى قطعهم فإن الله كان ينتفم منهم بالموت أو بغيره إن عاجلاً أو آجلاً بحسب حكمته.

30- فتحفظون شعائرى لكى لاتعملوا شيئاً من الرسوم الرجسة التى عملت قبلكم ولاتتنجسوا بها. أنا الرب إلهكم.

يعود الله بحكمته فيوصيهم كما أوصاهم أكثر من مرة بحفظ (شعائره) أى شرائعه ورسومه وجميع تعليماته، ويعود أيضاً فيحذرهم من السقوط فى الرسوم الرجسة التى عملتها الشعوب التى قبلهم ويقصد بالرسوم جميع العبادات والطقوس والعادات والأعمال التى كانت لهذه الشعوب، لئلا يتنجسوا بها وهم شعب الله المختار، كما يعود فيقول (أنا الرب إلهكم) لكى يذكروا مركزهم كشعب مقدس للرب وحده ويذكروا أيضاً أن الرب إله قدوس وليس كآلهة الشعوب الكاذبة والنجسة ومن ثم فهو لايرضى بالأعمال النجسة التى كانت سائدة بين الشعوب الأخرى والتى كانوا يظنون أنها تسر آلهتهم (راجع شرح ع1).

تأمل

لنتأمل أيها الأحباء كيف ينبه الله شعبه بتشديده على الابتعاد عن كل ما يشين حياتهم من رجسات الأمم الغريبة المحيطة بهم، باعتباره شعبه الخاص الذى دعى اسمه عليهم، ونحن فى عهد النعمة كم يجب علينا بالحرى ألا نفكر مطلقاً فى أى عمل خاطئ من أعمال أهل العالم، ولانمارس عاداتهم الردية أو نتصرف تصرفاتهم الممقوتة.

وإننا الآن نحيا حياة جديدة لأن الذين هم فى المسيح يسوع هم خليقة جديدة (2كو5: 17)، ولم يعد لائقاً بنا أن نسلك حسب الجسد بل حسب الروح، إذ نقلنا المسيح إلي الحياة الروحية المقدسة حياة أولاد الله، ونحن قد صلبنا الجسد مع الأهواء (غل5: 24) فالذين هم فى الجسد لايستطيعون أن يرضوا الله

(رو8: 8)، فليس هناك مجال لأن نحيا حياة منحرفة، أو نشترك فى أعمال الظلمة بل أن نوبخها ونربأ بأنفسنا عنها.فلنسلك إذن فى القداسة، وفى البر، وفى التقوى، ولنخضع دائماً لروح الله القدوس الساكن فينا.

Leave a Comment