[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

إبتداء من هذا الأصحاح الخامس عشر يتكلم الوحى عن الأشياء التى اعتُبرَت طاهرة والأشياء التى اعُتبرَت غير طاهرة. وقد أوضح الوحى هذا فى أربعة أبواب

أولاً  – الحيوانات الطاهرة والحيوانات الغير طاهرة فى الأصحاح الحادى عشر.

ثانياً  – عدم الطهارة فى حالة الولادة فى الأصحاح الثانى عشر.

ثالثاً  – عدم الطهارة لسبب الإصابة بالبرص فى الأصحاحين الثالث عشر والرابع عشر.

رابعاً – عدم الطهارة بسبب السيل الذى يخرج من الجسم فى الأصحاح الخامس عشر.

وفى الأصحاح الحادى عشر يتكلم الوحى عن أنواع الحيوانات من جهة الطهارة والنجاسة، واعتبار حيوانات طاهرة وأخرى غير طاهرة كان منذ القدم، وقد رأينا أن الله أمر نوحاً بأن يأخذ معه فى الفلك من كل من الأنواع الطاهرة والحيوانات الغير طاهرة (تك7: 2،3).

وكانت الحيوانات والطيور على درجتين من جهة الطهارة : فالدرجة الأولى تشتمل على الحيوانات الطاهرة التى تصلح لتقديم الذبائح وللأكل وهذه تشتمل على الذكور والإناث من البقر ومن الغنم أى الضأن والمعز ومن الطيور اليمام والحمام، وأما حيوانات الدرجة الثانية فهى التى كانت تصلح للأكل فقط ولا يجوز تقديم ذبائح منها، وهى على أنواع كثيرة بيَّنها الوحى.

ولابد أن لله مقاصد وحكماً إلهية سامية من تحديد الأنواع الطاهرة والغير طاهرة من الحيوانات لشعبه. وهناك عدة آراء بخصوص هذا الموضوع :

1- فالله أولاً أراد أن يميز شعبه القديم عن باقى الشعوب الوثنية، ويجعله أمة مفرزة له متميزة بعبادتها وعقائدها وعاداتها، وقد قال لهم ( فتميزون بين البهائم الطاهرة والنجسة وبين الطيور النجسة والطاهرة فلا تدنسوا نفوسكم بالبهائم والطيور ولا بكل ما يدب على الأرض مما ميَّزته لكم ليكون نجساً وتكونون لي قديسين لأنى قدوس أنا الرب وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا لي لا20: 25-26).

2- إن الله أراد أن يجتذبهم إلى الطهارة الروحية الداخلية عن طريق الطهارة الجسدية الحسية، وقد رأينا أنه تبارك اسمه بعد أن حثهم على الابتعاد عما هو نجس من الحيوانات وصرح لهم بأكل ما هو طاهر منها قال لهم ( وتكونون لي قديسين ).

3- إنه تعالى أراد أن يدربهم على بعض الفضائل اللازمة مثل الطاعة والخضوع والتسليم لكلمته وشريعته والقناعة وقمع الجسد وعدم الشراهة إلى غير ذلك.

4- إن معظم الشعوب كانت تحرم أنواعاً من الحيوانات وتبيح أنواعاً منها، فالمصريون مثلاً حرموا أكل الجمل والمجوس حرموا أكل الأرنب وهكذا، والله أراد أن يحدد لشعبه الذى كان فى حالة بدائية من الروحانية أنواعاً من هذه ومن تلك حتى لا يظنوا أنهم أقل ثقافة من غيرهم من الشعوب، أو أن ديانات الشعوب أصلح من ديانتهم، وحتى لا يجتهدوا فى محاكاة غيرهم من الأمم من تلقاء أنفسهم.

5- كانت بعض الشعوب تؤله بعض الحيوانات وتقدسها وتعبدها، فالخنزير مثلاً كان مقدساً عند اليونانيين والرومانيين، والعجل أبيس والقرود والطائر المسمى (أبيس) والباز وهو نوع من الصقور وغيرها كانت مقدسة عند المصريين وكانوا يعتبرون قتل الباز ولو سهواً جريمة من أكبر الجرائم، وشعب عفرون قدسوا السمكة وكان النصف الأسفل من إلههم داجون بشكل سمكة والنصف الأعلى بشكل إنسان، وقد قدس المصريون واليونانيون طائر البازى أيضاً، وحتى فى العصور المتأخرة كان الخنزير مقدساً لفينوس والبجعة لمنرفا والنسر لجوبتر، وقدس السكسونيون فرس البحر لأودين، وبعض الشعوب كانت ولا تزال تستعمل الحيوانات والطيور استعمالاً خرافياً فأحياناً تتشاءم أو تتفاءل من بعض الطيور، وأحياناً تظن أن بعضها يجلب الخير وبعضها يبعد الشر، ومن الحيوانات والطيور التى تظن فيها الشعوب هذه الأمور التمساح والعرسة والغراب وغيرها. والله الحكيم أراد بشريعته عن الطهارة والنجاسة أن يُحَقر كل هذه الحيوانات التى تُعبَد وتُقَدَس أمام شعبه ويبين لهم ضعفها ويجنبهم أخطاء الشعوب التى كانت تجاورهم.

6- عُرفَت بعض الحيوانات المحرمة بصفات رديئة فالجمل عرف بالحقد، والثعلب بالمكر، والخنزير بالتمرغ فى الأوحال وهذا بالتالى يشير إلى تمرغ الخاطئ فى خطاياه وعدم استعداده للتوبة، والوحوش عرفت بافتراسها وهى تمثل الاعتداء على حياة الآخرين، والجوارح بأكلها الجثث الميتة، والبعض منها يأكل القاذورات ولعل الله بحكمته حرم هذه الأحياء لكى يتصور الشعب رذائلها ويستنكرها ويتباعد عنها.

7- وقد يكون هذا إشارة إلى أن الإنسان كان لا يزال تحت حكم الناموس الذى يلزمه بالخضوع لأحكام حرفية دقيقة.

8- ولعل من بعض العوامل عاملاً صحياً، وعاملاً رمزياً وروحياً، فالعامل الصحى أن معظم الحيوانات الغير طاهرة كانت تتعرض لبعض الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان والتى كان يمكن أن تنتقل عدواها بسهولة من الحيوان إلى الإنسان سواء بلمس لحمها أو بعدم العناية فى طهيها خصوصاً ووسائل الطب الحديث لم تكن عُرفَت بعد فالخنزير مثلاً كثيراً ما يصاب بالدودة والأرنب يصيبه نوع من الجُدَرى وهكذا. ومن الطريف أن بعض الإحصاءات الحديثة فى أوروبا دلت على أن اليهود كانوا أقل تعرضاً لبعض الأمراض مثل الطاعون والكوليرا من الشعوب الأخرى وكان متوسط أعمارهم يزيد عن متوسط الأعمار فى كثير من الشعوب وربما يكون العامل فى ذلك تحفظ اليهود من الحيوانات التى حرمتها التوراة والتى قد تصاب بالأمراض.

9- أما العامل الرمزى فربما قصد الله أن يشبه أولاده الذين يعبدونه -وكانوا فى الغالب يتمثلون فى الشعب اليهودى القديم-  بالحيوانات الطاهرة، ويشبه الأمم الوثنية البعيدة عنه والغارقة فى نجاستها بالحيوانات الغير طاهرة.

ربما يكون الله قد سن قوانين الحيوانات الطاهرة والحيوانات الغير طاهرة لجميع هذه العوامل، أو لبعضها، أو لحكم إلهيه أخرى لا ندركها.

الكلام عن الحيوانات البرية ( ع1-8)

1- وكلم الرب موسى وهارون قائلاً لهما :

كلم الرب موسى لأنه المشرع ووسيط العهد والممثل للسلطة الحاكمة فى نفس الوقت، كما كلم هرون أيضاً لأنه رئيس الكهنة والممثل للسلطة الدينية والمسئول عن تنفيذ شريعته وتعليمها للشعب، وتقديراً لشخصه ورتبته الكهنوتية، وربما لكى يشجعه بعد كارثته فى موت ابنيه.

2- كلما بنى إسرائيل قائلين. هذه هى الحيوانات التى تأكلونها من جميع البهائم التى على الأرض

كان عليهما أن يتعاونا فى تبليغ كلمة الله إلى الشعب، وفى هذا الأصحاح وفى الأصحاح الرابع عشر من سفر التثنية الكلام عن الحيوانات الطاهرة والحيوانات النجسة، ونرى فى هذا الأصحاح حكم الشريعة من جهة :

(1) الحيوانات البرية من ذوات الأربع التى يباح أكلها والتى لا يباح أكلها (ع2-8).

(2) الحيوانات المائية الطاهرة والغير الطاهرة (ع9-12).

(3) الطيور الطاهرة والغير طاهرة (ع13-19)

(4) الحشرات الطيارة التى تؤكل والتى لا تؤكل (ع20-23).

(5)  دبيب الأرض والزواحف (ع29،30،41،42،43).

(6) جثث الحيوانات الميتة (ع24-40).

3- كل ما شق ظلفاً وقسمه ظلفين ويجتر من البهائم فإياه تأكلون.

1- يحدد الوحى فى الأصحاح الرابع عشر من سفر التثنية أنواع الحيوانات البرية التى تؤكل وهى البقر والضأن والماعز والإبل والظبى واليحمور والوعل والرئم والتيتل والمهاة (ع4،5).

2- والقاعدة العامة التى أعطيت لهم أن يأكلوا من البهائم ما يشق ظلفاً ويقسمه إلى ظلفين ويجتر الطعام. والمقصود بشق الظلف شقه شقاً كاملاً من أعلى إلى أسفل ليكون ظلفين مستقلين، والمقصود بالاجترار هنا الاجترار الحقيقى أى إعادة الطعام بعد بلعه لمضغه جيداً، والاجترار الظاهرى أى تحريك الفكين فقط والاجترار يشير روحياً إلى مراجعة كلمة الله وأعماله والتأمل فيها وشق الظلف يشير إلى روح الإفراز والتمييز بين الخير والشر وإلى الانفصال عن العالم. وعملية الاجترار داخلية. وشق الظلف عملية خارجية. والمؤمن يجب أن يسلك روحياً مسلكاً طاهراً فى الباطن وفى الظاهر أيضاً.

3- يؤكد البعض أن عملية الاجترار نافعة للحيوان، ليس لأنه يستعيد الطعام الذى ابتلعه بسرعة وخزنه ليعود ويمضغه فقط، بل كذلك يعمل على طرد المواد السامة التى تكون فى بعض النباتات والتخلص منها فى اللعاب.

4- إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر ومما يشق الظلف. الجمل لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفاً فهو نجس لكم.

يوضح الوحى هنا وفى الأعداد التالية الحيوانات المحرمة وإن كانت تجتر أو تشق الظلف. وهى الجمل والوبر والأرنب والخنزير.

والحديث هنا عن (الجمل) وهو يجتر الطعام ولكن ظلفه لا ينشق انشقاقاً كاملاً وإنما من أعلى فقط وهو يمشى على أخفاف تساعده على السير فى الصحارى لأنها لا تغوص فى الرمال، ورغم ما للجمل من صفات طيبة مثل القدرة على حمل الأثقال والسير إلى مسافات بعيدة والصبر على الجوع والعطش إلا أنه يتصف بصفات رديئة مثل الغباء والحقد والميل إلى الانتقام حتى من صاحبه.

5- والوبر لأنه  يجتر لكنه لايشق ظلفاً فهو نجس لكم.

(الوبر) أو (الوبار) حيوان يشبه الأرنب لونه أسود أو أسود يميل إلى الصفرة، ويسكن بين الصخور. ومن صفاته الحذر. وهو يحرك فكه السفلى كأنه يجتر فعَدَّه الوحى بين الحيوانات المجترة لا من الاعتبار العلمى بل بحسب الاجترار الظاهرى، وهو لا يشق الظلف إلى اثنين لأن كل من رجليه الأماميتين بها أربع أصابع لا أظلاف وبالأصابع مخالب، أما الرجلان الخلفيتان ففى كل منهما ثلاثة أصابع.

 

6- الأرنب لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفاً فهو نجس لكم.

الأرنب حيوان منزلى معروف واجتراره ظاهر أيضا لأنه يحرك فكيه وشفتيه العليا، ولا يشق الظلف إلى قسمين لأن قوائمه بها أصابع وبالأصابع مخالب.

7- والخنزير لأنه يشق ظلفاً ويقسمه ظلفين لكنه لا يجتر فهو نجس لكم.

الخنزير مشقوق الظلف ولكنه لا يجتر، وهو حيوان معروف بوفرة سمنته، يتغذى بكل ما يصادفه حتى بالحشرات والحيات والقاذورات ويصاب كثيراً بأنواع من الأمراض ولحمه أحياناً يصاب بالديدان ولذلك يفحصون لحمه جيداً عند ذبحه لئلا يكون لحمه مصاباً، وللخنزير نابان قويان يضرب بهما خصمه، وهو شديد المكر والشراسة يتظاهر بالهروب أمام مطارده حتى إن كان يركب جواداً، فإذا ما تعب مطارده كر عليه راجعاً وضربه بنابيه وقتله، وقد أشار السيد المسيح إلى ذلك فى قوله ( لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم  مت7: 6).

8- من لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا. إنها نجسة لكم.

يحرم عليهم الوحى :

( أ ) الأكل من لحوم هذه الحيوانات.

(ب) ولمس جثثها وهى ميتة. ولعل فى تحريم لمس الجثث حكمتين إلهيتين إحداهما روحية والأخرى صحية : أما عن الحكمة الروحية فلأن الموت دائماً كان يقترن بذكر الخطية والعقوبة واللعنة، لأنه دخل إلى العالم بسبب تعدى أبوينا الأولين (تك2: 17،3: 19،2،رو5: 12) ولذلك كان الله يصور أمامهم هذه الصورة البغيضة للموت استنكاراً للخطية وتنفيراً منها. ومن المعروف أن المسيح بموته أبطل الموت وأنار الحياة والخلود (2تى1: 10)

أما عن الحكمة الصحية فلأن الإنسان أو الحيوان بمجرد الموت يبتدئ جسده فى التحلل والتعفن وكثيراً ما يصبح مأوى للجراثيم المنيعة للأمراض.

الكلام عن الأحياء المائية (ع9-12)

9- وهذا تأكلونه من جميع ما فى المياه. كل ما له زعانف وحرشف فى المياه فى البحار وفى الأنهار فإياه تأكلون.

10- لكن كل ما ليس له زعانف وحرشف فى البحار وفى الأنهار من كل دبيب فى المياه ومن كل نفس حية فى المياه فهو مكروه لكم.

11- ومكروهاً يكون لكم من لحمه لا تأكلوا وجثثه تكرهون.

12- كل ما ليس له زعانف وحرشف فى المياه فهو مكروه لكم.

فى هذه الآيات يبين لهم الوحى الأنواع المحللة من الأسماك، وتنحصر فى الأسماك التى لها زعانف وحراشيف، أما الأسماك التى لها زعانف فقط أو حرشف فقط فلا تؤكل ولا حتى تلمس جثتها وهى ميتة.و(الزعانف) هى العظام والزوائد الخارجة من الجسم وتكون كالأطراف والأجنحة و(الحراشيف) هى الفلوس (القشور) التى تغطى أجسام بعض أنواع السمك.

والقاعدة العامة فى الأسماك أن كل ما له حراشيف له زعانف أيضاً ولا يكون العكس أى ليس كل ما له زعانف له حراشيف ولذلك كان اليهود يدققون فى التأكد من أن يكون للسمك قشور لأن ذلك يضمن أن يكون له زعانف أيضاً.وقد كانوا يستبعدون السمك الذى لا يتوفر فيه وجود الزعانف والحراشيف ويعتبرونه رديئاً وغير صالح ونرى ذلك فى مثال السمك والشبكة الذى ضربه الرب يسوع حيث يجمع الصياد السمك الجيد فى أوعية ويلقى الردئ خارجاً (مت13: 48).

والزعانف تساعد السمك على العوم والحركة فى الماء، والقشور تحمى جسمه وتساعده على مقاومة المياه وغيرها، ولذلك قد يشير هذا الترتيب الإلهى روحياً إلى أن المؤمن يجب أن يتسلح بأسلحة الروح التى تمكنه من أن يسير فى العالم والتى تقيه من كل خطر روحى أو مادى أو بمعنى آخر يصور له الوحى أنه محتاج إلى النعمة المحركة والقوة الحافظة، أى إلى نعمة الله وعمل الروح القدس.

الكلام عن الطيور (ع13-19)

13- وهذه تكرهونها من الطيور لا تؤكل. إنها مكروهة. النسر والأنوق والعقاب.

14- والحدأة والباشق على أجناسه.

15- وكل غراب على أجناسه.

16- والعامة والظليم والساف والباز على أجناسه.

17- والبوم والغواص والكركى.

18- والبجع والقوق والرخم.

19- واللقلق والببغاء على أجناسه والهدهد والخفاش.

يذكر الوحى هنا الطيور التى تمشى على رجلين والتى يحرم أكلها وعددها عشرون. وقوله (تكرهونها) أى تمتنعون عن أكلها و(المكروهة) هنا أى المحرمة. أما ماعدا هذه الطيور العشرين فكانت طاهرة فى حكم الشريعة وكان لهم أن يأكلوها. وقد قال لهم فى سفر التثنية فى هذا (كل طير طاهر تأكلون ) (تث14: 11) ثم حدد واحداً وعشرين نوعاً لا تؤكل (ع12-20) بإضافة الشاهين الذى لم يذكره سفر اللاويين لأنه نوع من الباز والصقور فأدخله تحت أنواع الباز وذكره التثنية على حدة.

(النسر) أقوى الطيور الجارحة، ويدعى مجازياً ملك الطيور، يطير بسرعة هائلة، وإلى أجواء عالية، ويتغذى على ما يصيده من فرائس من الطيور والحيوانات، ويستطيع أن يخطف حتى الخروف. ويعمر طويلاً حتى أن الكتاب يقول (فيتجدد مثل النسر شبابك مز103: 5). والنسر على أنواع كثيرة. والوحى يقصد هنا النسر على أنواعه.

(الأنوق) من أنواع العقاب والنسور. ويدعى العقاب الكاسر، والملتحى أى الذى له لحية أو( أبا ذقن) لأن ريشاً أسود تحت ذقنه، وهو من الطيور الكاسرة، يقتات على لحوم الحيوانات التى يصطادها مثل الخراف والجداء والسلاحف، يبلغ طوله نحو متر ويبسط جناحيه فيكون طوله نحو ثلاثة أمتار إلا ربع متر تقريباً. ومن عاداته أنه يحمل السلاحف والعظام الكبيرة ويطير بها إلى علو كبير ثم يلقيها على الصخور فتتفتت ويأكل نخاعها أو القطع المتناثرة منها وتهضمها معدته القوية ولذلك يدعى أيضاً (كاسر العظام).

(العقاب): طائر كاسر أيضاً يظنه البعض خطأ النسر، ويدعى النسر السماك لأنه يحب أكل السمك ويتغذى كذلك بالحيوانات وبالجيف وهو سريع الطيران، حاد البصر، معروف بالعزة والمَنعَة (بفتحتين) أى القوة على الذى يريده حتى يقال فى أمثال العرب (أمنع من عقاب الجو) أى أكثر مناعة.

(الحدأة): طير فى شبه النسر ولكنه أصغر منه بكثير، لونها أسود، ومنها نوع جناحاه أسودان وجسمه اسود يختلط بلون آخر، تستطيع الحدأة أن تقف فى الجو وهى باسطة جناحيها لتراقب فريستها، وتتغذى بالطيور والحيوانات الصغيرة والجيف.

(الباشق على أجناسه ): من الطيور الجارحة أيضاً، شبيه بالحدأة، معروف بكثرة الصياح والصراخ وحدة البصر، ولعله فى العربية من الفعل (بشق) أى أحدّ بالنسبة لحدة بصره ولقد أشير إلى هذه الحقيقة فى سفر أيوب فى قوله (سبيل لم يعرفه كاسر ولم تبصره عين باشق ) (أى 28: 7) أى سبيل لم يره حتى الباشق رغم حدة بصره. والباشق على أنواع مختلفة.

(وكل غراب على أجناسه )

(الغراب ) : معروف بكثرة الخطف والسلب، شره يأكل كل ما يصادفه حتى الجيف والقمامة ومغرم بتقوير عين فريسته، وقول الوحى (على أجناسه) لإنه على أنواع مختلفة فمنه الأسود ومنه الأسود الأبلق وما هو فى لون الطاووس، ومن الغربان ما يسمونه بغراب الزرع، والأكحل والأورق الذى يقال إنه يقلد الأصوات كالببغاء، وهناك طيور من أسرة الغراب كالعقاق.

(النعامة): هى أكبر الطيور حجماً، يبلغ ارتفاعها حتى أعلى رأسها مترين ونصف متر، ويبلغ وزنها نحو خمسة وسبعين من الكيلوجرامات. وهى معروفة بالرعونة والجفاء (مرا 4: 3) لأنها قد تبيض بعض بيضها فى العراء فتطأه بأقدامها أو تأكله الحيوانات، وقد تنسى مكان بيضها وتحتضن بيضاً لنعامة أخرى. والنعامة سريعة العدو تعدو بسرعة عشرين كيلومتر فى الساعة، وقد لا تلحق الخيل بها. وعنقها طويل بطول عنق الجمل، وبالنسبة لثقل جسمها وصغر جناحيها لا تستطيع الطيران، وتسكن صحارى أفريقيا وآسيا.

(الظليم) : ذكر النعامة وهو أكبر من الأنثى حجماً وأحسن شكلاً، ويرى البعض أن المقصود بالظليم هنا نوع من البوم أو الخطاف أو الطير المعروف بالسيس ولكن الأرجح أن المقصود به الذكر من النعام.

(السأف) : يدعى أيضاً (غراب البحر ) لأنه طائر بحرى جناحاه طويلان، وظهره وجناحاه لونها أبيض مشربة باللون الرمادى ورجلاه لهما كفان. يقتات على الأسماك الطافية على الماء وعلى الحشرات والجيف.

(الباز على أجناسه) : ويسمى أيضاً (البازى) وهو من الجوارح أيضاً، وهو من أنواع الصقر ويستخدم مثله فى الصيد، على أجناس كثيرة منها الصقر العادى والشاهين والباشق، صدره عريض وعنقه طويلة، ومن صفاته سرعة الطيران وضيق الخلق لا يصبر على العطش، متكبر، خائن، شره يأكل لحوم الحيوانات والطيور، يقال إنه يأكل حتى لحوم أفراد جنسه حتى إن كان زوجه أو واحد من أبويه.

(البوم) : البومة من الطيور الجارحة وبعض الناس فى اعتقاداتهم الخرافية يتشاءمون منها، وقد يكون هذا لشكلها الكئيب وصوتها المحزن ولأنها تسكن فى الأماكن الخربة. والبومة تأوى فى النهار إلى أعشاشها وتخرج فى الليل لتسعى وراء رزقها، وهى تأكل الفئران والحشرات وتهاجم الطيور فى أعشاشها وتفترسها وتأكل بيضها، وهى على عدة أنواع أيضاً.

(الغواص) : ويسمى أيضاً ( الغطاس) وهو طير أسود اللون بحجم الغراب يغوص تحت الماء أحياناً ليصطاد السمك، وأحياناً يصطاده من على سطح الماء ويأكله على البر أو فى الفضاء، ولذلك فهو يعيش قرب السواحل.

(الكركى) : قيل إنه طائر فى حجم الأوزة لونه رمادى وفى خديه نقط سوداء، رجلاه طويلتان وذيله قصير، يصيح كثيراً فى الليل وصياحه يشبه صياح البوم حتى أن بعض الناس يتشاءمون منه. ويقال إنه محبوب الملوك لأن له نظام خاص فى طيرانه وفى نومه، فهو يطير فى صف يتقدمه رئيس كدليل أو مرشد وإذا تعب الرئيس يتأخر ليحل محله آخر، وفى نومه ينام جماعات فى حلقة يتوسطها حارس إذا انتهت نوبته يحل محله آخر، وهو من الطيور الرحالة يقال إنه يشتى فى مصر ويصيف فى العراق.

(البجع) : طائر كبير قد يبلغ ارتفاعه حتى قمة رأسه أحياناً متراً أو متراً وربعاً، ويكثر فى مصر، ويحب الماء كثيراً، ساقاه وعنقه ومنقاره طويلة، يتغذى على الأسماك والضفادع والطيور الصغيرة والحشرات والثعابين، لونه أبيض وأطراف أجنحته سوداء، ومنه نوع أسود اللون. وفى رحلاته يطير نهاراً ويأوى ليلاً إلى الأشجار ليبيت عليها، يسمونه أحياناً جمل الماء أو الحوصل بالنسبة لحوصلته الكبيرة.

(القوق)  أو القاق : طير يشبه البجع ولكنه أصغر منه، يحب الماء أيضاً، ومسكنه الخرب أو الخلاء. عنقه ومنقاره طويلان، بالمنقار الأعلى صنارة حمراء، والمنقار الأسفل مشقوق يتدلى على جانبيه حوصلة كبيرة. ويتغذى بالسمك فيصيده منقاره الطويل ويخزنه فى حوصلته، وعندما يصل إلى وكره يقذفه ثانية من الحوصلة ويتغذى به مع فراخه، ولذلك يسمونه أحياناً (المتقئ) بالنسبة لقذفه الطعام المخزون من حوصلته.

(الرخم) : يشبه النسر فى الشكل ومن صفاته العطف الكبير على فراخه، جناحاه كبيران وقويان ولذلك فهو سريع الطيران، ويسكن الأماكن البعيدة عن العمران ويبيض على الجبال العالية، يأكل الحشرات والجيف، كان المصريون يقدسونه ولذلك دعى (دجاج فرعون) أو ( العقاب المصرى). ولونه أبيض، وأطراف جناحيه سوداء.

(اللقلق) : من الطيور الرحالة وهو طير كبير الحجم، وهو نوعان : الأبيض وطرفا جناحيه لونهما أسود وارتفاعه حتى أعلى الرأس نحو أربعة أقدام، والأسود وهو أصغر منه، يعرف بالذكاء وبمحبته الكبيرة لفراخه، فلا يتركها حتى فى النار ولا فى أشد الأخطار حتى إن مات معها، طويل العنق والساقين قوى الجناحين سريع الطيران يسكن فى أعالى الأشجار والمبانى، ويتغذى بالأسماك والضفادع وفضلات الطعام والقمامة. وقد دعى هكذا لأنه يحدث بمنقاره صوتاً يشبه اللقلقة أى كأنه يردد ( لق لق…) وبالنسبة لطول ساقيه فإنه يستطيع أن يخوض فى الماء والوحل.

(الببغاء على أجناسه) : طير متسلق يعيش فى الجهات الحارة فى كل القارات ماعدا أوروبا، ويأكل الحبوب والفواكه والحشرات، وهو معروف بتقليد الأصوات دون أن يفهم معناها. وهناك عدة أنواع من الببغاء، فهناك نوع أبيض له تاج يبسطه أو يقبضه بإرادته ويدعى (الكاكانوس)، ونوع أخضر يدعوه (الأمازون) ونوع رمادى وزيله أحمر يدعى (الجاكو)، وهذا النوع الأخير أمهر الأنواع فى تقليد الأصوات والكلمات وحفظها لأعوام طويلة وقد يظل يرددها من وقت لآخر مدى حياته.

والكلمة العبرية المترجمة إلى (ببغاء) هى كلمة (أنفاه) وتعنى غالباً فصيلة كاملة من الطيور كبيرة الحجم من بينها أبو منجل (الأبيس) الذى كان المصريون يقدسونه، وأبو قردان ومالك الحزين والكركى وغيرها.

(الهدهد) : طير صغير جميل الشكل مخطط بخطوط سوداء وخطوط سنجابية، له منقار طويل ومتين وعرف من الريش القوى فى شكل المروحة أو التاج، ويأكل الحشرات والديدان ولذلك يعتبر من الطيور صديقة الفلاح، ويبنى عشه من الزبل والغائط فى شقوق الجدران والصخور وعلى الأشجار. وفى فترة احتضان بيضه ولمدة أسبوع بعدها تكون رائحته كريهة جداً، وهو من الطيور الرحالة، وبصره حاد جداً ولذلك يضرب به العرب الأمثال فيقولون : (أبصر من هدهد).

(الخفاش) (الوطواط) : هو حيوان ثديى عُدَّ بين الطيور لأنه يطير بجناحين يختلفان عن جناحى الطيور، كما أن جسمه مغطى بالشعر، ويمشى على أربع وهو فى شكل الفأر وليس له منقار بل أسنان، لا يبصر جيداً فى النور الساطع ولذلك يختفى فى النهار ويبصر جيداً فى النور الضعيف ولذلك فهو يطير فى أوائل الليل فيصيد الهوام مثل الذباب والبعوض وهو طائر ليأكلها ولكنه لا يبصر فى الظلام الحالك، ومع ذلك فإنه لا يصطدم بما يصادفه من أجسام فى طيرانه، وقد اكتشف العلماء أن السر فى ذلك أنه فى طيرانه يرسل أصواتاً من فمه تصطدم بالأجسام التى فى طريقه، وتحدث الأصوات صدى يرتد إلى أذنى الخفاش فيدرك ما أمامه فيتقيه متباعداً عنه. وعلى هذه النظرية العجيبة اخترعت أجهزة الرادار التى ترسل أصواتاً فى الهواء تصطدم بما يقابلها من أجسام مثل الطائرات وغيرها، وتحدث الأصوات صدى يرتد إلى جهاز الرادار معيناً موقع هذه الأجسام. وتلد أنثى الخفاش ولا تبيض، وتحمل صغارها تحت جناحيها وقد ترضعها وهى طائرة. والخفاش يسكن فى الأماكن الخربة والقذرة والكهوف، يقال إنه يعمر طويلاً جداً حتى لقد يعمر أطول من النسر. ونلاحظ أنه من حكمة الله وإعجاز الكتاب المقدس وموافقته للعلم الصحيح أن الخفاش أدرج فى آخر القائمة بعد ذكر الطيور بما أنه حيوان وليس طائراً. وقد ذُكر ضمن القائمة لأنه من الأحياء التى تطير بجناحين كما رأينا، وذكره إشعياء النبى مع الجرذان (إش2: 20)

الكلام عن الحشرات الطيارة (ع20-23)

20- وكل دبيب الطير الماشى على أربع فهو مكروه لكم.

1- فى الأعداد السابقة يتكلم الوحى عن الطيور وهى ما يمشى على رجلين فقط موضحاً الغير طاهرة منها وقد ضمَّنها الخفاش لأنه يطير كما رأينا. وفى الأعداد الآتية يتكلم عن (دبيب الطير)  الماشى على أربع، والمقصود به الحشرات الطيارة التى لها أكثر من رجلين أى أربع أرجل أو أكثر، وقد اعتُبرت من ( الدبيب) لأنها تستطيع أن تدب (تمشى) على الأرض، كما اعتُبرت من (الطير) لأنها تستطيع أن تطير بأجنحتها.

2- الحشرات بوجه عام (مكروهة) أى أن أكلها ممنوع، إلا أربعة أنواع بيَّنها الوحى فى العدد الثانى والعشرين وهى الجراد والدبا والحرجوان والجندب.

21- إلا هذا تأكلونه من جميع دبيب الطير الماشى على أربع. ما له كراعان فوق رجليه يثب بهما على الأرض.

الأنواع المحللة من الحشرات الطيارة ماله كراعان فوق رجليه، وقد ترجمت فى الإنجليزية ماله ساقان فوق قدميه، و الكراع ) أو ( الكارع ) هو الساق. والمقصود من هذا أن الرجلين الخلفيتين أطول من الأماميتين لأن بهما ساقين طويلتين وكأن الرجل الخلفية من ثلاثة أجزاء، جزء يقابل الفخذ فى الحيوان وجزء يقابل الساق وهو المقصود بالكراع وجزء يقابل القدم.

وقد جاءت الفقرة فى ترجمتى الآباء اليسوعيين وواطس العربية (ما له رجلان أطول من يديه ) وطول الرجلين الخلفيتين يساعد الحشرة على الوثوب. وقوله (كراعان فوق رجليه يثب بهما على الأرض) أى له ساقان طويلان تليان قدميه تساعدانه على الوثب.

22- هذا منه تأكلون. الجراد على أجناسه. والدبا على أجناسه. والحرجوان على أجناسه. والجندب على أجناسه.

(الجراد) : هو الحشرة الطيارة المعروفة، يطير أرحالاً (أسراباً) هائلة فينقض على المزروعات والأشجار ويأكل معظمها، وقد كان من بين الضربات العشر (خر10: 12-15) وتوجد أنواع مختلفة من الجراد، فمنه الأحمر والأصفر والأبيض والكبير والصغير. وللجرادة ثلاثة أزواج من القوائم، الزوج الخلفى منها مسنن كالمناشير يقطع به النباتات والأشجار. والجراد يؤكل فى بعض بلاد المشرق فتنزع أطرافه ورأسه وأمعاؤه ثم يشوى أو يقلى وأحياناً يسحق ويخزن دقيقاً أو يقدد ويخزن. وقد كان يوحنا المعمدان يأكل جراداً وعسلاً برياً (مر1: 6).

(الدبا) : أو ( الدبى) والواحدة (دباة) وهو فى الغالب نوع من الجراد الوثاب، وقد جاء فى الترجمة الإنجليزية (Bald Locust) أى الجراد الأقرع أو الأصلع، وربما المقصود بذلك نوع من الجراد ليس له ذيل، وقوله (على أجناسه) يدل على أن له أنواعاً مختلفة.

(الحرجوان) : نوع من الجراد أيضاً، يرجح أنه كبير الحجم، وبدون أجنحة، وبذلك يثب ولايطير وهو على أنواع كثيرة.

(الجندب) : نوع من الجراد الطيار، ويسمى أيضاً (الحجب) لأن أرحاله الهائلة تحجب وجه الأرض أو تحجب الشمس عن الأرض، وهو جميل الشكل، ويوجد منه أكثر من نوع

23- لكن سائر دبيب الطير الذى له أربع أرجل فهو مكروه لكم.

كل ماعدا الأربعة أنواع المذكورة فى العدد السابق، من الحشرات التى تمش على أربع أرجل أو أكثر لا يجوز أكله.

النجاسة بسبب ملامسة جثث الحيوانات الميتة (ع24-28)

24- من هذه تتنجسون. كل من مس جثثها يكون نجساً إلى المساء.

25- وكل من حمل من جثثها يغسل ثيابه ويكون نجساً إلى المساء.

يشير الوحى فى قوله (من هذه تتنجسون) إلى الحيوانات النجسة التى يفصلها فى الأعداد التالية (من26-30)، وكان من يلمس أجسادها وهى ميتة أو من يحمل أجسادها الميتة أو أجزاء من أجسادها يتنجس إلى المساء أى إلى نهاية اليوم الحاضر وبداية اليوم التالى. وكان على الذى يتنجس بسبب هذا أن يغسل ثيابه ولا يدخل بيت الرب أو يخالط الأطهار أو يأكل من الذبائح أو يمس شيئا مقدساً إلى المساء. وقد مرت الحكمة من عدم ملامسة جثث الحيوانات الميتة فى (شرح ع8).

26- وجميع البهائم التى لها ظلف ولكن لا تشقه شقاً أو لا تجتر فهى نجسة لكم. كل من مسها يكون نجساً.وترجمت أيضاً (جميع البهائم…..) بدون حرف العطف وتشير هذه الآية إلى الحيوانات التى لا تشق الظلف ولا تجتر ومنها الجمل والحمار والحصان والخنزير وغيرها، والمقصود أن من يلمس جثثها وهى ميتة يتنجس.

ولقد كان الصدوقيون يفسرونها على أن من يلمس أجسادها يتنجس سواء أكانت حية أو ميتة وهذا غير موافق لما يقصده الوحى لأن معظم الحيوانات كانت تستعمل فى الحمل والركوب وأعمال الزراعة.

27- وكل ما يمشى على كفوفه من جميع الحيوانات الماشية على أربع فهو نجس لكم. كل من مس جثثها يكون نجساً إلى المساء.

28- ومن حمل جثثها يغسل ثيابه ويكون نجساً إلى المساء.. إنها نجسة لكم.

يتنجس أيضاً من يلمس أو يحمل الجثث الميتة للحيوانات النجسة الأخرى التى تمشى على كفوفها مثل الكلب والقط والفأر والقرد وما إلى ذلك.

أنواع الدبيب النجس (ع29-30)

29- وهذا هو النجس لكم من الدبيب الذى يدب على الأرض. ابن عرس والفأر والضب على أجناسه.

30- والحرزون والورل والوزغة والعظاية والحرباء.

أعتبر الوحى هذه الثمانية حيوانات من دبيب الأرض نجسة، وفى الأعداد التالية يأمر بعد لمسها أو حملها وهى ميتة.

(ابن عرس) : وترجم أيضاً ( الخلد ) حيوان فى حجم الفأر الكبير ويعده البعض نوعاً من الفيران وشكله بين النمس والفأر ويسكن الجحور فى الحقول والخلاء وأحياناً فى البيوت، لونه أغبش أبلق يفترس الفيران وهو شديد العداوة لها، كما يأكل أيضاً الحيوانات الصغيرة والجيف وقد يسطو على الأطفال وهم نيام وأسنانه حادة معوجة. ومن عاداته أنه مغرم بخطف الأشياء اللامعة كالنقود وإخفائها فى جحره.

(الفأر) : حيوان قارض يسكن البيوت والحقول، والوحى يقصد بالفأر بجميع أنواعه مثل اليربوع والجرز والسيسى الذى يطلق غالباً على فأر البيت وغيرها. والفأر يأكل الحبوب والمزروعات والخشب والورق والأطعمة المختلفة، وقد يأخذها إلى جحره ليقتات بها، ويضرب العرب المثل فى السرقة والسطو بالفأر فيقولون (ألص من فأرة).

(الضب) : حيوان برى شكله ما بين التمساح والضفدعة، يسكن فى الصحارى، طوله حتى نهاية الذيل نحو ذراعين، ذيله قوى كثير العقد حتى يقال فى الأمثال عن الأشياء المعقدة الصعبة (أعقد من ذنب الضب)، يتلون بلون البيئة حتى يكون فى مأمن من الأعداء، صبور على العطش، مغرم بأكل بيض التمساح، يعمر طويلاً، ويقال أنه كثير النسيان، وقد ينسى جحره فيضطر إلى أن يجعله فى مكان ظاهر. (الحرذون) : ظنه بعض علماء اليهود القنفد، والأرجح أنه نوع من الوزغ قريب الشبه بأبى بريص (البرص) جسمه به بقع بيضاء، كفوفه بها ممصات تجعله قادراً على تسلق الجدران، ولا يخرج من جحره فى الشتاء.

(الورل) : نوع من الوزغ منه برى ومنه بحرى، يتراوح طوله حتى نهاية ذيله من أربعة إلى ستة أقدام. ويكثر الورل البحرى فى نيل مصر. والورل يأكل الفيران والحشرات ويتغلب حتى على الحيات ولذلك دعى بالعبرية (كح) أى قوة، ويأكل أيضاً بيض التمساح ولذلك كان المصريون القدماء يحبونه ويتميز الورل البحرى عن البرى بوجود عرف بارز بطول ذنبه.

(الوزغة) :وترجمت أيضاً (سام أبرص) والمقصود بالوزغة هنا أنواع كثيرة من الحرباء وسام أبرص المدعو أيضاً (أبو بريص)، ودعى هكذا لوجود بقع شبيهه بالبرص على جلده، وكل الأنواع سريعة الحركة.

(العظاية) : من أنواع الوزغ ويفسرها البعض بالحلزون، شكلها يقرب من شكل الحرباء، وهى لا تؤذى، وتوجد منها أنواع كثيرة، فمنها الأحمر والبيض والأخضر، وتحب الظهور كثيراً فى الشمس.

(الحرباء) : من الوزغ المتسلق، لأنها تتلون بلون البيئة لتكون فى مأمن من الخطر، يضرب بها المثل فى التلون والرياء. تتسلق على الشجار بذيلها الطويل وتتعلق به بأغصانها، وتصطاد الحشرات بلسانها الطويل الذى تمده على الأرض، وهو مغطى بمادة لزجة تساعد على التصاق الحشرات به، وهى حذرة لا تترك الغصن الذى تتعلق به إلا إذا تمكنت من غيره. ويقال أنها تصبر كثيراً على الجوع وكل عين من عينيها مستقلة فى نظرها عن الأخرى ولذلك تستطيع أن تنظر فى وقت واحد إلى جهات مختلفة، كما تستطيع فى وقت واحد أيضاً أن تنظر بإحدى عينيها إلى فوق وبالأخرى إلى أسفل.

أوجه النجاسة من الدبيب الميت (ع31-38)

بعد أن ذكر الوحى الأنواع النجسة من دبيب الأرض فى العددين السابقين يتكلم عن حالات التنجس بها بعد موتها، ويكون هذا بلمس أجسادها أو بوقوع أجسادها على الأمتعة المختلفة أو فى الطعام أو الشراب، أو المواقد والتنانير أو الزرع.

31- هذه هى النجسة لكم من كل الدبيب كل من مسها بعد موتها يكون نجساً إلى المساء.

(هذه هى النجسة لكم من كل الدبيب) أى الأنواع المذكورة فى عددى 29،30

(كل من مسها بعد موتها يكون نجساً إلى المساء ) من يلمس أجسادها وهى ميتة يتنجس إلى نهاية اليوم (أنظر شرح ع24).

32- وكل ما وقع عليه واحد منها بعد موتها يكون نجساً. من كل متاع خشب أو ثوب أو جلد أو بلاس. كل متاع يعمل به عمل يلقى فى الماء ويكون نجساً إلى المساء ثم يطهر.

1- إذا وقع أحد الحيوانات النجسة المذكورة بعد موتها على أى متاع يتنجس هذا المتاع سواء أكان من الخشب أو الثياب أو الجلد كالأحذية والناطق أو البلاس وهو القماش الخشن المصنوع من شعر المعزى أو غيره مما كان يلبس مسوحاً. وكذلك يتنجس أى متاع كان يستعمل فى الحياة اليومية كأدوات الزراعة والصناعة والأوانى وغيرها.

2- كان عليهم أن يلقوا الشئ الذى يتنجس فى الماء لكى يغسل ويتطهر، ويعتبر الشئ نجساً إلى المساء أى إلى نهاية اليوم وبداية يوم جديد.

33- وكل متاع خزف وقع فيه منها فكل ما فيه يتنجس وأما هو فتكسرونه.

كان عليهم أن يكسروا الوانى الخزفية ( الفخارية ) التى تتنجس من وقوع الحيوان الميت عليها والسبب فى ذلك أن الفخار يصعب تنظيفه تماماً بالنسبة للمسام التى به، وكان كسر الأوانى الفخارية لا يحملهم خسارة كبيرة لرخصها.

34- ما يأتى عليه ماء من كل طعام يؤكل يكون نجساً وكل شراب يشرب فى كل متاع يكون نجساً.

35- وكل ما وقع عليه واحدة من جثثها يكون نجساً. التنور والموقدة يهدمان. إنها نجسة وتكون نجسة لكم.تتنجس أيضاً الأشياء الآتية إذا وقع فيها حيوان ميت من الحيوانات المذكورة :

1- (ما يأتى عليه ماء من طعام) أى الطعام الذى به سوائل مثل الماء والزيت سواء كان مطهياً أو غير مطهى، وكان الطعام حينئذ لا يؤكل.

2- كل السوائل. مثل الماء وغيره.

3- التنور والموقد كانا يهدمان.

4- وكل الأمتعة التى تقع عليها الجثث وفى الغالب كان على الذى يمس شيئاً من الأشياء التى تتنجس أن يغتسل ويعتبر نجساً إلى المساء.

36- إلا العين والبئر مجتمعى الماء تكونان طاهرتين لكن ما مس جثثها يكون نجساً.

يستثنى من هذا العيون والآبار فإنها لا تتنجس لأنها مستودعات عامة للماء الذى يتجدد باستمرار (لكن ما مس جثثها يكون نجساً) أى الجزء الذى أحاط بجثثها : فكان عليهم أن ينزحوا منها بقدر ما كان مسها من الماء أو بقدر الجزء الذى شغله الجسم الميت، ويلقى هذا المقدار بعيداً. وقد كان فى هذا إشارة رمزية إلى قبح النجاسة ووجوب تجنبها.

37- وإذا وقعت واحدة من جثها على شئ من بزر يزرع فهو طاهر.

38- لكن إذا جعل ماء على بزر فوقع عليه واحدة من جثثها فإنه نجس لكم.

1- (إذا وقعت واحدة من جثثها على شئ من بزر زرع يزرع ) : ( وفى بعض الترجمات كل ما يزرع)، وفى ترجمة أخرى (من المعد للزراعة)، ونلاحظ فى تفسير النص :

( أ ) أن الفريسيين كانوا يرون أن المقصود بذلك أن البذور والحبوب المعدة للزرع أو المبذورة فعلاً فى الأرض لا تتنجس بالنسبة للتغييرات التى تطرأ عليها  عندما تنموا وما يأخذه من الهواء والماء والتربة، ولكنها إذا حصدت فإنها تتنجس.

(ب) ويرى معظم المفسرين أن البذور بوجه عام لا تتنجس مادامت جافة.

2- أما إذا وضع الماء على البذور فإنها تتنجس بوقوع الحيوان الميت عليها لأن الماء يساعد على تفتيح مسام البذور فتتأثر بالحيوان الذى سقط عليه.

الحيوانات الطاهرة الميتة (ع39-40)

39 – وإذا مات واحد من البهائم التى هى طعام لكم فمن مس جثته يكون نجساً إلى المساء.

40- ومن أكل من جثته يغسل ثيابه ويكون نجساً إلى المساء. ومن حمل جثته يغسل ثيابه ويكون نجساً إلى المساء.حتى الحيوانات الطاهرة المصرح لهم بأكلها إذا ماتت عن طريق غير الذبح العادى كانت جثثها تعتبر نجسة.

( أ ) فلا يجوز لمسها.

(ب) ولا الأكل منها، والمقصود بالأكل هنا الأكل سهواً أو بغير علم لأن من أكل عمداً كان يقطع من الشعب (تث14: 21،عب15: 30).

(ج) أو حمل جثثها (أنظر شرح ع8)

وفى كل حالة كان الشخص يغسل ثيابه ويكون نجساً إلى المساء.

وفهم علماء اليهود أن المقصود بجثث الحيوانات أو الأجزاء منها الأجزاء التى عليها لحم كالقرون والجاد والشعر فكان يمكن أن ينتفع بها ولا تعتبر نجسة.

الكلام عن الزواحف والدبيب (ع41-42)

41- وكل دبيب يدب على الأرض فهو مكروه فهو مكروه لا يؤكل.

42- كل ما يمشى على بطنه وطل ما يمشى على أربع مع كل ما كثرت أرجله من كل دبيب يدب على الأرض لا تأكلوه لأنه مكروه.

فى الأعداد من (29-31) يذكر الوحى ثمانية أنواع من الدبيب، وفى هذه الآيات يوضح نجاسة كل دبيب آخر يدب على الأرض ويحرم عليهم أكله، وتشتمل هذه الحيوانات على:

( أ ) الزواحف التى تزحف على بطنها مثل الثعابين، ولعل هذا يذكر الشعب بأن سعى الحية على بطنها كان عقاباً لها من الرب لأن الشيطان استخدمها لتنفيذ أغراضه فى غواية حواء (تك3: 14،15).

(ب) كل ما يدب (يمشى ) على أربع أرجل مما لم يحلل أكله سابقاً.

(ج) وكذلك ما يدب على أكثر من أربع أرجل.

الحث على السلوك بالقداسة (ع43-45)

43- لا تدنسوا أنفسكم بدبيب يدب ولا تتنجسوا به ولا تكونوا به نجسين.

يعود الوحى فينهاهم هنا عن تنجيس أنفسهم سواء بالأكل من الحيوانات المحرمة أو بلمسها وهى ميته بثلاث جمل فى صيغة النهى تأكيداً للمعنى وزيادة فى تحذيرهم.

44- إنى أنا الرب إلهكم فتتقدسون وتكونون قديسين لأنى أنا قدوس، ولا تنجسوا أنفسكم بدبيب يدب على الأرض.

45- إنى أنا الرب الذى أصعدكم من أرض مصر ليكون لكم إلهاً. فتكونون قديسين لأنى أنا قدوس.

إن الرب هنا ينهاهم عما يخدش طهارتهم ويشين حياتهم ويأمرهم أن يكونوا قديسين، ويبنى تعالى أمره لهم على :

( أ ) كونه إلههم القدوس، ومن الواجب أن يكونوا هم أيضاً قديسين حتى يتميزوا عن شعوب الأرض التى تتعبد للآلهة الكاذبة.

ونرى مثل هذا الأمر فى العهد الجديد حيث يقول الكتاب (فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل مت5: 47) و (نظير القدوس الذى دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين فى كل سيرة 1بط1: 15).

(ب) وعلى عمله من أجلهم إذ أصعدهم من أرض مصر من العبودية فمن حقه أن يطالبهم بالسلوك بالقداسة وحسب شريعته والبعد عن كل ما يغضبه ويهين مجده.

وقوله (ولا تنجسوا أنفسكم) فى النسخة العبرية جاءت فى السبعينية (ولا تنجسوا أرواحكم) والمقصود أن يقدس المؤمن من شخصه روحاً ونفساً وفكراً وجسداً. والمؤمن إذ خلقه الله  وأعطاه نعمه وبركاته وفداه من الموت واشتراه بدمه الطاهر يجب عليه أن يكرس ذاته لحب فاديه ويتقدس له بروحه وجسده وكل ماله ( لأنكم قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله 1كو6: 20).

خاتمة الإصحاح (ع46-47)

46- هذه شريعة البهائم والطيور وكل نفس حية تسعى فى الماء وكل نفس تدب على الأرض.

يعتبر هذا القول ملخصاً للإصحاح يعيد إلى ذهن القارئ الموضوعات التى تكلم فيها. وسنرى مثل هذه العبارة فى ختام الكثير من الشرائع، فيعد الكلام عن النجاسة والطهارة فى حالة الولادة مثلاً يقول الوحى : (هذه شريعة التى تلد ذكراً أو أنثى ص12: 7)، وبعد الكلام عن برص الأمتعة والثياب يقول : (هذه شريعة ضربة البرص فى الصوف أو الكتان فى السدى أو اللحمة أو فى كل متاع من جلد للحكم بطهارته أو نجاسته (ص13: 59) وهكذا.

47- للتمييز بين النجس والطاهر وبين الحيوانات التى تؤكل والحيوانات التى لا تؤكل.

أن الشريعة المذكورة قد أعطيت لهم ليميزوا بين الأشياء الطاهرة والأشياء الغير طاهرة وبين ما يحل أكله من الحيوانات وما لا يحل وكلمة الله دائماً هى دليل المؤمن، وشريعته هى التى ترشده فى طريقه وتنير أمامه السبيل فيعلم بها ما هو مستقيم ليسلك فيه وما هو معوج لينأى عنه (سراج لرجلى كلامك ونور لسبيلى مز119: 105).

تأمــل

الطعام فى عهد النعمة

فى العهد الجديد – إذ نضج الإنسان روحياً وعلمياً أيضاً، وأصبح من السهل عليه أن يميز بين الحيوانات التى تنقل الأمراض وغيرها، وإذ بطلت الموز وحلت محلها الأمور المرموز إليها نلاحظ :

أولاً : أنه لم يعد فارق بين شعب وشعب، فشعب الله المختار الآن هم المؤمنون من كل الشعوب والأمم والألسنة، وفى رؤية الملاءة التى رآها بطرس الرسول توضيح لهذه الحقيقة، فالله بحكمته إذ أراد أن يحثه على تبشير الأمم الغريبة عن إسرائيل بالإيمان أوقع عليه غيبة وأراه إناء نازلاً من السماء مثل ملاءة فيها كل دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء وناداه أن يقوم ويذبح ويأكل، ولما أمتنع بقوله (كلا يا رب لأنى لم آكل قط شيئاً دنساً أو نجساً )، ناداه ثانية ( ما طهره الله لا تدنسه أنت ). وكان هذا على ثلاث دفعات. ولما انتبه من نومه أقبل إليه رسل من قبل كرنيليوس الأممى يطلبون إليه أن يذهب ليبشر سيدهم لأن ملاكاً طلب إليه أن يرسل إلى بطرس ليستدعيه ليكلمه بكلمة الله، وفى نفس الوقت كان الروح قد عرف بطرس بأمر هؤلاء الرسل وأمره أن يذهب معهم. وذهب بطرس إلى كرنيليوس وبشره هو والذين له، وآمن الجميع واعتمدوا وقبلوا الروح القدس وفرح الرسل بأن الأمم نالت أيضلً نعمة الخلاص لأن فى كل أمة الذى يتقيه ويصنع البر مقبول عنده (1ع10،11) ومن ثم فلم تعد الحيوانات الطاهرة أو غير الطاهرة تشير رمزياً إلى شعباً ما من الشعوب.

ثانياً : ولذلك فعهد النعمة يصرح بأن كل خليقة الله جيدة (1تى4:4)، وقد تركت المجال للمؤمنين أن يتصرفوا بضمائر نقية وبحرية أولاد الله. ولكن هناك احتياطات روحية يجب أن يراعيها المؤمنون لبناء الكنيسة كما سنرى.

ثالثاً : فقد رأى الرسل فى مجمع أورشليم بإرشاد الروح القدس أن يصرحوا للمؤمنين بان يأكلوا كل شئ فيما عدا الدم والمخنوق وما ذبح للأوثان (أع15) : الدم لأن فيه نفس الحيوان وحياته والله وحده صاحب السلطان على حياة الكائنات كما أن الدم أيضاً يشير إلى دم المسيح الفادى الذى سفك على الصليب وربما لأن الدم أيضاً يكون مرتعاً لجراثيم الأمراض وقد يعرض الإنسان لكثير منها، والمخنوق لأنه يقتل بطريقة غير مقبولة وربما غير صحية، وأما ما ذبح للأوثان فاستنكاراً لعبادات الوثنيين واعتقاداتهم الفاسدة وحتى لا يعثروا الأخوة المؤمنون، ولأنه ليس من اللائق أن يشترك المؤمنون فى ذبيحة الرب فى سر الشكر وفى ذبيحة الشياطين وأن يشربوا من كأس الرب ومن كأس الشياطين (1كو8: 10).

رابعاً : وهناك قواعد يجب أن يراعيها المؤمن منها :

( أ ) ألا يأكل أو يشرب شيئاً يتسلط عليه أو يصبح له عادة لا يستطيع التخلص منها لأن (كل الأشياء تحل لي لكن لا يتسلط علىَّ شئ 1كو6: 12).

(ب) ألا يأكل أو يشرب شيئاً يشكك ضميره، فالإنسان يجب أن يأكل كل شئ بشكر، ولكن إذا أكل بشك يعتبر أكله مخالفة للضمير ومن ثم يعتبر خطية. وفى هذا يقول الرسول (طوبى لمن لا يدين نفسه فيما يستحسنه. وأما الذى يرتاب فإن أكل يدن لأن ذلك ليس من الإيمان. وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية رو14: 22،23) بمعنى أن الذى يأكل أو يعمل شيئاً لا يطمئن إليه فكره ويستريح إليه ضميره يعتبر خطية.

(ج) ألا يأكل أو يشرب شيئاً فيه عثرة للآخرين، لأن المؤمن ليس مسئولاً عن نفسه وعن ضميره فقط بل عن أنفس الأخوة وضمائرهم وبنيانهم الروحى أيضاً، والرسول يقول (كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء توافق. كل الأشياء تحل لي ولكن ليس كل الأشياء تبنى. لا يطلب ما هو لنفسه بل كل واحد ما هو للآخر.. كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيين ولكنيسة الله 1كو10: 23-32)، ولقد صرح الرسول أيضاً بقوله (حسناً أن لا تأكل لحماً أو لا نشرب خمراً ولا شيئاً يصطدم به أخوك أو يعثر أو يضعف رو14: 21)،  وبقوله ( لذلك إن كان طعام يعثر أخى فلن آكل لحماً إلى الأبد لئلا أعثر أخى 1كو8: 13)، لأنه ليس من اللائق أن يستعمل الإنسان سلطان الحرية التى أعطيت له بموت المسيح لعثرة الآخرين أو تشكيكهم.

(د) ولقد ظهر فلاسفة ومبتدعون منذ القدم شككوا المؤمنين فى بعض الأمور مثل مانى ومركيون وساتورنينوس وأبيون والفنوسيون والأفلاطونيون وغيرهم ممن نادى بأن الزواج نجس وبأن أكل اللحوم نجس لأن من ذبح حيواناً يعتبر قاتلاً ومن أكله يعتبر آكلاً للنفس والحياة… ولذلك قالوا (لا تمس ولا تذق ولا تجس كو2: 21)، والرسول أشار إليهم بقوله : ( ولكن الروح يقول صريحاً، أنه فى الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواح مضلة وتعاليم شياطين… مانعين عن الزواج وآمرين أن يُمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين 1تى4: 1-3)، وقد حذر الرسول من الاستماع إلى هؤلاء.

(هـ) أما الرهبنة والبتولية فليس لهما اتصال بضلالات هؤلاء المعلمين الكذبة لأن المسيحية تقدس الزواج إذ هو سر مقدس من أسرار الكنيسة، والرهبنة والبتولية هما عملان تطوعيان مقدسان لهما أهدافهما الروحية السامية.

(و) وليس للصوم المقدس أيضاً صلة بهذه التعاليم المضلة لأن المؤمنين يعتقدون أن خليقة الله كلها جيدة ويتناولونها بشكر فى أيام الفطر، وأما الصوم الذى ينقطعون فيه فترة من النهار ويتناولون فيه أطعمة خاصة ويمتنعون فيه عن بعض الأطعمة فهو فضيلة مباركة ورياضة روحية سامية تنشط النفس وتهيئ جواً مباركاً للعبادة.

(ز) والمسيحية أيضاً تشجب الذين يظنون أن مجرد قهر الجسد والعبادة النافلة والتواضع أمور كافية لإشباع البشرية روحياً (1كو2: 23)، لأن العبادات والفضائل لا تكمل المؤمنين ولا تكون مقبولة إلا إذا كانت شركة مقدسة بين المؤمنين وبين الله، وإلا إذا سما المؤمن بأفكاره وسلوكه وتصرفاته حتى تكون حياته وأعماله وعباداته ونسكياته مقترنة بما يمجد المسيح ويرضيه، ولذلك بعد أن يندد الرسول بالعبادات الظاهرية السطحية للجهلاء ينصح المؤمنين بقوله : ( فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جلس عن يمين الله اهتموا بما فوق لا بما على الأرض لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح… فأميتوا أعضاءكم التى على الأرض الزنا النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع الذى هو عبادة الأوثان…كو3: 1…).

(ح) وبالجملة فالقاعدة الذهبية التى يجب أن يضعها لمؤمن أمامه أن يجعل كل أعماله وتصرفاته أكله وشربه، حركاته وسكناته، أن يجعلها كلها لمجد الله ولبنيان النفوس (فليكن كل شئ للبنيان 1كو14: 26) (… أحكموا بهذا أن لا يوضع للأخ مصدمة أو معثرة…. فلنعكف إذا على ما هو للسلام وما هو للبنيان بعضنا لبعض رو14: 13،19)، وهكذا (فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شئ لمجد الله 1كو10: 31).