[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

يتضمن هذا الأصحاح والأصحاح الثانى والعشرون (من ع 1-13) بعض الواجبات والتعليمات الخاصة بالكهنة. وخلاصتها أن يكونوا قديسين. ولا يسمحوا لشئ

من المحذورات أو من الأشياء الغير اللائقة أن تدنس حياتهم أو تشوه جمالها باعتبارهم:

(أ) مقدسين للرب إلههم (ع 6).

(ب) والمقربين لقرابينه ووقائده (ع 6،8).

(جـ) ولأنهم قادة الشعب الروحيون ورؤساؤه المقدسون منه (ع 8).

(د) ولأن رئيس الكهنة بالذات ممسوح بدهن المسحة المقدس (ع 10).

وهذا الأصحاح يتضمن المسائل الآتية :

(أ) تصرف رجال الكهنوت العاديين فى ظروف الوفاة لأقاربهم (ع 1-6).

(ب) أوامر تتعلق بزواج الكهنة (ع 7-8).

(جـ) وبخصوص ابنة الكاهن إذا تدنست بالخطية (ع 9).

(د) وبخصوص رئيس الكهنة فى وفاة أحد أقاربة (ع 10-12).

(هـ) وبخصوص زواجه (ع 13-15).

(و) وبخصوص اللياقة الجسدية للكهنة (ع 16-20).

(ز) وحقوق أبناء الكهنة الذين فيهم عيوب جسدية وواجباتهم (ع 21-24).

واجبات الكهنة فى أوقات الحداد (ع 1-6)

1- وقال الرب لموسى كلم الكهنة بنى هرون وقل لهم. لا يتنجس أحد منكم لميت فى قومه.

يجب أن يحرص موسى على توصية الكهنة ليسلكوا بالتدقيق إزاء جميع أوامر الرب لأنهم خدام الله الذين يدنون من مذبحه وهم قادة الشعب ومثلهم العليا. وبولس الرسول فى العهد الجديد يبين هذه الواجبات المقدسة على خدام الله فيقول (ولسنا نجعل عثرة فى شئ لئلا تلام الخدمة 2كو 3:6) ويقول القديس بطرس الرسول: (هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر الله ثم يسأل فى الوكلاء لكى يوجد الإنسان أمينا 1كو 1:4،2).

ولقد أنعم الله على شعبه فى العهدين بنعمة الكهنوت الذى ندب له أشخاصا أمناء دعاهم لخدمته وجعل شعبه (مملكة كهنة خر 6:19). فمن الواجب على هؤلاء الذين دعوا إلى هذا المركز الخطير أن يعيشوا أمناء للرب.

ولقد قسم شعب الله قديما إلى ثلاث طبقات، تتمثل الأولى فى الشعب ويمثله الشيوخ ورؤساء الأسباط، وتتمثل الثانية فى الكهنة. والثالثة فى رئيس الكهنة. ونفس سبط اللاويين الذى خصصه الله للخدمة المقدسة كان منه ثلاث طبقات هى طبقة اللاويين أو الخدام. وطبقة الكهنة من نسل هرون. ورئيس الكهنة نفسه. وقد قضت محبة الله ونعمته لتدبير كنيسته فى العهد الجديد أن تكون درجات الكهنوت ثلاثا أيضاً: هى درجة الشموسية. ودرجة القسيسية. ودرجة الأسقفية.

لايتنجس أحد منكم لميت فى قومه :

العبارة (لا يتنجس أحد) فى هذا الأصحاح تعنى التنجس بسبب ملامسة الميت أو الاشتراك فى تشييع جنازته ودفنه كما سنرى و(قومه) هنا أى شعبه والمقصود من النص أن لا يتنجس أحد من الكهنة لميت من الشعب وكان التنجس بالاشتراك فى تشييع جنازة الميت وتكفينه أو دفنه أو بالاشتراك فى حضور مأتمه أو لمس جثة الميت أو اقتراب الكاهن منها لمسافة تقل عن أربعة أذرع وإذا كان علمانيا فلا يتقرب لمسافة تقل عن ستة أذرع كما قرر علماء الناموس. أو الدخول فى البيت أو الخيمة التى فيها الميت. وقد أوضح سفر العدد أن أى شخص يتنجس لميت عليه أن يتطهر فى اليوم الثالث بماء النجاسة. ويعتبر نجسا لمدة سبعة أيام (عد 19).

واعتبر لمس الميت منجسا باعتبار أن الموت هو ثمرة الخطية التى وقع فيها أبوانا الأولان. وشكراً لفادينا الحبيب الذى دان الخطية بموته على الصليب وكسر شوكة الموت وأزال نجاسته. وجعله ربحا للمؤمنين (فى 21:1).وإن كان يجوز لعامة الشعب أن يشيعوا أقاربهم وأصدقاءهم وأى فرد من الشعب فالكاهن لم يصرح له أن يفعل ذلك إلا مع أقاربه القريبين. ولئن كان يحزن فى قلبه على أحبائه وأصدقائه بعامل عاطفته البشريه فعليه أن يضبط نفسه أمام شعبه تنفيذا لشريعة الرب لأنه الراعى الذى يعزى شعبه. ويعلمهم ويثبتهم فى تجاربهم من جهة ولأنه مقدس للرب وليس له نصيب بين شعبه، والرب هو نصيبه وفيه كفايته وبه يستغنى عن جميع الأهل والأحباء، ولعل هذا يذكرنا بقول المخلص (من أحب أبا أو أما أكثر منى فلا يستحقنى ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر منى فلا يستحقنى  مت 37:10).

2- إلا لأقربائه الأقرب إليه أمه وأبيه وابنه وابنته وأخيه.

فى هذا العدد والعددين الثالث والرابع يستثنى الوحى الأقارب الذين يجوز بل يجب على الكاهن أن يشترك فى تشييع جنازتهم دون أن يكون مخالفا للناموس وهم (أقرباؤه الأقرب) أى الأقارب من الدرجة الأولى. وهم سبعة: الأم والأب والابن والابنه والأخت الغير متزوجة (ع3) والزوجة لأنه أقرب الناس إليهم وأولى بتشييع جنازتهم. وإن كانت الزوجة لم تذكر هنا فلأن هذا معروف بالطبع لأنها لاتعد من أقاربه فقط بل هى أقرب الناس إليه لأنها عظم من عظامه ولحم من لحمه (تك 23:2) وهو وإياها قد صارا جسدا واحدا (ع24)، ومن نهى الله لحزقيال النبى والكاهن عن النوح على زوجته فى (حز 17:24) وتعجب الشعب لذلك دليل على أن القاعدة العامة أن ينوح الكاهن على زوجته. وفى تصريحه للكاهن فى (ع3) من هذا الأصحاح بأن يتنجس لأجل الأخت العذراء وبالتالى لا يتنجس للأخت المتزوجة لأنها بزواجها قد خرجت من رعايته إلى رعاية زوجها. دليل ضمنى أيضاً على أن الكاهن أولى الناس بأن يهتم بأمر زوجته وهى ميتة.

3- وأخته العذراء القريبة إليه التى لم تصر لرجل. لأجلها يتنجس.

الكاهن كما مر بنا مسئول عن الاهتمام بتشييع أخته العذراء الغير متزوجة أما إذا كانت متزوجة فلم يجز له ذلك لأن زوجها هو المسئول عن ذلك. وقوله (لأجلها يتنجس) أى يهتم بتشييع جنازتها ودفنها.

4- كزوج لا يتنجس بأهله لتدنيسه.

فى تفسير هذه الآيه أكثر من رأى وقبل أن نورد هذه الآراء نذكر أن الكلمة المترجمة إلى (زوج) هنا قد تترجم أيضاً إلى (رئيس أو شريف) و (أهله) بمعنى شعبه وقد تترجم أيضاً إلى (أقاربه) أو إلى (زوجته) نفسها. باعتبار أنها الشخص الأول فى أهل بيته وهى ربة بيته وأم أولاده. ونذكر هنا بعض الآراء فى شرح هذه الآية:

1- النص فى الترجمة اليسوعية هكذا (لا يتنجس رئيس بقومه بحيث يبتذل) والمقصود أنه لا يجب على رئيس للشعب ولا سيما الكاهن أن يتنجس بموت أحد من شعبه (أى يهتم بدفنه وتشييع جنازته) لدرجة (يبتذل) فيها أى تمتهن كرامته إذ يصبح فى موضع لا يليق بالكاهن. بإسرافه فى الحزن وإتيانه الأعمال المتطرفة التى قد يأتيها بعض الضعفاء من العلمانيين.

2- ومثل ذلك إحدى الترجمات الإنجليزية ونصها (لا يجب أن ينجس نفسه لكونه رئيسا بين شعبه ليدنس نفسه) أى لدرجة أن يصبح فى موضع غير لائق به ككاهن.

3- وفى ترجمة إنجليزية أخرى (لا يجب أن ينجس نفسه بين شعبه كزوج فيدنس ذاته) ولعل المقصود من هذه الترجمة أن مغالاته فى الحزن أمام شعبه فى تشييع جنازة زوجته قد يحط من مقامه فى أعينهم ككاهن.

4- وترجمة واطس هكذا: (ولا يتنجس بشريف من قومه فيتنجس) أى يجب عليه ألا يهتم بجنازة أحد (فيما عدا السبعة أقارب الأقربين) حتى إن كان الميت شريفا أو رئيسا فى الشعب لأن هذا ينجس مركزه ويحط من مقامه ككاهن ولا يجعله أهلا للكهنوت.

5- وهناك رأى أن النص متعلق بما جاء فى العدد السابق بخصوص وجوب دفن الكاهن لأخته الغير متزوجة. فيكون النص هكذا (وأخته العذراء القريبة إليه التى لم تصر لرجل). لأجلها يتنجس كزوج. أى يقوم مقام الزوج فى تشييع جنازتها والاهتمام بدفنها لأنها غير متزوجة. وحينئذ تكون العبارة الباقية (لا يتنجس بأهله لتدنيسه) تحتمل معنيين:

(أ) الأول هو الأرجح فى هذه الحالة أن يتنجس الكاهن بدفن أهله من الأقارب المذكورين لايدنس مركزه ككاهن.

(ب) أو أنه لا يجوز له أن يشترك فى دفن أحد من أهله من غير المذكورين لئلا يتدنس مركزه.

6- والرأى الأخير وهو الأرجح أن قوله (كزوج لا يتنجس بأهله لتدنيسه) يشير إلى وجوب اهتمام الكاهن بتشييع زوجته المتوفاة ودفنها لأن هذا لا ينجسه. و(الأهل) هنا بمعنى الزوجة كما هو جائز فى اللغة. لأن (أهل أهولا) أو (تأهل تأهلا) بمعنى تزوج.

فمعنى النص أن الكاهن إذا اهتم بأمر زوجته المتوفاة واشترك فعلا فى تكفينها وتشييع جنازتها ودفنها والجلوس فى مأتمها. فإن عمله هذا لا ينجسه لدرجة (تدنيسه) أى لا يحط من مقامه أو يجعله غير أهل للكهنوت لأن عمله عمل مشروع كعمل أى زوج نحو زوجته المتوفاة.

5- لا يجعلوا قرعة فى رؤوسهم. ولا يحلقوا عوارض لحاهم. ولا يجرحوا جراحة فى أجسادهم.

كانت هذه عادات الوثنيين وأهل العالم الذين كانوا يبالغون فى الحزن فيأتون أعمالا شاذة يظنون أنها لمحبتهم لذويهم الذين يموتون وبرهانا على حزنهم عليهم. ومن هذه الأعمال عمل (قرعة فى الرأس) أى قص الشعر الذى فى وسط الرأس أو قص الشعر مستديرا وتركه فى وسط الرأس فقط. وحلق عوارض اللحية أى جانبيها. وأحيانا إحداث جروح فى أجزاء من الجسم وإسالة الدم منها.

وقد حذر الوحى الشعب عموما من هذه العادات الممقوتة (ص27:19،28) وبالأولى الكهنة. لان الكاهن مثال للشعب وهو الذى يعزى شعبه بكلمة الله ومواعيده الثمينة. ويشددهم فى ضيقاتهم وتجاربهم. ولئن كان حزن كبشرى فى قلبه على فراق حبيب من أقاربه أو أصدقائه. وإن كانت عيناه تزرفان الدموع. فإنه يفعل هذا باعتدال ووقار دون أن يشارك أهل العالم فى العادات المتطرفة والخارجة عن روح الإيمان والتقوى والتسليم والصبر والاعتدال.

وأولاد الله فى حزنهم يذكرون الله ويطلبون منه القوة والعزاء. وحزنهم مقترن بالرجاء الحى وليس كالباقين الذين لا رجاء لهم هم أنفسهم يعملون على تعزية الآخرين (مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح أبو الرأفة وإله كل تعزية الذى يعزينا فى كل ضيقاتنا حتى نستطيع أن نعزى الذين هم فى كل ضيقة بالتعزية التى نتعزى نحن بها من الله 2كو 3:1،4).

6- مقدسين يكونون لإلههم ولا يدنسون اسم إلههم لأنهم يقربون وقائد الرب طعام إلههم فيكونون قدسا.

(مقدسين يكونون لإلههم) أى يجب أن يسلكون فى القداسة ولا يعملوا عملا من الأعمال السابقة التى نهاهم عنها الوحى ليكونوا مكرسين للرب وحده.

(ولا يدنسون اسم إلههم) لأن الأعمال الرديئة التى يعملها المؤمنون ولا سيما كهنته وخدامه تهين اسم الله. فهم أنفسهم يزدرون بأعمالهم بكرامته تعالى. وبكرامة اسمه الذى دعى عليهم، وفى نفس الوقت يهيئون للناس الذين ينظرون أعمالهم مجالا للشك فى قداسة إلههم وقداسة ديانتهم والتجديف على اسم الله القدوس فينطبق عليهم القول (لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم رو 24:2).

(لأنهم يقربون وقائد الرب طعام إلههم فيكونون قدسا) (وقائد الرب) أى قرابينه وذبائحه التى يوقد منها على المذبح. وقد دعيت (خبز إلههم) أو طعامه من باب المجاز لأنها القرابين المخصصة لتقرب على مذبحه المقدس والذى يقبلها كرائحة زكية. لأن مذبحه المقدس مائدة مباركة لرفع القرابين إما على هيئة محرقات تحرق كلها لله أو ذبائح وتقدمات يوقد جزء منها لله ويأخذ منها الكاهن نصيبا وأحيانا يشترك الشعب نفسه فى بعضها.

(فيكونون قدسا) مادام الكهنة يعملون هذا العمل العظيم ويخدمون أقداس العلى. فيجب أن يكونوا هم أنفسهم مقدسين للرب وقديسين حتى تليق حياتهم وأعمالهم لكرامة العمل المقدس الذى يؤدونه.

بشأن زواج الكاهن (ع7)

7- امرأة زانية أو مدنسة لا يأخذوا. ولا يأخذوا امرأة مطلقة من زوجها. لأنه مقدس لإلهه.

يجب أن تكون الحياة العائلية للكهنة مثالية أيضاً. ففى زواج الكاهن يجب ألا يتزوج (بامرأة زانية) لئلا تعود إلى خطاياها أو تكون عامل شك له أو عامل تنغيص لكليهما أو عامل تعيير من الناس ولا (بامرأة مدنسة) أى ملوثة بخطية ما من خطايا النجاسة حتى يكون بيته نقيا خاليا من كل شبهة، ولا بامرأة (مطلقة من زوجها) فإن تطليقها قد يكون مبنيا على عيوب فيها.

(لأنه مقدس لإلهه) فيجب أن تكون حياته خالية من الشبهات ومن التنغيص ولا يوجد ما يثير ضده التقولات من الناس. لقد تكلم هرون ومريم على أخيهما موسى بسبب زواجه من امرأة كوشية ربما كانت غاية فى التدين والصلاح (عد 1:12). والإنسان دائما يميل إلى الاغتياب والشكوك والتقول على الآخرين. فمن الحكمة أن يتباعد الكاهن عن كل ما يعثر الناس أو يخلق لهم مجالا للتحدث ضده.

مركز الكاهن (ع8)

8- فتحسبه مقدسا لأنه يقرب خبز إلهك. مقدسا يكون عندك لأنى قدوس. أنا الرب مقدسكم.

يبين هنا واجبات الشعب إزاء الكاهن. فيقول (فتحسبه… مقدسا يكون عندك) أى يجب أن يعتبر الشعب كهنتهم مقدسين وكان هذا بوجهين :

(أولاً) بملاحظة سلوكهم ومتابعة تصرفاتهم لا للدينونة بل ليطمئنوا عليهم بأنهم يسلكون فى وصايا الرب من جهة اختيار الزوجة الصالحة وتأدية الفرائض كاملة والسير بالكمال. وكانوا أحيانا يحاكمون الكاهن الذى يحيد عن طريق الله ويؤدبونه بالضرب أو الجلد وفى الغالب كانت محاكمته أمام الكهنة ورئيس الكهنة وربما بالاشتراك مع مجمع السنهدريم.

(ثانيا) باحترامهم احتراما كليا لان الكاهن هو أبوهم ومرشدهم الروحى وكان الكاهن هو الذى يبارك على المائدة للأكل ويبدأ الاجتماعات الروحية بالبركة ويقرأ الجزء الأول من القراءات المقدسة وهكذا.

ويبنى النص المقدس وصيته بوجوب احترام الكاهن وملاحظة سلوكه بالقداسة على عدة أمور تظهر فى قوله :

(أ) (لأنه يقرب خبز إلهك) كما مر ذلك فى (ع6).

(ب) و(لأنى قدوس) ونظير الرب القدوس يجب أن يكون أولاده ولا سيما خدامه قديسين أيضاً.

(جـ) ولانى (أنا الرب مقدسكم) أى الذى اخترتكم لتكونوا شعبا مقدسا ومكرسا لي. وفى نفس الوقت أؤيدكم بنعمتى لتكونوا قديسين.

 

عقاب ابنة الكاهن التى تتدنس (ع9)

9- وإذا تدنست ابنة كاهن بالزنى فقد دنست أباها. بالنار تحرق.

1- كانت الفتاة العادية التى تقع فى هذه الخطية الرديئة تقتل رجما بالحجارة (تث 21:22)، أما إذا كانت ابنة الكاهن فكانت تحرق بالنار وربما كانت ترجم أولا ثم تحرق جثتها. وكانت تعاقب هكذا بالنسبة لمركزها. الحساس ومركز أبيها وأسرتها لكى تكون عبرة لغيرها من بنات الكهنة. وردا لكرامة الكهنوت التى أهدرته بطياشتها.

2- إن الكهنة والخدام يجب أن يحرصوا على تربية أولادهم وبناتهم تربية حسنة، وليعتبروا بيوتهم وأسرهم منائر مقدسة تتطلع إليها جميع العيون وتشخص فيها الأبصار.

ولقد أوصى الوحى كثيرا بشأن ملاحظة الكاهن لسلوكه الشخصى. ثم بشأن اختياره الزوجة الصالحة حتى لا تسبب له المتاعب والمشاكل ولا يكون بيته عامل عثرة وشك. والنص هنا يبين وجوب اعتنائه أيضاً بتنشئ أولاده وبناته تنشيئا صالحا حتى يكون بيته بيتا لله، ونحن نذكر المأساة الأليمة التى حلت بعالى الكاهن وابنيه حفنى وفينحاس بعد أن أنذره الله مرارا بسبب تراخيه وعدم حزمه فى زجر ابنيه المنحرفين وقد كانت عاقبتهم جميعا الموت وحرمان بيته من الكهنوت (1صم 2، 3، 4).

والرسول يوصى كثيرا الرعاة فى العهد الجديد لكى يكون كل واحد منهم صاحيا وحازما فى ملاحظة بيته لكى يكون (يدبر بيته حسنا له أولاد فى الخضوع بكل وقار وإنما إن كان أحد لايعرف أن يدبر بيته فكيف يعتنى بكنيسة الله؟ 1تى 4:3، 5). لأن الراعى الذى يقود شعبه ويرعى كنيسته. عليه بالأولى أن يرعى بيته ويعتنى بتقويم كل اعوجاج فيه وما أجمل ما قاله أحد الأفاضل: (إن بيت الراعى هو إيبارشية صغيرة).(فقد دنست أباها) أى جلبت عليه العار وجعلت الناس يحتقرونه، بل قد تجعلهم يزدرون بالكهنوت نفسه ويجدفون عليه.

مسائل تختص برئيس الكهنة (ع 10-15)

10- والكاهن الأعظم بين إخوته الذى صب على رأسه دهن المسحة وملئت يده ليلبس الثياب لا يكشف رأسه ولا يشق ثيابه.(الكاهن الأعظم) أو (الحبر الأعظم) أى رئيس الكهنة. واعتبر رئيسا (بين إخوته) أى بين مرؤوسيه من الكهنة. وبين جميع الشعب. والكل يعتبرون إخوة له وإن كان رئيسا عليهم. لأنه يحمل لهم الحب ويعتنى بهم ويرعاهم روحيا ويغار على خلاصهم.

وفى هذه الأعداد يوضح الوحى بعض الواجبات التى يجب أن يراعيها الكاهن الأعظم باعتبار مركزه الروحى الخطير. وباعتبار أنه (قد صب عليه دهن المسحة) فأصبح قدسا للرب. وباعتبار أنه قد (ملئت يده) أى أعطى نعمة الكهنوت وجميع امتيازاته. وبمسحه وبملء يده تأهل بنعمة الله لأن (يلبس الثياب) وهى الثياب الكهنوتية الفاخرة التى لرئيس الكهنة (خر 28).

وبالنسبة لهذا المركز العظيم وهذه الإنعامات الوافرة يجب عليه (ألا يكشف رأسه ولا يشق ثيابه) فى أوقات الحزن أو الضيق كما كانت الشعوب الوثنية تفعل أو كما كان يتصرف بعض الناس الجهلاء الذين لم يسلموا لله ولم يتسلحوا بالإيمان والرجاء والصبر فى تجاربهم وضيقاتهم.

11- ولا يأتى إلى نفس ميتة. ولا يتنجس لأبيه أو أمه.

(لا يأتى إلى نفس ميتة) يقصد (بالنفس الميتة) الشخص الميت. ولا يأتى إلى الميت أى لا يقترب إلى جثته أو يدخل إلى الخيمة أو البيت الذى يكون فيه الميت ولا يلمس الجثة كما مر ذلك فى شرح (ع1).

(ولا يتنجس لأبيه أو أمه) (لايتنجس) أى لا يشترك فى التكفين أو تشييع الجنازة أو الدفن (شرح ع1). وقد كان مصرحا للكهنة العاديين أن يشتركوا فى جنازة أو مأتم أقاربهم السبعة الأقربين (ع2،3) أما رئيس الكهنة فبالنسبة لخطورة مركزه ولأنه الرئيس الروحى الأعلى، ولأنه يرمز إلى المسيح رئيس كهنتنا. فلم يصرح له بالاشتراك فى تجهيز جنازة أحد من أقاربه أو بدفنه مهما كانت درجة قرابته له حتى إن كان أباه أو أمه.

12- ولا يخرج من المقدس لئلا يدنس مقدس إلهه. لأن إكليل دهن مسحة إلهه عليه. أنا الرب.

(ولا يخرج من المقدس) أى القدس والمقصود بوجه عام خيمة الاجتماع. فإذا كان يؤدى خدمته فى بيت الله وجاءه نعى أحد أقاربه كان لا يجوز له أن يترك بيت الله ولا يتوقف عن الخدمة بل يواصلها. أما الكاهن العادى فكان مصرحا له فى مثل هذه الحالات أن يكف عن الخدمة. ولكنه يلازم بيت الله ولا يخرج إلى خارج.(لئلا يدنس قدس إلهه) باعتباره رئيس الكهنة والمشرف على الخدمة كلها، فإن تركه للخدمة يعتبر امتهانا لكرامة بيت الله وازدراء بالخدمة المقدسة.

(لأن إكليل دهن إلهه عليه) لقد صب دهن المسحة المقدسة على رأسه وسال على لحيته ومسح أيضاً به (خر 7:29) واعتبر له (كإكليل) للمجد كلل به رأسه وحياته. فمن الواجب عليه أن يراعى كرامة هذه المسحة المقدسة ولا يجعل أى اهتمام عالمى أو أى طارئ فى حياته يصرفه عن خدمته المقدسة. ولعل هذا يذكرنا بقول السيد المسيح للشاب الذى أراد أن يتبعه بقلب متردد ونية غير ثابتة (دع الموتى يدفنون موتاهم وأما أنت فاذهب وناد بملكوت الله لو 60:9)، وبقوله لمن يحاول أن يقصر فى طاعته أو خدمته إرضاء لذويه وأقاربه (من أحب أبا أو أما أكثر منى فلا يستحقنى ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر منى فلا يستحقنى مت 37:10).

وليس معنى هذا أن يكره الإنسان ذويه. بل أن يجعل محبة المسيح فوق محبة الجميع وأن يضحى بعلاقاته البشرية إذا حاول أحد من البشر أن يقف فى طريق إرضائه لله وطاعته.

(أنا الرب): أنا الرب الغيور على مجدى. وعلى كرامة الكهنوت المقدس.

13- هذا يأخذ امرأة عذراء.

14- أما الأرملة والمطلقة والمدنسة والزانية فمن هؤلاء لا يأخذ بل يتخذ عذراء من قومه امرأة.

1- يجب أن يأخذ زوجة له فتاة عذراء لم تتزوج. ولا يأخذ (الأرملة) التى تعلق قلبها بمحبة زوج قبله حتى لا يكون هناك مجال لها للمفاضلة بين زوجها القديم وزوجها الجديد الذى هو الحبر الأعظم، وربما لكونه أبا روحيا عن شعبه لا يجوز أن يتخذ أرملة واحد من أولاده. على أنه يرجح أن الكاهن العادى كان يجوز له أن يتزوج بأرملة كاهن مثله (خر 22:44)، ولا يأخذ رئيس الكهنة أيضاً المطلقة أو المدنسة أو الزانية. وقد شرح هذا فى تفسير (ع7).

ويجب أن تكون العذراء (من قومه) أى من بنى إسرائيل وليست من شعوب غريبة لئلا ينحرف فى عبادته وسلوكه بسببها كما حدث مع سليمان الذى انحرف بسبب نسائه الأجنبيات (1مل 11)، أو لئلا تكون طباعه وأخلاقه غير ملائمة لطباعها وأخلاقها فيحصل الخلاف فى بيته. ولا يشترط أن تكون امرأته من أسرة كهنوتية.

ولعله فى اتخاذه زوجة عذراء كان لكى يرمز إلى الرب يسوع الذى اتخذ لنفسه الكنيسة عروسا مقدسة واحدة وعذراء عفيفة (2كو2:11) ولكى يكون شعبه (كنيسة أبكار مكتوبين فى السموات عب 23:12).

ولعل فى هذا أيضاً تعليما للمؤمنين لكى لا يخطبوا لأنفسهم عريسا غير فاديهم. فيخصوه بكل الحب ويحبوه من كل القلب، ولا يتعلقوا تعلقا كليا بشخص سواه. ولكى تكون كل نفس (عذراء) لم يدخل قلبها شخص قبل شخصه ولا يدخل حب بعده ويكون شخصه أول شخص اتحدت به وحبه أول حب دخل إلى قلبها. ويكون شخصه المبارك هو باكورة حبها. وهو منتهى حبها. وهو لها الكل فى الكل: (من لي فى السماء ومعك لا أريد شيئا فى الأرض مز 25:73).

2- يستنتج بعض المفسرين أن هذه الآية كانت تحتم أن يكون رئيس الكهنة بعل امرأة واحدة، وأن تعليم العهد الجديد كان مبنيا على هذه الحقيقة (1تى 2:3، 12). وبينما كان يصرح للكاهن العادى أن يتزوج بأكثر من امرأة.

3- والكنيسة المقدسة فى العهد الجديد رتبت بإرشاد الروح القدس أن يكون الأسقف غير متزوج تمثلا بالرسول بولس وبغيره من الرسل حتى يكون بلا هم. وحتى يتفرغ تفرغا كليا لافتقاد رعيته. وتدبير أمر إيبارشيته الواسعة. بدون أن يرتبك بأعمال الحياة. ولكى يهتم كل حياته فيما للرب كيف يرضى الرب (1كو 7:7، 32).

15- ولا يدنس زرعه بين شعبه لأنى أنا الرب مقدسه.

إن زواجه من النساء المذكورات يدنس نسله بين شعبه أى يخلق مجالا لامتهان الناس لنسل رئيس الكهنة واحتقارهم وعدم احترامهم بالنسبة لأمهاتهم الشريرات من جهة وبالنسبة لأنهم فى الغالب يكونون أشرارا مثل أمهاتهم من جهة أخرى. بل قد يحرمهم وضعهم من وراثة الكهنوت.

(لأنى أنا الرب مقدسه) كرست رئيس الكهنة لذاتى وقدست حياته وكهنوته. فيجب عليه أن يقدس حياته بالسلوك فى فرائضى. وبهذا تدوم قداسته. ويتقدس زرعه (نسله) أيضاً.

أصحاب العيوب الجسدية من نسل الكهنة (ع 16-24)

16-  وكلم الرب موسى قائلا.

17- كلم هرون قائلا إذا كان رجل من نسلك فى أجيالهم فيه عيب فلا يتقدم ليقرب خبز إلهه.

يذكر الوحى فى هذه الآيات العاهات والعيوب الجسدية التى كانت تمنع الكاهن من تأدية الأعمال الكهنوتية. وقد ذكرت الآيات القادمة العاهات المانعة بوجه عام. وفصلها العلماء فى اثنين وأربعين عاهة أو عيبا. وكان شيوخ الشعب الذين تمثلوا فيما بعد فى المجمع السنهدريمى هم الذين يفحصون الشخص المرشح للكهنوت. والشخص اللائق كان يلبس ثيابا بيضاء ويعمل وليمة لرفاقه من الكهنة ويفتتح الوليمة بالابتهال إلى الرب بقوله (مبارك الرب. مبارك هو لأنه لم يوجد عيب فى نسل هرون الكاهن. مبارك هو لأنه اختار هرون وبنيه ليقفوا ويخدموا أمام الرب فى المقدس (الأقداس). أما الشخص الذى يعلنون عدم لياقته فكان يلبس ثيابا سوداء تمييزا له من إخوته. وكان يعتبر كاهنا ولكنه لا يقوم بالأعمال الهامة مثل تقديم الذبائح وباقى الأعمال المتصلة بالقدس والمذبح كما سنرى. بل كانت تسند إليه أعمال أقل شأنا مثل إعداد الحطب للمحرقات وغير ذلك مما يناسب مواهبه. ونلاحظ أن هناك عاهات مستديمة. وعيوبا وقتية كان الشخص إذا شفى منها يتسلم أعمال الكهنوت كاملة. ونقرأ التعليق مفصلا عن هذا فى شرح (ع 21).

(إذا كان رجل من نسلك فى أجيالهم فيه عيب فلا يتقدم ليقرب خبز إلهه): (فى أجيالهم) أى ما دام الكهنوت اللاوى قائما. والعيوب المشار إليها هنا هى العيوب الجسدية التى نقرأها فى الآيات التالية قد فصلها العلماء فى اثنين وأربعين عيبا كما ذكرنا.

(فلا يتقدم ليقرب خبز إلهه): أى لا يسوغ له أن يقوم بخدمة تقديم الذبائح والقرابين.

18- لان كل رجل فيه عيب لا يتقدم. لا رجل أعمى ولا أعرج ولا أفطس ولا زوائدى.

(لان كل رجل فيه عيب لا يتقدم): ذكر الوحى هذه العبارة تأكيدا لما قاله فى العدد السابق لتقرير معناها.

(لا رجل أعمى): لأن الأعمى يحتاج إلى من يقوده. ولا يتمكن من تأدية الخدمة المقدسة. وقد أدرج العلماء تحت هذه العاهة ستة وعشرين من الأمراض أو العيوب فى العين أو فى الجفن.

(ولا أعوج): أى من له رجل واحدة. أو من يمشى على رجل ويخمع بالأخرى.

(ولا أفطس): من أنفه منخفضة أو منفرشة. وقد أدرج العلماء تحت هذا الأمر تسعة عيوب فى الأنف.

(ولا زوائدى): الزوائدى من كانت به زيادة شاذة فى جزء من الجسم. كطول ساق دون الأخرى أو ارتفاع فى كتف دون الآخر. وقد دخل فى هذا وجود أكثر من خمسة أصابع فى اليد أو القدم.

19- ولا رجل فيه كسر رجل أو كسر يد.

ذكر الكسر هنا لأنه يعوق أيضاً عن الخدمة كاملة. ويشوه الجسد. وفى الغالب كان من المتعذر جبر الكسر جبرا سليما فى العهود السابقة.

20- ولا أحدب ولا أكشم ولا من فى عينه بياض ولا أجرب ولا أكلف ولا مرضوض الخصى.

(الأحدب):

1- هو من يتقوس ظهره ويبرز إلى الخارج كالسنام وقد يتقوس صدره وبطنه إلى الداخل.

2- وقد يدخل تحت هذا أيضاً انخفاض الحاجبين حتى يغطيا العينين.

(الأكشم): من به أى نقص خلقى (بفتح الخاء) أى جسمانى. سواء كان النقص طبيعيا أو بطريق الاستئصال كالأنف المستأصلة أو الإصبع المقطوع وما شابه ذلك. ويدخل القزم تحت هذا العيب أيضاً.

(ولا من فى عينه بياض): على السواد الذى بالعين. وهو عيب مستقل عن العيوب الستة والعشرين التى أدرجها العلماء تحت العمى.

(الأجرب): هو المصاب بالجرب. وهو مرض جلدى تصحبه حكة شديدة.

(الأكلف): من فى وجهه كلف (نمش) وهو بقع أو حبوب مغايرة للون البشرة.

(ولا مرضوض الخصى): (المرضوض) أى المدقوق أو المضروب. والمقصود هنا أى مرض أو إصابة بالخصية ويدخل تحت هذا الأمر أيضاً الخصيان (تث 1:23).

21- كل رجل فيه نسل هرون الكاهن لا يتقدم ليقرب وقائد الرب. فيه عيب لا يتقدم ليقرب خبز إلهه.

عاد الوحى هنا فكرر ما ذكره آنفا لئلا يتهاون هرون أو شيوخ الشعب فى اختيار كهنتهم وتقريب أشخاص فيهم عيوب مما ذكرها الوحى لخدمة الكهنوت.

وقد كان لله حكم سامية فى سن هذه الشريعة من ناحية اللياقة الجسدية للكاهن. بعض هذه الحكم تتعلق بقداسة الله ذاته. وبعضها اقتضتها حالة الإنسان فى عهد الناموس. وبعضها يتعلق بالخدمة نفسها. أو بالشخص المرشح للكهنوت. وبعضها يتعلق بالشعب نفسه. ولتوضيح ذلك يمكننا أن نقول :

1- إن الإنسان فى عهد الناموس لم يكن ذهنه الروحى قد نضج بعد. ولم تكن قامته الروحية قد كملت كما عرفنا من قبل ولذلك كان الناموس يكلمه كثيرا عن طريق الجسديات الأمر الذى اقتضاه استعداده الروحى. وحتى معظم الفرائض التى كانت عليه كانت فرائض جسدية (عب 10:9)، ولذلك حتى فى اختيار الكهنة كانت للاعتبارات الجسدية والحسية وضع ظاهر فى ناموس موسى.

2- ولكن هذه النواحى الجسدية. وكل الفرائض الجسدية أيضاً التى للناموس كانت فى نفس الوقت تحمل معانى روحية سامية تشير إليها. فالغسل بالماء مثلا كان يحثهم على الاغتسال الروحى والطهارة الداخلية، وختان الجسد كان يحمل فى معناه ختان الروح والقلب. وعلى هذا القياس. فالعيوب الجسدية التى كان عليهم أن يتلافوها فى الكاهن كانت تذكرهم وتذكره دائما أن يكون كاملا روحيا وذهنيا. فالعمى الذى يشوه الجسد. كان يشير إلى العمى الروحى. العمى عن طريق الله وعن شريعته. والعرج الجسدى كان يشير إلى العرج الروحى الذى يظهر فيه الإنسان عاجزا عن السير فى طريق الله كما يجب. أو يجعله يعرج بين الطريقين. بين طريق الله وطريق الشيطان، والعيوب فى الأعضاء والأجزاء المختلفة فى الجسد كالظهر والأنف والجلد وغيرها كانت تشير إلى النقص الروحى فى حياة الإنسان أو إلى الأعمال الرديئة والانحرافات التى يظهر بها أمام الناس فتشوه سمعته ومظهره وسيرته وتلوثها.

3- ومن ناحية أخرى كما كان على اليهود أن يقدموا لله ذبائح بلا عيب تليق بمجده وكرامته (خر 3:1، 10،1:3، 6) كان من اللائق بل من الواجب أيضاً أن يقدموا من نسل هرون الأشخاص الخالين من العيوب لخدمة الكهنوت المقدسة.

4- وقد كان تقديم الذبائح التى بلا عيب وتقديم الأشخاص الذين بلا عيب للكهنوت. يحملان معانى رمزية أيضاً بالإضافة إلى المعانى الروحية. فالذبائح الكاملة كانت تشير إلى يسوع المسيح الذى بلا خطية ولا عيب وحده، الذى قدم ذاته ذبيحة لأجل خلاص البشر. والكهنة المختارون بدون عيوب جسدية كانوا يشيرون إلى المسيح رئيس كهنتنا الأعظم الكامل الذى بلا عيب وحده لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات. عب 26:7).

5- زيادة على ذلك فإن بعض هذه العاهات كفقدان حاسة من الحواس وعضو من الأعضاء أو العجز من جزء من الجسم كانت بالطبيعة لا تمكن صاحبها من تأدية أعمال الكهنوت.

6- ولأن الشعب كان فى العهد القديم تحت الناموس ونظره يكاد يكون نظرا جسديا محضا فى مختلف الأمور بالنسبة لعدم اكتمال نضجه الروحى. فكان ينظر إلى كهنته وملوكه ورؤسائه بالنظر الجسدى. بل كان اليهود أحيانا يظنون أن كل ما يصيب الإنسان من تجارب أو أمراض وما يعتريهم من عيوب تصيبهم نتيجة خطايا عملها الشخص أو أبوه كما نرى ذلك فى السؤال الذى وجهه التلاميذ إلى المسيح عن الرجل الأعمى.

(من أخطأ هذا أم أبوه حتى ولد أعمى؟ يو 2:9). فلدى رؤيتهم أحد من الكهنة به عيب أو نقص جسمانى كانوا معرضين لأن يظنوا خطأ أن هذا بسبب خطيئته أو خطيئة أبويه بل وربما كان اعتبارهم الزائد للأمور الجسدية يسوقهم إلى الاشمئزاز بالكاهن الذى فيه عيب جسدى أو تعييره. بل ربما كانوا يحتقرون الكهنوت والخدمة.

والله الرحيم لكى يجنب الشعب القاصر روحيا الوقوع فى مثل هذه الأخطاء. ويجنب الكاهن والكهنوت والخدمة الامتهان وفقدان الكرامة. شدد على أن يكون الكاهن خاليا من العيوب الجسدية.

7- أما فى العهد الجديد. فقد أكمل الرب لنا ناموسه. ووجه قلوب المؤمنين وأفكارهم أنظارهم توجيها أكبر إلى الروحيات. فالكاهن أو الخادم لا يعيقه عن الخدمة شئ إلا إذا كان منحلا من الناحية الروحية أو الأخلاقية. أو كانت قواه العقلية ضعيفة. أو كان لا يملك الوعى الذى يقود به الشعب ويرعاه. ومن الناحية الجسدية لا يعوقه عن الخدمة إلا العيوب الجسيمة التى تعجزه عنها حقيقة ولا تمكنه من القيام بها. أما العيوب الظاهرية أو الطفيفة فلا تمنعه من ذلك.

ولذلك كان بولس الرسول يقوم بعمله العظيم مع وجود شوكة فى الجسد (2كو 7:12). وكان يسر بضعفاته ويفتخر بها (ع 5، 10)، وقد أعلن أنه كان يخدم بضعف الجسد (غل 3:4). والرب يعطى نعمة وقوة لعبيده الأمناء حسب وعده لرسوله الأمين: (تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل).

فكم يجدر بالراعى إذن أن يهتم بحياته الروحية حتى يكون (بلا لوم أف 4:1). وأن يسلك بالتدقيق ولا يجعل عثرة فى شئ لئلا تلام الخدمة (2كو 3:6)، ولئلا يرى الله فيه أنه ناقص من الناحية الروحية وحواسه غير مدربة على التمييز بين الخير والشر (عب 14:5)، فينطبق عليه ما قيل لملاك كنيسة ساردس (أنا عارف أعمالك أن لك اسما أنك حى وأنت ميت. كن ساهرا وشدد ما بقى الذى هو عتيد أن يموت لأنى لم أجد أعمالك كاملة أمام الله رؤ 1:3، 2).

والشعب من ناحيته يجب عليه أن يدقق فى اختيار راعيه. واضعا نصب عينه أن يزكى الشخص الأمين الورع التقى، (لكى يكون إنسان الله كاملا متأهبا لكل عمل صالح. 20تى 17:3).

22- خبز إلهه من قدس الأقداس ومن القدس يأكل.

1- رغم أنه لا يدخل القدس ولا يقترب من المذبح ولا يقرب القرابين. ورغم أنه يقوم بأعمال أقل شأنا إلا أنه يأكل مثل باقى الكهنة. من جميع أجزاء الذبائح والقرابين التى يأكلونها. لأنه من نسل هرون. ومعدود منهم. وليس له دخل خاص مثل عامة الناس. لأن الرب هو نصيبه ونصيب جميع سبط لاوى (تث 9:10).

(والأكل من قدس الأقداس) أى الأجزاء والأنصبة من الذبائح التى اعتبرت قدس أقداس أى حق الكهنة وحدهم وكانوا يأكلونها فى دار الخيمة فقط مثل الباقى من قربان التقدمات الطعامية (لا 3:2،10،17:6) ولحم ذبيحة الخطية (لا 29:6) ولحم ذبيحة الإثم (لا 301:7) وخبز الوجوه (لا 9:24). وقد لخصها لهم الرب فى (عد 8:18، 9).

والأكل من (القدس) يقصد به الأكل من الأنصبة التى كان يسوغ لأهل بيت الكهنة من الذكور ومن الإناث أن يأكلوا منها فى مكان طاهر لا يشترط أن يكون ضمن خيمة الاجتماع مثل باكورات الزيت والخمر وأنصبتهم من ذبيحة السلامة وذبائح عيد الفصح وغيرها (لا 22، 20:23، عد 20:6) راجع شرح ص 3:2).

2- وخدام الله فى العهدين يجب ألا ننس حقوقهم كما يقول الرسول للمؤمنين فى كورنثوس (إن كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات افعظيم أن حصدنا منكم الجسديات؟….. ألستم تعلمون أن الذين يعملون فى الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح؟ هكذا أيضاً أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون (1كو 11:9- 4).

3- إن الله حتم أن المصابين بنقص جسمانى أو عاهة من نسل هرون يأكلون خبز إلههم. والكنيسة يجب أن تعتنى بشأن الرعاة والخدام وجميع الذين عملوا فيها وتوفر لهم ما يجعلهم يعيشون عيشة راضة. وإذا أصيبوا بمرض أو ضعف أو إذا وافتهم الشيخوخة يجب أن توفر لهم أيضاً معاشا كافيا يسد حاجاتهم وحاجات أسرهم. وبعد موتهم يجب أن تذكر أفراد أسرهم فتوفر لهم أيضاً ما يعيشون به فى سعة ورخاء واطمئنان. وإن قصرت الكنيسة فى شئ من هذا تعتبر مقصرة فى حق المسيح نفسه. ومتنكرة لخدامها. وإذا كنا نذكر أمام الله (كل الأنفس التى لها تعب فى الكنيسة المقدسة) لكى يصنع الرب معها رحمة ويعوضها عن تعبها. فيجب علينا نحن أيضاً أن نذكرهم ونكافئهم ونحفظ جميلهم ونقدر خدماتهم سواء كانت خدمات عظيمة ملموسة أو طفيفة غير ملموسة.

 

23- لكن إلى الحجاب لا يأتى وإلى المذبح لا يقترب لأنه فيه عيبا لئلا يدنس مقدسى. لأنى أنا الرب مقدسهم.ومع أنه يأكل خبز إلهه لكى يعيش. ولكن لا يجب أن يأتى (إلى الحجاب) أى لا يدخل القدس حيث يوجد الحجاب الذى يفصل القدس عن قدس الأقداس. ولا يقترب (من المذبح) لأن هذا من حق الكهنة الأصحاء الخالين من العيوب فقط.(لئلا يدنس مقدسى) ليس لأن الشخص دنس فى ذاته بل لأن فيه عيبا حدده الله كأمر غير لائق بخدمة الكهنوت. واقترابه من المذبح أو دخوله إلى القدس وهو يحمل هذا العيب فيه عصيان لله وامتهان لكرامة المقدس أى البيت المقدس.

(لأنى أنا الرب مقدسهم): أنا الرب القدوس. مقدس الشعب والكهنة. وأنا الذى أعطيتهم جميع فرائضى بجميع تفاصيلها لكى يعملوها فيحبوها قديسين لي. فلا يجب أن يحيدوا عن شئ من هذه الفرائض لئلا تخدش قداستهم.

24- فكلم موسى هرون وبنيه وكل بنى إسرائيل.

تسلم موسى هذه الأوامر من الله. وبلغها لهرون وبنيه ليكونوا غيورين على تنفيذها وتعليمها للشعب هم ونسلهم الذين يأتون من بعدهم. وكلم أيضاً جميع بنى إسرائيل لكى يكونوا ملمين بجميع فرائض الرب ووصاياه. وقد كلم موسى شعبه إما مباشرة أو عن طريق هرون وبنيه أو عن طريق الشيوخ الذين كانوا نوابا عن الشعب وكان عليهم أن يعلموا الشعب جميع ما يأمر به الله ويحفظوه كلامه. ويتابعوا مدى تنفيذه.

تأمــــــــــــل

رأينا كيف شدد الله على كهنته فى العهد القديم أن يسيروا فى القداسة وأن يختاروا من الأشخاص الذين ليس فيهم نقص أو عيب حتى من العيوب الجسمانية وأن يراعوا كرامة الدعوة المقدسة التى دعاهم الله بها. والمسحة التى مسحوا بها. والثياب التى يلبسونها. والخدمة الجليلة التى كانوا يقدمون بها.

والكهنة والرعاة فى عهد النعمة الذين دعوا وكلاء سرائر الله وخدام مذبحه وخدام كلمته المقدسة، كم يجب عليهم بالأولى أن يقدروا دعوتهم وعملهم ومركزهم الروحى العظيم كما يليق بوكلاء أمناء.

وجميع الخدام فى كنيسة العلى الذين تشخص إليهم العيون كسرج مضيئة ومثل عليا. كم يجب عليهم أن يتزينوا بكل فضيلة روحية ويمثلوا بالروح ويتباعدوا عن كل ما يشين حياتهم من النقائص.

والمؤمنون عموما. الذين غسلهم المسيح بدمه، ونعموا بالأسرار المقدسة. فدفنوا مع المسيح فى المعمودية. وولدوا ولادة جديدة. ومسحوا بالميرون المقدس وأصبحوا هياكل للروح القدس. كم يجب عليهم أن يحافظوا على قداستهم ونقاوة حياتهم. لقد دعاهم الرب (ملوكا وكهنة لله أبيه رؤ 6:1) : ملوكا روحيين يملكون ذواتهم وعواطفهم وغرائزهم ويسودون على قوى الشيطان والعالم والخطية وأخيرا يحظون بملك سماوى أعد لهم منذ تأسيس العالم (مت 34:25)، وكهنة روحيين أيضاً يكرسون أنفسهم لخدمته ويقدمون لله ذبائح التسبيح والحمد (مز 17:116)، بل يقدمون حياتهم وأجسادهم ذبائح حية للرب يسوع المسيح (رو 1:12) كم يجدر بهم أيضاً أن يعيشوا فى التقوى والنقاوة كما يليق بمركزهم السامى المجيد.

إن كل نفس مؤمنه عروس لفاديها وعريسها السماوى الرب يسوع المسيح، وعريسنا حلو وجميل وليس فيه عيب أو نقص. وعروسه تناديه وتناجيه: (ها أنت جميل يا حبيبى وحلو نش 16:1). ويجب على النفس بدورها أن تحافظ على جمالها الروحى. وتتلافى الخطية التى تشوه جمالها وتمسخ صورتها. وحينئذ يراها عريسها بجمالها وبهائها وطهرها وعفافها وكمالها فيبادلها المناجاة أيضاً ويقول لها: (كلك جميل يا حبيبتى. ليس فيك عيبة نش 7:4).