تفسير سفر اللاويين – الأصحاح الخامس عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

يتكلم هذا الأصحاح عن السيل الذى يخرج من أعضاء التناسل فى الرجل أو المرأة. ويقصد بذلك خروج المادة الحيوية من الرجل وخروج الدم من المرأة. سواء كان هذا أو ذاك فى حالات طبيعية أو بسبب المرض. وللرجل هنا ثلاث حالات. واحدة مرضية (ع2-5). واثنتان طبيعيتان (ع16- 18) وللمرأة حالتان: إحداهما طبيعية وهى حالة الطمث (ع19-24) والأخرى مرضية (ع25-30).

وفى كل الحالات التى ذكرت اعتبر السيل نجساً ومنجساً لصاحبه وللذين يلمسهم من الناس أو حتى من الأشياء. والنجاسة فى الحالات الطبيعية كانت تستلزم الغسل بالماء للتطهير ويكون صاحبها نجساً إلى المساء. أما فى الحالات المرضية. فبعد أن يطهر المصاب كان ينتظر سبعة أيام للاختبار. وفى اليوم الثامن يقدم ذبيحة خطية وذبيحة محرقة.

ولابد أن الوحى المقدس قد حكم بنجاسة هذه المواد الخارجة من أعضاء الجنس لحكم ومقاصد إلهية سامية:

( أ ) فلقد يكون هذا بالنسبة لفساد الطبيعة البشرية الموروثة عن أبوينا الأولين. وبالتالى كل ما ينتج خاصاً بالتناسل وبالأعضاء المعدة لحفظ الجنس. لأنه من المعروف أن الإنسان الأول قد فسدت طبيعته. ولُعن بسبب سقوطه. وأصبح فى حالة أليمة. وقد انتقلت حالة الفساد واللعنة إلى كل نسله. لأنهم وجدوا فى الوجود وأبواهم فى هذه الحالة. وولدوا على نفس هذه الحالة. حالة الخطية واللعنة. حتى أنه قيل عن شيث بن آدم (وعاش آدم مائة وثلاثين سنة وولد ولداً على شبهه كصورته تك 5: 3). وهكذا انتقلت اللعنة بطريقة سرية وفى نفس الوقت عادلة إلى جنس البشر وإلى الأعضاء التناسلية التى تعتبر عاملاً على إيجاد أشخاص جدد على نفس الصورة ونفس المثال. ولعل ما يقرب هذه الحقيقة إلى الأذهان أن من بين مظاهر اللعنة والعقوبة التعب والألم اللذين عوقبت بهما المرأة فى الحبل والولادة.

(ب) ولقد يكون من حكمة الله تنبيه البشر إلى الخطايا والزلات التى يتعرضون لها كثيراً عن طريق هذه الأعضاء وتحذير وتنفير لهم من النجاسات التى قد تسببها لهم بالفكر أو بالفعل إذا لم يحافظوا على قداستها ويستعملوها الاستعمال القانونى المقدس.

(ج) ولقد يكون من مقاصد الله أيضاً أن يراعوا النظافة ويعتنوا بها حفظاً لصحتهم ووقاية لها من الأمراض.

مقدمة الأصحاح (ع1)

1- وكلم الرب موسى وهرون قائلاً .

كلم موسى لأنه النبى ووسيط العهد ومستلم الشريعة. وكلم هرون نيابة عن جميع الكهنة لأن عليهم أن يحفظوا الشريعة ويعلموها للناس. ويعملوا على تطبيقها وتنفيذها والحكم بموجبها.

حالة السيل المرضية فى الرجل (ع2-15)

هذه الأعداد تتكلم عن حالة مرضية تصيب بعض الرجال يفرز فيها السائل الحيوى (المنوى) إفرازاً غير طبيعي. ويغلب أن يكون المرض هو المعروف اليوم (بالسيلان). ولقد أمر الوحى أن يقدم عن المريض بعد طهره ذبيحة خطية ومحرقة (ع14،15) ولذك فيرجح أن الله كان يضرب أحياناً بعض اليهود بهذا المرض نتيجة لبعض الخطايا خصوصاً خطية النجاسة. ولقد دعا داود على يوآب ونسله بهذا المرض بسبب قتله القائد أبنير اغتيالاً حيث قال (لاينقطع من بيت يوآب ذو سيل وأبرص وعاكز على العكازة وساقط بالسيف 2صم 3: 29). والخطية كثيراً ما تجلب على أصحابها الأمراض والأسقام كنتيجة طبيعية وكعقاب أو تأديب من الرب. ولذلك يحذر الحكيم كل إنسان من الخطية. ومن أقواله الذهبية فى عواقب الخطية وفى خطورة المعاشرات الدنسة: (ابعد طريقك عنها ولا تقرب إلى باب بيتها لئلا تعطى زهرك لآخرين وسنينك للقاسى … فتنوح فى أواخرك عند فناء لحمك وجسمك أم5: 8-11) (لأنها طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء 7: 26)… والرب يسوع المسيح أعلن فى نصيحته لمريض بركة بيت حسدا أن سبب مرضه العضال كانت خطيته. فقال له كما مر بنا: (ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر يو5: 14).

2- كلما بنى اسرائيل وقولا لهم. كل رجل يكون له سيل من لحمه فسيله نجس.

يقصد (بالسيل) المادة الحيوية. و (من لحمه) أى من عضو التناسل. وقد عبر عنه الوحى المقدس هكذا من باب التأدب الرفيع والسمو العظيم فى التعبير.

(فسيله نجس) أى نجس فى ذاته. ومنجس لأصحابه وللأشياء وللأشخاص الذين يلمسونه.

3- وهذه تكون نجاسته بسيله. إن كان لحمه يبصق سيله أو يحتبس لحمه عن سيله فذلك نجاسته.

إن هذا ناموس (شريعة) النجاسة بسبب السيلان. أن يعتبر السيلان نجساً سواء كان السيلان ينزل من جسده نزولاً مزمناً (مستمراً) أو (يحتبس) أى يتوقف عن النزول توقفاً نهائياً أو إلى حين. و(يبصق) هنا معناها يفرز ويخرج.

(فذلك نجاسته) أى يعتبر نجساً.ما يتنجس من الأشخاص والأشياء

4- كل فراش يضطجع عليه الذى له السيل يكون نجساً وكل متاع يجلس عليه يكون نجساً .

ابتداء من هذا العدد إلى العدد الثانى عشر يتكلم الوحى عن أمرين:

الأول: الأشياء التى تتنجس إذا لمسها أو استعملها المصاب بالسيل. وتتضمن الفراش الذى ينام عليه (ع4) والمتاع الذى يجلس عليه (ع4) والشئ الذى يجلس عليه أثناء ركوبه (ع9). وإناء الخزف أو إناء الخشب الذى يستعمله (ع12).

والأمر الثانى : الأشخاص الذين يتنجسون من ملامسة المصاب. وهم: الذى يمس فراشه (ع5). ومن يجلس على متاعه (ع6) ومن يلمس لحمه (ع7) ومن يبصق ذو السيل عليه (ع8). ومن يلمس ما كان ذو السيل راكباً عليه (ع10) أو من يحمل شيئاً من ذلك (ع10). ومن يلمسه ذو السيل بدون أن يغسل يديه (ع11).وفى هذا العدد يوضح الوحى أن نوم المصاب على الفراش. أو جلوسه على متاع ما ينجس الفراش أو المتاع. حتى إن كان المتاع حجراً. وحتى إن كان استعماله للشئ بالنوم عليه أو الجلوس عليه. أو الوقوف عليه أو الاستناد عليه أو التعلق به.

5- ومن مس فراشه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء.

كان من يلمس فراش المصاب يتنجس وكان عليه أن يغسل ثيابه ويستحم بماء. ويعتبر نجساً إلى (المساء). أى إلى الغروب. وهو نهاية اليوم الذى لمس فيه متاع المريض وبداية اليوم الجديد. وكان فى فترة نجاسته يعتزل الناس ولا يشترك فى الأعمال المقدسة مثل الدخول إلى دار الخيمة أو دار الهيكل ولا يأكل من الفصح المقدس أو من أجزاء الذبائح المصرح بأكلها.

6- ومن جلس على المتاع الذى يجلس عليه ذو السيل يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء.الذى يجلس على متاع جلس عليه المصاب. مثل السرير أو المقعد أو الحصير أو الحجر أو أى شئ. يكون نجساً إلى المساء أيضاً وحكمه كحكم الذى يلمس فراشه كما هو واضح فى العدد السابق.

7- ومن مس لحم ذى السيل يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً الىالمساء.

كان الذى يلمس لحم المصاب بالسيل. أى عضوه التناسلى. يعتبر نجساً إلى المساء. حتى إن كان الطبيب الذى يقوم بعلاجه. وحكمه كحكم السابقين (ع5).

8- وإن بصق ذو السيل على طاهر يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء.

كان يحدث أن المريض بالسيلان يتضايق أو يتوقح فيبصق من فمه على إنسان طاهر أو قد يكون بصاقه عن غير قصد وفى كل هذه الحالات يتنجس الشخص المبصوق عليه إلي المساء وعليه أن يستحم ويغسل ثيابه (ع5).

9- وكل ما يركب عليه ذو السيل يكون نجساً.المقصود بذلك ما يوضع فى المركب أو المركبة من الفراش. وما يوضع على الدابة من سرج أو حداجة أو غير ذلك. وقد جاءت العبارة الأخيرة بالنسخة السبعينية (يكون نجساً إلى المساء) كما هو الحال فى غير ذلك من الحالات. وقد يكون القول (إلى المساء) حاشية تفسيرية مدرجة لتبين فترة نجاسة الفراش.

10- وكل من مس كل ما كان تحته يكون نجساً إلى المساء ومن حملهن يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء . هذه الآية متعلقة بالآية السابقة .

( أ ) فكل من مس (ما كان تحته) أى ما كان ذو السيل جالساً عليه من فراش أو سرج أو حداجة فى المركب أو المركبة أو على الدابة. يكون نجساً إلى المساء.

(ب) ومن حمل هذه الأشياء يكون نجساً إلى المساء وعليه أن يغسل ثيابه ويستحم. لأن الحمل عمل أكبر من اللمس.

11- وكل من مسه ذو السيل ولم يغسل يديه بماء يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء.

إذا لمس ذو السيل شخصاً ما دون أن يغسل (ذو السيل) يديه فعلى الشخص الملموس أن يغسل ثيابه ويستحم ويكون نجساً إلى المساء .

12- وإناء الخزف الذى يمسه ذو السيل يكسر. وكل إناء خشب يغسل بماء.

( أ ) إذا لمس ذو السيل إناء خزف (الفخار) كان عليهم أن يكسروا الإناء حتى لايستعمل.

(ب) أما إذا كان الإناء من خشب وفى الغالب من المعدن أيضاً كان عليهم أن يغسلوا الإناء فيتقدس ويمكنهم أن يستعملوه. وقد سن الله هذا التشريع بحكمته إشفاقاً عليهم لأن أوانى الخشب أو المعدن غالية الثمن بينما أوانى الفخار كانت رخيصة جداً.

وكان اليهود زيادة فى الاحتياط يغسلون أى إناء إثر شرائه خوفاً من أن يكون قد مسه إنسان أو شئ نجس قبل أن يشتروه.

13- وإذا طهر ذو السيل من سيله يحسب له سبعة أيام لطهره ويغسل ثيابه ويرحض جسده بماء حى فيطهر.إذا (طهر ذو السيل) أى إذا شفى من مرضه. كانوا يحسبون له سبعة أيام للتأكد من شفائه تماماً. وبعدها يغسل ثيابه ويرحض جسده بماء حى. أى ماء جار كالذى يؤخذ من الأنهار أو الترع أو الينابيع الجارية. ثم يقدمون عنه الذبائح التى سيأتى ذكرها.

أما إذا عاد المرض خلال السبعة أيام فكان يحجز سبعة أيام أخرى. وإذا لم يظهر المرض خلالها أجريت له الإجراءات والطقوس المذكورة من الغسل وتقديم الذبائح.

14- وفى اليوم الثامن يأخذ لنفسه يمامتين أو فرخى حمام ويأتى إلى أمام الرب إلى باب خيمة الاجتماع ويعطيها للكاهن.

15- فيعملهما الكاهن الواحد ذبيحة خطية والآخر محرقة ويكفر عنه الكاهن أمام الرب من سيله.

تقديم الذبائح للتكفير عن المصاب بالسيل بعد طهره يدل كما ذكرنا فى مقدمة الأصحاح على الفساد الموروث فى طبيعة الإنسان وإلى أن المرض قد يكون نتيجة طبيعية للسلوك فى النجاسة. أو عقاباً من الله عن هذه الخطية أو عن غيرها من الخطايا. وقد أمر الوحى أن يأخذ ذو السيل فى اليوم الثامن من طهره يمامتين أو فرخى حمام ويأتى بهما إلى مدخل خيمة الاجتماع الذى كان فى الجهة الشرقية. فيتسلمها الكاهن ويقدم الواحد منهما ذبيحة خطية عن المصاب. والآخر محرقة لتكون رائحة سرور أمام الرب. وبهذا يكفر عنه.

وهذه الطيور الصغيرة كانت متوفرة ورخيصة الثمن وفى متناول يد الجميع. وقد صرح الوحى بتقديمها أيضاً فى التكفير عن الشخص الفقير الذى يسمع صوت حلف ولا يخبر به. وعن الذين يمسون أشياء نجسة دون علمهم. أو الذى يفرط بشفتيه بقسم دون علم (ص5: 1-13) وصرح بها أيضاً لتطهير المرأة التى تلد إذا كانت فقيرة (ص12). وكذلك للتكفير عن الأبرص الفقير زيادة على ذبيحة الإثم التى كانت تقدم عنه وهى عبارة عن خروف واحد (ص14: 21-22).

والتعليق على تقديم اليمامتين أو فرخى الحمام ذكر فى شرح (ص1: 14-15، 5: 7-8 (وفى اليوم الثامن ): راجع شرح (ص12: 3).

الحالتان الطبيعيتان للرجل (ع16-18)

فى هذه الآيات يوضح الوحى عن الحالتين الطبيعيتين للرجل أى الغير مرضيتين. ويقصد بهما خروج الزرع عن طريق الاختلاط الجنسى بين الرجل وامرأته. وخروجه فى غير هذا الاختلاط.

16- وإذا حدث من رجل اضطجاع زرع يرحض كل جسده بماء ويكون نجساً إلى المساء .

(اضطجاع الزرع) كما جاءت فى الترجمة اليسوعية (نطفة اضطجاع) ويعنى به خروج السائل الحيوى من الرجل عن غير إرادته فى الأحلام الجنسية. وقد دعيت فى سفر التثنية (عارض الليل تث23: 10). ودعى (اضطجاعاً) باعتبار أنه حدث فى نومه. واعتبر أنه (للزرع) لأن هذا الإفراز هو العامل المقدس لإيجاد النسل وحفظ الجنس.

واعتبر صاحب هذه الأحلام نجساً إلى المساء. وكان يخرج من الجماعة حتى فى الحرب (تث23: 10) وكان عليه أن يستحم بالماء حتى يطهر.

17- وكل ثوب وكل جلد يكون عليه اضطجاع زرع يغسل بماء ويكون نجساً إلى المساء.

إن سقط شئ من اضطجاع الزرع (النطفة) على ثوب أو على ما يلبس من جلد كالحزام مثلاً كان المتاع يغسل بماء ويعتبر نجساً إلى المساء. فلا يلبسه صاحبه حتى تمضى الفترة المحددة لنجاسته. ولقد أشار الرسول يهوذا إلى هذا التدقيق فى مراعاة النقاوة والقداسة فقال (مبغضين حتى الثوب المدنس من الجسد يه23).

18- والمرأة التى يضطجع معها رجل اضطجاع زرع يستحمان بماء ويكونان نجسين إلى المساء.

والعلاقة الجنسية بين الزوجين رغم أنها مباحة ومقدسة. فإن الوحى يعتبرها منجسة للرجل والمرأة إلى المساء. وكان عليهما أن يستحما بماء ولا يشتركا فى الأعمال المقدسة وقد نبه الرب إلى ذلك قبل وقوف الشعب أمام الرب عند جبل سيناء (خر19: 10). وتأكد أخيمالك الكاهن من طهارة داود والرجال الذين معه قبل أن يأكلوا من خبز التقدمة (1صم21: 4).

والكنيسة المسيحية المقدسة تعلم بنيها أيضاً أن يكونوا أطهاراً روحاً وجسداً عند الاشتراك فى الأعمال المقدسة كالصوم والصلاة والتناول من جسد الرب ودمه. مما يليق بكرامة الرب وعبادته وأسراره المقدسة.

السيل الطبيعى للمرأة (ع19-24)

19- وإذا كانت امرأة لها سيل وكان سيلها دماً فى لحمها فسبعة أيام تكون فى طمثها وكل من مسها يكون نجساً إلى المساء.

20- وكل ما تضطجع عليه فى طمثها يكون نجساً. وكل ما تجلس عليه يكون نجساً.

21- وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء.

22- وكل من مس متاعاً تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء.

الكلام هنا عن المرأة فى حالة الطمث (الحيض) أى العادة الشهرية. وهى حالة طبيعية غير مرضية وإن كان متوسط نزول الدم من المرأة أربعة أيام أو أقل ولكن الوحى حكم بالنجاسة فيه سبعة أيام زيادة فى الاحتياط بالنسبة للحالات الشاذة التى قد تحدث مع البعض. ونلاحظ هنا الأحكام الثلاثة الآتية المتعلقة بحالة الطمث:

( أ ) أن من يمس فتاة أو سيدة طامثاً يكون نجساً إلى المساء (ع19).

(ب) وما تجلس أو تضطجع عليه من فراش أو مقعد أو غيره يكون نجساً. وفى الغالب يكون هذا إلى المساء أيضاً (ع20) .

(ج) من يلمس فراشها أو المتاع الذى تجلس عليه يكون نجساً إلى المساء وعليه أن يغسل ثيابه ويستحم بماء.

23- وإن كان على الفراش أو على المتاع الذى هى جالسة عليه عندما يمسه يكون نجساً إلى المساء.

والحالة الرابعة إذا كان على فراشها أو متاعها شئ ما ومس إنسان هذا الشئ. فإنه يكون نجساً إلى المساء ولا يلزمه أن يغتسل أو يغسل ثيابه. لأنه لم يلمس نفس الفراش أو المتاع الذى تنام أو تجلس عليه. بل شيئاً كان عليه فقط.

24- وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجساً سبعة أيام. وكل فراش يضطجع عليه يكون نجساً.

هذه خامس حالة تتعلق بالطمث: إذا اضطجع رجل مع امرأته وجاء الطمث عفواً أثناء اضطجاعه معها يكون نجساً سبعة أيام. والفراش الذى يضطجع عليه هذا الرجل يكون نجساً ايضاً طوال السبعة أيام.

أما إذا اضطجع معها وهى طامث وكان ذلك عن عمد من الطرفين فكان عقاب هذا العمل الشاذ والغير صحى أن يقطع كلاهما من الشعب إما بقتلهما أو بقطعهما من جماعة شعب الله. لأن الرب أراد أن يحررهم من العادات الممقوتة والأعمال الدنيئة التى تدل على عدم ضبط النفس وكبح جماح الجسد (ص18: 19،20: 18).

الحالة المرضية للمرأة (ع25-30)

25- وإذا كانت امرأة يسيل سيل دمها أياماً كثيرة فى غير وقت طمثها أو إذا سال بعد طمثها فتكون كل أيام نجاستها كما فى أيام طمثها. إنها نجسة.

هذه الحالة تتكلم عن نزف الدم من المرأة فى غير فترات الطمث العادى. إما نزفاً مستمراً ومزمناً مثل المرأة نازفة الدم التى لمست هدب ثوب المسيح فشفيت (مت9: 20-22). وإما نزفاً وقتياً بعد انتهاء فترة الطمث.

وكانت تعتبر نجسة فى تلك الحالتين طوال مدة النزف. وإلى أن تعمل لها الترتيبات الطقسية.

26- كل فراش تضطجع عليه كل أيام سيلها يكون لها كفراش طمثها. وكل الأمتعة التى تجلس عليها تكون نجسة كنجاسة طمثها .

تنطبق عليها الحالات التى للطمث العادى (العادة الشهرية) فالفراش الذى تنام عليه أو المتاع الذى تجلس عليه يكون نجساً. وقوله (يكون لها كفراش طمثها) أى يتنجس كما فى حالة الطمث العادى.

27- وكل من مسهن يكون نجساً فيغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء.

وكل من يلمس فراشها أو متاعها يتنجس وعليه أن يغسل ثيابه ويستحم ويكون نجساً إلى المساء كما ذكر فى حالة الدورة الشهرية (ع21،22) والذى يلمس شيئاً كان علي الفراش أو المتاع ربما يكون نجساً إلى المساء فقط تطبيقاً على ما ذكر فى (ع23) .

28- وإذا طهرت من سيلها تحسب لنفسها سبعة أيام ثم تطهر .

(إذا طهرت من سيلها) أى إذا شفيت. كان عليها أن تنتظر سبعة أيام للتأكد من شفائها وإذا عاودها النزف كانت تنتظر سبعة أيام أخر (شرح ع13).

29- وفى اليوم الثامن تأخذ لنفسها يمامتين أو فرخى حمام وتأتى بهما إلى الكاهن إلى باب خيمة الاجتماع .

30- فيعمل الكاهن الواحد ذبيحة خطية والآخر محرقة ويكفر عنها الكاهن أمام الرب من سيل نجاستها

فى اليوم الثامن كان الكاهن يقدم عنها ذبيحة خطية ومحرقة للتكفير عنها كما يتبع فى حالة الرجل المريض بالسيل وكما هو واضح فى تفسير عددى (14-15).

الغاية المقدسة لهذه الشريعة السامية (ع31)

31- فتعزلان بنى إسرائيل عن نجاستهم لئلا يموتوا فى نجاستهم بتنجيسهم مسكنى الذى فى وسطهم .

إن غاية تنبيه موسى وهرون للشعب عن كل هذا أن يعزلا بنى إسرائيل عن نجاستهم. أى أن يساعداهم على الانفصال عما هو نجس وتجنب كل ما يشوه حياتهم المقدسة النقية التى تليق بشعب الله. لأن الله يريدهم له شعباً مقدساً. ويعود الرب فيذكر أن نجاسات الشعب تنجس مسكنه المقدس الذى فى وسطهم أى تهين كرامته. وتجعل الله يغضب عليهم. وعلى هيكلهم. وعلى عباداتهم كما مر ذلك فى شرح (ص8: 15، خر30: 10).

(لئلا يموتوا فى نجاستهم ) إن الخطية علة الموت. والذى يستهين بالنجاسة يموت (فى نجاسته) أى بسببها. وفيها أيضاً. وحينئذ يقف أمام الله فى يوم الدينونة وليس عليه لباس العرس (مت22: 12).

خاتمة الفصل (ع32-33)

32- هذه شريعة ذى السيل والذى يحدث منه اضطجاع زرع فيتنجس بها .

33- والعليلة فى طمثها والسائل سيله الذكر والأنثى والرجل الذى يضطجع مع نجسة .

يعود الوحى هنا فيلخص الأصحاح موضحاً مشتملاته وموضوعاته تنبيهاً للشعب وللكهنة الذين يعلمونهم.

(العليلة فى طمثها) أو المستحاضة فى طمثها يقصد (بالعليلة) المعتلة أو المريضة أو المتوعكة بسبب الطمث سواء فى دورته العادية أو فى الحالة المرضية. و(السائل سيله) أى من يسيل منه السيل سواء فى الذكر أو الأنثى.

تأملات ختامية

1- إن الله فى هذا الأصحاح يطلب من شعبه أن يتحفظوا من كل ما هو نجس أو شبيه بالنجس سواء أكان روحياً أو عقلياً أو جسمياً من كل ما يصدر عنهم بإرادتهم وحتى عن كل عرض لا إرادى يحدث عن غير إرادتهم. كل هذا توقيراً لجلاله ولشخصه المبارك وتمييزاً للشعب الذى دعى اسمه عليه والذى يسكن هو فى وسطه وحفاظاً على الشركة المقدسة التى يتمتعون بها مع جلاله.

2- وتدقيق الوحى فى ذكر هذه الأمور بالتفصيل يظهر طبيعة الإنسان الفاسدة. وفساد معظم ما يتصل بها أو يصدر عنها. وليس ما يطهر هذه الطبيعة من فسادها إلا دم المسيح، وعلى الإنسان أن يؤمن بقوة وفاعلية دم المسيح ويعتمد باسمه القدوس لكى يأخذ الصورة الجديدة التى أعطيت للبشرية فى عهد النعمة .

3- تأكيداً لذلك أن التطهير كان يحتاج فى أحيان كثيرة إلى الماء أو إلى الماء والدم معاً كما أن التكفير كان يحتاج حتماً إلى الدم. والماء والدم مرسومان بوضوح فى العهد الجديد. فالدم هو دم المسيح الذى فيه ملء القوة وله ملء الفاعلية وبه وحده التكفير والتطهير.  وعليه وحده تعتمد جميع الأسرار والممارسات وتأخذ جميع الأعمال قوتها. والماء يشير إلى الروح القدس وإلى المعمودية وإلى كلمة الله. وكلها أيضاً تعمل فى المؤمنين بفاعلية دم المسيح. ولذلك خرج الدم والماء من جنب المسيح المطعون (يو19: 34) وقال الرسول (والذين يشهدون فى الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم فى الواحد 1يو5: 8) (راجع شرح ص14: 5) .

4- ولذلك فإذ قد تمتعنا بهذه النعم والبركات فى عهد النعمة ينبهنا الكتاب المقدس أن نحيا ونسلك كما يليق بهذا العهد المقدس كأبناء نور (1تس5: 5) والإنسان الذى يريد أن يعيش فى شركة مقدسة مع الله فى هذا الدهر وبالحياة الأبدية معه فى السماء عليه أن يعيش فى القداسة التى بدونها لن يرى أحد الرب (عب12: 14). وهذه القداسة تتضمن النقاوة الظاهرية. نقاوة الجسد والحواس كما يقول الرسول (ولاتقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات بر الله رو6: 13). وتتضمن أيضاً النقاوة الباطنية. نقاوة الروح والقلب والفكر لأنه (طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله مت5: 8). وبالجملة أن تكون كل نفس مزينة كعروس مهيأة لعريسها السماوى.

5- ونحن إذ اغتسلنا بدم المسيح المطهر. ونلنا نعم الروح القدس المحيى. وتمتعنا بأسرار العهد الجديد السامية والفعالة. نعلم أن الذى يشوه جمال حياتنا ويلوثها ويدنسها هو الشر الذى نقترفه، ولكننا فى سقطاتنا وشرورنا وهفواتنا لانحتاج فى الغالب إلى كل الممارسات التى كان اليهود يمارسونها. وإنما نحتاج دائماً إلى الصلاة وسكب النفس أمام الله. والاعتراف والتوبة والتقرب إلى سر الشركة المقدس حتى تغفر خطايانا وننال دفعات إلهية مقدسة تساندنا فى حياتنا.

6- ولقد مر بنا أيضاً أنه إن كان من واجبنا كأولاد الله أن نظهر دائماً بالمظهر الذى يليق بهم روحاً وجسداً. فبالأولى يجب أن يكون هذا بنوع أعظم وبفرح أمجد واستعداد أكمل، فى الظروف والأعمال العظيمة كالتناول من الأسرار المحيية والصوم. حيث يمتنع المؤمنون إلى حين حتى عن الأمور المقدسة المباحة كالعلاقات الزوجية. ويستعدون روحاً وعقلاً وجسماً وثياباً كما يقول الرسول بهذا (مبغضين حتى الثوب المدنس من الجسد يه23) لكى تكون عبادة الرب فى زينة مقدسة (مز29: 2). زينة الروح الهادئ والفكر النقى والجسد الطاهر (لأنكم قد أشتريتم بثمن فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله 1كو6: 20) .

Leave a Comment