تفسير سفر اللاويين – الأصحاح الخامس والعشرون – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

مقدمة الأصحاح (ع 1)

1- وكلم الرب موسى فى جبل سيناء قائلا.

1- هذا الكلام مواصلة للشرائع الكثيرة التى سنها الله لبنى إسرائيل فى جبل سيناء. أى فى البرية مقابل الجبل. الموضع الذى نزلوا فيه وتجلى لهم فيه مجد الرب وأعطوا الوصايا العشر وباقى الشرائع. وأقاموا خيمة الاجتماع. وكان الرب يتكلم إلى موسى من بين الكروبين كما مر ذلك فى شرح (ص12:24).

وقد أقام بنو إسرائيل فى ذلك المكان نحو سنة تقريبا. لأنهم نزلوا فيه فى الشهر الثالث من السنة الأولى من خروجهم من مصر (خر1:19،2). وارتحلوا عنه فى اليوم العشرين من الشهر الثانى من السنة الثانية (عد11:10).

2- يتضمن هذا الأصحاح عدة شرائع هى:

(أ) شريعة السنة السابعة (ع 2-7).

(ب) شريعة سنة اليوبيل (ع 8-22).

(جـ) شرائع تتعلق بتحريم بيع الأرض (ع 23-28).

(د) شرائع تتعلق ببيع البيوت (ع 29-31).

(هـ) شرائع تتعلق بمساعدة الفقراء (ع 35-38).

(و) شرائع تتعلق بالفقير الذى يبيع نفسه عبدا لإخوته (ع 39-43).

(ز) شرائع تتعلق بالعبيد والإماء من الشعب (ع 44-46).

(ح) شرائع تتعلق بالإسرائيلى المباع لإنسان غريب الجنس (ع 47-55).

السنة السابعة (ع 2-7)

2- كلم بنى إسرائيل وقل لهم : متى أتيتم إلى الأرض التى أنا أعطيكم تسبت الأرض سبتا للرب.

هذه شريعة تقديس السنة السابعة. وقد أعطيت لهم ليعملوا بها متى دخلوا أرض كنعان وزرعوها لأنهم فى جولاتهم لم يستقروا فى مكان ولم يملكوا أرضا ليزرعوها. وقد ذكرت شرائع مماثلة فى مواضع أخرى من الأسفار الخمسة كما نرى ذلك فى شرح (ص 33:14).

(الأرض التى أنا أعطيكم): أى أراضى الشعوب الكنعانية التى يأخذها الرب من الشعوب الوثنية عقابا لها على شرورها ويعطيها للشعب العبرانى حسب وعده للآباء القديسين ابراهيم واسحق ويعقوب.

(تسبت الأرض سبتا للرب): (تسبت) أى تستريح ولا تزرع أو تحصد. بل تقدس للرب. وكما أمر الرب بتقديس اليوم السابع من كل أسبوع. أمر أيضاً بتقديس كل سنة سابعة من كل أسبوع سنين أى من كل سبع سنوات وكل من السنة السابعة وسنة اليوبيل من أعياد الرب الطويلة المدى (خر 10:23) وفى مقدمة الأصحاح الثالث والعشرين من تفسير سفر اللاويين، ودعيت السنة السابعة السنة السبتية أى سنة الراحة. وسنة الإبراء (تث 1:15، 10:31). ونلاحظ الأمور الآتية بشأن السنة السابعة:

(أولا) كان لا يجوز زرع الأرض أو حصدها وكذلك الحال مع الأشجار المثمرة كالكروم والزيتون وغيرها (أع 3).

(ثانيا) المحاصيل التى تبقى فى الأرض فى السنة السابعة كان أصحابها يأكلون منها ويشترك معهم الفقراء والمساكين والغرباء والبهائم وحتى وحوش البرية (ع 6).

(ثالثا) يرى البعض أن عطلة السنة السابعة كانت تبتدئ من شهر نيسان الذى يتخلله عيد الفصح، ولكن معظم علماء اليهود يرون أنها كانت تبتدئ من يوم الكفارة (العاشر من الشهر)، وعلى الأرجح من اليوم السادس عشر من الشهر السابع (تشرين الأول) بعد الانتهاء من الاحتفال. بتأدية طقوس اليوم الثانى من عيد المظال والجمع، الذى كانوا يعيدونه بعد انتهائهم من جمع محاصيل الأرض، حيث كان اليوم الرابع عشر أقصى حد له وبعده يبدأون عيد المظال فى اليوم الخامس عشر. ومعنى هذا أن السنة السابعة كانت تبتدئ بعد الانتهاء من جمع غلات السنة السادسة.

ومع ذلك فكان الشعب يقضون الأيام الأولى من الشهر حتى إعلان بدء السنة السابعة فى سرور ومرح بريئين وفى رياضة روحية ويكفون تقريبا عن معظم أشغالهم، ولذلك فكانوا فى أيام الهيكل الثانى يبدأونها من اليوم الأول من تشرين.

(رابعا) كانت هناك مقاصد إلهية سامية من ترتيب عطلة السنة السابعة لخير الشعب، بعضها مادى وبعضها اجتماعى وإنسانى، وبعضها روحى.

فمن الناحية المادية كانت إراحة الأرض من الزراعة سنة عاملا على زيادة قوتها وتوفير محاصيلها.

ومن الناحية الإنسانية والاجتماعية :

(أ) كان اشتراك الفقراء معهم فى محاصيل الأرض مما يعلمهم روح العطف والمحبة والاشتراكية المقدسة.

(ب) وحتى الحيوانات والوحوش كان لها نصيب كبير من عطفهم وشفقتهم.

(جـ) ولقد كانت السنة (سنة إبراء) لأن أصحاب الديون كانوا يتركون ديونهم بقلوب راضية متى حلت السنة السابعة للذين اقترضوها منهم (تث 1:15-6).

(د) وكان الإبراء أيضاً يشمل الأشخاص الذين لضيق يدهم يبيعون أنفسهم للمقتدرين. فكان على هؤلاء أن يطلقوهم أحرارا فى السنة السابعة (تث 12:15،13).

(هـ) وكانت السنة السابعة فرصة لكى يستريح فيها من العمل العبيد والإماء وحتى المواشى.

أما من الناحية الروحية فإن السنة السابعة لم تكن سنة خمول أو كسل بل كانت فرصة مباركة لنهضة روحية مقدسة :

(أ) ففى عيد المظال فى السنة السابعة كانوا يقرأون الشريعة على الشعب وكان الشعب يعمل على مراجعتها وحفظها وتفهم معانيها بكبيرهم وصغيرهم حتى الغرباء الذين بينهم (تث 10:31-13) لتكون لهم ذخيرة فى السنة كلها. وزيادة على ذلك كان على الملك أيضاً ان يقرأ فصولا من الشريعة وذلك فى اليوم الرابع عشر من شهر تشرين من السنة الثامنة وهو ختام السنة السابعة حيث كانوا ينتهون فيه من موسم الجمع، ويستعدون لاستقبال عيد المظال الذى يوافيهم فى اليوم الذى يليه. وكان يقرأ الفصول فى طقس جميل حيث كان رئيس المجمع يأخذ التوراة ويسلمها لرئيس المجمع. وهذا يسلمها لرئيس الكهنة وهذا يسلمها للحبر الأعظم. والحبر الأعظم يسلمها للملك الذى كان يجلس على منبر عال. فيقف الملك ويقرأ من الشريعة سبعة فصول هى (تث1: 6-1: 3، 6: 4-8، 11: 13-22، 14: 22،15: 23، 16: 12-19، 17: 14-20، 17: 1-28: 29) والفصول تتضمن الكثير من وصايا الرب وأحكامه ومواعيده للشعب. وتذكرهم بأعماله معهم.

وبعد قراءتها كان رئيس الكهنة يعطى البركة للشعب ويطلب فى البركة من أجل الشريعة الإلهية ومن أجل الخدمة المقدسة والاعتراف ومغفرة الخطايا وأورشليم والهيكل وإسرائيل والكهنوت المقدس. وفضلا على هذا فإن ترك الإرض سنة بدون زراعة كانت تعلمهم الإيمان بالله والاتكال عليه وتصديق مواعيده لأنه وعدهم أن يبارك لهم فى غلات العام السادس لتكفيهم فى عامهم السادس وفى عطلتهم أيضاً.

(خامسا) ولهذا فقد شدد الله عليهم بأن يقدسوا شريعة السنة السابعة. وكان الحكام يجلدون من يحاول أن يزرع أرضه فيها. وكان الله يعاقبهم على إهمالهم فى حفظ هذه السنة فيسلمهم لأيدى أعدائهم. ويسبيهم عن أرضهم حتى تستوفى الأرض سبوتها (2أى 21:36).

3- ست سنين تزرع حقلك وست  سنين تقضب  كرمك  وتجمع غلتها.

كان لهم أن يزرعوا الحقول ويحصدوها ويقضبوا الكروم. ويجمعوا ثمارها خلال الست سنوات لكى يستريحوا فى السنة السابعة. و(قضب) الكرم معناه قطعه والمقصود ألا يشذبوا الكرم أو يقلموه.

4- وأما السنة السابعة ففيها يكون للأرض سبت عطلة. سبتا للرب. لا تزرع حقلك ولا تقضب كرمك.

1- كانت السنة السابعة (سبت عطلة) أى راحة لأنفسهم ولعبيدهم وإمائهم وللأرض نفسها. وقوله (سبتا للرب) يعنى سنة راحة مقدسة للرب لأنها عيد من أعياده وفى تقديسها طاعة لشريعته وأحكامه. وقد مر بنا أنهم كانوا يقرأون الشريعة ويعلمونها للشعب خلال السنة السابعة.

2- نهاهم الوحى عن زراعة أرضهم وعن العمل فى بساتينهم أو جمع محاصيلها وثمارها. وكان مصرحا لهم أن يزرعوا فقط ما هو لازم للتقدمات كالعشور وحزمة الترديد ورغيفى التقدمة فى يوم الخمسين وخبز الوجوه. وكان غير مصرح لهم أن ينقوا الأوراق الذابلة من الأشجار ولا أن يدخنوا تحت الأشجار. وكان يمكنهم أن يشتغلوا بالتجارة وتربية النحل ويرعوا مواشيهم ويصلحوا مبانيهم ويصطادوا ويتعهدوا وتتعبد الأرض ويحرثوها.

3- يرى بعض المفسرين أنهم ابتدأوا فى حفظ السنة السابعة بعد دخولهم أرض كنعان بست سنوات. والبعض يرون أنهم حفظوها بعد أربع عشرة سنة من دخولهم لأنهم قضوا السبع سنين الأولى فى محاربة الشعوب والاستيلاء على الأرض والأرحج أنهم لم يقدسوا إلا فى السنة الحادية والعشرين.

(أ) لأنهم استولوا على الأرض على يد يشوع بن نون فى السبع سنوات الأولى لأن كالب بن يفنة كان عمره وقتئذ خمسا وثمانين سنة وقد مضى على تجسسه للأرض خمس وأربعون سنة (يش 7:14، 10) أى أنهم قضوا فى تقسيم الأرض بعد موت موسى نحو خمس سنين يضاف إليها السنوات الأخيرة من حياة موسى التى استقر فيها شرق الأردن سبط رأوبين وسبط جاد ونصف سبط منسى.

(ب) والسبع سنوات الثانية قضوها فى تقسيم الأرض على الأسباط (يش 21:18).

(جـ) ولما استقروا فى الأرض وابتدأوا يزرعون باطمئنان زرعوها الست سنوات التالية وقدسوا السنة الحادية والعشرين.

4- كانوا يتركون العمل فى الحقول تقريباً بعد عيد الفصح بعد السنة السادسة بعد أن يكونوا قد انتهوا من جمع المحاصيل الزراعية. ويتركون العمل فى البساتين بعد عيد الخمسين حيث يكونون قد انتهوا من جميع الأعمال الباقية فى الجمع فكانت السنة السابعة تبدأ رسمياً فور الانتهاء من الاحتفال بعيد الخمسين.

5- زريع حصيدك لا تحصد وعنب كرمك المحول لاتقطف. سنة عطلة تكون للأرض.

(زريع حصيدك لاتحصد): كان عليهم ألا يحصدوا (الزريع أو الخلفة) وهو ما ينمو فى الأرض من النباتات دون أن يزرعوها إما بسبب سقوط بعض البذار عفوا على الأرض. وإما أن يكون قد تلف من العام الماضى ونما فى السنة السابعة، وإما أن يكون خلفة لما حصد من الثمار.

(وعنب كرمك المحول لاتحصد): وكان لايجوز جنى العنب (المحول) أى الباقى على الكرم من الحول (العام) الماضى.

والمقصود بالحصد والجنى فى هاتين الفقرتين حصاد المحاصيل والثمار لقصد تخزينها والاتجار بها كما يفعلون فى الأعوام الستة. إذا جمعوا منها كانوا يجمعون ليأكلوا منها فقط هم وحيواناتهم كما يظهر ذلك فى العدد السادس.

(سنة عطلة تكون للأرض): تكون الأرض فى عطلة فلا يجب أن تزرع أو تحصد كالمعتاد فى باقى السنين.

6- ويكون سبت الأرض لكم طعاماً. لك ولعبدك ولأمتك ولأجيرك ولمستوطنك النازلين عندك.

7- ولبهائمك وللحيوان الذى فى أرضك تكون كل غلتها طعاما.

كانوا يأكلون من ثمار الأرض ومحاصيلها هم وعبيدهم وإماؤهم والمستوطنون (المتغربون) فى أرضهم. وقد نهاهم معلمو الشريعة أن يستخرجوا من المحاصيل مواد جديدة كأن يصنعوا من العنب عصيرا أو ذبيبا، وكان لهم أن يوقدوا الخشب أو الحطب ولكن لا يحولوه إلى فحم وهكذا.

(ولبهائمك وللحيوان الذى فى أرضك تكون كل غلتها طعاما):

كانت غلات العام السابع أيضاً طعاما لبهائمهم وللوحوش والحيوانات الأخرى التى فى الحقل وكما يقول يوسيفوس أن كل ما ينمو فى السنة السابعة كان ملكا مشتركا بين الإنسان والحيوان.

سنة اليوبيل (ع 8-22)

1- يتكلم الوحى من العدد الثامن إلى آخر الأصحاح عن سنة اليوبيل. وعن الأمور المتعلقة بها. واليوبيل هو من أعياد الرب الطويلة المدى كما عرفنا ويعتبر اليوبيل كمال النظام السبتى الذى وضعه الرب لشعبه. فبعد شريعة عيد الخمسين كانوا يعدون سبعة أسابيع من تقديم حزمة الباكورة ويقدسون يوم الخمسين. والشهر السابع بدوره كان حافلا بالأعياد والمواسم المقدسة. وكان عليهم أن يزرعوا أرضهم ست سنين ثم يكفوا عن زراعتها فى السنة السابعة. وكذلك الحال كان عليهم أن يعدوا لأنفسهم سبعة أسابيع سنين ثم يحتفظوا بعدها بسنة اليوبيل.

كانوا يتذكرون بيوم السبت أن الله هو الخالق لجميع الكائنات لأنه خلق العالم فى ستة أيام وفى اليوم السابع استراح، ويذكرون بالسنة السابعة التى كانت لإراحة الأرض أن الرب هو رب الأرض، وسنة اليوبيل التى كانت فيه الراحة والعتق الكاملان للجمهور كله وحتى للحيوان والأرض فكانت تذكرهم أن الله هو ربهم ورب الجميع.

2- ومعنى كلمة (يوبيل) فى الأصل صوت البوق. أو هتاف الفرح. وتطلق مجازا أيضاً على البوق نفسه أو على قرن الكبش الذى كان يبوق فيه. وقد دعيت السنة الخمسون (يوبيلا) لأنهم كانوا يعلنون عنها بالنفخ فى الأبواق فى جميع أنحاء البلاد. وذلك فى اليوم العاشر من الشهر السابع (تشرين الأول) أى فى عيد الكفارة. بعد الانتهاء من مراسيم العيد.

ومع أن عام اليوبيل كان يبدأ فى اليوم العاشر إلا أن اليهود كانوا يستعدون من أول شهر تشرين لاستقبال اليوبيل وجميع الأعياد المجيدة الأخرى التى تقع فى هذا الشهر. فكانوا يقضون العشرة أيام السابقة لليوبيل فى فرح روحى مجيد. وحتى العبيد كانوا يقضون هذه الأيام فى بيوت سادتهم فى فرح وأكل وشرب وطرب وكانوا يلبسون الأكاليل كتكريم لهم بعد خدمتهم لسادتهم وكعربون لعتقهم متى حل اليوبيل.

3- ذكر هذا العيد فى عدة مواضع أخرى من الكتاب المقدس من بينها (خر 22:34، لا 17:27، عد 4:36).

وقد دعى فى سفر حزقيال (ص 17:46) (سنة العتق) أى التحرير حيث كان كل العبيد يعتقون ويرجح أن ما ذكر فى (اش 1:61- 3)، (نح 1:5-13) له علاقة باليوبيل أو على الأقل يستند على الشرائع المقدسة الخاصة به.

4- كان كل شئ يرد إلى أصله متى حل اليوبيل. فالذين غبنوا أصحابهم فى البيع أو الشراء كانوا يعوضونهم. وأصحاب الدين كانوا يتركون الديون التى لهم. والعبيد كانوا يعتقون، حتى الذين ثقبت آذانهم فى السنة السابعة من خدمتهم بناء على رغبتهم فى البقاء فى خدمة سادتهم (خر 5:21، 6)، وكانت الحقول المباعة أو المرهونة ترد إلى أصحابها الأصليين وكذلك الحال فى البيوت إلا ما كان مبنيا داخل المدن التى لها أسوار.

5- وكشريعة السنة السابعة كانت الأرض أيضاً لا تزرع ولا تحصد فى سنة اليوبيل. وبالجملة فعام اليوبيل كان أجمل وأروع فرصة يعيد فيها الشعب ويبتهجون.

 

8- وتعد لك سبعة سبوت سنين. سبع سنين سبع مرات. فتكون لك أيام السبعة السبوت السنوية تسعا وأربعين سنة.كان عليهم أن يعدوا ابتداء من اليوم العاشر من الشهر السابع. ومن بداية السنة السابعة التى قدسوها (سبعة سبوت سنين) أى سبعة أسابيع سنين. لأن كلمة (السبوت) هنا معناها أسابيع. حيث أن السبت الأسبوعى هو كمال الأسبوع. وقد أوضح ذلك بقوله (سبع سنين سبع مرات) وأوضحها أيضاً بأن مجموعها يكون (تسعا وأربعين سنة).(فتكون لك أيام السبعة السبوت السنوية): استعملت (الأيام) هنا بمعنى مجازى بمعنى مدة. (والسبوت السنوية) أى الأسابيع السنوية ومدة كل أسبوع منها سبع سنين كما تنص الآية.وإذا كنا قد عرفنا أن أول سنة سبتية قدسها هى السنة الحادية والعشرون (تفسير ع4)، فإن أول أسبوع سنين يدخل فى حساب اليويبل يكون الأسبوع الثالث أى بعد دخولهم الأرض بأربع عشرة سنة وبذلك يكون أول يوبيل لهم هو السنة الرابعة والستين من دخولهم.

9- ثم تعبر بوق الهتاف فى الشهر السابع فى عاشر الشهر. فى يوم الكفارة تعبرون فى جميع أرضكم.

1- (ثم تعبر بوق الهتاف): أى تجيز الهتاف بالبوق. بأن تأمر بالهتاف فى كل أنحاء البلاد بواسطة أناس يكلفون بذلك. وكان البوق يصنع من قرن مستقيم من قرون الكباش وفمه محاط بالذهب. وبمجرد الانتهاء من مراسيم عيد الكفارة كان الكهنة ينفخون تسع مرات فى البوق من خيمة الاجتماع إعلانا عن حلول سنة اليوبيل فى مساء اليوم العاشر. وفى نفس الوقت يهتف المكلفون بذلك فى كل البلاد. ولأهمية العيد وشدة الفرحة بقدومه كان كل أفراد الشعب تقريبا يهتفون فى الأبواق، يهتف كل واحد تسع مرات كبشارة بقدوم اليوبيل الذى يعنى التحرير والإبراء من الديون ورد جميع الأشياء إلى أصلها.

2- كان عيد اليوبيل الذى يعنى التحرير من العبودية. وترك الديون. ورد كل الأشياء إلى أصحابها… كان يعلن عنه بعد الانتهاء من مراسيم عيد الكفارة وهو الذى تذلل فيه الشعب وأعلن توبته وفيه كفر رئيس الكهنة عنهم، وفى العهد الجديد لم يتم الخلاص وغفران الخطايا والتحرر من عبودية الشيطان ومن رباطات الشر ووفاء دين البشرية…. كل هذا لم يتم إلا بعد أن قدم المسيح ذاته كفارة عن حياة العالم.

3- كم كان رائعا أن تمتلئ الأرض من اقصاها إلى أقصاها بدوى الأبواق وهتافات الفرح التى كانت تبعث فى جميع القلوب اطمئنانا وسلاما وابتهاجا. ما أشبه تعبير الهتافات من مكان إلى مكان بكلمة الله التى نادى بها الأنبياء. وبشكل واضح برسالة الخلاص التى حملها رسل ربنا إلى كل مكان لكى تصل إلى كل قلب وإلى كل بيت وإلى كل أمة وكل شعب حتى تم فيهم قول الكتاب (لا يسمع صوتهم فى كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم مز 3:19، 4).

4- ونحن المؤمنين مكلفون بأن نحمل بشرى الخلاص وكلمة النعمة وكلمات التعزية إلى النفوس الكثيرة وما أجمل أن نقتدى بالأربعة رجال البرص الذين إذ دخلوا محلة الأراميين ووجدوهم قد هربوا. قالوا: (لسنا عاملين حسنا هذا اليوم هو يوم بشارة ونحن ساكتون فإن انتظرنا إلى ضوء الصباح يصادفنا شر. فهلم ندخل ونخبر بيت الملك) وفعلا حملوا البشرى إلى أبواب المدينة. ووصلت البشرى إلى الملك وإلى الشعب بفضل هؤلاء الرجال الذين لم يشاءوا أن يكون الخبر السار لهم وحدهم.

(2مل 3:7…). ولنقتد أيضاً بالمرأة السامرية التى إذ وجدت المسيا العظيم الذى جدد حياتها. طفقت تنادى البعيدين والقريبين من أهل بلدها وهى تقول: (هلموا انظروا إنسانا قال لي كل ما فعلت.

ألعل هذا هو المسيح؟ يو 29:4). ما أجمل بنا أن نشعر بمسئوليتنا العظيمة إزاء القلوب المحتاجة إلى الخلاص والنفوس المحتاجة إلى التوبة. والمتعطشة إلى كلمة الله وتعزياته. ما أجمل بنا أن نعمل عمل الرب بجهاد وغيرة متمثلين بالرسول الذى قال: (إذ الضرورة موضوعة علىّ فويل لي إن كنت

لا أبشر 1كو 16:9).

10- وتقدسون السنة الخمسين تنادون بالعتق فى الأرض لجميع سكانها تكون لكم يوبيلا وترجعون كل إلى ملكه وتعودون كل إلى عشيرته.

11- يوبيلا تكون لكم السنة الخمسون لا تزرعوا ولا تحصدوا زريعها ولا تقطفوا كرمها المحول.

1- كانت السنة الخمسون هى سنة اليوبيل. وكانت تقدس كما يقدس يوم السبت من كل أسبوع وكما تقدس السنة السابعة. وكان عليهم متى حل اليوبيل:

(أ) أن ينادوا (بالعتق فى الأرض) لجميع الذين باعوا أنفسهم عبيدا أو أخذوا عبيدا بسبب الفقر أو الدين. وبالعتق (الإبراء) أيضاً من الديون.

(ب) ألا يزرعوا الأرض إلا ما كان يصرح به العلماء مما يلزم للتقدمات (شرح ع4).

(جـ) ولا يحصدوا زريعها لقصد التجارة أو التخزين وكان حصاد زريع الأرض محظورا أيضاً فى السنة السبتية (شرح ع5).

(د) ولا يقطفوا ثمر الأشجار المحول أى الباقى على الأشجار من الحول (العام) الماضى كما مر ذلك أيضاً فى (ع5).

12- إنها يوبيل. مقدسة تكون لكم. من الحقل تأكلون غلتها.

(إنها يوبيل. مقدسة تكون لكم): عليهم أن يقدسوا سنة اليوبيل مثلما يقدس السبت والسنة السابعة فيكرسوها للفرح الروحى والعبادة والتأمل فى شريعة الله والراحة.

(من الحقل تأكلون غلتها): يأكلون ما يكون في الحقل من المحاصيل وعلي الأشجار من فواكه وأثمار هم وعبيدهم وإماؤهم ومواشيهم ووحوش الأرض وطيور السماء. ولا يستخرجوا من محاصيلها مستخرجات جديدة ولا يتاجروا بها أو يخزنوها (شرحع6).

13- فى سنة اليوبيل هذه ترجعون كل إلى ملكه.

يرجع كل شخص إلى الأرض أو إلى البيوت التى فى القرى التى يكون قد باعها أو رهنها أو حتى وهبه لعبد من عبيده أو لشخص ما. وكان قصد الله من ذلك أن يعلمهم :

(أ) أنهم غرباء على الأرض (ع23).

(ب) وأن الرب هو صاحب الأرض وربها ووهبها لعبيده (ع23).

(جـ) وأن يعلم شعبه القناعة والمحبة فلا يحاول الغنى أن يبتلع الفقير ويتسع على حساب غيره من الناس.

(د) وأن يحتفظ كل سبط وكل عشيرة وكل أسرة بالأرض التى أعطيت لهم على يد عبديه موسى ويشوع.

14- فمتى بعت صاحبك مبيعا أو اشتريت من يد صاحبك فلا يغبن أحدكم أخاه.

إن هذا النص المقدس يعتبر :

(أولا) قاعدة عامة فى المعاملات لكى لا يغبن (يظلم) أحد أخاه فى البيع أو الشراء. فلا يحاول البائع أن يبيع بأكثر من الثمن المناسب. ولا يطمع فى الربح القبيح (1بط 2:5) ولا يستغل فرص احتياج الناس فيظلمهم. ولا شك فى أن هذا يوبخ الانتهازيين والجشعين والذين يبيعون فى السوق السوداء والمحتكرين وأمثالهم.

وكذلك الحال مع المشترى. فلا يجب أن يحاول ظلم البائع أو انتهاز فرصة جهله أو احتياجه وعذره المالى فيشترى منه بثمن بخس. بل يجب أن يتقى كل إنسان ربه ويراعى ضميره فى كل معاملاته مع الناس.

(ثانيا) وفى النص قاعدة خاصة بالبيع والشراء تتعلق باليوبيل كما يتضح ذلك فى الأعداد (15-17).

(ثالثا) من بركات عام اليوبيل أنه كان فرصة مباركة ليراجع كل مشتر أو بائع ضميره فيرد المشترى إلى البائع ما قد يكون قد ظلمه فيه وبهذا يسترد البائع حقه المغبون. وكان البيع أو الشراء يبطل إذا زاد الغبن عن سدس ثمن الشئ. أما إذا كان السدس فأقل فكان المشترى يرد قيمته للبائع.

15- حسب عدد السنين بعد اليوبيل تشترى من صاحبك وحسب سنى الغلة يبيعك.

1- (حسب عدد السنين بعد اليوبيل تشترى من صاحبك): كان ارتفاع ثمن الأرض أو انخفاضه يتوقف على عدد السنين التى بعد اليوبيل السابق أو قبل اليوبيل القادم. لأن المشترى كان له أن يستغل الأرض وينتفع بغلتها بعدد السنين التى تسبق اليوبيل المنتظر. حيث يرد الأرض ثانية إلى صاحبها. ولذلك كان ثمن الأرض أو بالحرى استغلالها يقدر بعدد السنين التى تكون خلالها فى يد المشترى.

2- (وحسب سنى الغلة يبيعك): أى بحسب سنى استغلال المشترى للأرض والانتفاع بغلتها يبيع البائع للمشترى. والبيع هنا للغلة لا للأرض لأن الأرض (لا تباع بتة ع23). ووجودها فى يد المشترى كانت لسنين محددة لمجرد الانتفاع بغلتها. فكان البيع فى الواقع نوعا من التأجير.

16- على قدر كثرة السنين تكثر ثمنه وعلى قدر قلة السنين تقل ثمنه لأنه عدد الغلات يبيعك.

إذا كان المشترى سيستفيد بالأرض سنوات كثيرة حتى موعد اليوبيل يمكن للبائع أن يرفع الثمن بما يتناسب مع مدة الانتفاع بها. وإذا كان سينتفع بها سنوات قليلة كان يقلل الثمن.

(لأنه عدد الغلات يبيعك): وفى الترجمة اليسوعية (لأنه إنما يبيع لك غلات محصاة) أى لأنه يبيع لك عددا من المحاصيل بقدر عدد السنين الباقية على اليوبيل حيث ترد له الأرض.

 

17- فلا يغبن أحدكم صاحبه بل اخش إلهك. إنى أنا الرب إلهكم.

هذا تأكيد لما أوصاهم به فى العدد الرابع عشر لكى لا يظلم أحد الآخر فى البيع أو فى الشراء لا بالاستغلال ولا بالاحتيال ولا بالغش أو بالخداع أو بالطمع أو بطريقة ما بل يتقوا الله فى كل معاملاتهم. ويبيعوا ويشتروا بالعدل والأمانة والحق.(إنى أنا الرب إلهكم): أحب الحق واعرف الخفايا. وأطالب بحق المظلوم وانتقم من الظالم.

18- فتعملون فرائضى وتحفظون أحكامى وتعملونها لتسكنوا على الأرض آمنين.

19- وتعطى الأرض ثمرها فتأكلون للشبع وتسكنون عليها آمنين.

إذا لم يظلم أحدهم الآخر. نفذوا بذلك فرائض الله وأحكامه، وعندئذ يكافئهم الله مكافاة مزدوجة.

(أ) لأنهم (يسكنون على الأرض آمنين) أى فى سلام قلبى حيث تطول أيامهم على الأرض التى يعطيهم الرب إلههم، ولا يقعون فى أيدى أعدائهم، ولا يحتل أحد أرضهم أو يسبيهم عنها، ولا يتعرضون لجوع أو وبأ أو خطر.

(ب) (وتعطى الأرض ثمرها فتأكلون للشبع) والأرض لا تعطى ثمرها من نفسها. ولكن الله هو الذى يباركها ويجعلها تثمر أثمارا مضاعفة.

ولقد رأينا أن بنى إسرائيل فى أجيالهم المختلفة عندما كانوا يحيدون عن ناموس الله كان يعاقبهم بأنواع كثيرة من العقاب. أحيانا بالجوع والقحط. وأحيانا بترك  الشعوب لتنهب حقولهم وخيرات أرضهم، وأحيانا بتسليمهم لأيدى أعدائهم، وأحيانا كان يخرجهم من أراضيهم ويسكن شعوبا مكانهم وهكذا.

20- وإذا قلتم ماذا نأكل فى السنة السابعة إن لم نزرع ولم نجمع غلتنا.

21- فإنى آمر ببركتى لكم فى السنة السادسة فتعمل غلة لثلاث  سنين.

كانوا لا يزرعون الأرض فى العام السابع، بل يتركونها تحت تصرف الله وعمل نعمته وبركته. وإذا سأل الشعب ماذا يأكلون إذا لم يزرعوا فى السنة السابعة وإذا لم يجمعوا غلاتها أى يحصدوها ويخزنوها كعادتهم فى كل عام أو إذا لم يجمعوا حتى الغلات التى قد تكون متخلفة فى الأرض فى السنة السابقة (ع 6، 7)، فإن الرب يجبهم بأنه يبارك لهم فى غلات العام السادس لكى تكفى لثلاث سنين فيأكلون منها فى سنتهم السادسة وفى السابعة والثامنة وحتى تمتد إلى العام التاسع حيث تنضج الثمار والمحاصيل التى زرعوها فى السنة الثامنة ويحصدونها.

ونلاحظ أن الإنسان لعدم ثقته قد يقول (ماذا نأكل فى السنة السابعة؟) فقط. ولكن الله يرد عليه بأن المحاصيل ستكفى ليس إلى السنة السابعة فقط بل إلى السنة التاسعة أى أن الأرض ستأتى بثلاثة أمثال غلتها.

22- فتزرعون السنة الثامنة وتأكلون من الغلة العتيقة إلى السنة التاسعة. إلى أن تأتى غلتها تأكلون عتيقا.كانوا يزرعون فى السنة الثامنة وكانت تبدأ من شهر تشرين الأول فى موسم الزراعة لكى يحصدوا خلال السنة التاسعة وقد وعدهم الرب كما مر بنا بأن غلات العام السادس تتبارك ليأكلوا منها حتى السنة التاسعة إلى أن ينموا ما زرعوه فى السنة الثامنة.

وعلى هذا القياس فكانت غلات العام السادس تتزايد إلى أربعة أمثال إذا صادف الاحتفال باليوبيل فكان يكفيهم لمدة السنة السادسة والسنة السابعة كلها وسنة اليوبيل وهى السنة الخمسون وكانوا يزرعون فى السنة الأولى بعد اليوبيل ولكن غلات العام السادس تمتد إلى السنة الثانية بعد اليوبيل حيث يحصدون غلتهم.وقد سبق الله فكان يحفظ لهم المن الذى يجمعونه فى اليوم السادس ليأكلوا منه فى اليوم السابع أيضاً دون أن يتولد فيه الدود أو يتلف (خر 5:16، 27- 29).

والكنيسة المقدسة فى صلواتها إذ تذكر هذه المواعيد تطلب من الله البركة فى قولها (بارك يا رب فى الغلات بالبركة السمائية، بارك يا رب إكليل هذه السنة بصلاحك. بارك يا رب للباذر والزارع والحاصد كما باركت لبنى إسرائيل فى غلات العام السادس).

(تأكلون عتيقا) أى من غلات السنة السادسة.

أحكام تتعلق بيبع الأرض (ع23- 28)

23- والأرض لا تباع بتة. لأن لي الأرض وأنتم غرباء ونزلاء عندى.

(والأرض لا تباع بتة): أخذ سبط رأوبين وسبط جاد ونصف سبط منسى الأراضى الواقعة شرقى الأردن على يد موسى النبى (عد32). ووزع يشوع الأراضى غربى الأردن على باقى الأسباط بالقرعة (يش 19:13) حيث سلموا لإرادة الرب ولحكمته الإلهية لكى يعين لكل سبط نصيبه.

وكان لا يجوز لأحد أن يبيع ملكه، لكى يحتفظ كل سبط بأملاكه ولا يخرج الملك إلى خارج السبط.

(لأن لي الأرض وأنتم غرباء ونزلاء عندى): إن الرب هو خالق الأرض وصاحبها وهو الذى وهبها لهم ويهبها للإنسان كما يقول المرنم (للرب الأرض وملؤها. المسكونة وكل الساكنين فيها مز 1:24)، وكما يقول (السموات سموات للرب أما الأرض فأعطاها لبنى آدم مز 16:115). فالإنسان إذن ليس إلا نزيلا وضيفا عند الرب الذى أعطاه الأرض ليسكن فيها ويستغلها إلى حين. ويخطئ جدا الإنسان الذى يغتر ويتصور أنه يملك شيئا لأن المالك الحقيقى هو الله العلى المتسلط فى مملكة الناس ويعطيها من يشاء (دا 25:40)، ويخطئ أيضاً الإنسان الذى يتصور أن ملكه يدوم له أو أنه سيبقى إلى الأبد فى ملكه.(لا تباع بتة): أى مطلقا.

24- بل فى كل أرض ملككم تجعلون فكاكا للأرض.

1- فى كل نواحى البلاد يجب أن يجعلوا (فكاكا للأرض) المباعة.

و(فكاك الأرض) فى الأصل معناه فك رهنها وفداؤها وتخليصها من يد المشترى بدفع المبلغ المناسب له ليتركها ويردها إلى صاحبها الحقيقى الذى باعها لاحتياجه.

2- كان يمكن لبائع الأرض أو لقريبه أن يفك ما باعه ويسترده قبل حلول سنة اليوبيل (ع 25- 28). وإن لم يستطيع أحد فك الأرض كانت تبقى مع المشترى إلى سنة اليوبيل فترد إلى صاحبها بدون دفع مبالغ من المال.

3- أما أراضى اللاويين فكانت لا تباع مطلقا كما سيأتى ذلك فى (ع34).

25- إذا افتقر أخوك فباع من ملكه يأتى وليه الأقرب إليه ويفك مبيع أخيه.

1- إذا افتقر شخص ما واضطر إلى بيع ملكه بعضه أو كله. كان على أقرب ولى له أو المقتدر من أقربائه أن يفكه فيدفع للمشترى ثمن الملك وبهذا يسترد ملك قريبه ويعيده إليه. ونرى مثلا لهذا فى تاريخ نعمى وراعوث حيث عرض بوعز على أقرب أقارب اليمالك زوج نعمى ليفك ملكه الذى كان قد باعه ويتزوج براعوث. ولما لم يوافق هذا الولى. فك بوعز الملك وتزوج بها (را 1:4- 13).

والمقصود (بالولى) فى النص المقدس القريب أو النسيب. و(المبيع) أى الملك الذى بيع.

2- وقد أوضح مفسرو اليهود أنه لا يجوز لمن يريد أن يفك أرضه أو أرض قريبه أن يستدين لكى يفك الأرض.

26- ومن لم يكن له ولى فإن نالت يده ووجد مقدلر فكاكه.

27- يحسب سنى بيعه ويرد الفاضل للإنسان الذى باع فيرجع إلى ملكه.

قد لا يكون للبائع ولى يفك ملكه. فإذا نالت يده فى يوم ما ما يكفى لفك أرضه كان عليه أن يحسب السنين التى ظلت فيها الأرض فى يد المشترى منذ أن اشترى الأرض والتى استغل خلالها الأرض وانتفع بها ويدفع للمشترى (الفاضل) أى الفرق الباقى من ثمن البيع ويسترد ملكه منه. وهكذا يرجع إلى ملكه.

28- وإن لم تنل يده كفاية ليرد له يكون مبيعه فى يد شاريه إلى سنة اليوبيل ثم يخرج فى اليوبيل فيرجع إلى ملكه.أما إذا لم يستطع أن يسترد ملكه قبل اليوبيل لضيق ظروفه المالية. فيبقى الملك المبيع (المباع) فى يد المشترى إلى سنة اليوبيل. وعندئذ يعود إلى صاحبه الحقيقى تلقائيا. لأن اليوبيل هو سنة الإبراء والرد.(ثم يخرج فى اليوبيل فيرجع إلى ملكه): يخرج الملك المبيع من يد المشترى. ويعود صاحبه الأصلى إلى ملكه.

أحكام تتعلق بالبيوت التى تباع (ع 29- 34)

هذه الآيات تتكلم عن :

(أ) البيوت التى تباع داخل المدن المسورة (ع 29، 30).

(ب) البيوت التى تباع فى القرى (ع 31).

(جـ) بيوت اللاويين التى فى مدنهم (ع 32، 33).

(د) حقول اللاويين (ع 34).

 

29- وإذا باع إنسان بيت سكن فى مدينة ذات سور فيكون فكاكه إلى تمام سنة بيعه. سنة يكون فكاكه.

إذا باع شخص ما بيته لسبب الفقر أو لأى سبب آخر كان يمكنه أن يفكه (يسترده) فى خلال سنة من بيعه. وإذا توفى البائع كان للولى أن يفك بيت قريبه المتوفى. وإذا توفى المشترى كان البيت يفك من الوريث. ورأى علماء اليهود أنه إذا تغيب المشترى عن المدينة تعمدا أو عن غير قصد كان الذى يفك البيت يودع الثمن لدى أولى الأمر من الحكام أو من الشيوخ أو لدى من ينوب عن المشترى الغائب.

30- وإن لم يفك قبل أن تكمل له سنة تامة وجب البيت الذى فى المدينة ذات السور بتة لشاريه فى أجياله. لا يخرج فى اليوبيل.

أما إذا لم يتقدم البائع أو وارثه لفك البيت فى خلال السنة. كان البيت يصبح ملكا دائما للمشترى ولا يرد لصاحبه الأصلى حتى فى اليوبيل بما أنه قد أضاع الفرصة على نفسه.

(بتة لشاريه فى أجياله): (بتة) أى مطلقا وبالتأكيد. و(فى أجياله) أى يكون للمشترى ولجميع ورثته من بعده مدى الأجيال.

(لا يخرج فى اليوبيل): لا يخرج من يد المشترى ليعود إلى البائع. وقد صرح الله بذلك لأن البيوت لم تعط لأصحابها بالقرعة مثل الأرض ولكنهم بنوها بأيديهم وفق ما يريدون.

رأى علماء اليهود فيما بعد أن هذه القاعدة تنطبق على المدن التى استولوا عليها وهى مسورة فعلا أو التى قصد تسويرها لإقامة المساكن عليها. والبيت الذى بنى قبل تسوير الأرض كان فى حكم المبنى فى القرية يمكن رده فى اليوبيل كما هو واضح فى العدد الآتى.

31- لكن بيوت القرى التى ليس لها سور حولها فمع حقول الأرض تحسب. يكون لها فكاك وفى اليوبيل تخرج.أما البيوت التى فى القرى فحكمها حكم الأراضى الزراعية (الحقول) لأنها ضمنها. لذلك:

(أ) يمكن أن تفك لتعود إلى البائع إذا استطاع أن يفكها قبل سنة اليوبيل.

(ب) وإذا لم يستطع فكها فإنها تعود إليه تلقائيا فى سنة اليوبيل كما هو واضح فى حكم الحقول

(ع 24- 28).(وفى اليوبيل تخرج) من يد المشترى لتعود إلى البائع (شرح ع 28).

 

32- وأما مدن اللاويين بيوت مدن ملكهم فيكون لها فكاك مؤبد للاويين.

وفى عبارة (وأما مدن اللاويين. بيوت مدن ملكهم) يمكن أن تكون كلمة (بيوت) بدلا مطابقا (لمدن اللاويين) ويكون المعنى (وأما مدن اللاويين أى بيوت ملكهم). ويمكن أن يكون منطوق النص (وأما مدن اللاويين وبيوت مدن ملكهم). والمقصود فى الحالتين أن المدن السكنية للاويين بما فيها بيوتهم (يكون لها فكاك مؤبد) أى مطلق ودائم، بمعنى أنه إذا باع لاوى بيتا أو قطعة أرض سكنية له يستطيع هو أو قريبه أن يفكه فى أى وقت ولا يفقد ملكيتها إذا لم يفكها فى خلال سنة كما هو الحال فى بيوت عامة الناس (ع30).ومن المعروف أن مدن اللاويين كانت بين مدن جميع الأسباط لأن كل سبط قدم لسبط لاوى الذى تكرس لخدمة الله عددا من مدنه كما سيأتى ذلك فى شرح العدد التالى.

33- والذى يفكه من اللاويين المبيع من بيت أو من مدينة ملكه . يخرج فى اليوبيل لأن بيوت مدن اللاويين هى ملكهم فى وسط بن  إسرائيل .

1- (المبيع) هنا هو الشئ الذى باعه اللاوى لفقره و(المبيع) بدلا من الهاء فى (يفكه). والقاعدة الغالبة أن الذى يفك أملاك اللاويين المباعة كان من إخواتهم اللاويين. والمقصود من العبارات السابقه أن الذى يفك منزل أخيه الاوى يبقى المنزل فى يده إلى سنة اليوبيل ثم (يخرج) من يده ليعود إلى يد الاوى الأصلى الذى كان قد باعه من قبل.

2- والنص فى الترجمة اليسوعية هكذا (فمن اشترى “فك” من اللاويين فيخرج المشترى “أى الشئ المشترى” من بيت أو مدينة ملك لهم فى سنة اليوبيل). ومثلها ما جاء بإحدى الترجمات الإنجليزية (وإذا اشترى “فك” رجل من اللاويين فالبيت الذى بيع ومدينة ملكه يخرج فى سنة اليوبيل).

3- وقد جاء النص ببعض الترجمات الإنجليزيه الأخرى (وإذا لم يستخدم، أحد اللاويين حقه فى الفكاك، فإن البيت الذى بيع فى مدينة ملكه يخرج فى سنة اليوبيل) ومثل هذه الترجمة ترجمة واطس العربية (وإن لم يخلص “يفك” ترجع إلى أصحابها فى اليوبيل) وكل هذه الترجمات تبين أن بيت اللاوى الذى كان يباع سواء بيع مرة واحدة لأحد المشترين ولم يفك، أو فك أحد الأولياء من المشترى، كان فى تلك الحالتين يبقى فى يدى المشترى الذى يئول إليه إلى سنة اليوبيل فقط. حيث يعود إلى صاحبه اللاوى.

 

(لأن بيوت اللاويين هى ملكهم فى وسط إسرائيل): إن بيوت اللاويين الكائنة فى مدنهم هى ملك أبدى لهم. فيجب أن تعود إلى أصحابها الذين باعوها لفقرهم وتبقى فى أيديهم.

(فى وسط إسرائيل): لم يكن لنسل لاوى أرض خاصة مثل باقى الأسباط لأنهم تكرسوا للكهنوت وللخدمة المقدسة ولذلك فقد أوصى الرب موسى أن يعطى كل سبط من الأسباط عددا من المدن والحقول ومسارح الغنم لسبط لاوى. كل سبط بحسب سعة أرضه. (عد 35)، وقد نفذ يشوع أمر الرب لعبده موسى فعمل قرعة على مدن الأسباط وأعطى ثمانيا وأربعين مدينة لسبط لاوى بحقولها ومسارحها (يش 21) فكانت مدن اللاويين فى وسط الاسباط لانهم اخذوا مدنهم من كل سبط.

34- وأما حقول المسارح لمدنهم فلا تباع لأنها ملك دهرى لهم.

(المسارح) بمعنى الضياع، وكانت كل مدينة يأخذها اللاويين من الأسباط تحيط بها مسارح بعرض ألف ذراع من حدود المدينة من كل جهة من الجهات الأربع. والمسارح بدورها تحيط بها حقول بعرض ألفى ذراع من كل جهة من الجهات الأربع أيضاً. والمسارح كانت تخصص لإقامة حظائر بهائم اللاويين وأغنامهم. والحقول كانوا يزرعونها.وكان لا يجوز للاويين أو يبيعوا شيئا من مسارحهم أو حقولهم لأنها ملكهم.(ملك دهرى لهم): أى ملك دائم.

أحكام بشأن معاضدة الإخوة (ع 35-38)

35- وإذا افتقر أخوك وقصرت يده عندك فأعضده غريبا أو مستوطنا فيعيش معك.

هذه الوصية تحث على مساعدة الإخوة الفقراء. وقوله (إذا افتقر أخوك) أى إذا احتاج. و (قصرت يده عندك) أى إذا عجز عن تحصيل قوته والتزامات حياته ولم يستطع أن يعيش فى سعة من العيش مثلما تعيش أنت. ولا أن يسدد ديونه التى قد يكون استدانها منك. أو يسترد الملك الذى ربما باعه لك.

(فأعضده غريبا أو مستوطنا): يعنى يجب أن تساعده سواء كان يهوديا فى الأصل أو من المتهودين المتغربين فى أرضك.

(فيعيش معك): أى فيستطيع أن يعيش فى وسط إخوته فى سعة من العيش. ولقد أوصى الرسول يعقوب بهذا الشأن قائلا: (إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومى فقال لهم أحدكم امضيا بسلام استدفئا واشبعا ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد فما المنفعة؟ هكذا الإيمان إن لم يكن له أعمال ميت فى ذاته؟ يع 15:2-17)، وعلمنا معلمنا يوحنا الحبيب أن نؤكد محبتنا لله بمحبتنا لإخوتنا وعطفنا عليهم وبذلنا لأجلهم مقتدين بفادينا الذى وضع ذاته لأجلنا حيث يقول (بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا).

فنحن ينبغى أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة. وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجا وأغلق أحشاه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه؟ يا أولادى لا نحب بالكلام بل بالعمل والحق (1يو 16:3-18).

36- لا تأخذ منه ربا ولا مرابحة بل اخش إلهك فيعيش أخوك معك.

1- لا تأخذ من أخيك الذى يستلف منك (ربا) أى فائدة. ولا (مرابحة) أى ربحا عما تسلفه له من مال أو تبيعه من الأشياء. (فيعيش أخوك معك) أى لكى يتسنى له أن يعيش مثلما تعيش. وكان الربا ممنوعا سواء كان عن المال أو الطعام أو عن أى شئ (تث 19:23). وبهذه الوصية المقدسة يريد الله منهم أن يتحاشوا الجشع والاستغلال وظلم الفقراء وأن يشفقوا على إخوتهم الفقراء ويساندوهم.

(والربا) فى الغالب يقصد به الفائدة التى تعطى عن النقود المقترضة. أما (المرابحة) فكانت فى أنواع الطعام أو المحاصيل. كان يقرض الغنى أخاه الفقير قمحا على أن يأخذ منه بدله زيتونا فى وقت السداد طمعا فى أن ذلك يكون أفيد له، أو أن يسلفه مثلا عشرة أكيال من القمح على شرط أن يسدده باثنى عشر كيلا، لأن أمثال هذه طرق للاستغلال البغيض. ونلاحظ أن المقصود بالقروض هنا ما يضطر الأخ الفقير والمحتاج إلى أخذه لأجل سد حاجته وحاجة بيته اليومية من الطعام أو الكساء أو علاج أو مسكن أو إنقاذ وإصلاح حياته المعيشية وما إلى ذلك (راجع شرح خر 25:22).

(بل اخش إلهك): أى خف الله الذى ينتقم من الظالم وينصف المظلوم.

2- كان الناموس يحذر اليهود من أن يعطوا بالربا لا إخوتهم اليهود ولا المتهودين ولكنه صرح لهم بذلك مع غير اليهود (تث 20:23). وقد كان هذا استنكار لشفاعة العبادة الوثنية وإعلانا لغضبه عليهم ورغبته فى معاقبتهم. وكذلك بالنسبة لاستعداد اليهود الناقص. وعدم نضجهم الروحى. أما فى عهد النعمة فإذ قد نضج المؤمنون روحيا أعطاهم الله شريعة الكمال التى تتمشى وتتناسب مع مركزهم الروحى الجديد فأصبح عليهم أن يعتبروا جميع الناس إخوة لهم وأعطاهم ناموسه الذهبى (فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم لأن هذا هو الناموس والأنبياء مت 12:7).

3- مما يؤسف له أن اليهود قصروا كثيرا فى حفظ هذه الوصية فغلبهم الجشع حتى كانوا يعطون إخوتهم بالربا مما جعل الله يوبخهم مرارا وتكرارا مثلما جاء فى (نح 1:5-12. أم 8:28. حز 8:18).

37- فضتك لا تعطه بالربا وطعامك لا تعط بالرابحة.

هذا تأكيد لما قاله لهم فى العدد السابق وكان عليهم كما عرفنا ألا يقرضوا الفقير بربا أو بربح عن الفضة (المال) أو عن الطعام أو عن محصولات الأرض أو عن أى شئ يمكن أن يستغلوا إخوتهم فيه (تث 19:23).

38- أنا الرب إلهكم الذى أخرجكم من أرض مصر ليعطيكم أرض كنعان فيكون لكم إلها.

لقد أحسنت إليكم وأخرجتكم من أرض مصر لكى أعطيكم الأرض التى تفيض لبنا وعسلا. وجعلتكم لي شعبا ومملكة. فيجب أن تعاملوا إخوتكم بالحسنى وتحسنوا إليهم وتشفقوا عليهم لأنكم جميعا شعبى وأنا إلهكم وكلكم متساوون أمامى. فلا تعاملوا بعضكم بعضا بجفاء ولا يقس منكم غنى على فقير ولا يميز أحدكم نفسه عن أخيه أو يظن أن هناك فرقا بينه وبين أخيه.

أحكام تتعلق بالعبيد من اليهود ومن الأجانب (ع 39- 55)

تتحدث هذه الآيات عن ثلاث حالات تتعلق بالاسترقاق والعبيد وهذه الحالات هى:

1- حالة اليهودى إذا بيع عبدا لأخيه اليهودى (ع 39- 43، 46).

2- العبيد من الشعوب الوثنية سواء أكانوا من الشعوب المجاورة أو من المستوطنين بين بنى إسرائيل (ع 44- 46).

3- حالة اليهودى إذا بيع عبدا لشخص أجنبى (ع 47 – 55).

أولا: اليهودى إذا بيع ليهودى مثله

39- وإذا افتقر أخوك عندك وبيع لك فلا تستعبده استعباد عبد.

1- كان يحدث أحيانا أن يبيع شخص نفسه كعبد لأخيه العبرانى أو يبيعه ذووه. وكان ذلك يحدث إما عن فقر أو سبب دين لا يستطيع سداده أو بسبب جريمة أو ذنب اقترفه. وفى الغالب كان هذا يجرى على أيدى الكهنة والقضاة. وفى هذه الحالة :

(أ) كان المشترى يعتبر الشخص المباع كأجير وليس كعبد.

(ب) وعليه أن يحسن معاملته ويعتبره أخا له.

(جـ) وأن يطلقه حرا بعد خدمة ست سنوات أو فى سنة اليوبيل أيهما أقرب.

2- ويتصل بهذه الأحكام حكم الابنة التى يبيعها أبوها أو ذووها بسبب الفقر.

(أ) فإن كان المشترى قد اشتراها لمجرد الخدمة كانت تطلق أيضاً بعد خدمة ست سنوات أو فى اليوبيل.

(ب) أما إذا كان المشترى قد أخذها من أبيها ليتزوج بها فكان عليه إما أن يتزوجها أو أن يزوجها لابنه أو أن يتركها لرجل عبرانى ليفكها لنفسه (أى يشتريها ليتزوج بها). وإلا فكان على المشترى أن يطلقها حرة بدون قيد أو شرط.

ونرى كل هذه الأحكام بشأن العبيد من اليهود مفصلة فى (خر 1:21-11. 3:22. تث 12:15-18).

(فلا تستعبده استعباد عبد): لا تعامله كعبد بل كأخ لك. ويجب أن يخدمك كمجرد أجير.

40- كأجير كنزيل يكون عندك. إلى سنة اليوبيل يخدم عندك.

لا يعامله كعبد بل كأجير. ويحسن معاملته كنزيل (ضيف مقيم) عنده. وكان على رب البيت أن يعطيه أجره وأكله ولا يجعله يشتغل بالسخرة. وكانت خدمة هذا الشخص ست سنوات أو إلى سنة اليوبيل أيهما أقرب كما عرفنا.

41- ثم يخرج من عندك هو وبنوه معه ويعود إلى عشيرته وإلى ملك آبائه يرجع.

تنتهى مدة خدمته لك. فتصرفه بسلام مع زوجته وأولاده. ليرجع إلى عشيرته وأسرته وإلى أرضه التى يمتلكها بين أراضى سبطه التى كانت من نصيبه على أيدى عبديه موسى ويشوع. لأنه من الواجب أن يحتفظ كل سبط بملكه. وكل بيت بانتسابه إلى سبطه.

42- لأنهم عبيدى الذين أخرجتهم من أرض مصر. لايباعون بيع العبيد.

1- إنهم شعب الله ورعيته وحده فليس لأحد أن يستعبدهم. ولذلك كانوا يشتغلون كمجرد أجرى إلى حين. وليس كعبيد يباعون. وكان الأغنياء يستأجرونهم بالديون التى عليهم ولا يشترونهم. وقد عاد الرب فذكر هذا المعنى فى العدد الأخير من الأصحاح.

2- إن عدم استعبادهم للناس. وعبوديتهم للرب لا تعنيان مجرد الحرية المادية. ولكنها تعنى بالأكثر الحرية الروحية. الحرية من الشيطان ومن الخطية ومن كل الرباطات الشريرة لأن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية (يو 34:8). ومن المؤسف أن اليهود فهموا الحرية بمعناها المادى فقط. فعندما حدثهم المسيح عن الحرية المقدسة التى يحررهم بها. أخذهم الغرور الكاذب فقالوا (نحن أولاد ابراهيم ولم نستعبد لأحد). فكشف لهم حقيقة أمرهم وعرفهم أنهم مستعبدون روحيا لابليس وقوى الشر التى كانوا واقعين تحتها وقال لهم (أتم من أب هو ابليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا يو 44:8).

3- ونحن المؤمنين كم يعزينا أن نستمع إلى صوت الرب (فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا يو 36:8). وكم يعزينا أننا قد نلنا بالفعل حريتنا بالمسيح. وما أجمل أن نحتفظ بهذه الحرية فلا نرتبك أيضاً بنير عبودية (غل 1:5). نعيش فى حرية مجد أولاد الله (رو 21:8) ولا نعود فنستعبد أنفسنا من جديد لخطايا أو لهوى نفوسنا أو لشهوات أجسادنا أو لأى عامل من العوامل التى تفسد علينا الحرية المقدسة التى إليها دعينا (فإنكم إنما دعيتم للحرية أيها الإخوة غير أنه لا تصيروا الحرية فرصة للجسد غل 13:5).

43- لا تتسلط عليه بعنف. بل اخش إلهك.

لا يجب أن يعامل الأغنياء إخوتهم الذين اضطروا إلى خدمتهم بقسوة أو شدة. بل يعاملهم كإخوة مساوين لهم. ومن أمثلة أعمال العنف التى يجب ألا يكلفوهم بها تثقيل الشغل عليهم. وتكليفهم بالأعمال الوضيعة مثل المشى وراء سادتهم سواء أكان السادة راجلين أو راكبين وحل سيور أحذيتهم وما إلى ذلك.(بل اخش إلهك) أى اتق الله فى معاملتك لأجيرك. وخف غضبه وانتقامه لأنه يغار على شعبه وينصفهم من ظالمهم وممن يعاملونهم بعنف.

ثانيا: العبيد من الشعوب الوثنية مع بعض أمور تتعلق بالرق

44- وأما عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم. منهم تقتنون عبيدا وإماء.

1- صرح لهم فى هذا العدد وفى العددين التاليين أن يتخذوا لأنفسهم عبيدا وإماء من الشعوب الوثنية. سواء من الشعوب الذين حولهم أى الذين يعيشون فى أماكن أخرى غير أراضى إسرائيل. أو من المستوطنين معهم فى أرضهم. وقوله (الذين يكونون لك). و(منهم تقتنون) يعنى أنهم يملكونهم ملكا قانونيا. وكان لهم أن يقتنوا عبيدهم وإماءهم من أى شعب فيما عدا الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليهوسيين لأن الرب حرمها وأمر بإبادتها بالنسبة لتوغلها فى الخطية وخطورة معاشرتها أو التعامل معها (تث 16:20).

2- ونلاحظ أن الله لم يأمر بالرق والاسترقاق. وإنما سمح فى الحالات التى كانا فيها قائمين. والله فى سماحه لشعبه أن يتخذوا عبيدا وإماء من الشعوب الوثنية البعيدة عنه يقصد بحكمته أن يعطى البشرية بعض الدروس الروحية النافعة لأنه تعالى فى حديثه عن الأمور الجسدية والمادية كثيرا ما يقصد أن يلفت أنظارهم إلى الأمور الروحية التى تشير إليها وتوضحها. وقد تمشى تعالى فى ذلك مع استعداد البشر ونضجهم الروحيين. ولعل من الدروس الروحية والتدبيرات الإلهية فى ذلك:

(أ) أن يكون هذا استنكار لعبادة الأصنام والبعد عن الله وعمل الشر. لأن حديث الوحى عن العبودية والاستعباد. وعن الحرية والسيادة أيضاً كثيرا ما يقترن بمسالك الناس السيئة والحسنة. بأعمالهم وحالاتهم الروحية. فعندما أخطأ حام بن نوح مثلا لعن نوح حفيده كنعان وتنبأ عنه بقوله (عبد العبيد يكون لإخوته.. مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبدا لهم تك 25:9، 26). وفى إنباء الرب لرفقة بمولد عيسو ويعقوب وهو يعلم بعلمه الإلهى السابق ما يكون عليه الأول من شر وما يكون عليه الأخير من الخير قال لها (فى بطنك أمتان ومن أحشائك يفترق شعبان. شعب يقوى على شعب وكبير يستعبد لصغير تك 23:25). وفى بركة اسحق لابنه يعقوب قال: (كن سيدا لإخوتك وليسجد لك بنو أمك تك 29:27). وقد جاء مثل هذا فى قول أشعياء تمييزا لشعب الله فى العهدين عن الأمم التى تحيد عن الإيمان: (ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم أما أنتم فتدعون كهنة الرب تسمون خدام إلهنا. اش 5:61، 6) وفى قول القديس يوحنا الرائى (ومن يغلب ويحفظ أعمالى إلى النهاية فسأعطيه سلطانا على الأمم…… رؤ 26:2).

والرب بالتالى أراد أن يحبب أولاده فى حياة الإيمان والبر لأنها تشير إلى السيادة والحرية. وفى نفس الوقت أراد أن ينفرهم وينفر الأشرار من الحياة الشريرة لأنها تشير إلى العبودية والذلة.

(ب) والكتاب فى قوله عن شعبه فى (ع 42) (لأنهم عبيدى الذين أخرجتهم من أرض مصر لا يباعون بيع العبيد) وفى (ع 55) (لأن بنى إسرائيل لي عبيد…..) يعنى أنه اقتناهم لنفسه لأنهم آمنوا به وقبلوه إلها وسيدا وسلموا أنفسهم له. كما يعنى فى نفس الوقت أن الشعوب البعيدة قد باعت نفسها للشيطان وصارت عبيدا له باختيارها فيكون من الأولى والأهون جدا أن تباع للناس كعبيد. أما أولاده فلا يستعبدهم أحد لأنهم تحت حكم الله ذاته رأسا. وحتى إن استعبدهم أحد بالوضع الجسدى فإنهم أحرار روحيا.

(جـ) وبناء عليه فإن الوحى يبين بأن الرق لا يكون حيث يكون الإيمان. ومن وراء هذا الوضع المادى تكون الشعوب الوثنية والإنسان البعيد عن الله واقعين تحت نير الشيطان والخطية وعبيدا لهما. إذ أن من يعمل الخطية هو عبد للخطية. كما مر بنا. بينما أولاد  الله أحرار. والله بهذا يبين عن طريق الأوضاع الحسية الفرق العظيم بين الشعب الذى يعبده ويحبه وبين الشعوب التى سلمت نفسها للشيطان لكى يقفوا على الفرق بين الخير والشر. وقد سبق وأعلن هذا مرارا حينما دعا نوحا ليصنع فلكا يخلص به من الطوفان حيث قال له (إياك رأيت بارا لدى تك 1:7)، ووعد بأن يعفوا عن سدوم لأجل خاطر عشرة من الأبرار إذا وجدوا فيها (تك 32:18). وفى معاملاته مع فرعون وشعبه حيث كان يضربهم بضربات متنوعة قال له (وأجعل فرقا بين شعبى وشعبك خر 23:8). وحتى فى معاملاته مع شعبه كان يهددهم أحيانا بأن يسلمهم إلى أيدى أعدائهم ليتخذوهم أسرى وعبيدا إذا أصروا على خطاياهم وبعدهم عنه (لا 26) وقد تم هذا بالفعل مرارا كثيرة. وقد رثاهم إرميا بقوله (كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب. كيف صارت كأرملة العظيمة فى الأمم. السيدة فى البلدان صارت تحت الجزية؟…. مر 1:1) وكان الرب يعاملهم هكذا لكى يتأكدوا أن (البر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الخطية أم 34:14).

(د) والله بإيضاحه لوضعهم الممتاز عن الأمم أراد أن يحثهم على الاحتفاظ بمركزهم الروحى الممتاز لأنه أراد بحكمته أن يحتفظ هذا الشعب بنقاوته. ويتحاشى التشبه بشعوب الأرض حتى يعدهم إعدادا كاملا لقبول أنبيائه وكلمته المقدسة. وبالتالى لقبول المسيح المبارك ابن الله الحى الذى يرد جميع شعوب الأرض إلى معرفة الله وإلى طريقه. ويخلص العالم كله من خطاياه.

(هـ) ولعل فى تصريح الله لشعبه أيضاً بأن يأخذوا عبيدا من الشعوب تحقيقا لوعده لسام فى أيام نوح كما ذكرنا. وتحقيقا لنبوة اسحق فى بركته لابنه يعقوب حيث قال (ليستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل. كن سيدا لإخوتك وليسجد لك بنو أمك تك 29:27).

(و) ولا شك فى أن هذه إشارة روحية إلى رب المجد يسوع المسيح الذى جاء من نسل ابراهيم واسحق ويعقوب لتتبارك جميع أمم الأرض (تك 18:22). والذى تنبأ داود عن سيادته وسلطانه حيث قال (إنى أخبر من جهة قضاة الرب. قال لي أنت ابنى أنا اليوم ولدتك إسالنى فأعطيك الأمم ميراثا لك وأقاصى الأرض ملكا لك. مز 7:2، 8) وقال الملاك عن ملكه الروحى العظيم (ويعطيه الرب الإله كرسى داود ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية لو 32:1، 33)، لأنه هو السيد على كل الخلائق الذى تتعبد له الشعوب والكائنات ويسلمه المؤمنون حياتهم وعنه يقول الوحى الإلهى: (لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض في10:2). وإعلان السلطان المادى الذى لشعب الله على أهل العالم. يرمز إلى السلطان الروحى الذى لابن الله. والذى أعطاه الله لشعبه منذ القدم وأعطاه بصورة أوضح فى العهد الجديد لكنيسته وأولاده. لينتصروا على كل قوات الشر. وعلى كل أبواب الجحيم (مت 18:16) لأنهم أعطوا السلطان ليدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو (لو 19:10).

ومن المناسب أن نستعرض هنا بعض الأمور المتعلقة بالرق:

أولا- الرق كمبدأ قديم:

كان إتخاذ العبيد والإماء أمرا طبيعيا منذ القدم. كان أساسا للأيدى العاملة فى الزراعة والرعى والحروب كما نرى ذلك فى استخدام أبينا ابراهيم عبيده فى حربه ضد الملوك (تك 14:14). وقبل الناموس وعبر عصور مختلفة كان الأغنياء يقتنون أعدادا وفيرة من العبيد والإماء ونرى أمثلة لهؤلاء أيوب وابراهيم واسحق ويعقوب ولابان وغيرهم. وكان اقتناؤهم مفيدا ليس للسادة أنفسهم فقط. بل وللعبيد أيضاً لأنهم كانوا يعملون تحت سيادة ذويهم فيحصلون على قوتهم وأمور معيشتهم وأمور معيشة أولادهم ويعيشون عيشة راضية.

وفى الغالب كان العبيد يعاملون معاملة حسنة خصوصا إذا كان سادتهم من الأتقياء. وكان العبيد والإماء أحيانا يعتبرون من أفراد الأسرة التى يخدمونها. والعبد الأمين كان يقيمه سيده أحيانا وكيلا على ماله فقد إئتمن ابراهيم عبده العازر الدمشقى حتى على اختيار زوجة لابنه اسحق (تك 1:24 -3) وإئتمن فوطيفار يوسف على بيته (تك 6:39). وكان العبد أحيانا يأخذ منزلة الابن. فيرث سيده إذا لم يكن له أولاد. ولقد توقع ابراهيم قبل أن يكون له أولاد أن يكون وارث بيته هو لعازر الدمشقى أيضاً (تك 2:15،3). وقد رأينا المنزلة العظيمة التى كانت لدبورة جارية رفقة ومكانتها فى الأسرة. وحتى لما ماتت بكوا عليها كثيرا ودفنوها تحت شجرة بلوط ودعوا اسم الشجرة (الون باكوت) أى بلوطة البكاء (تك 8:35).

على أن شعوبا وأفرادا كثيرين تصرفوا تصرفا سيئا فى استرقاق العبيد فعاملوهم معاملة سيئة جدا كأنهم ليسوا بشرا مثلهم لهم مشاعرهم وإنسانيتهم. والبعض كان يبيع العبيد والإماء كما تباع الحيوانات. وكان البعض يسرقون الناس أو يخطفونهم ليبيعوهم عبيدا.

ثانيا- الرق فى عهد الناموس:

وإن كان الرب قد سمح لشعبه أن يقتنى عبيدا وإماء من الشعوب الغريبة إذا أراد، وكانوا يقتنونهم إما بالوراثة أو بشرائهم. أو بأخذهم أسرى فى الحرب. ومع ذلك فإنه توجد نصوص إلهية كثيرة فى كتب العهد القديم حركت قلوب بنى إسرائيل ليعطفوا على عبيدهم ويعاملوهم معاملة حسنة. فالوحى الإلهى علم الإنسان قيمة النفس البشرية ومكانتها فى نظر الله لأن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله (تك 26:1، 27)، وقد جعل الله مسرته ولذته مع بنى آدم (أم 31:8). وفى نصوص كثيرة أمرهم الرب بأن يعطفوا على الغرباء والنزلاء بينهم فبالأولى العبيد الذين يعيشون تحت سقوف منازلهم. وكان يذكرهم دائما بمرارة عبوديتهم فى أرض مصر. ومن أمثال هذه النصوص قوله (من سرق إنسانا وباعه أو وجد فى يده يقتل قتلا خر 16:22) وقوله (وإذا نزل عندك غريب فى أرضكم فلا تظلموه. كالوطنى منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم وتحبه كنفسك لأنكم كنتم غرباء فى أرض مصر. أنا الرب إلهكم. لا 33:19، 34). ومثل هذا قوله (ولا تضايق الغريب فإنكم عارفون نفس الغريب لأنكم كنتم غرباء فى أرض مصر خر 9:23). وقد أمرت الشريعة أنه إذا ضرب إنسان عبده أو أمته فمات يعاقب الضارب على جنايته. وإذا أحدث فيه ضررا جسديا كأن يسقط له سنا أو يخلع له عينا مثلا كان عليه أن يطلقه حرا (خر 20:21. ذ 2، 27)، وفى شريعة تقديس اليوم السابع والسنة السابعة واليويبل نرى الوحى يحرص على أن تكون هذه المواسم للعطلة راحة لهم ولعبيدهم وإماءهم وحتى لحيواناتهم.

كل هذه النصوص الإلهية وغيرها جعلت اليهود يعملون على أن يعاملوا الأجانب والغرباء الذين بينهم والعبيد الذين يملكونهم معاملة حسنة. متذكرين مرارة العبودية التى قاسوها من فرعون فى مصر ومراحم الله التى أنقذتهم منها. وقد حرص علماء اليهود على أن يعلموا الشعب أن يعاملوا عبيدهم بالرفق والحكمة ولا يغلظوا عليهم. وكان لهم أن يستخدموهم فى الأعمال العادية فقط وليس لهم بأى حال أن يؤذوهم أو يجبروهم على فعل الخطية أو عمل فيه عار.

ثالثا – المسيحية والرق :

أما فى المسيحية فقد أظهر الوحى الإلهى بوضوح أكبر. قيمة النفس البشرية من أى شعب ومن أى جنس فى نظر الله. فالمثل الذى ضربه المسيح عن السامرى الصالح الذى أحسن إلى إنسان يهودى فى الوقت الذى كان فيه اليهود أعداء للسامريين، علمهم من هو قريب الإنسان (لو 29:10-37)، وتعليم المسيحية يؤكد بأن ابن الله الوحيد نزل من السماء لأجل فداء البشر جميعا دون تمييز بين شعب وشعب (لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديه يو 16:3)، ولكى يشجع الرب تلاميذه سمعان بطرس على دعوة الأمم إلى الإيمان أراه فى رؤيا ملاءة نازلة من السماء وبها جميع أنواع الطيور والدبابات الطاهرة والنجسة وأمره أن يقوم ويذبح ويأكل ولما استنكف من أن يأكل شئ نجسا قال له الرب: (ما طهره الله لا تدنسه أنت)، وكان قصد الله من ذلك أن جميع الشعوب مقبولة فى مراحم الله ومحبته. وعندما جاء رسل من قبل كرنيليوس الأممى أمره الرب أن يلبى طلبهم ويذهب معهم. فذهب وكان حديثه إليهم: (أما أنا فقد أرانى الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس)، وبشرهم بكلمة الحق وكانوا باكورة الذين دخلوا الإيمان من الشعوب على أيادى الرسل الأطهار (أع 10،11).

وتعلم المسيحية أيضاً أن الله قد صنع من دم واحد كل أمة الناس يسكنون على كل وجه الأرض (أع 6:17)، وشريعة المسيح الذهبية التى تقول (كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم مت 12:7).كل هذه وغيرها كشفت أمام البشرية الصورة الحقيقية للنفس واهتمام الله بكل إنسان. وقد علمت المسيحية أن فى المسيح يسوع لا فرق بين يهودى ويونانى أو بين عبدا وحر…. لأن الجميع واحد فى المسيح يسوع (غل 28:3. كو 11:3).

وقد أعلن الرسل هذه المساواة العجيبة فى نظر الله بين السيد والمسود فقال (دعيت وأنت عبد فلا يهملك. بل وإن استطعت أن تصير حرا فاستعملها بالحرى. لأن من دعى فى الرب وهو عبد فهو عتيق الرب كذلك أيضاً الحر المدعو هو عبد للمسيح….1كو 21:7،22)، وقد أوصى الكتاب مرارا أن تكون العلاقة بين السادة والعبيد علاقة حب وإخلاص كاملين، علاقة مبنية على التقوى ومخافة الرب. لأن الجميع سيأخذون عن أعمالهم، سادة كانوا أم عبيدا. فالرسول يقول مثلا (أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة فى بساطة قلوبكم كما للمسيح. لا بخدمة العين كمن يرضى الناس بل كما للرب ليس للناس. عالمين أن مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبدا كان أم حرا. وأنتم أيها السادة افعلوا لهم هذه الأمور تاركين التهديد عالمين أن سيدكم أنتم أيضاً فى السموات وليس عنده محاباة أف 5:6-9)، ويقول فى موضع آخر (أيها العبيد أطيعوا فى كل شئ سادتكم حسب الجسد لا بخدمة العين كمن يرضى الناس بل ببساطة القلب خائفين الرب. وكل ما فعلتم فافعلوا من القلب كما للرب ليس للناس عالمين أنكم من الرب ستأخذون جزاء الميراث لأنكم تخدمون الرب المسيح وأما الظالم فسينال ما ظلم به وليس محاباة. أيها السادة قدموا للعبيد العدل والمساوة عالمين أن لكم أنتم أيضاً سيدا فى السموات كو 22:3- 25،1:4). وفى رسالته إلى فليمون التى يطلب فيها من أجل عبده انسميس الذى أبقى (هرب) منه وعليه له دين. نرى عواطف المحبة والحنو التى يجب أن تكون بين السيد والمسود حيث يقول: (أطلب إليك لأجل ابنى انسيموس الذى ولدتة فى قيودى) ويطلب إليه أن يعتبره (لا كعبد فيما بعد بل أفضل من عبد أخا محبوبا ولا سيما إلى فكم بالحرى إليكم فى الجسد والرب جميعا. فإن كنت تحسبنى شريكا فاقبله نظيرى…. فل 10-17).

وتعاليم المسيحية السامية عن حياة الإيمان سمت بحياة الإنسان مهما كانت مراكزه سموا عظيما. فالمؤمنون دعوا أولاد الله. وقد تحرروا من كل رباطات ابليس وهم بذلك أحرار. والكتاب يقول (وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنين باسمه يو 12:1)، والله نفسه فى المسيحية لا يسمى أبنائه عبيدا بل إخوة وأحباء فقد قال المسيح (لا أعود أسميكم عبيدا لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده لكنى قد سميتكم أحباء يو15:15)، ويقول أيضاً (فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا يو 36:8)، وفى هذا المعنى يقول الرسول (لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبنى الذى به نصرخ يا أبا الآب. الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنا أولادا فإننا ورثة أيضاً ورثة الله ووارثون مع المسيح رو 14:8-17). بل والكتاب يوضح إننا جميعا أعضاء فى جسد المسيح الواحد (1كو 15:6. أف 30:5)، وشركاء الطبيعة الإلهية (2بط 4:1) بل هيكل الله وروح الله يسكن فينا (1كو 16:3).

ومن أعظم التعاليم التى سمت بمعنى العبودية والاستعباد أن الله الكلمة نفسه قبل باختياره أن يكون عبدا ليتمم الخلاص للبشر. وقد دعاه الآب فى سفر أشعياء هكذا بقوله (هوذا عبدى الذى أعضده مختارى الذى سرت به نفسى أش 1:42)، وبقوله أيضاً (هوذا عبدى يعقل يتعالى ويرتقى ويتسامى جدا أش 13:52)، وشبه ذاته بالعبد المطيع المحب الذى كان يقدم نفسه إلى سيده ليثقب أذنه علامة على استعداده على البقاء فى خدمة سيده على الدوام (خر 2:21-6). وفى هذا تقول النبوة (السيد الرب فتح لي أذناه وأنا لم أعاند أش 5:50) ويقول المرنم (بذبيحة وتقدمة لم تسر. أذنى فتحت. محرقة وذبيحة خطية لم تطلب……مز 6:40)، وقد أعلن الروح القدس أن هذه النصوص الإلهية نبوات عن المسيح الذى بذل ذاته لأجل حياة العالم (عب 5:10). بل والوحى يقول عنه (الذى إذا كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله لأنه أخلى نفسه أخذ صورة عبد صائرا فى شبه الناس وإذا وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب فى 6:2- 8).

ومن العجيب أن المسيح الله الكلمة المتأنس فى جعله نفسه باختياره عبدا أمام عدالة الله ليصحح وضع آدم العبد الأول ويعيده وذريته إلى رتبته الأولى. سر بأن يقوم بدور العبد ليخدم تابعيه. وقد قال فى هذا (ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين مت28:20). وقال أيضاً لتلاميذه (لأن من هو أكبر الذى يتكىء أم الذى يخدم. أليس الذى يتكىء؟ ولكنى أنا بينكم كالذى يخدم (لو27:22).

واقتداء بالمسيح المبارك اعتبر الرسل أنفسهم عبيدا للرب. فبولس دعا نفسه عبد الله.عبدا ليسوع (تى 1:1)، وقد قال عن نفسه وعن تلميذه تيموثاوس (بولس وتيموثاوس عبدا يسوع المسيح فى 1:1)، ودعا ابفراس (العبد الحبيب كو 7:1). ودعا تيخكس (الأخ الحبيب والخادم الأمين والعبد معنا فى الرب 7:4) وهكذا.ولم يدعوا أنفسهم عبيدا لله فقط. بل وللناس أيضاً لأنهم مستعدون دائما لخدمتهم وتقريبهم إلى الرب وقد قال الرسول فى هذا: (فإننا لسنا نكرز بأنفسنا بل بالمسيح يسوع ربا ولكن بأنفسنا عبيدا لكم من أجل يسوع 2كو 5:4). ويقول أيضاً (فإنى إذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسى للجميع لأربح الأكثرين 1ك 19:9).

ومع استعبادهم للناس الذى يعنى خدمتهم النقية المضحية الباذلة. ورفقهم بجميع النفوس ومعالجتها بالمحبة والحنان، واحتمال ضعفاتها، وحتى شذوذها والمتاعب التى تأتيهم منها أو بسببها، والذى يحث به المؤمنين أن يتمثلوا به وبالمسيح نفسه، على أن يتفانوا فى خدمة جميع الناس معتبرين أنفسهم عبيدا للجميع. ومعتبرين الجميع إخوة لهم. مع هذا يأمر المؤمنين بمعنى آخر فى نفس الوقت (ألا يستعبدوا أنفسهم للبشر)، بمعنى ألا يخضعوا لمشورة الناس الشريرة وأهوائهم المنحرفة وطرقهم الردية التى قد تبعدهم عن الله أو عن الإيمان أو عن الكمال المسيحى. وفى هذا يقول (فلا تصيروا عبيدا للناس 1كو 23:7)، وذلك لأن المؤمن يربأ بنفسه عن الخضوع لمشيئة الإنسان الردية حتى إن كان هذا الإنسان سيدا له بالجسد.وقد علمت المسيحية أن الناموس قد وضع لمعاقبة وإدانة أشر الناس ومن بينهم (سارقو الناس 1تى 10:1) موضحة بذلك أن سرقة الأشخاص لبيعهم أو لاستعبادهم أو لأخذهم رهائن أو لأى غرض آخر خطية من أشنع الخطايا.

هذه التعاليم وأمثالها فى المسيحية. التى تساوى بين السادة والعبيد فى نظر الله وفى نظر المجتمع من ناحية الإيمان والميراث السماوى. والنعم المفاضة عليهم من الله إذ هم جميعا أبناء لله وأعضاء فى جسده وشركاء فى طبيعته الإلهية سادتهم ويخدموهم بخدمة العين بل كما يخدمون الرب بضمير صالح ومخافة الله. وفى نفس الوقت تطلب من السيد أن يعتبر عبده أخا محبوبا وشريكا له فى جميع النعم والبركات السمائية. التعاليم التى تقول إن الله فى تجسده العجيب أخذ صورة العبد وقام بدور الخادم للجميع. وإن رسله استعبدوا أنفسهم للناس لحبهم فيهم لكى يخدموهم ويبذلوا ذواتهم لأجلهم… هذه التعاليم وأمثالها رفعت من معنويات العبيد وغيرت مفهوم الرق والاستعباد. وأظهرت الصورة الحقيقية للنفس البشرية الغالية والثمينة فى نظر الله وعلى ضوء الكتاب المقدس… كل هذه جعلت قادة الفكر والحكام فى العالم المسيحى. بل وفى العالم كله. ينظرون إلى الإنسان – مهما كانت جنسيته أو طبقته – نظرة تقدير واحترام ويفكرون جديا فى إبطال تجارة الرقيق. ويعملون جادين على تحقيق هذا الأمر. وفعلا نادى الرأى العام أثناء الثورة الفرنسية. وفى أمريكا بتحرير العبيد والقضاء على المتاجرة فيهم. ونجحت الشعوب المسيحية فى سعيها. واقتدت بها شعوب العالم. لأنه أمام تعاليم المسيحية العظيمة. لم يعد مجال لأن يتاجر الإنسان فى أخيه الإنسان.

45- وأيضاً من أبناء المستوطنين النازلين عندكم منهم تقتنون ومن عشائرهم الذين عندكم الذين يلدونهم فى أرضكم فيكونون ملكا لكم.

كان لهم أن يتخذوا عبيدا وإماء من الشعوب الوثنية سواء كانوا مستوطنين فى وسطهم أو يعيشون فى أراض خلاف أرضهم كما مر ذلك فى شرح العدد السابق. وسواء ممن دخلوا أرضهم من الخارج أو ممن ولدوا من آبائهم بعد دخولهم الأرض.

46- وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم ميراث ملك. تستعبدونهم إلى الدهر. وأما إخوتكم بنو إسرائيل فلا يتسلط إنسان على أخيه بعنف.

(وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم): أى يورثونهم إياهم كما يورث أى ميراث مادى.

(تستعبدونهم إلى الدهر): أى يكونون لكم عبيدا ولا يخرجون فى السنة السابعة أو فى اليوبيل.

(وأما إخوتكم بنو إسرائيل فلا يتسلط إنسان على أخيه بعنف): لأنهم كانوا يعتبرون أجراء وليسوا عبيدا. وقد شرح هذا النص فى تفسير (ع 39- 43).

ومن هذه النصوص نرى:

1- أن الإسرائيلى لم يكن له أن يستعبد أخاه اليهودى.

2- أن المتهودين كانوا يعاملون معاملة اليهود. ويشتركون معهم فى الممارسات والامتيازات المقدسة مثل الأكل من الفصح.

3- والمستوطنون مع اليهود الذين كانوا لا يقبلون الإيمان اليهودى كان يجوز للإسرائيليين أن يتخذوا منهم عبيدا وإماء. وكان اليهود يعلمون هؤلاء النزلاء عندهم أن يحفظو الوصايا التى أعطيت لأبينا نوح قبل زمن الناموس مثل عدم أكل الدم وعدم قتل الإنسان، وأن يذكروا ميثاق الله مع عبده نوح (تك 1:9- 17).

ثالثا : اليهودى إذا بيع عبدا لغريب

فى الأعداد من (47- 55) تعاليم بخصوص الإسرائيلى إذا بيع لشخص غريب من الشعوب المستوطنة بينهم. وكان يجب أن يفكه واحد من إخوته أو أقاربه فى أقرب وقت ممكن لأن الإسرائيليين عبيد الرب ولا يجب أن يستعبدهم إنسان. وإذا لم يستطع هذا الشخص أن يفك نفسه أو يفكه آخر. كان يطلق حرا فى اليوبيل.

47- وإذا طالت يد غريب أو نزيل عندك وافتقر أخوك عنده وبيع للغريب المستوطن عندك أو لنسل عشيرة الغريب.

(إذا طالت يد غريب عندك): أى إذا اغتنى أجنبى من المستوطنين بين شعب إسرائيل. (وافتقر أخوك عنده) أو (معه) أى إذا افتقر يهودى فى شركة تجارية أو بسبب الدين أو فى معاملة ما مع هذا الأجنبى. (وبيع للغريب المستوطن عندك) أى اضطر لأن يبيع نفسه عبدا للشخص الأجنبى. أو (لنسل عشيرة الغريب) أو لأى شخص من نسل هذا الإنسان الغريب.

48- فبعد بيعه يكون له فكاك. يفكه واحد من إخوته.

49- أو يفكه عمه أو ابن عمه أو يفكه واحد من أقرباء جسده من عشيرته أو إذا نالت يده يفك نفسه.

1- كان يجب أن يفك (بعد بيعه) أى بأقصى سرعة. إما أن يفكه أحد إخوته وهم أقرب الناس إليه. أو عمه لأنه بمنزلة أبيه. أو ابن عمه وهو بمنزلة أخيه. أو أى شخص من أقاربه الجسديين ومن عشيرته. أو يفك هو نفسه (إذا نالت يده) يعنى إذا تيسرت أموره المالية واستطاع أن يدفع الثمن عن نفسه.

2- وكان اليهود الذين يستعبدون لأجنبى يخدمونهم بلياقة واحترام. وفى حالة الفكاك كانوا يدفعون الثمن المناسب ولا يغبنون (يظلمون) الغريب. وفى الغالب كان اليهودى لا يبيع نفسه لغريب إلا على شرط إمكان فكاكه حتى لا يرفض المشترى الغريب أن يطلقه من خدمته. وربما كانوا أحيانا يدفعون لفكهم مبالغ كبيرة من المال فى حالة رفض الأجنبى إطلاق عبده اليهودى. وربما كانت هناك قوانين داخلية تلزم الأجانب بعدم التمسك بعبيدهم من اليهود متى أمكن فكهم.

50- فيحاسب شاريه من سنة بيعه له إلى سنة اليوبيل ويكون ثمن بيعه حسب عدد السنين. كأيام أجير يكون عنده.

كان سيد العبد وهو الأجنبى الذى اشترى اليهودى عبدا. يحاسب من سنة بيعه، أى من السنة التى يبيع فيها العبد إلى ذويه بالفكاك إلى سنة اليوبيل التى كان مفروضا أن يبقى فيها العبد فى خدمة سيده إذا لم يفك قبلها. وعلى حسب السنين الباقية إلى اليوبيل يأخذ ثمنا للعبد وقوله (ثمن بيعه) يؤكد أن المال الذى يأخذه لا يعتبر ثمنا لشخص العبد لأن شعب الله لا يباعون كعبيد. وإنما هو فى الحقيقة نظير قبوله فكه قبل سنة اليوبيل. وتعويض له عن خدمته خلال المدة الباقية.

(كأيام أجير يكون عنده): كان يعمل عنده كأجير وليس كعبد (ع 40)، وعند إطلاقه حرا بالفكاك كان الثمن الذى يتقاضاه كتعويض عن السنين الباقية حتى سنة اليوبيل بحسب الأجر المتداول للأجير العادى وقتئذ.

51- إن بقى كثير من السنين فعلى قدرها يرد فكاكه من ثمن شرائه.

52- وإن بقى قليل من السنين إلى سنة اليوبيل يحسب له وعلى قدر سنيه يرد فكاكه.

إن بقى كثير أو قليل من السنين على سنة اليوبيل. كان يجب على اليهودى الذى يفك نفسه من العبودية أو على قريبه الذى فكه أن يحاسب صاحبه الغريب بحسب السنين الباقية. ومع أن هذا الغريب وثنى فإن الشريعة المقدسة ألزمت اليهود أن يعطوه حقه دون أن يغبنوه أو يظلموه أو يستقطعوا منه ربا.

(يرد فكاكه): أى يدفع الشخص المباع أو قريبه قيمة الفكاك للأجنبى صاحب الحق.

53- كأجير من سنة إلى سنة يكون عنده. لا يتسلط عليه بعنف أمام عينيك.

(وكأجير من سنة إلى سنة يكون عنده): أى يجب أن يعامله معاملة الأجير وليس كالعبيد.

(لا يتسلط عليه بعنف أمام عينيك): لا تسمح للغريب أن يتسلط على أخيك بعنف فيسئ معاملته أو يقسو عليه فى العمل. وربما كان الغريب يشترى الشخص اليهودى بهذه الشروط. وكان على اليهود أن يبذلوا جهدهم فى متابعة مدى معاملة الغريب لأخيهم اليهودى بالرفق. وفى إقناعه بالحكمة واللياقة لتحسين معاملته معه إذا حاول أن يسئ معاملته.

54- وإن لم يفك بهؤلاء يخرج فى سنة اليوبيل هو وبنوه معه.

إذا لم يستطع أن يفك نفسه أو أن يفكه واحد من (هؤلاء) أى من إخوته أو أقاربه (ع48،49) كان على شاريه أن يطلقه فى سنة اليوبيل. مع زوجته وبنيه وبناته.

55- لأن بنى إسرائيل لي عبيد. هم عبيدى الذين أخرجتهم من أرض مصر. أنا الرب إلهكم.

إن بنى إسرائيل هم عبيدى لأنهم شعبى الذى يعبدنى. وقد رعيتهم وأخرجتهم من أرض مصر حيث كانوا مستعبدين لفرعون. لأسكنهم أحرارا فى الأرض التى اخترتها لهم. فلا يجب أن يستعبدهم إنسان.

(أنا الرب إلهكم):

1- أغار عليكم ولا أسمح لأحد أن يشتريكم أو يبيعكم كعبيد. ولا أن يستعبدكم.

2- ما أعظم الفرق بين الإنسان الذى يتعبد لله ويكرس له ذاته وحياته. وبين الإنسان الذى يبيع نفسه للشيطان وللعالم وللخطية. فالأول نفسه ثمينة وغالية فى نظره وفى نظر الله وحتى فى نظر العالم. لأنه ينتسب لله وحده إذ هو عبد لله بل ابن لله. بينما الثانى ترخص قيمته فى نظر الله وفى نظر خلائقه وحتى فى نظر نفسه. ولذلك يسمح الله بأن مثل هذا الإنسان الذى لا يعرف قدر نفسه أن يباع ويشترى للبشر كالعبيد لأن نفسه لم تكن ثمينة عليه بل سبق وباع نفسه لأعدائه الروحيين.

تأمــــلات

 

أولا : بعض النواحى الروحية المتعلقة بالسنة السابعة وباليوبيل

هناك نواح روحية تتعلق بكل من السنة السابعة واليوبيل نذكر منها :

1- أن شريعة حفظهما تدرب الشعب على حفظ وصايا الرب. وتقديس مواسمه. وتكريس السبوت المقدسة سواء أكانت السبوت الأسبوعية أو السنوية أو الطويلة المدى كاليوبيل وكلها مرتبة لخدمة الرب والتأمل فى أعماله ولراحتهم.

2- كان الشعب لا يزرع الأرض فى السنة السابعة ومع ذلك فكان محصول السنة السادسة يكفيهم ليأكلوا منه فى عامهم السابع. بل ويفيض منهم حتى يأكلوا منه إلى أن ينضج غلة العام الثامن. كذلك الحال فى سنة اليوبيل حيث كانت الأرض تعطل عن الزراعة فى السنة التاسعة والأربعين لأنها سنة سابعة. وفى السنة الخمسين لأنها سنة اليوبيل. وكانوا لايزرعون منها إلا فى السنة التالية لليوبيل وهى السنة الحادية والخمسون. وإلى أن يتم نضج غلات هذه السنة كانوا يأكلون ويشبعون من غلات السنة الثامنة والأربعين لأنها كانت السنة السادسة… ألا يعمل كل هذا على تقوية إيمانهم واتكالهم على الرب؟ ألا يذكرهم بصدق مواعيده. ووفرة بركته؟ حقا (إن بركة الرب تغنى ولا يزيد معها تعبا أم 22:10). ولا شك فى أن السنتين المباركتين كانتا تعيدان إلى أذهان الشعب ذكرى بركة الرب فى المن فى البرية حيث كانوا يجمعونه فى ستة أيام ولا يجمعونه فى يوم السبت، وهكذا يبارك الرب لعبيده فى خيراتهم وأعمالهم وأرزاقهم مكافأة لإيمانهم وطاعتهم واتكالهم عليه.

3- تركت شريعة السنة السابعة وشريعة اليوبيل للعالم مبادئ إنسانية واجتماعية مباركة وسامية. فقد كان أصحاب الأرض يأكلون من ثمار الأرض وغلاتها كما رأينا. ويتركون الفقراء والمساكين ليشتركوا معهم فى الأكل منها. بل كانت الوحوش والحيوانات تأكل منها أيضاً. وكانت فترة لراحة العبيد والإماء والمواشى. وفى اليوبيل كان العبيد والإماء يعتقون. والأراضى والبيوت المباعة أو المرهونة ترجع إلى أصحابها. والديون تترك… كل هذا كان أساسا:

(أ) لعدم الجشع أو التفكير فى التضخم سواء فى امتلاك أراضى الغير أو المال.

(ب) وأساسا لاشتراكية من أسمى أنواع الاشتراكية وأرفعها وأرقاها.

(جـ) وبالجملة كان أساسا لمحبة الآخرين. بل لمحبة الخلائق كلها. والتفكير فى أمر الفقراء والمتضايقين وإسعاد الناس والحيوانات والقضاء على الأنانية وحب الذات كما يقول الوحى فى العهد الجديد (لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضاً في 4:2).

4- فضلا على هذا فإن ترك الديون ورد الأراضى والبيوت إلى ذويها كان عاملا على ضمان مستقبل افضل للأجيال القادمة من الأبناء والأحفاد ليعيشوا فى الرخاء وفى سعة من الرزق. ويحيوا فى الاطمئنان والسلام والكرامة وعزة النفس.

5- ومن هذا نرى أن الراحة فى هذه المواسم المباركة لم تكن تكاسلا أو تواكلا. بل بالعكس كانت استجماما وقتيا يستأنف بعده الناس ومواشيهم العمل بنشاط أكبر. وإراحة للأرض تنتج بعدها غلة أوفر. وفرصا روحية مباركة تنشط أرواح الناس وتجعل لهم مجالا للعبادة المضاعفة. وظروفا يتذكروا فيها أعمال الله معهم وعنايته ورعايته لهم. ويراجعوا ضمائرهم ليردوا الأشياء إلى ذويها. فتذوب الفوارق بين الطبقات. وتتواضع نفوس الأغنياء. وتنتعش نفوس المساكين والفقراء. ويشعر الجميع أنهم إخوة متحابون. متساوون متعاونون يربطهم الإيمان الواحد والإنسانية الواحدة والمشاعر الواحدة.

ثانيا: بعض النواحى الرمزية المتعلقة بالسنة السابعة وباليوبيل

كانت كل من السنة السابعة وسنة اليوبيل سنة للفرح الكامل والعتيق والسلام. السنة الأولى بصفة جزئية والثانية بصفة أعم وأوسع وأكمل. وتشير السنتان إلى رموز متعددة تحقق معظمها بمجئ السيد المسيح. ويتحقق بعضها فى أجيال وأحقاب قادمة.

وفى مستهل الحياة العملية لربنا يسوع المسيح، دخل إلى المجمع ودفع إليه سفر أشعيا ليقرأ وعندما فتح السفر وجد فيه النبوة التى تتحدث عن شخصه المبارك وعن عمله فى عهد النعمة والتى تقول عنه (روح الرب على لأنه مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب لأنادى للمأسورين بالإطلاق وللعمى بالبصر وأرسل المنسحقين فى الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة) (أش 1:61، 2، لو 17:4- 19).

ولما قرأ النبوة طوى السفر وقال لليهود (إنه اليوم قد تم هذا المكتوب فى مسامعكم).

والسنة المقبولة التى جاء الرب ليكرز بها تمثل سنة اليوبيل فى العهد القديم، وتشير إلى عهد النعمة الذى حققه السيد المسيح، ويبتدئ من مجيئه إلى عالمنا ورفعه على الصليب ويمتد إلى آخر الدهور وإلى ما لا نهاية، ونلاحظ فى هذا الرمز العجيب أمور كثيرة منها:

1- رأينا أن اليوبيل كان يعلن عنه بعد الانتهاء من التعييد بيوم الكفارة، حيث كانت تقدم ذبائح التكفير عن الشعب، وحيث كان الشعب يتوبون عن خطاياهم ويقضون يومهم فى الصلاة والصوم والاعتكاف، وعتق البشرية من العبودية، والإبراء الكامل، والغفران والمسرة، كل هذا لم يتحقق لها إلا بعد أن قدم المسيح ذاته كفارة عامة على عود الصليب عن خطايا جميع العالم.

2- وكما كان اليوبيل يحقق العتق للعبيد ويرد إليهم حريتهم، نال المؤمنون بموت المسيح العتق من ابليس ومن الموت ومن رباطات الخطية وكل قوى الشر.

3- وكما كانت الديون تترك فى اليوبيل، سدد المسيح بموته ديون البشر، ووفى مطالب العدل الإلهى ومحا الصك الذى كان علينا (لو 14:2)، وصرنا مبررين من خطايانا ومن كل ما كان علينا.

4- وكما كانت البيوت والأراضى والممتلكات المبيعة أو المرهونة ترد إلى أصحابها، رد المسيح إلينا اعتبارنا، وأعاد إلينا ما سلبه ابليس منا من النعم، وأنعم علينا ثانية بالميراث المفقود والحق الذى ضيعه أبوانا الأولان بالمعصية.

5- كانت السنتان تعنيان الراحة والازدهار والبركة والسلام… والبشرية نالت ازدهارها وبركتها وراحتها وسلامها فى عهد النعمة، فقد دعا المسيح إلى المحبة والسلام المطلقين، ولو سار العالم بالمبادئ التى أعلنها الرب يسوع ورسله بتدقيق وأمانة لنعم العالم بكل خير وبركة وبكل سعادة روحية واجتماعية، ولا يكون هناك قحط أو شكوى أو تذمر أو حروب أو منازعات أو خلافات، فالمسيحية بشريعتها السامية تعطى لجميع شعوب الأرض قاطبة فرصة ليعيشوا فى محبة وسلام ورفاهية حيث يتحقق الوعد الإلهى: (فيقضى بين شعوب كثيرين، ينصف لأمم قوية بعيدة فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل، لا ترفع أمة على أمة سيفا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد، بل يجلسون كل واحد تحت كرمته وتحت تينته ولا يكون من يرعب لأن فم رب الجنود تكلم) (أش 4:2، مى 3:4- 5). المسيحية بتعاليمها السامية تعطى فرصا للناس لكى تتقارب وجهات النظر بينهم، ولا تكون هناك مخاوف أو اضطرابات بل (يسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدى والعجل والشبل والمسمن معا وصبى صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معا. والأسد كالبقرة يأكل تبنا. ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الرضيع يده على حجر الأفعوان. لا يسوؤون ولا يفسدون فى كل جبل قدسى لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطى المياه البحر) (أش 6:11- 9).

6- ويمتد الرمز إلى حيز أوسع، فيبشر بانتشار الإيمان ووحدانيته فى العالم، وبالتالى إلى عمومية الخلاص، فالبقية من إسرائيل تخلص لأنها تتوب وتقبل المسيح ربا وفاديا (رو 27:9)، ويمتد ملكوت المسيح أكثر وأكثر فى القلوب وفى الشعوب حتى تكون كل ممالك العالم لربنا ولمسيحه (رؤ 15:11).

7- كما يمتد أيضاً إلى مدى أبعد جدا فيشير إلى مجئ المسيح الثانى، وإلى أزمنة رد كل شئ حيث ترد جميع الاعتبارات وتصلح جميع المفاسد، وتأخذ البشرية الراحة الكاملة، فتستريح الأرواح والعقول والنفوس وتعتق الأجساد من متاعبها وأمراضها.

ولا يكون العتق للإنسان وحده بل يشتمل جميع الخلائق حتى الأشياء والطبيعة الغير عاقلة، فيعود الرب ويبارك الأرض التى سبق ولعنها بسبب معصية أبوينا (تك 17:3)، والخليقة التى تدنست بسبب الخطية تتجدد لصورة مجيدة، وفى هذا يقول الرسول أيضاً (لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله إذ أخضعت الخليقة للبطل ليس طوعا بل من أجل الذى أخضعها على الرجاء. لأن الخليقة نفسها أيضاً ستعتق أيضاً من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معا إلى الآن وليس هكذا فقط بل نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضاً نئن فى أنفسنا متوقعين التبنى فداء أجسادنا (رو 19:8- 23).

ووقتئذ يتم قول الرائى (ثم رأيت سماء جديدة وأرضا جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا والبحر لا يوجد فى ما بعد رؤ 1:21).

8- وبالجملة فالمؤمنون يهنأون بيوبيل جديد مديد وبسنة مقبولة للرب فى جميع مراحل حياتهم الحاضرة والعتيدة: فهنا على الأرض يتمتعون بحريتهم الروحية، وبالعتق من العبودية وبسلام الله الذى يفوق كل عقل، وفى الموت يستريحون من أتعابهم ويرقدون فى سلام مرددين قول المرنم (بسلامة اضطجع بل أيضاً أنام لأنك أنت يارب منفردا فى طمأنينة تسكننى مز 8:4) ينالون عربون سعادتهم الأبدية حيث لا أنين ولا وجع ولا حزن بل (هناك يكف المنافقون عن الشغب وهناك يستريح المتعبون، الأسرى يطمئنون جميعا ولا يسمعون صوت المسخر. الصغير كما الكبير هناك والعبد حر من سيده) (أى 17:3-19).

أما عند مجئ العريس السماوى، وإذ يأخذهم معه فى المجد، فتتجلى أمجاد خلاصهم بصورة مشرقة عجيبة كما يقول الكتاب (وأنتم الذين بقوة الله محروسون بإيمان لخلاص مستعد أن يعلن فى الزمان الأخير) 1بط 5:1).

وعندئذ يحيون معه فى المجد إلى أبد الآبدين، ولا تكون راحتهم وقتية أو دورية كما كانت السنة السابعة كل دورة سبع سنوات أو كما كان اليوبيل فى كل دورة خمسينية، بل يحيون فى المدينة الباقية فى يوبيل دائم، وعيد يبقى مدى الدهر.

9- فما دام الرب سيأتى قريبا أيها الأحباء، وما دامت كل هذه المواعيد لنا، فما أجدر أن نجعل لأنفسنا منها تعليما، ولحياتنا تقويما.إن فاتتنا بعض الفرص المادية أو الأدبية أو الاجتماعية فى حياتنا الوقتية هذه، إن سلبنا بعض الحقوق، أو حرمنا من بعض المقتنيات، فلا يجب أن نحزن لأن يوبيلنا قادم حيث يعوضنا الرب أضعاف ما فاتنا فى غربة هذه الحياة.

إن كنا هنا لا نملك حريتنا المادية كاملة، ولا نحصل على سعادتنا كاملة، فلا يجب أن نتضجر لأن الوقت قريب حين نتحرر ونسعد ونفرح ولا ينزع أحد فرحنا منا (يو 22:16).

إن كنا نضطهد أو يفترى علينا أو نظلم، فيجب أن نقبل كل شئ برضى وصبر وشكر وفرح قلبى صادق، لأن الوقت آت حين تتغير كل هذه الأوضاع ويحظى أولاد الله بما لم تر عين أو تسمع به أذن وما لم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه (1كو 9:2).

وما علينا إلا أن نسلك كما يحق لأولاد الله الأمناء سلوكا طاهرا نقيا يليق بعهد النعمة، ونحيا فى سنة الرب المقبولة فى حياة صالحة مثمرة ومشرقة بالإيمان بربنا، وبالرجاء بمواعيده الصادقة، وبالأعمال الصالحة التى تمجده وترضيه، وبالتعزية الكاملة فى شخصه المحبوب.

 

Leave a Comment