تفسير سفر اللاويين – الأصحاح الرابع – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

ذبيحة السلامة من البقر(ع1 – 5)

1 – وإن كان قربانه ذبيحة سلامة فإن قرب من البقر ذكرا أو أنثى فصحيحا يقربه أمام الرب.

كان يجوز تقديم ذبيحة السلامة من الذكور أو من الإناث من البقر أو من الغنم أو من المعز. ويجب أن يكون الحيوان (صحيحا) أى خاليا من العيوب. على أنه كان يمكن أن يقدم الحيوان الزوائدى أو القزم كنافلة(ص22: 23) كما سيجىء ذلك فى موضعه.

2 – يضع يده على رأس قربانه ويذبحه لدى باب خيمة الاجتماع ويرش بنو هرون الكهنة الدم على المذبح مستديرا.

1 – كان مقدم ذبيحة المحرقة يضع يده على رأس الحيوان إقرارا واعترافا بإثمه. وفى حالة ذبيحة السلامة كان يضع يده على رأسه أيضاً ويقرن ذلك بحمد الله وشكره.

2 – كان يذبح الذبيحة (لدى باب خيمة الاجتماع) أى عند مدخل الدار الخارجية حيث يوجد مذبح المحرقة.وبمجرد ذبحها كان الكهنة يرشون الدم الذى يستقبلونه فى الطشوط المعدة حول المذبح.

3 – ويقرب من ذبيحة السلامة وقود الرب الشحم الذى يغشى الأحشاء وسائر الشحم الذى على الأحشاء.

4 – والكليتين والشحم الذى عليهما على الخاصرتين وزيادة الكبد مع الكليتين ينزعها.

1 – يوضح هنا نصيب الرب من ذبيحة السلامة. وهى التى توقد على المذبح وتشتمل على:

( أ ) الشحم الذى يغشى الأحشاء.

(ب) الشحم الذى على الأحشاء أى المتصل بها.

(جـ) والكليتين.

( د) والشحم الذى على الخاصرتين أى الجنبين ويتضمن الشحم المحيط بالكليتين.

(هـ) وزيادة الكبد ويقصد بها الفص الأصغر. والمقصود بقوله (ينزعها) أى ينزع زيادة الكبد والكليتين ليوقدهما مع الشحم.

2 – وقد اختار الله الشحم لأنه كان يعتبر من أثمن الأجزاء فى الذبيحة. وربما لأنه سهل الإيقاد أيضا وربما لحكم أخرى نراها بالتفصيل فى شرح عددى (16،17).

5 – ويوقدها بنو هرون على المذبح على المحرقة التى فوق الحطب الذى على النار وقود رائحة سرور للرب.كان على الكهنة أن يوقدوا الأجزاء المذكورة على مذبح المحرقة، وقوله (على المحرقة) يعنى على بقايا المحرقة اليومية التى كانت تقدم صباحا ومساء. وقد كان هذا النصيب من الذبيحة يتقد على المذبح فيصعد دخانه وبخاره كرائحة بخور زكى يقبلها الرب ويسر بها، ومثل ذلك ذبائح المؤمنين وصلواتهم وتقدماتهم فى كل الأجيال.

ذبيحة السلامة من الضأن (ع6 – 11)

6 – وإن كان قربانه من الغنم ذبيحة سلامة للرب ذكرا أو أنثى فصحيحا يقربه.

المقصود بذبيحة (الغنم) الذبيحة من الضأن أو المعز. وقد مر الحديث عن هذا فى شريعة ذبيحة البقر (شرح ع1)، وشرط الذبيحة أيضاً أن تكون (صحيحة) أى بلا عيب.

7 – إن قرب قربانه من الضأن يقدمه أمام الرب.8 – يضع يده على رأس قربانه ويذبحه قدام خيمة الاجتماع ويرش بنو هرون دمه على المذبح مستديرا.

مر شرح هذه الاجراءات فى طقس ذبيحة البقر (تفسير ع2)، وقوله (يقدمه أمام الرب). أى يوقفه أمام خيمة الاجتماع، وفى الغالب كان ذلك عند مذبح المحرقة لأن المذبح كان مواجها لباب الخيمة (ويذبحه قدام خيمة الاجتماع) أى عند مذبح المحرقة.

9 – ويقرب من ذبيحة السلامة شحمها وقودا للرب.ا لألية صحيحة من عند العصعص ينزعها والشحم الذى يغشى الأحشاء وسائر الشحم الذى على الأحشاء.

10 – والكليتين والشحم الذى عليهما الذى على الخاصرتين وزيادة الكبد مع الكليتين ينزعها.

ذكرت هذه الأجزاء فى ذبيحة السلامة من البقر (ع3: 4)، غير أنه أضاف هنا (الألية) وهى الجزء السمين الذى فى ذيل الضأن. وهى تزن عدة كيلو جرامات فى الأغنام فى البلاد الشرقية وتعتبر أيضا من أفخر أجزاء الذبيحة. وقوله (من عند العصص) أى من عند آخر عظمة فى فقرات العمود الفقرى والمقصود أن ينزع الألية كلها لتقدم وقودا للرب.

11 – ويوقدها الكاهن على المذبح طعام وقود للرب.

يوقدها الكاهن على مذبح المحرقة كما يفعل بقربان البقر (ع5) وقد دعيت (طعام وقود) أى طعاما يوقد على النار، وكونها (للرب) أى مكرسة لإكرامه. وقد دعى هذا الوقود مجازا (طعام الله وخبزه عدد 28: 2، 24، حز44: 7) ليس لأن الله يأكله، ولكن لأنه يقدم إكراما لجلاله فيقبله كطعام شهى وكرائحة زكية علامة على رضاه على شعبه ومسرته بهم.

ذبيحة السلامة من المعز (ع12 – 17)

12 – وإن كان قربانه من المعز يقدمه أمام الرب.13 – يضع يده على رأسه ويذبحه قدام خيمة الاجتماع ويرش بنو هرون دمه على المذبح مستديرا. 14 – ويقرب منه قربانه وقودا للرب الشحم الذى يغشى الأحشاء وسائر الشحم الذى على الأحشاء.15 – والكليتين والشحم الذى عليهما الذى على الخاصرتين وزيادة الكبد مع الكليتين ينزعها.16 – ويوقده الكاهن على المذبح طعام وقود لرائحة سرور. كل الشحم للرب..

مرت هذه الإجراءات فى طقس ذبيحة السلامة من البقر ومن الضأن (ع1 – 11). (كل الشحم للرب) يتكلم هنا وفى (ع17 ) عن تقديس الشحم والدم للرب. والمقصود (بالشحم) الشحم المذكور فى الأعداد السابقة أى المغطى للأحشاء والكليتين لأنه مقدس للإيقاد على المذبح. أما الدهن المتصل والمختلط بباقى اللحم فكان مصرحا للشعب بأكله.

17 – فريضة دهرية فى أجيالكم فى جميع مساكنكم لا تأكلوا شيئا من الشحم ولا من الدم.

نلاحظ هنا أنه:

( أولا ) كان عليهم ألا يأكلوا الشحم أو الدم. وهذه الآية متصلة بالعدد السابق. وقد سبق الله فأعطى شريعة تحريم أكل الدم لأبينا نوح (تك9: 4) وهناك حكم إلهية فى تحريم أكل الدم أو أكل لحم الحيوان بدمه، بعضها روحى وبعضها صحى منها:

( أ ) إن نفس الحيوان فى دمه بمعنى أن حياته مرتبطة بالدم. فإذا سفك دمه أو إذا توقف القلب الذى يتعامل مع الدم بطلت الدورة الدموية ومات الحيوان. ولأن الله هو واهب الحياة والمتسلط عليها وهو وحده رب الأرواح والنفوس، فقد حرم على شعبه أكل الدم الذى هو أساس الحياة فى الحيوان.

(ب) ولأن الحياة مرتبطة بالدم. فقد كرس الله الدم لغرض روحى عظيم هو التكفير عن الإنسان الخاطئ حيث يذبح الحيوان ويرش دمه على المذبح (ص17: 6، 11، 12)، لأن الإنسان بخطيته يستحق الموت لأن أجرة الخطية موت (رو6: 22). لذلك فإن حياة الحيوان البرئ التى تبذل بسفك دمه تقدم فداء وعوضا عن الإنسان الخاطئ. ولذلك فقد كرس الله الدم لذاته ليكفر به عن الإنسان.

(جـ) وإن كان دم الحيوان لا يملك فى ذاته القدرة على التكفير عن الخطايا ولكن الله قبل هذا برحمته بالنسبة لأن حياة الحيوان فى دمه كما رأينا ولكى تكون دماء الحيوانات المكفرة بالأولى رمزا واضحا لدم المسيح ابن الله المسفوك على الصليب، ولأجل هذا السبب العظيم كرس الرب دماء الحيوانات للتكفير ومنع أكلها. وكان يقصد بحكمته أن يجذب فكر الإنسان فى كل الأجيال إلى مقت الخطية والى فهم وإدراك معنى ذبيحة المسيح وصلبه وموته التى فيها التكفير الحقيقى عن خطايا جميع الناس.

( د ) ومن ناحية أدبية فإن شرب دم الإنسان فعلا أو معنويا يشير إلى الشراهة والتشفى والشراسة والميل إلى الانتقام وسفك الدماء. ومنع أكل دم الحيوان قد يكون فيه تهذيب للإنسان، وتدريبه فى المحبة والتسامح وقتل روح الوحشية والشراسة فيه.

(هـ) ومن ناحية صحية: فكما يقرر علماء الطب أن جراثيم الكثير من الأمراض المعدية والخطيرة قد تنتشر فى دم الإنسان أو الحيوان وهما على قيد الحياة. وبمجرد خروج الدم من الجسم يكون سريع التلوث بالجراثيم أيضا، ولأجل ذلك يحرص الأطباء على تطهير الجروح تطهيرا كاملا، فلعل من مراحم الله بالإنسان وحكمته أيضا منع الإنسان عن تناول الدم ليجنبه الأمراض.

ونلاحظ:

( أ ) أن علماء الكتاب عند اليهود فهموا أن المقصود بالدم المحرم أكله الدم الذى تتوقف عليه حياة الحيوان، أى الذى يسفك بالذبح أو بعامل آخر. أما الدم الذى كان يظهر أحيانا عند غسل اللحم وطهيه فكان غير محظور.

(ب) وكان من يأكل الدم الذى تتوقف عليه حياة الحيوان يقطع، أما من يتعمد استخلاص الدم الداخلى أو استخراجه ليشربه أو يأكله فكان يجلد أربعين جلدة إلا واحدة ويقدم ذبيحة خطية.

(جـ) وقد استثنى العلماء من كل هذا الأسماك والجراد والزواحف مما كان يجوز أكله ولكنها لا تقدم ذبائح، فكانت دماؤها غير محرمة.

( د) ومن المعروف أن المسيحية بدورها منعت أكل الدم (أع15: 29).

(ثانيا) تنهى الآية أيضا عن أكل (الشحم). والمقصود به الشحم الداخلى الذى يغطى الأمعاء والكليتين لأنه كان يوقد على المذبح إكراما للرب وكان نصيبا للرب من الذبائح مع الكليتين والكبد وزيادة الكبد، أما الشحم الذى كان يتخلل لحم الحيوان فكان يؤكل.

ومما هو جدير بالذكر أن الشحم وهذه الأجزاء من الجسم غنية بمادة الكولسترول الذى تسبب زيادته فى طعام الإنسان أمراضا كثيرة كارتفاع ضغط الدم وانسداد الشرايين وغيرهما. ولعل الله بحكمته أيضا أراد أن يجنب الإنسان الإصابة بالكثير من الأمراض بمنعه عن الإكثار من تناول هذه الأجزاء من الحيوان ونرى بعض تفاصيل أخرى تتعلق بشحم الحيوان فى الأعداد (من 22 – 25) من الأصحاح السابع وفى تفسيرها.

(فريضة دهرية فى أجيالكم) أى ما دام الكهنوت اللاوى قائما، حيث كانت تقدم الذبائح الحيوانية (فى جميع مساكنكم) أى أينما حللتم، وفى كل جزء من أراضيكم.

بعض النواحى الرمزية والتعليمية فى ذبيحة السلامة

1 – تعنى ذبيحة السلامة من الناحية الروحية المصالحة مع الله والسلام القلبى الذى يناله المؤمنون بشركتهم معه. واختصاص الكهنة بالصدر والساق اليمنى تشير إلى مسئولياتهم وحاجتهم إلى معونة إلهية خاصة. كما تشير إلى عناية الله بعبيده الخدام وتهيئته كل الخيرات الروحية والمادية لهم. وقد يشير الصدر إلى تمتعهم بالمحبة الإلهية الفائقة. كما تشير الساق إلى القوة التى يسندهم بها. ومن ناحية أخرى قد يذكرهم الصدر بأن يكون قلبهم مفتوحا ومتسعا ومحبا لجميع شعبهم، وقد تشير الساق إلى وجوب سلوكهم باستقامة وبر.

2 – وتشير من الناحية الرمزية:

أولا: إلى ذبيحة المسيح التى نلنا بها نعمة المصالحة، وبالتالى إلى نعمة السلام بيننا وبين الله، فالمسيح هو سلامنا الذى جعل الاثنين واحدا، الذى قيل عنه فى العهد القديم (وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا (إش53: 5) وقال عنه العهد الجديد (فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح رو5: 1).

ثانيا: واشتراك الله والكهنة ومقدمى الذبيحة فى الذبيحة الواحدة يشير إلى الشركة التى أصبحت بين الله وبين الكنيسة فى شخص المسيح الواحد وبعمله الفدائى حيث يقول له المجد (ليكون الجميع واحدا كما أنك أنت أيها الآب فىَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحدا فينا..يو17: 21..).

ثالثا: والذبيحة تشير بصورة واضحة إلى ذبيحة سر التناول الذى نأكل فيه جسد الرب ونشرب دمه ونلاحظ فى هذا الأمر:

( أ ) أنه كما كانت ذبيحة السلامة ذبيحة وفى نفس الوقت مائدة ووليمة، هكذا سر العشاء الربانى هو وليمة مقدسة بالفعل، وهو فى نفس الوقت نفس ذبيحة الصليب الواحد، وكما أن نفس لحم ذبيحة السلامة كان يؤكل، كذلك المؤمنون فى سر التناول يأكلون نفس جسد المسيح الذى صلب ويشربون نفس دم المسيح الذى سفك، ولهذا يقول المخلص (الخبز الذى أنا أعطى هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم (يو6: 51) وفى ليلة آلامه قال لتلاميذه إذ سلمهم الخبز والخمر (هذا هو جسدى الذى يبذل عنكم  هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى الذى يسفك عنكم …. لو22: 19، 20).

(ب) إن ذبيحة السلامة كانت شركة. والتناول فى العهد الجديد هو (شركة دم المسيح) وشركة جسد المسيح (1كو10: 16)، فيه يشترك المؤمنون مع الله الذى أعطاهم بنعمته أن يكونوا أغصانا فى كرمته (يو15: 5) وأعضاء فى جسده الواحد كما يقول الرسول (لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه أف5: 30) وشركاء فى الطبيعة الإلهية (2بط1: 4). وفيه يشترك المؤمنون بعضهم مع بعض فى وليمة واحدة، وفى مائدة واحدة كإخوة وكأولاد لأب واحد.

(جـ) كانت الذبيحة تؤكل فى مكان طاهر، والذبيحة المقدسة فى التناول تقدم على مذبح الله وفى هيكله المقدس.

( د ) وكان لا يأكل لحم الذبيحة إلا الإنسان الطاهر. وأولاد الله يتقدمون إلى جسد المسيح ودمه وهم أطهار أنقياء وعلى المؤمن أن يمتحن نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس(1كو11: 28).

(هـ ) وقد كانت ذبيحة السلامة تسبقها فى ظروف كثيرة ذبيحة إثم أو ذبيحة خطية أو محرقة عن الشعب كله أو عن إنسان له ظرف خاص. وكانت هذه الذبائح تقدم مع الاعتراف بالخطايا (لا8: 14-22، 9: 3، 4، عد28، 29…الخ) وهذا الأمر يذكرنا بأمرين: أولهما إننا بموت المسيح كذبيحة خطية استحققنا نعم وبركات العهد الجديد. والثانى أن كل من يريد أن يتناول من مائدة الرب فى سر الشكر عليه أولا أن يمتحن نفسه كما مر بنا، وأن يعترف بخطاياه ويتوب عنها.

( و ) كان لحم ذبيحة السلامة يؤكل فى نفس اليوم، وفى بعض الحالات كان يصرح بأكل المتبقى منه فى اليوم الثانى فقط. ولكنه كان لا يترك  لليوم الثالث بأى حال من الأحوال لئلا يتطرق إليه شئ من الفساد. أليس فى هذا إشارة إلى جسد الرب الذى إذ مات لم يتطرق إليه الفساد حيث يقول الكتاب (لأنك لن تترك نفسى فى الهاوية، لن تدع تقيك يرى فسادا (مز16: 10، أع2: 27، 13: 35) وأليس هذا أيضا رمزا إلى الرب الذى مات بالجسد وقدم ذاته ذبيحة ولكنه قام فى اليوم الثالث؟.

 

 

Leave a Comment