تفسير سفر اللاويين – الأصحاح الرابع عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

شريعة تطهير الأبرص (ع1-32)

يتكلم الوحى فى هذه الأعداد عن طقس طويل وإجراءات كثيرة تعمل بعد شفاء الأبرص لتطهيره. ولعل المؤمن يعجب أن مجرد ظهور بقعة أو بقع تظهر فى جلد المرء يحتاج إلى كل هذه الاحتياطات والإجراءات. ولكن يزول عجبه إذا تذكر أن الله القدوس لا يحب أن يتشوه أولاده ولو بخطية طفيفة، والخطية مهما بدت صغيرة ومهما استهان بها الإنسان لها شأن كبير فى تشويه جماله وهى التى منذ البدء أفسدت طبيعته وغيرت صورته المجيدة التى خلق عليها، ومن أجل تحذيرنا من الخطية أرسل الله أنبياءه ورسله، ومن أجل تطهير البشرية منها نزل الله الكلمة نفسه من السماء وصلب ومات وقبر وقام من الأموات. إن فى هذا تحذيراً لنا من الخطية، حتى نتباعد عن كل شر وحتى نحتفظ بنقاوة حياتنا .

1- وكلم الرب موسى قائلاً .   كلم الرب موسى لأنه مشرع العهد القديم وعليه أن يبلغ كلمة الله إلى هرون وبنيه وشعبه بوجه عام .

2- هذه تكون شريعة الأبرص يوم طهره. يؤتى به إلى الكاهن يتكلم الوحى عن شريعة الأبرص

(يوم طهره) أى عندما يجرون طقس تطهيره بعد الشفاء من المرض. وكان عليهم أن يأتوا بالأبرص الذى شفى إلى الكاهن ويوقفونه فى مكان ما خارج المحلة وعلى حدودها لأنه لم يكن يسوغ له أن يدخل المحلة إلا بعد عمليات التطهير .وكانت العمليات التى تجرى له :

أولاً : عمليات التطهير فى اليوم الأول وبعدها ينطق الكاهن بطهارته فيدخل المحلة ولكنه لا يدخل القدس ولا حتى بيته لمدة سبعة أيام (ع3-9).

ثانياً : عمليات التكفير بتقديم الذبائح المقررة فى اليوم الثامن وبذلك يكمل تطهيره ويعود إليه اعتباره ليصير كأى واحد من بنى إسرائيل (ع10-32).

أولاً – عمليات التطهير فى اليوم الأول

3- ويخرج الكاهن إلى خارج المحلة فإن رأى الكاهن وإذا ضربة البرص قد برئت من الأبرص.

يخرج الكاهن خارج المحلة ليفحص الأبرص ويتأكد من شفائه من البرص لكى يجرى له طقس التطهير. إن الأبرص إذ لا يمكنه أن يدخل المحلة يذهب الكاهن إليه بنفسه لافتقاده وتطهيره. وهذا ما فعله الرب يسوع لأجل خليقته، فإذ كانت البشرية برصاء بالخطية ، وميتة بالروح جاء هنا إلى عالمنا ليقوم بنفسه بعملية الفداء العجيبة (لأن ابن الإنسان جاء لكى يطلب ويخلص ما قد هلك لو19: 10)، وهذا بلا شك يعلم الكهنة والخدام ألا يتركوا الخطاة فى خطاياهم بل عليهم أن يفتقدوهم ويعلموهم ويعملوا على إنقاذهم من الهلاك الأبدى.

4- يأمر الكاهن أن يؤخذ للمتطهر عصفوران حيان طاهران وخشب أرز وقرمز وزوفا.

وقد جاءت فى بعض الترجمات (طيران حيان طاهران )، والأرجح أنها العصافير كما فى هذه الترجمة ولعل الله قد اختار العصافير لكثرة شقشقتها وهى تشير بذلك إلى خطايا الوشاية والتجديف والافتراء وبالجملة إلى أخطاء اللسان التى كان البرص عقاباً عنها فى أحيان كثيرة وكانت طهارة العصفورين تشير إلى الطهارة التى يرجوها الأبرص والتى يجب أن يزين بها حياته، وقد كان على الكاهن أن يأخذ مع العصفورين قطعة من خشب الأرز بطول قدم ونصف تقريباً ومتوسطة السمك وقطعة نسيج من الصوف المصبوغ باللون القرمزى وباقة من نبات الزوفا.

ومن المعروف أن خشب الأرز غير قابل للتسوس ولعله يشير بذلك إلى تصحيح الفساد الذى لحق بالأبرص وإعادته إلى حالة الطهارة، وشجر الأرز من أعلى الأشجار بينما نبات الزوفا من أصغرها وهى بذلك تشير إلى التواضع، فإن كان الأرز يذكر الأبرص بالكبرياء  التى وقع فيها وجلبت عليه غضب الله فإن الزوفا تذكره بأن يعالج كبريائه بالتواضع وإنكار الذات، ومن المعروف أيضاً أن الزوفا تستخدم فى النضح والتطهير وهى بذلك تشير إلى أن الطقس المقدس يجرى لأجل تطهيره وإلى أنه يجب عليه أن يعيش فيما بعد فى الطهارة ونقاوة السيرة.

وأما القرمز فيشير من ناحية إلى الخطية التى تتخذ لوناً ظاهراً وفى نفس الوقت يشير إلى دم الذبائح الذى يسفك للتكفير عن الخطية، الذى كان يرمز إلى دم المسيح المطهر والمكفر عن خطايا جميع الناس.

5- ويأمر الكاهن أن يذبح العصفور الواحد فى إناء خزف على ماء حى.

يذبح (العصفور الواحد) أى أحد العصفورين فى إناء من الخزف (الفخار) على (ماء حى) أى من ماء مأخوذ من مجرى جار متجدد مثل النهر أو البئر الحى لأن الماء الحى يشير إلى الحياة والقوة اللتين يكسبهما الأبرص بتطهيره والتكفير عنه. وإضافة الماء إلى الدم كان أيضاً ليصيرا كافيين لغمس الزوفا والقرمز والعصفور الحى لأن دم العصفور المذبوح وحده لا يكفى.

6- أما العصفور الحى فيأخذه مع خشب الأرز والقرمز والزوفا ويغمسا مع العصفور الحى فى دم العصفور المذبوح على الماء الحى.

7- وينضح على المتطهر من البرص سبع مرات فيطهره ثم يطلق العصفور الحى على وجه الصحراء

1- كان على الكاهن أن يأخذ خشب الأرز ويربط إليها الزوفا بخيط من القرمز كما يربط إليها العصفور الحى بخيط من القرمز أيضاً وهو مفرود الجناحين ويغمس الزوفا والقرمز وذيل الطير فى الدم والماء اللذين فى إناء الخزف .

2- ومن ثم ينضح (يرش) من الماء والدم على الأبرص سبع مرات (فيطهره) أى يعلن أنه أصبح طاهراً من البرص ( أنظر شرح ص13: 16). والنضح سبع مرات يشير إلى كمال الطقس وإلى كمال اهتمام الكاهن بأمر المريض وإلى كمال التطهير الذى يناله. وقد أمر أليشع نعمان السريانى بالاستحمام فى الأردن سبع مرات لكى يبرأ من برصه وكان هذا إشارة إلى الاغتسال الكامل (2مل5: 10).

3- من ثم يطلق العصفور الحى على وجه الصحراء، أى يفكه وييمم وجهه نحو البرية فيطير وهذا الطقس شبيه بطقس يوم الكفارة الذى منه يؤخذ تيسان يذبح أحدهما ويطلق الآخر ليذهب إلى البرية (لا16).

4- كان الزوفا والخشب والقرمز تحفظ وتستخدم فى تطهير أى أبرص آخر، وإذا أمسك العصفور الحى بعد إطلاقه كان يمكن أن يستخدم أيضاً للغرض نفسه لشخص أبرص آخر .

5- يرى البعض أن طقس العصفورين لم يكن لتقديم ذبيحة وإنما كان إجراء لمجرد التطهير،  ويستدلون على ذلك بأن العصفور لم يذبح بجانب المذبح كما هو المقرر فى تقديم الذبائح، والأرجح أن الطقس ذبائحى، والعصفور كان ذبيحة من نوع خاص. وكان هذا العمل العظيم يطهر الأبرص وينقله إلى عداد الأحياء ويؤهله  للدخول إلى المحلة والمجىء إلى باب خيمة الاجتماع لتقديم ذبائح اليوم الثامن التى يكمل بها تطهيره.

6- يشير ذبح العصفور روحياً إلى حاجة الأبرص إلى التطهير، والعصفور الحى قد يشير إلى الحياة التى نالها الأبرص عن طريق موت كائن حى هو العصفور المذبوح، وإطلاقه فى البرية بعد أن كان مربوطاً بخيوط القرمز يشير إلى الحرية التى نالها المريض إذ انفك من رباطات الخطية.

7- ولاشك فى أن العصفور المذبوح يشير أيضاً إلى موت المسيح، وخشب الأرز الذى شد إليه العصفور الحى رمز إلى الصليب، وفى ربط العصفور إلى الخشب بخيط القرمز وجناحاه ممدودان صورة واضحة لتسمير الرب يسوع على عود الصليب. وغمس العصفور الحى فى الدم (دم العصفور الميت) يشير إلى الحياة التى تخللت الموت فالأبرص الذى كان فى حكم الموت عاد إلى الحياة ، والرب يسوع الذى مات بالحقيقة بالجسد على عود الصليب هو الرب الحى فى ذاته بالحقيقة أيضاً والذى لا يمكن أن يتسلط عليه الموت أو يمسك منه (أع2: 24)، ومن ناحية أخرى فالعصفور الحى يشير إلى الرب يسوع الذى قام من الأموات وصعد إلى السموات.

8- وقد يشير الدم والماء المستخدمان فى طقس التطهير إلى الدم والماء اللذين خرجا من جنب الفادى على الصليب. وغمس العصفور الحى المربوط بخشب الأرز والقرمز والزوفا فى دم العصفور المذبوح على الماء الحى، صورة واضحة لموت المسيح النيابى والكفارى، والرش بالدم على الأبرص الذى كان نجساً وميتاً موتاً روحياً يشير إلى دم الرش الذى يتكلم أفضل من هابيل (عب12: 24)، دم ابن الله المسفوك على الصليب الذى يغسلنا ويبعث فينا الحياة.

وبالجملة فكل هذا صورة واضحة للمسيح الفادى المصلوب والقائم من الموت الذى بعمله الفدائى نال العالم الحياة والتبنى وكل نعم العهد الجديد إذ أنه (أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا رو4: 25)، صورة مجيدة تعطى درساً للمؤمنين فى كل الأجيال لكى يشكروا الرب من أجل عمله الفدائى العظيم، ويمجدوا صليبه المجيد، وآلامه المحيية ويؤمنوا بفاعلية دمه الكريم.

8- فيغسل المتطهر ثيابه ويحلق كل شعره ويستحم بماء فيطهر. ثم يدخل المحلة لكى يقيم خارج خيمته سبعة أيام.

9- وفى اليوم السابع يحلق كل شعر رأسه ولحيته وحواجب عينيه وجميع شعره يحلق ويغسل ثيابه ويرحض جسده بماء فيطهر.

1- كان على الأبرص المتطهر أن يغسل ثيابه التى كان يلبسها فى برصه. وغسل الملابس إشارة إلى الابتعاد عن كل ما يتعلق بالخطية وبالحياة القديمة.

2- ثم يحلق شعره إشارة إلى خلع الإنسان العتيق والتوبة عن الخطيئة.

3- ويستحم بماء. والغسل كما نعرف إشارة إلى تطهير الجسد وإلى طهارة الروح.

4- ومن ثم كان له أن يدخل المحلة ويمكث بها سبعة أيام ولكن لا يدخل بيته وربما كان وجوده هذه المدة للاختبار للتأكد من عدم عودة البرص إليه، كما كانت السبعة أيام تشير إلى أهمية الطقس وإلى كماله وكمال فاعليته. وقد كان طقس رسامة الكهنة يستغرق سبعة أيام أيضاً (لا8: 33-35).

5- فى اليوم السابع كان عليه أن يحلق شعره أيضاً، ويقصد بالحلق فى المرتين حلق شعر الرأس واللحية وجميع الشعر الذى على الجسم حتى حواجب العينين. وكل هذا إشارة إلى أن الأبرص قد تخلى عن حياته الخاطئة القديمة واستعد لأن يحيا حياة نقية جديدة.

6- ثم يغسل ثيابه مرة أخرى ويرحض جسمه (يستحم) وفى كل هذا إشارات مؤكدة للطهارة فى الإنسان الباطن، ولما استقر اليهود كانت هناك مراحض خاصة معدة لهذا الغرض.

إجراءات اليوم الثامن

10- ثم فى اليوم الثامن يأخذ خروفين صحيحين ونعجة واحدة حولية صحيحة وثلاثة أعشار دقيق تقدمة ملتوتة بزيت ولج زيت.

1- كان الكاهن يقوم فى اليوم الثامن بباقى الإجراءات اللازمة لكمال تطهير الأبرص والتكفير عنه، وقد مر التعليق على اليوم الثامن فى شرح (ص12: 3). ويقول مفسرو اليهود أن اثنين من الكهنة كانا يقومان بمساعدة الأبرص وإجراء الطقوس المقررة لتطهيره، كان واحد منهما يقوم بالخدمة والثانى يساعده.

2- وقد كان يلزم تقديم أربعة قرابين من أجل الأبرص فى اليوم الثامن هى:

(أولاً) ذبيحة إثم: وهى عبارة عن خروف صحيح.

(ثانياً) ذبيحة خطية: وهى عبارة عن نعجة حولية أى ابنة حول (سنة) وقد عرفنا أن هذه السن المبكرة تشير إلى النضوج وفى نفس الوقت إلى الطهارة والبراءة.

(ثالثاً) ذبيحة محرقة: وهى خروف صحيح. وإذا كان الأبرص فقيراً كان يكتفى بتقديم خروف واحد ذبيحة إثم ويمامتين أو فرخى حمام عن ذبيحتى الخطية والمحرقة (ع21-22).

(رابعاً) تقدمة طعامية: من ثلاثة أعشار من الدقيق الملتوت بالزيت بالإضافة إلى لج زيت لمسح المريض والسكب عليه . وإذا كان المريض فقيراً كان يقدم عشراً واحداً من الزيت بدلاً من الثلاثة أعشار.

3- نلاحظ أن الذبائح كانت حيوانات (صحيحة) أى خالية من العيب، كما أن العصفورين فى طقس اليوم الأول كانا (طاهرين) (ع4) لأن الذبائح التى تقدم عن عيوب الإنسان وخطاياه يجب أن تكون بريئة وخالية من العيوب. وفى فداء جنس البشر لم يكن كفئاً ولائقاً لهذا العمل الكفارى العظيم إلا ابن الله الوحيد وحده، الخالى من العيب، حمل الله الذى له وحده العصمة، والذى هو وحده بلا خطية.

11- فيوقف الكاهن المطهر الإنسان المتطهر وإياها أمام الرب لدى باب خيمة الاجتماع.

يوقف الكاهن (المطهر) أى الذى يقوم بعمليات التطهير، الأبرص أمام باب الخيمة مع القرابين الأربعة لكى يعرضه أمام الرب الرحيم لكى يقبل قرابينه ويجعلها تطهيراً له وتكفيراً عن خطاياه.

تقديم ذبيحة الإثم

12- ثم يأخذ الكاهن الخروف الواحد ويقربه ذبيحة إثم مع لج الزيت يرددهما ترديداً أمام الرب.

1- كانت القرابين المقدمة عن الأبرص للتكفير عن خطاياه السابقة للمرض واللاحقة له أيضاً إلى يوم تطهيره.

2- وكانت ذبيحة الإثم بالذات تقدم عن إساءاته إلى مقدسات الرب وربما لافتراءاته على الناس أيضاً كما كانت عن تقصيره فى حقوق الله من العبادة والتقدمات والظهور أمامه فى الأعياد وغيرها فى وقت عزلته خارج المحلة وتعتبر كل هذه من المقدسات.

3- كان الكاهن الخديم يأخذ الخروف الذى يقدم ذبيحة إثم مع لج الزيت ويرددهما أمام الرب قدام خيمة الاجتماع. ولم يذكر أن ذبيحة الإثم تردد كلها إلا فى ظرف تطهير البرص. وهذا دليل على أن الذبيحة فى هذا الظرف كان لها مركز خاص بالنسبة لخطورة موقف الأبرص وخطورة خطاياه.

13- ويذبح الخروف فى الموضع الذى يذبح فيه ذبيحة الخطية والمحرقة فى المكان المقدس لأن ذبيحة الإثم كذبيحة الخطية للكاهن . إنها قدس أقداس .

كان على الكاهن أن يذبح الخروف فى الجانب الشمالى (البحرى) لمذبح المحرقة، وقد مر بنا أن كل من ذبيحة الإثم وذبيحة الخطية قدس أقداس أى كاملة التقديس لله وكهنته ولذلك كان شحمها يوقد للرب أما الجلد فكان من نصيب الكاهن مقدم الذبيحة، واللحم كله كان يأكله الكهنة وأولادهم الذكور فقط فى المكان المقدس أى فى دار خيمة الاجتماع (ص6: 24-29،7: 1-8).

14- ويأخذ الكاهن من دم ذبيحة الإثم ويجعل الكاهن على شحمة أذن المتطهر اليمنى وعلى إبهام يده إبهام يده اليمنى وعلى إبهام رجله اليمنى .

يدهن الكاهن من دم ذبيحة الإثم شحمة أذن الأبرص وإبهام يده اليمنى وإبهام رجله اليمنى ومثل هذا الإجراء كان يعمل للكهنة فى تقديسهم (ص8: 23) وقد مرت الحكمة من ذلك فى شرح هذا النص. ويقول علماء اليهود أن الأبرص إذا كان قد فقد إبهام اليد اليمنى أو إبهام الرجل اليمنى أو شحمة الأذن اليمنى كان لا يمكن مسحه بالدم ولذلك كان يظل نجساً طول حياته. وكان هذا طبعاً فى حالات نادرة جداً لمقاصد إلهية خاصة. ويذكر معلمو اليهود أن الكاهن كان يقف على باب الخيمة من الداخل بينما يقف الأبرص خارج الباب ويشير هذا إلى أن الرب هو باب المراحم ومصدر البركات ومنه وبه ننال كل النعم.

15- ويأخذ الكاهن من لج الزيت ويصب فى كف الكاهن اليسرى .

16- ويغمس الكاهن إصبعه اليمنى فى الزيت الذى على كفه اليسرى وينضح من الزيت بإصبعه سبع مرات أمام الرب .

17- ومما فضل من الزيت الذى فى كفه يجعل الكاهن على شحمة أذن المتطهر اليمنى وعلى إبهام يده اليمنى وعلى إبهام رجله اليمنى على دم ذبيحة الإثم .

18- والفاضل من الزيت الذى فى كف الكاهن يجعله على رأس المتطهر ويكفر عنه الكاهن أمام الرب

اللج مكيال للسوائل يسع ثلث اللتر تقريباً وكان اليهود يقدرونه بما يسع ست بيضات من بيض الدجاج. وقد كان الزيت من زيت الزيتون النقى، وكان الزيت فى هذا الطقس للتكفير عن الأبرص وتكميل تطهيره حيث كان ينضح منه أمام الرب ويمسح به الأبرص.

1- كان الكاهن يضع من الزيت فى كف الكاهن المساعد اليسرى وفى الغالب فى كفه هو، ثم يغمس إصبع يده اليمنى فى الزيت وينضح (يرش) سبع مرات أمام الرب أى أمام باب الخيمة ناحية قدس الأقداس ليكون الزيت قرباناً مقبولاً.

2- ثم يمسح بالزيت شحمة أذن الأبرص اليمنى وإبهام يده اليمنى وإبهام رجله اليمنى كما مسحها من قبل بدم ذبيحة الإثم (ع14) .

3- ويصب باقى الزيت على رأسه. والرأس هو مركز العقل والتفكير والأعصاب، ودهنه بالزيت إشارة إلى تقديس جميع القوى المفكرة والحساسة والمحركة للإنسان وتكريسها للرب.

4- قد ذكر فى طقس اليوم الأول أن الأبرص ينضح عليه دم العصفور المذبوح ومن الماء (ع6)، وهنا يذكر الوحى أنه يمسح أيضاً بدم ذبيحة الإثم ثم بالزيت. والدم عامل للتكفير، وإعادة الحياة إلى الأبرص الذى كان ميتاً موتاً روحياً وأدبياً ومفصولاً عن شعبه، والزيت رمز إلى الروح القدس والمسح به يشير إلى إعادة تكريس الإنسان ورده إلى حياة الشركة مع شعب الله، كما أنه يشير إلى عمل روح الرب فيه للشفاء والتثبيت والقوة، والماء من ناحيته يشير أيضاً إلى الحياة وإلى كلمة الله، وكل من هذه تشير إلى التطهير والغسل والخلاص من الخطية، والأبرص بها يصير إنساناً جديداً له كيانه لأنه يولد من جديد ويصير فى عداد الأحياء ومن أبناء إبراهيم.

هذه الثلاثة : الروح الذى يرمز إليه الزيت، والماء، والدم، قد ذكرها العهد الجديد أيضاً فى قوله ( والذين يشهدون فى الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم فى واحد 1يو5: 8). ومن العجيب أن هذه الثلاثة تظهر فى عدد من أسرار الكنيسة فى العهد الجديد، ففى سر المعمودية إذ يعمد المؤمن فى ماء المعمودية يعمل الروح القدس فى الماء فيعطيه قوة لكى يلد المؤمن ولادة جديدة ويدفن مع المسيح ويقوم معه لجدة الحياة، ويبرئه من سم الخطية الأولى ويعطيه خلاصاً ويجعله فى عداد أولاد الله. ولكن بماذا؟ بعمل وكفاءة واستحقاقات دم المسيح، ليس فى الماء من ذاته قوة إلا بعمل روح الرب، وليس استحقاق للإنسان فى عمل روح الرب إلا بفاعلية الدم. كما هو الحال فى سر التثبيت الذى يعطى الزيت شفاء للجسد والروح، وفى باقى الأسرار التى ينال المؤمنون بها نعماً إلهية جزيلة ونرى الماء والروح والدم أيضاً فى سر الشكر حيث يمزج الخمر والماء، والروح القدس بقوته يحول الخبز إلى جسد المسيح ويحول الخمر إلى دمه.

ذبيحتا الخطية والمحرقة والتقدمة الطعامية

19- ثم يعمل الكاهن ذبيحة الخطية ويكفر عن المتطهر من نجاسته . ثم يذبح المحرقة.

20- ويصعد الكاهن المحرقة والتقدمة على المذبح ويكفر عنه الكاهن فيطهر .

1- بعد تقديم ذبيحة الإثم يقدم الكاهن النعجة ذبيحة خطية، وقوله (ثم يعمل الكاهن ) أى يقوم بجميع إجراءات طقس ذبيحة الخطية. وكانت ذبيحة الخطية للتكفير عن الخطايا السابقة للمرض واللاحقة له أيضاً مما قد يكون قد صدر منه من القلق أو التذمر أو الجزع أو غير ذلك بسبب مرضه وعزله عن الناس.

2- ثم يصعد الكاهن المحرقة وهى الخروف الثانى لتكون رائحة سرور أمام الرب علامة التكريس الكامل لله.

3- ومع المحرقة كان يقدم التقدمة الطعامية وهى عبارة عن ثلاثة أعشار الدقيق الملتوتة بالزيت (ع10) وكان الكاهن يوقد تذكارها أمام الرب وهو عبارة عن ملء قبضة اليد والباقى له ولإخوته الكهنة. والتقدمة الطعامية كانت تشير إلى نقاوة السيرة والانسحاق أمام الرب والإقرار ببركة الرب وتكريس كل ما نملك له، ولتّها بالزيت يشير من ناحية إلى عمل الروح القدس فى حياة المؤمن للتجديد والتنقية ومن ناحية أخرى إلى الاستعداد للخضوع لمشيئة الله وقبول كل ظروف الحياة حتى إن تخللتها آلام أو تأديبات أو متاعب.

4- وقد مر طقس تقديم ذبيحة الخطية فى (ص4: 32-35) ومر طقس المحرقة فى (ص1: 10-13) وطقس تقديم التقدمة فى الأصحاح الثانى وفى (ص5: 11-13).

الذبائح التى يقدمها الفقير

كان على الفقراء أن يقدموا نفس الذبائح ولكن الرب أعفاهم من تقديم الحيوانات المذكورة آنفاً لقصر أيديهم، فكان للفقير أن يقدم ذبيحة الإثم خروفاً صحيحاً أما ذبيحتا الخطية والمحرقة فكانتا فرخى حمام أو يمامتين. وكانت التقدمة الطعامية عشراً واحداً من الدقيق الملتوت بالزيت بدلاً من ثلاثة أعشار بالإضافة إلى لج الزيت. ومما هو جدير بالذكر أن الرب كان يقبل هذه الذبائح المتواضعة مثلما يقبل ذبائح الأغنياء الفاخرة تماماً. وكل من هذه وتلك كان لها نفس الفوائد والنتائج فى التكفير عن الأبرص وفى قبوله أمام الرب.

21- لكن إن كان فقيراً ولا تنال يده يأخذ خروفاً واحداً ذبيحة إثم لترديدٍ تكفيراً عنه وعشراً واحداً من دقيق ملتوت بزيت لتقدمة ولج زيت.

كان خروف الإثم يردد مع لج الزيت كما مر ذلك فى (ع12). وكانت التقدمة عشراً واحداً من الزيت الملتوت (شرح ع20).

22- ويمامتين أو فرخى حمام كما تنال يده فيكون الواحد ذبيحة خطية والآخر محرقة.

23- ويأتى بها فى اليوم الثامن لطهره إلى الكاهن إلى باب خيمة الاجتماع أمام الرب.

حتى فى تقديم ذبيحتى الخطية والمحرقة من الطيور الرخيصة لم يتعسف الوحى مع صاحبها بل ترك له أن يختارها من اليمام أو من الحمام (كما تنال يده) أى مما يستطيع الحصول عليه لأن الرب ينظر إلى القلب المستعد النقى لا إلى الكم المادى للأشياء. وكان واحد من الطيرين يقدم ذبيحة خطية والآخر ذبيحة محرقة.

24- فيأخذ الكاهن كبش الإثم ولج الزيت ويرددهما الكاهن ترديداً أمام الرب.

25- ثم يذبح كبش الإثم ويأخذ الكاهن من دم ذبيحة الإثم ويجعل على شحمة أذن المتطهر اليمنى وعلى إبهام يده اليمنى وعلى إبهام رجله اليمنى.

26- ويصب الكاهن من الزيت فى كف الكاهن اليسرى.

27- وينضح الكاهن بإصبعه اليمنى من الزيت الذى فى كفه اليسرى سبع مرات أمام الرب.

28- ويجعل الكاهن من الزيت الذى فى كفه على شحمة أذن المتطهر اليمنى وعلى إبهام يده اليمنى وعلى إبهام رجله اليمنى على موضع دم ذبيحة الإثم.

29- والفاضل من الزيت الذى فى كف الكاهن يجعله على رأس المتطهر تكفيراً عنه أمام الرب.

مر شرح هذا الطقس لذبيحة الإثم فى تفسير (ع11-18) وكرره الوحى هنا لتقديم الذبيحة عن الأبرص الفقير لكى يذكر الكاهن أن الطقس واحد وأن الغنى والفقير واحد أمام الرب، وحتى لا يتساهل الكاهن فيهمل فى ناحية من نواحى الطقس المقدس سواء أكان يجرى من أجل غنى أو من أجل فقير. (على موضع ذبيحة الإثم ) أى على أجزاء الجسم المذكورة التى دهنت بدم ذبيحة الإثم.

ذبائح الخطية والمحرقة والتقدمة

30- ثم يعمل واحدة من اليمامتين أو من فرخى الحمام مما تنال يده .

31- ما تنال يده . الواحدة ذبيحة خطية والآخر محرقة مع التقدمة ويكفر الكاهن عن المتطهر أمام الرب .

يقدم أحد الطيرين ذبيحة خطية والآخر ذبيحة محرقة مع التقدمة الطعامية. وقد مر شرح طقس الذبائح من الطيور فى شرح (ص1: 14-17،5: 7-10)، ومر شرح طقس التقدمة الطعامية فى الأصحاح الثانى وفى (ص5: 11-13).

32- هذه شريعة الذى فيه ضربة برص الذى لاتنال يده فى تطهيره .

هذه خلاصة شريعة تطهير الأبرص من الفقراء الذين لاتنال أيديهم أن يقدموا أنواع الحيوانات المرتفعة الثمن. وقد رأينا أن الوحى يذكر مثل هذا الملخص بعد تفصيل الكثير من الشرائع مثلما ورد فى (ص11: 46-47،13: 59) …إلى غير ذلك.

برص البيوت (ع33-53)

33- وكلم الرب موسى وهرون قائلاً .

34- متى جئتم إلى أرض كنعان التى أعطيتكم ملكاً وجعلت ضربة برص فى بيت فى أرض ملككم .

1- أعلن الوحى أن برص البيوت قد يصيب بيوتهم بعد دخولهم أرض كنعان حيث يسكنون بيوتاً مبنية لأنهم فى البرية كانوا يعيشون فى خيام. وقول الوحى ( وجعلت ضربة برص فى بيت) يدل على أن هذا كان عقاباً عن خطية كما ذكر آنفاً. وهناك عدة أحكام أخرى أعطاها لهم الرب فى سيناء على أن يعملوا بها بعد دخولهم إلى أرض الموعد وسكناهم فيها، مثال ذلك شريعة الأكل من ثمار أشجار الأرض (ص19: 23-25). وترديد حزمة الباكورة (ص23: 9-14) وترديد رغيفى يوم الخمسين (23: 15-22). وتقديم باكورات الأرض (خر23: 19). وشريعة السنة السابعة (لا25: 2-3) واليوبيل (25: 8-22). وتمليك الأراضى والبيوت وبيعها وفكاكها (25: 23-34). وتخصيص مدن للملجأ (عد35: 6) وما شابه ذلك.

2- مما يؤسف له أن البرص أصاب بيوتهم فى كنعان أرض الموعد المقدسة مما يدل على أن الإنسان معرض للسقوط فى الخطية فى كل ظرف حتى فى أقدس الأماكن وأقدس الأوقات. والرب لا يهمه زخرفة الكنائس ومبانيها مثلما يهمه قداسة المؤمنين أنفسهم.

3- يقرر علماء اليهود أن ضربة البرص تظهر فى بيوت أورشليم بالذات لأنها لم تنسب لسبط خاص من أسباط الشعب ولكنها كانت مدينة الملك العظيم الذى هو الرب الإله (مز48: 2، مت5: 35).

35- يأتى الذى له البيت ويخبر الكاهن قائلاً : قد ظهر لي شبه ضربة فى البيت.

بمجرد رؤية صاحب البيت للإصابة التى على الجدران يأتى إلى الكاهن فوراً ويخبره باشتباهه فى الضربة. وقوله (قد ظهر لى) يدل على أنه لا يستطيع أن يقرر أو يحكم بذاته لأن الحكم كان للكاهن وحده. وعلى الشعب أن يخضع لحكمه.

36- فيأمر الكاهن أن يفرغوا البيت قبل دخول الكاهن ليرى الضربة لئلا يتنجس كل ما فى البيت وبعد ذلك يدخل الكاهن ليرى البيت .

1- قبل أن يفحص الكاهن البيت كان يأمر بإخلائه من الناس والحيوانات والأمتعة. وكانت جميع المشتملات التى يفرغ منها البيت قبل إصدار الكاهن حكمه بإصابته بالبرص تعتبر طاهرة. أما إذا بقيت بعض المشتملات بالبيت وأصدر الكاهن حكمه بنجاسة البيت كانت تعتبر نجسة.

(لئلا يتنجس كل ما فى البيت) أى لئلا يصدر الكاهن حكمه بنجاسة البيت. والأشخاص أو الأشياء باقية فيه. فتعتبر نجسة هى أيضاً.

2- بعد أن يفرغ البيت كان الكاهن يدخل البيت ليرى الضربة ويفحصها.الحكم بإصابة البيت بالبرص

37- فإذا رأى الضربة وإذا الضربة فى حيطان البيت نقر ضاربة إلى الخضرة ومنظرها أعمق من الحائط .

38- يخرج الكاهن من البيت إلى باب البيت ويغلق البيت سبعة أيام .كان الكاهن يشتبه أن تكون الضربة ضربة برص إذا توفر فيها أمران:

أولهما: ظهور مناطق فى الجدران يميل لونها إلى الحمرة أو إلى الخضرة.

ثانيهما: أن تكون هذه المناطق أعمق من الجدار نفسه، إذا لاحظ الكاهن هذين العرضين يأمر بإغلاق البيت سبعة أيام للاختبار كما يفعل فى الإنسان المشتبه فى إصابته بالبرص (ص13: 4).

39- فإذا رجع الكاهن فى اليوم السابع ورأى وإذا الضربة قد امتدت فى حيطان البيت.

40- يأمر الكاهن أن يقلعوا الحجارة التى فيها الضربة ويطرحوها خارج المدينة فى مكان نجس .

41- ويقشر البيت من داخل حواليه ويطرحون التراب الذى يقشرونه خارج المدينة فى  مكان نجس.

إذا وجد الكاهن الضربة فى اليوم السابع وإذا هى قد امتدت وأفرخت يأمر بقلع الحجارة المصابة وتقشير التراب والملاط (المونة) حولها وطرح الحجارة والتراب فى مكان نجس خارج المدينة. والمقصود بالمكان النجس مكان معد لطرح القاذورات النجسة وجيف الحيوانات وغيرها. وهو بعكس المكان المقدس الذى كانت الذبائح تحرق فيه ويطرح فيه الرماد المتخلف عن الذبائح (لا4: 12،6: 11).

42- ويأخذون حجارة أخرى ويدخلونها فى مكان الحجارة ويأخذ تراباً آخر ويطين البيت .

1- يأمر الكاهن بوضع حجارة مكان الحجارة التى خلعها من الحائط ويعملون طيناً جديداً من تراب جديد ليكون ملاطاً (مونة) لتثبيت الحجارة وطلاء الجدران. وينتظرون مدة أخرى لاختبار البيت. يرجح أنها أسبوع أيضاً.

نلاحظ تدقيق الوحى فى عدم الاستعجال فى نطق الحكم من الكاهن. بل عمل كل الإجراءات الممكنة قبل الحكم. لأن الرب لرحمته لم يشأ أن يحملهم خسائر مادية فى بيوتهم  أو فى ثيابهم إلا إذا تحققوا تماماً من إصابتها بالبرص.

2- نلاحظ أن الأفعال الواردة فى الأعداد من (39-42) بعضها بصيغة الجمع وعددها ستة أفعال. وبعضها بصيغة المفرد وعددها اثنان. ولذلك فقد قرر علماء اليهود أنه إذا وجد جدار مضروب يشترك فيه بيتان فإن أصحاب البيتين يشتركون فى العمليات الأولى الست وهى قلع الحجارة المصابة وطرحها خارج المدينة وتقشير التراب القديم وطرحه خارجاً وأخذ الحجارة الجديدة وتقطيب البيت بها. أما العمليتان الأخيرتان وهما أخذ التراب الجديد وتطيين (طلاء) البيت به فكان يقوم به صاحب البيت المصاب وحده وعلى نفقته الخاصة.

43- فإن رجعت الضربة وأفرخت فى البيت بعد قلع الحجارة وقشر البيت وتطيينه .

44- وأتى الكاهن ورأى وإذا الضربة قد امتدت فى البيت فهى برص مفسد فى البيت . إنه نجس .

إذا رأى الكاهن بعد كل الإجراءات السابقة أن الإصابة لم تتلاش بل عادت كما كانت. يحكم بأن الضربة لم تكن عرضاً وقتياً. ولكنها فساد فى ذات البيت. ويعلن أنها ضربة (برص مفسد). أى قابل للازدياد والنمو.

45- فيهدم البيت حجارته وأخشابه وكل تراب البيت ويخرجها إلى خارج المدينة إلى مكان نجس .

مادام قد ثبت أن البيت مضروب بالبرص. يأمر الكاهن بهدم البيت وإخراج جميع أنقاضه من الحجارة والخشب وحتى التراب إلى الموضع النجس خارج المدينة كما هو واضح فى شرح (ع40). ورأى علماء اليهود أن البيوت المبنية من القرميد أو الرخام تعفى من الهدم.

46- ومن دخل إلى البيت فى كل أيام انغلاقه يكون نجساً إلى المساء .

47- ومن نام فى البيت يغسل ثيابه ومن أكل فى البيت يغسل ثيابه .

1- إذا دخل إنسان البيت الذى أمر الكاهن بإغلاقه للاختبار، وحتى إذا لمس البيت من الخارج عليه أن يغسل جسمه ويكون نجساً إلى المساء حتى لو كان دخوله إلى البيت لحظة من الزمن.

2- أما من نام أو أكل فى البيت. وهذا يستغرق مدة أطول من مجرد دخول البيت فكان يتنجس أيضاً وعليه أن يغسل ثيابه وجسده.

الحكم ببراءة البيت وعمليات تطهيره

48- لكن إن أتى الكاهن ورأى وإذا الضربة لم تمتد فى البيت بعد تطيين البيت يطهر الكاهن البيت لأن الضربة قد برئت .

إذا افتقد الكاهن البيت بعد قلع الحجارة القديمة ونزع التراب القديم ووضع حجارة جديدة وتراب جديد وترك البيت للاختبار للمرة الثانية. ووجد أن الضربة لم تظهر من جديد حكم بأن البيت قد برئ من الضربة. ومع ذلك فإنه يجرى طقوساً مقدسة لتطهير البيت. ولقد رأينا أن التطهير لم يكن من الإصابة بالبرص فقط. بل حتى من الاشتباه فيه (راجع شرح ص13: 6).

49- فيأخذ لتطهير البيت عصفورين وخشب أرز وقرمزاً وزوفاً .

50- ويذبح العصفور الواحد فى إناء خزف على ماء حى .

51- ويأخذ خشب الأرز والزوفا والقرمز والعصفور الحى ويغمسها فى دم العصفور المذبوح وفى الماء الحى وينضح البيت سبع مرات .

52- ويطهر البيت بدم العصفور وبالماء الحى وبالعصفور الحى وبخشب الأرز وبالزوفا وبالقرمز .

53- ثم يطلق العصفور الحى إلى خارج المدينة على وجه الصحراء ويكفر عن البيت فيطهر .

يجرى لتطهير البيت نفس طقس تطهير الأبرص فى اليوم الأول كما هو واضح فى شرح الأعداد السبعة الأولى من هذا الأصحاح.

تأمل

إن الإجراءات الطويلة التى كانت تجرى لاختبار مدى وقوف الضربة أو امتدادها للحكم بطهارة البيت أو بنجاسته ترسم أمامنا صورة لشجرة التين التى لم تصنع ثمراً فطلب البستانى من سيده أن يمهلها سنة أخرى لكى ينقب حولها ويضع زبلاً لعلها تأتى بثمر وإلا يقطعها ( لو13: 6-9).

وكثيراً ما يعمل الرب مثل هذا مع الأفراد والجماعات لعلهم يصلحون طرقهم أمامه ويتوبون عن خطاياهم فلقد يهيئ الكثير من وسائط النعمة ومن الفرص

أمام الخاطئ. وقد يؤدبه ببعض التأديبات الأبوية، وقد يمهله ويتأنى عليه، فإن هو رجع إليه قبله بين أحضانه. وإن زاد تمرداً وعناداً عاقبه على تمرده وعناده. وهكذا الحال مع الشعوب والمدن والممالك، فالشعب الذى يستمع إلى صوت الله وإنذاره ينال رحمة من الرب. بعكس الشعوب التى تتقسى يكون مصيرها الويل والدمار. فالعالم القديم هلك بالطوفان ( تك6-8) وسدوم وعمورة أحرقتا بالنار نتيجة للتمادى فى الشر (تك18-19). وقد قضى الرب بالعقاب المريع على الشعوب الكنعانية وعلى العمونيين والموآبيين وأشور وبابل وشعب صور وعلى الكثير من المدن المتمردة مثل كفرناحوم وبيت صيدا وكورزين وغيرها (تك15-21،إر49: 1-6، إش15،10: 12،إش13،إش23،حز28،مت11: 20-24). ويقول الرب على لسان إرميا النبى (تارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالقلع والهدم والإهلاك فترجع تلك الأمة التى تكلمت عليها عن شرها فأندم عن الشر الذى قصدت أن أصنعه بها. وتارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالبناء والغرس فتفعل الشر فى عينىَّ فلا تسمع لصوتى فأندم عن الخير الذى قلت إنى أحسن إليها به) (إر18: 7-10).

فما أعظم مراحم الله وأغزر محبته نحو عبيده لأنه لا يسر بموت الخاطئ بل برجوعه إليه. وما أحرى بنا أن نستمع إلى صوت الله وإلى إنذاراته وتأديباته ونصلح أحوالنا فننال حياة ورضى من الرب.

خاتمة الكلام عن شريعة البرص (ع54-56)

54- هذه هى الشريعة لكل ضربة من البرص والقرع .

55- ولبرص الثوب والبيت .

56- وللناتئ وللقوباء وللمعة .

57- للتعليم فى يوم النجاسة ويوم الطهارة . هذه شريعة البرص .

ذكر الوحى هذه الخاتمة توضيحاً لما جاء فى الأصحاحين الثالث عشر والرابع عشر عن الموضوعات الخاصة بالبرص والأعراض الأخرى التى تظهر على جلد الإنسان. وعن برص الثياب والبيوت.

(للتعليم فى يوم النجاسة ويوم الطهارة) وفى الترجمة اليسوعية (لتعليم أوقات النجاسة والطهر) أى لكى يعرف الجميع من الكهنة والشعب أوقات البرص التى يحكم فيها بنجاسة أصحابها وظروف (الطهر منها) التى يحكم فيها بطهارتهم. وما يجب مراعاته فى الحالتين.

تأملات وتعاليم

1- إن البرص كان نتيجة للخطية. وكان دائماً يشير إليها. وكان يعتبر نجساً. ومجرد الاشتباه فى الإصابة بالبرص كان يتخذ معه كل الاحتياطات. وحتى إذا ثبت عدم إصابة الإنسان بالبرص. كانت تجرى إجراءات لتطهيره. وكل هذا يعلمنا أن نحترس من كل شر. ومن كل ما يشبه الشر ومن كل ما يؤدى إلى الشر.

2- وحتى الثياب المصابة كان يجب التصرف إزاءها بالاختبار أولاً وبتمزيق الأجزاء المصابة لإعادة الاختبار ثم بالحكم بطهارتها أو بحرقها إذا ثبت أنها مضروبة بالبرص. والثياب تشبه الصفات والعادات التى تلتصق بحياة الإنسان. ومن الواجب أن يتخذ المؤمن كل الاحتياطات لكى تكون صفاته وأخلاقه وعاداته نقية وطاهرة.

3- وكل هذا كان يجرى أيضاً مع البيوت المصابة. وهذا يعطينا درساً لأن نهتم بالبيئة التى نعيش فيها والأوساط التى نسكنها أو نخالطها فننأى عن كل ما يعثرنا ولا نتشبه بشرور العالم ولا نشاكل هذا الدهر بل نتغير عن شكلنا بتجديد أذهاننا.

4- لننظر يا إخوتى كيف دقق الرب فى أمر البرص حتى أفرد له فصلين فى هذا السفر المبارك. كل هذا لأنه أراد أن يحذر الشعب من الخطية التى كان البرص صورة ورمزاً ونتيجة لها. وكل هذا لأنه أراد أن يقدس لنفسه الشعب أفراداً وجماعة، أراد أن يكون كل عضو فى شعبه مقدساً لائقاً لأن يكون من رعوية شعب الله. وأن تكون الأمة شعباً مختاراً مباركاً. والرب يسوع المسيح يطلب من كل نفس أن تسلك فى القداسة والبر. لأننا خُطبنا له عروساً عفيفة (2كو1: 11) ويطلب من الكنيسة أن تكون مقدسة كشعب للرب لأنه يحب دائماً أن تحتفظ الكنيسة بسلامتها. وأن تبتعد كنيسته عن كل ما يؤدى إلى الانحطاط الأدبى أو الاجتماعى أو الخلقى أو الخطأ فى العقائد الإيمانية لكى تكون بلا عيب (لكى يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شئ من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب أف5: 27).

5- وليتأمل الرؤساء الروحيون والرعاة فى التنبيهات المشددة  والدقيقة التى نبه بها الوحى رئيس الكهنة وكل الذين يعملون فى الكهنوت المقدس لكى يعتنوا هم أيضاً بأمر الفرد والجماعة لأنهم جميعاً شعبه ورعيته فكان على الكاهن:

( أ ) أن ينظر فى حال كل فرد ويهتم به سواء أكان غنياً أم فقيرا.

(ب) وأن يفحصه بالتدقيق ويجرى معه كل الإجراءات المقررة قبل أن يحكم بطهارته أو بنجاسته. وهنا ينبه الرعاة ألا يصدروا أحكاماً كنسية أو تأديبات على عضو من الأعضاء بتسرع، بل بروية وإمعان وبعد فحص وتدقيق. وأن يكون هذا بروح المحبة والوداعة (غل6: 1).

(ج) وأن يمارسوا الطقوس التى رسمها الله بدقة ليس مع الأشخاص فقط بل حتى مع الثياب والبيوت. وهذا يرسم صورة للراعى الأمين الذى يهتم بنقاوة أفراد شعبه وبكل ما يتعلق بحياتهم. كما أنه يرسم صورة لقدسية الطقوس الإلهية والكنسية ووجوب الحرص عليها لما لها من فوائد جليلة للمؤمنين.

6- وليذكر المؤمنون أيضاً أن تأديبات الرب إنما هى لخيرهم الروحى. وما تعطيه الكنيسة لأبنائها من عظات ونصائح. وما تفرضه عليهم أحياناً من القوانين أو التأديبات إنما هو لخيرهم الروحى وتقويمهم وتقدمهم. فالرب يسوع نفسه بعد أن طهر الأبرص أمره أن يذهب ويرى نفسه للكاهن ويقدم القرابين التى أمر بها موسى (مت8: 4). والرسول أوصى بأن يسلم الأخ الخاطئ فى كورنثوس للتأديب حتى يتعظ ويصلح من سلوكه. وإذا قبل هذا الأخ التأديب وتاب أوصى بأن تقبله الكنيسة بفرح (1كو5: 4،5،2كو2: 7).

7- إن الشريعة حتّمت على الكاهن أن يعنى بأمر المريض حتى بعد شفائه فيعمل الطقوس اللازمة لتطهيره والتكفير عنه. ويحترس أيضاً لئلا يعاوده المرض. وفى هذا:

( أ ) تحذير للمؤمن الذى يتوب عن خطيته ويرجع إلى الله. فإنه يجب عليه أن ينتبه لئلا يعود فينتكس مرة ثانية ويسقط (إذاً من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط 1كو10: 12)، ولقد أمر الرب مريض بيت حسدا بعد أن أبرأه قائلاً (ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر يو 5: 14) .

(ب) ومن ناحية أخرى فى هذا أيضاً تنبيه للرعاة لكى يواظبوا على افتقاد أولادهم الذين سبقوا فاعترفوا بخطاياهم وتابوا عنها لئلا يخدعهم الشيطان و يسقطهم مرة أخرى.

 

Leave a Comment