تفسير سفر اللاويين – الأصحاح الرابع والعشرون – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

يشتمل هذا الأصحاح على بعض التوصيات وبعض الشرائع وعلى حادث مؤسف واحد. وتتلخص مشتملات الأصحاح فى:

1- أمر الرب الشعب بتقديم زيت الزيتون لإضاءة السرج فى خيمة الاجتماع (ع1-4).

2- الحديث عن خبز الوجوه (ع 5-9).

3- تجديف ابن الرجل المصرى وزوجته شلومية الإسرائيلية على الرب وسبه الاسم المقدس. وأمر الرب برجمه بالحجارة. وإعطاء شريعة بخصوص من يسب الاسم المقدس (ع 10-16،23).

4- إعطاء شرائع أخرى تتعلق بقتل الإنسان. وقتل البهيمة. والاعتداء على الإنسان وإحداث ضرر به (ع 17-22).

الأمر بتقديم زيت الزيتون (ع1-4)

1- وكلم الرب موسى قائلا.

2- أوصى بنى إسرائيل أن يقدموا إليك زيت زيتون مرضوض نقيا للضوء لإيقاد السرج دائما.

1- سبق الرب فأمرهم بتقديم الزيت لإيقاد سرج المنارة الذهبية فى (خر 6:25،20:27،21). والشعب هو المسئول عن تقديم احتياجات بيت الله واحتياجات الخدمة لأنه بمثل هذه التقدمات يسر الله.

2- وقوله (زيت زيتون مرضوض) أى يستخرج برض (دق) الزيتون فى الهاون وتصفيته لأن هذه الطريقة كانت تخرج أنقى أنواع الزيت. و (نقيا) أى خاليا من الشوائب كما عرفنا فى سفر الخروج.

(لإيقاد السرج دائما): أى مدى الأيام.

3- خارج حجاب الشهادة فى خيمة الاجتماع يرتبها هرون من المساء إلى الصباح أمام الرب دائما فريضة دهرية فى أجيالكم.

كانت المنارة التى تحمل السرج السبعة موضوعة فى القدس (خارج حجاب الشهادة) الذى يفصل قدس الأقداس عن القدس. ودعى (حجاب الشهادة) لأنه كان يحجب تابوت العهد الموضوع فى قدس الأقداس والذى حفظ فيه لوحا الشهادة (الوصايا العشر). وقد دعى تابوت العهد لذلك أيضاً (تابوت الشهادة) (يرتبها هرون من المساء إلى الصباح أمام الرب): كان على هرون وبنيه أن يرتبوا السرج أى يعدوها ويصلحوها ويضيئوها. ومعنى ترتيبها (من المساء إلى الصباح) أى السهر عليها لئلا تطفأ. وقد ذكر المؤرخون أن السرج جميعها كانت تضاء فى الليل وثلاثة منها كانت تظل مضاءة أثناء النهار.

(فريضة دهرية فى أجيالكم): أى ما دام كهنوتهم قائما.

4- على المنارة الطاهرة يرتب السرج أمام الرب دائماً.

1- هذا توضيح لما ذكر فى العدد السابق ومعناه أن المسئولين عن ترتيب السرج هم هرون وبنوه.

2- ودعيت المنارة (طاهرة):

(أ) لأن بيت الله طاهر. بكل ما يشتمل عليه من محتويات. لأنها جميعها معدة لخدمة الرب.

(ب) ولأنها مصنوعة من الذهب النقى.

(جـ) وفسر ذلك فيما بعد بعض علمائهم بأن قوله (المنارة الطاهرة) يعنى المنارة المعدة المنظفة بعد أن ينظفها الكهنة قبل إيقاد السرج لتكون لائقة للخدمة المقدسة.

3- ولقد عرفنا أن الزيت يشير إلى الروح القدس وعمله فى المؤمنين. وكما أن سرج المنارة سبعة وهى عدد كامل فكذلك ثمار الروح القدس متعددة وكاملة (غل 22:5،23). وتعدد هذه السرج فى المنارة الواحدة يذكرنا بالمواهب الكثيرة التى يعطيها الروح الواحد (1كو 4:12).

والمنارة والضوء فى بيت الله يشيران إلى نور الرب. وجلال الخدمة المقدسة. والكهنوت المبارك. كما يشيران أيضاً إلى الحياة المنيرة المشرقة التى يجب أن يحياها أولاد الله وخدامه الأمناء.

وقد شبه الرب كنائسه السبع فى آسيا بالسبع مناير. لأن الكنيسة التى هى جماعة المؤمنين تعتبر منارة تضئ للعالم بإيمانها وسيرتها النقية وأعمالها الحسنة وتعاليمها المحيية. وشبه ملائكة (أساقفة) الكنائس بالسبعة سرج. وقد رأى يوحنا الحبيب الرب يسوع يتمشى بين السبع مناير. لأنه مؤسس الكنيسة وربها وفاديها وراعيها وحارسها.

الحديث عن خبز الوجوه (ع 5-9)

5- وتأخذ دقيقا وتخبزه اثنى عشر قرصا. عشرين يكون القرص الواحد.

هذه الآيات تتكلم عن خبز الوجوه الذى كان يوضع على المائدة فى القدس. وقد ذكر الخبز والمائدة فى (خر 23:25-30). ويظهر من التقليد ومن أقوال بعض المؤرخين مثل يوسيفوس أن هذا الخبز كان يصنع فطيرا.

1- دعى هذا الخبز (خبز الحضرة). و(خبز الوجوه) لأنه كان حاضرا بدون انقطاع، وفى مواجهة الرب على المائدة. ولهذا السبب دعى أيضاً (الخبز الدائم عد 7:4) ودعاه رب المجد (خبز التقدمة مت 4:12).

2- كانت عدد الأقراص (القرص أو الأرغفة) اثنى عشر قرصا. بعدد أسباط إسرائيل الاثنى عشر. وهذا العدد هو الذى يشير إلى كنيسة الله فى العهدين. لأن الكنيسة القديمة قامت على الاثنى عشر سبطا والكنيسة الجديدة بدأت من الاثنى عشر تلميذا.

وقد ذكر هذا العدد مرارا كثيرة فى الكتاب المقدس: فشهور السنة اثنا عشر شهرا. واعتبرت كل من ساعات النهار والليل اثنتى عشر ساعة (يو 9:11). وكانت أعين الماء فى إيليم اثنتى عشر عينا (خر 27:15)، والأحجار الكريمة على صدرة هرون اثنا عشر (خر 21:28) وقد أقام إيليا مذبحه على جبل الكرمل من هرون اثنى عشر حجرا (1مل 31:18)، وأساسات المدينة المقدسة أورشليم السماوية اثنا عشر أساسا. وأبوابها اثنا عشر بابا (رؤ 12:21،14) إلى غير ذلك. ولعل الله بحكمته ذكر هذا العدد كثيرا تكريما للكنيسة المقدسة فى العهدين القديم والجديد وكإظهار لمحبته وعنايته ورعايته لها.

3- كان كل قرص من (عشرين) من دقيق القمح النقى. والمقصود (بالعشر) عشر الإيفة ومقداره عمر (خر 36:16) ويسع تقريبا 2.29 من اللترات. وكان القمح من تقديمات الشعب. وفيما بعد كان يشترى من فضة الفداء ومقداره نصف الشاقل عن كل ذكر من ابن عشرين سنة فما فوق (خر 13:30).

4- واللاويون هم الذين كانوا يعدون الدقيق ويخبزون خبز الوجوه (1أى 23:9، 29:23). فكانوا يكيلون القمح المطلوب لكل أسبوع أى أربعة وعشرين عشرا. ويطحنونه خارج دار الخيمة. وينخلون الدقيق فى اثنى عشر منخلا كل واحد يعطى دقيقا أنعم من الآخر. ثم يعجنونه ويضعونه فى اثنى عشر قالبا من الذهب ثم يحملون الأرغفة إلى دار الخيمة وينقلونها إلى قوالب أخرى من الذهب ويخبزونها. وينقلون الأرغفة المخبوزة إلى قوالب أخرى من الذهب أيضاً لتكون معدة لإدخالها إلى القدس ووضعها على المائدة. وكانت الأقراص مستطيلة الشكل طول الواحد عشرة أجماع (الجمع عرض الكف) وعرضه خمسة وارتفاعه أصبع واحد. وقد كانت كل عمليات إعداد الخبز وخبزه تجرى فى يوم الجمعة إلا إذا كان الجمعة عيدا وفيه راحة فكانت تجرى فى يوم الثلاثاء.

6- وتجعلها صفين كل صف ستة على المائدة الطاهرة أمام الرب.

1- كان يقوم بهذا العمل ثمانية من الكهنة. يدخل منهم أربعة إلى القدس ليحملوا الخبز الذى كان موضوعا على المائدة من السبت الماضى. ويتبعهم أربعة آخرون، اثنان منهم يحملان الخبز الجديد، واثنان يحملان إناءى اللبان. وحالما يرفع الكاهن الخبز القديم. يضع الكاهنان الخبز الجديد فورا بحيث لا تخلوا المائدة لحظة واحدة من خبز الحضرة. ولذلك كان الكهنة الذين يحملون الخبز الجديد يجعلون أيديهم فوق أيدى الكهنة الذين يرفعون الخبز القديم ويجعلون الجديد فوق القديم.

2- كان الخبز يوضع فى صفين أو فى مجموعتين. يرى البعض أن الخبزات كانت توضع متجاورة. والأرجح أنها كانت توضع فى صفين بحيث يكون كل ست منها فوق بعضها. على أن يكون القرص الأول على المائدة وتوضع بين الأقراص وبعضها صفائح منحنية من الذهب تسمح بمرور الهواء خلال الأرغفة ليبقى الخبز طريا.(على المائدة الطاهرة): انظر شرح (ع 4).

7- وتجعل على كل صف لبانا نقيا فيكون للخبز تذكارا وقودا للرب.

1- كانوا يضعون أمام كل صف من الأرغفة وربما فوقه إناء من اللبان مصنوعا من الذهب. وكان هذا اللبان (تذكار النقدمة) (ص 2:2) الذى يوقد على النار ليذكر الرب تقدماتهم ويقبلها إليه رائحة زكية، وقد مر بنا أن كل تقدمة طعامية كان يقدم تذكار منها إما حفنة أو واحدة منها وهى نصيب الله من التقدمة. وتذكار خبز الوجوه كان اللبان نفسه. إذ كان الكهنة يحملون اللبان والخبز القديمين. كانوا يضعون بدلهما خبزا ولبانا جديدين. وإذ يوقدون اللبان القديم كتذكار أمام الرب كان يمكنهم أن يأكلوا أقراص الخبز التى رفعوها.

2- كانوا يضعون على المائدة أيضاً ملحا كعلامة عهد مقدس. وربما زيتا وخمرا. وكانوا فى الغالب يسكبون الخمر على المذبح أو يسكبون جزءا منه ويشربون الباقى. وكان جزء من الزيت يوقد كتذكار شأن باقى التقدمات (ص 13:2 -15). وأما الخبز فكان يؤكل وربما كانوا يطيبونه بالملح والزيت.

8- فى كل يوم سبت يرتبه أمام الرب دائما من عند بنى إسرائيل ميثاقا دهريا.

فى كل يوم سبت. كان الخبز القديم يرفع فى يوم السبت ليأكله الكهنة بعد إيقاد اللبان الذى كان موضوعا معه، ثم يوضع الخبز الجديد مكانه فى نفس اللحظة ويوضع معه اللبان كما عرفنا.

(يرتبه أمام الرب دائما): أى يرتبه هرون وبنوه. وقوله (دائما).

(أ) أى يستمر هذا الطقس معمولا به مادام الكهنوت اللاوى قائما.

(ب) وبحيث لا تخلو المائدة من الخبز لحظة واحدة كما رأينا فى شرح العدد السادس.

(من عند بنى إسرائيل): أى من تقدماتهم. وقد رأينا أنهم فيما بعد كانوا يشترونه من فضة الفداء

(شرح ع 5). والرب يحب أن نقدم بسخاء كل ما يلزم خدمته المقدسة سواء كان ذلك فى بناء الكنائس أو توفير ما يلزمها من مقاعد وأدوات وأثاثات مختلفة ونفقات للخدمة وسد حاجة الخدام، أو ما يلزم الخدمة من قرابين وزيت وشمع ولفائف وغيرها. والكنيسة المقدسة لا تفتأ تذكر فى صلواتها الذين يقربون القرابين. والمهتمين بالزيت والبخور وكتب القراءة وأوانى المذبح وما إلى ذلك.

(ميثاقا دهريا): إن الخبز الموضوع على المائدة. والذى يمثل سخاء الشعب واشتراكه فى بركة الخدمة. وفى نفس الوقت تذكرهم بإحسانات الرب عليهم. يعتبر عهد ميثاق مقدس بين الرب وبين شعبه. لكى يطيعوه ويعملوا بشريعته ويكموه بتقدماتهم السخيه وعباداتهم النقية. ولكى يديم عليهم محبته ورحمته ويحفظ لهم العهد الذى قطعه مع آبائهم.

9- فيكون لهرون وبنيه فيأكلونه فى مكان مقدس لانه قدس أقداس له. من وقائد الرب فريضة دهرية.

كان خبز الوجوه (قدس أقداس) لا يأكله إلا الكهنة. وفى مكان مقدس أى فى دار خيمة الاجتماع. وقوله (من وقائد الرب) أى أنه كان نصيب الكهنة من هذه التقدمة. أما نصيب الرب فكان اللبان الذى يوقد كما رأينا. والقرابين جميعها اعتبرت (وقائد للرب) لأنها كانت توقد على مذبحه كلها أو جزء منها.

(فريضة دهرية): كان خبز الوجوه حقا ثابتا للكهنة على مدى الأجيال مادام كهنوتهم باقيا. وشعب الله يجب أن يحفظ لكهنته وخدامه حقوقهم الأدبية والمادية إذ هم خدام العلى ووكلاء سرائر الله وساهرون على رعيته التى افتداها بدمه.

  • تأملات تتعلق بخبز الوجوه

1- يشير خبز الوجوه إلى تكريس المسيح ذاته الكامل لطاعته لأبيه ولعمله الفدائى. وإلى تكريس المؤمنين ذواتهم لذلك الذى اشتراهم بحياته ومات لأجلهم وقام.

2- والخبز فى حضوره دائما فى حضرة الله وأمام وجهه يشير إلى المسيح الحاضر دائما أمام الآب بعمله الفدائى الكفارى الدائم المفعول إذ هو حى فى كل حين ليشفع فينا (عب 25:7) والخلاص الثمين الذى صنعه خلاص دائم لكل الأجيال ولكل العصور، لكل من يؤمن به ويقبله فاديا ومخلصا ويسلك فى طريقه بحسب وصاياه.

3- الخبز علامة شركة مقدسة بين الله وبين شعبه وكهنته. فالشعب يقدم خبز والرب يقبل تذكاره من اللبان الذى يوقد على المذبح. والكهنة الذين ينوبون عن الشعب كله يأكلون الخبز. وكل هذا يشير إلى شركتنا مع الله الذى يحل بيننا ويملأنا من روحه ويقبل عبادتنا ويجعلنا وإياه واحد لأننا به صرنا شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 4:1).

4- وهو يشير أيضاً إلى الشركة العميقة المقدسة شركة جسد المسيح وشركة دم المسيح اللذين نتناولهما فى سر القربان الطاهر (1كو 16:10،17).

5- كانت الاثنا عشر قرصا من الخبز تمثل الأسباط الأثنى عشر. ووجودها دائما على المائدة فى حضرة الله كانت علامة على أن أسباط الشعب جميعها مذكورة أمام الله وحاضرة أمامه. وحتى بعد أن انقسمت مملكتهم إلى مملكتين ولم يبقى سوى سبطين فى مملكة يهوذا كانت الأقراص الاثنا عشر كلها توضع على المائدة إشارة إلى أن الرب لازال يذكر الشعب جميعه. والرب يذكر كنيسته فى كل الأجيال لا يهمل منها فردا واحدا لأنه قد قال فى وعده الصادق (هوذا على كفى نقشتك أسوارك أمامى دائما أش 16:49).

6- والأرغفة الاثنا عشر تذكر الأسباط بأن الرب يعتنى بها جميعا ويشبعها من خيراته ويسد احتياجاتها. ونحن يجب أن نثق ونؤمن أن الرب يسد جميع احتياجاتنا الروحية والمادية. لقد أعطانا الكثير والكثير جدا من أمور هذه الحياة وكلها تعتبر كلا شئ بجانب ابنه الحبيب الغالى الذى قدمه كفارة لأجلنا لأن (الذى لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شئ؟ رو 32:8).

تجديف ابن شلومية (ع 10)

10- وخرج ابن امرأة إسرائيلية وهو ابن رجل مصرى فى وسط بنى إسرائيل. وتخاصم فى المحلة ابن إسرائيلية ورجل إسرائيلى.

ذكر الوحى هذه الحادثة المؤلمة هنا لأنها وقعت فى خلال إعطاء الرب أوامره لموسى. والشخص الذى يظهر فى هذه الحادثة جدف على اسم الله القدوس. وهو ابن لامرأة إسرائيلية ولكن أباه كان مصريا. وقد تزوج بالمرأة فى مصر. وربما خرج هذا الشخص مع أبيه من مصر مع اللفيف الذى خرج مع شعب الله (خر 38:12). أو ربما مات أبوه فى مصر. أو لم يخرج مع الشعب وبقى فى مصر بينما خرج الابن مع أمه. تخاصم هذا الشخص مع رجل إسرائيلى. وهناك تقليد يهودى يقول إن أم هذا الشخص واسمها شلومية (ع11) كانت من سبط دان. كانت متزوجة فى مصر برجل إسرائيلى من سبطها. فقتل أحد المسخرين المصريين زوجها. وأخذ زوجته فولدت هذا الولد. ويذكر التقليد أن الشخص الذى رآه موسى يتشاجر مع رجل عبرانى هو نفس هذا المسخر فضربه موسى وقتله انتقاما لشمولية وزوجها الإسرائيلى (خر 11:2،12).

ويقول التقليد أيضاً إن سبب مخاصمة ابن شلومية مع الإسرائيلى. أن ابن شلومية كان يقيم خارج محلة إسرائيل بما أن أباه ليس يهوديا. ولما أراد أن يقيم خيمته بين خيم سبط دان بما أن أمه من هذا السبط عارضه أحد الرجال من سبط دان فوقعت بينهم المخاصمة.

يؤيد التقليد اليهودى هذا الرأى بقول النص الإلهى (وخرج ابن امرأة إسرائيلية…وتخاصم ابن الإسرائيلية وتخاصم فى المحلة ورجل إسرائيلى) أى أنه خرج من خيام غير الإسرائيليين وجاء إلى خيام بنى إسرائيل حيث وقع الخصام بينه وبين الرجل الإسرائيلى.

11- وجدف ابن الإسرائيلية على الاسم وسب. فأتوا به إلى موسى. وكان اسم أمه شلومية بنت دبرى من سبط دان.

1- فى شدة المخاصمة جدف هذا الرجل على الاسم القدوس (يهوى). ويذكر التقليد أنه لما أراد أن يسكن بين الدانيين فى وسط المحلة ووقعت المنازعة بينه وبين الرجل الإسرائيلى سمع مخاصمتهما بعض رجال القضاة فحكموا بإقصائه عن المحلة وأقروا عدم سكناه بين الشعب مما جعله يغضب. ويجدف على الاسم المبارك.ويرى بعض المفسرين أن تجديفه ربما كان مجرد النطق باسم (يهوه) العظيم. لأن اليهود كانوا لا يجرأون على النطق به. وأحيانا كانوا لا يكتبونه ويكتبون بدله اسم (ادوناى) التى معناها (الرب). وحتى إن كان اسم يهوه مكتوبا كانوا يقرأونه (ادوناى)، ولذلك فحتى رئيس الكهنة فى محاكمته للسيد المسيح لم يجرؤ على النطق باسم يهوه بل سأله قائلا: (أنت المسيح ابن المبارك؟ مر 61:14) وقد نقل الاسم القدوس إلى اليونانية إلى (كيريوس) التى تعنى الرب. ونقل إلى باقى اللغات إلى (الرب).

2- جدف هذا الرجل (وسب) ربما سب الاسم القدوس. أو سب شريعته المقدسة. التى تقضى بمنعه من السكنى مع أهل أمه. أو سب الرجال الذين حكموا بذلك.

3- جاءوا به إلى موسى لينظروا بماذا يحكم عليه لأن رؤساء الشعب كانوا يأتون إلى موسى بالقضايا التى لا يستطيعون أن يحكموا فيها (خر 26:18).

(وكان اسم أمه شلومية بنت دبرى من سبط دان). وشلومية أو شلوميث بمعنى مسالمة هادئة. وهذا الاسم كان علما لبعض النساء كما فى هذا النص وفى (1أى 19:3). كما كان علما لبعض الرجال أيضاً (1أى 9:23،18، 25:26، عز 10:8).

12- فوضعوه فى المحرس ليعلن لهم عن فم الرب.

لم يكن موسى قد تسلم أمرا من الرب بخصوص التجديف. فأمر بأن يوضع الرجل الذى جدف فى المحرس أى الحبس الاحتياطى. حتى يعرض أمره على الرب. وينتظر حكمه تعالى عليه.

13- فكلم الرب موسى قائلا.

14- أخرج الذى سب خارج المحلة فيضع جميع السامعين أياديهم على رأسه ويرجموه كل الجماعة.

كان الرب فى الغالب يكلم موسى من بين الكروبين اللذين على غطاء تابوت العهد (خر 22:25، عد 89:7). وأمر الرب موسى:

(أ) بأن يخرجوا الرجل الذى جدف إلى خارج المحلة الذى اعتبره موضعا نجسا حيث كان ذبائح الخطية تحرق وكان المتنجسون بسبب البرص والسيل وملامسة الميت ينقلون إلى خارج المحلة استنكارا للخطايا وإظهارا لشر فاعليها. وقد رضى ربنا يسوع المسيح الذى قبل اللعنة والعار اللذين كانا على جنس البشر وأن يحمل خطايا العالم أن يقتل خارج المحلة لأنه صلب خارج أورشليم (عب 12:13، 13).

(ب) وأن (يضع جميع السامعين أياديهم على رأسه) لأنهم الشهود فى قضية هذا الرجل. وقد قضت الشريعة ألا يشهد على المتهم شاهد واحد بل على فم شاهدين أو على فم ثلاثة شهود يقوم الأمر (تث 6:17، 15:19). حتى يكون الحكم عادلا. ووضع أيديهم على رأسه إقرار منهم بأنهم سمعوه بالفعل وهو يجدف. وإعلان على أنهم مسئولون عن شهادتهم وأنهم بريئون منه. وأن دمه على رأسه. وبالتالى فهو مستحق الحكم لأنه عمل خطيته متعمدا. وقد كان الشهود يقولون وهم يضعون أيديهم على رأس المذنب (دمك على رأسك فأنت الذى جنيت على نفسك)، ويرى بعض علماء الكتاب أن الشهود كانوا يضعون أيديهم على المذنب فى حالة التجديف فقط.

(جـ) ثم (ترجمه كل الجماعة) أى كل الشعب المقصود رؤساؤه ونوابه. وكان الشهود يرجمونه أولا. ثم يشترك الشعب فى رجمه استنكار لعمله الأثيم.

(د) ومن المحتمل أنهم كانوا يحثونه على الاعتراف بخطيته والندم عليها وهو فى طريقه إلى الموضع الذى يرجمونه فيه عسى أن يرحمه الله ويقبل توبته ويغفر خطاياه.

15- وكلم بنى إسرائيل قائلا : كل من سب إلهه يحمل خطيته.

16- ومن جدف على اسم الرب فإنه يقتل. يرجمه كل الجماعة رجما. الغريب كالوطنى عندما يجدف على الاسم يقتل.أعطى الرب لشعبه هذه الشريعة بشأن الإنسان الذى يجدف على الاسم القدوس أو يجدف عليه. وهى أن يقتل رجما بالحجارة يتساوى فى ذلك (الغريب والوطنى) أى الغريب عن شعب إسرائيل سواء أكان متهودا أو غير متهودا والوطنى أى اليهودى الأصل. لأن الرب يغار على مجده واسمه.(وكلم بنى إسرائيل قائلا): كلمهم الرب على يد عبده موسى الذى كان يعطيه الشريعة ليلقنها للشعب.(يحمل خطيته) أى يكون مسئولا عن خطيته. ومستحقا الحكم العادل بسببها.

شرائع أخرى (ع 17 – 22)

17- وإذا أمات أحد إنسانا فإنه يقتل.

بعد أن سن الرب الشريعة بخصوص التجديف على اسمه المبارك. ذكرهم ببعض الشرائع الأخرى بشأن بعض الخطايا الشائعة والتى كانوا معرضين لها ومن السهل أن يقترفوها حتى يحذرهم منها.

وفى هذا العدد ينبه عن خطية قتل الإنسان. لأن حياة الإنسان ملك لله وحده وليس لأحد أن يعتدى على أرواح البشر وعلى حياتهم. وعقاب الذى يقتل الإنسان القتل. وقد سبق الرب قبل نزول الشريعة فاستجوب قايين الذى قتل أخاه هابيل بقوله: (أين هابيل أخوك؟). ثم ندد بفعلته الشنعاء حيث حيث قال له (ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ إلى من الأرض) وقد لعنه على عمله، وفى نفس الوقت شعر قايين بذنبه وأحس أن كل من وجده يقتله لولا أن الرب رحمه وأعطاه علامة لكى لا يتعدى أحد على حياته (تك 9:4-16).وكانت أول شريعة أعطاها الرب للإنسان تنهى عن القتل وتأمر بقصاص القاتل بعد الطوفان حيث قال لنوح (ومن يد الإنسان أطلب نفس الإنسان من يد الإنسان أخيه. سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه لأن الله على صورته عمل الإنسان تك 5:9،6).

وعندما أعطى الشريعة لموسى كانت الوصية السادسة: (لا تقتل خر 13:20).

هذا عن القتل المتعمد. أما القاتل بغير تعمد فكان له أن يهرب إلى إحدى مدن الملجأ وإن ظهرت براءته بقى فيها إلى وفاة رئيس الكهنة ثم يعود إلى بلدته (عد 35، تث 19). وفى كل حالة كان عقاب القاتل أو تبرئته على يد القضاة.

18- ومن أمات بهيمة يعوض عنها نفسا بنفس.

من قتل بهيمة لشخص ما أو تسبب فى موتها عليه أن يعوض عنها (نفسا بنفس) أى بهيمة نظيرها. أو بثمنها.

19- وإذا أحدث إنسان فى قريب عيبا فكما فعل كذلك يفعل به.

20- كسر بكسر وعين بعين وسن بسن. كما أحدث عيبا فى الإنسان كذلك يحدث فيه.

1- وردت هذه الشريعة فى (خر 24:21،25) لأنه كان يحدث أحيانا أن يتشاجر شخصان أو أكثر فيحدث إحداهما ضررا بصاحبه كأن يتسبب فى كسر عضو من أعضاؤه كاليد أو الرجل. أو فى قلع عضو كالعين أو السن. وفى هذه الحالة كان الأمر يعرض على القضاة. والشريعة تصرح بأن يحكم بمعاقبه المتسبب فى الضرب بإحداث ضرر مماثل فيه. غير أنه بمقارنة هذا النص مع (خر 18:21،19)، (عد 31:35) يتضح أنه كان يجوز أن يدفع المعتدى تعويضا للمجنى عليه. ولذلك فقد قدروا تعويضا لكل عضو من أعضاء الجسم

2- لا يفهم من النص أن الرب أراد أن يحرضهم على الانتقام لأنفسهم لكنه أراد أن ينير الطريق أمام القضاة من جهة لكى يحكموا بالعدل. ومن جهة أخرى أراد أن يخفف من شدة غلواء حب الانتقام والتطرف والأخذ بالثأر لدرجة قد تصل إلى قتل المجنى عليه المتسبب فى ضرره أو إلى طلب المبالغة فى معاقبته.

3- ومن المعروف أن الرب أعطى هذه الشريعة لشعبه قديما بالنسبة لعدم استعدادهم الروحى الكامل وعدم نضجهم تماما فى السماويات. وقد فهم بعض الناس أن يحتم عليهم الانتقام لأنفسهم وفى نفس الوقت فسر بعض معلمى اليهود هذه الشريعة على أنها تبيح للناس الانتقام لأنفسهم ولكن لما كمل

ملئ الزمان وبعد أن تدرب الإنسان روحيا . أعطى الله البشر شريعة السمو والكمال. حيث قال

المسيح له المجد (سمعتم أنه قيل للقدماء عين بعين وسن بسن وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر

بالشر بل من لطمك على خدك الأيمن تحول له الآخر أيضاً. ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه

اثنين مت 38:5-41).ولقد قصد المسيح بشريعته السامية أن يصحح تأويل اليهود للشريعة

الموسويه.والتفاسير التى ذهب إليها بعض معلميهم وعلموها للشعب من جهة، وأن يرقى بعقول

البشروميولهم وغرائزهم وأفكارهم ويساعدهم على أن يحيوا حياة تسودها المحبة والسلام والإخوة

من جهة أخرى.

21- من قتل بهيمة يعوض عنها ومن قتل إنسان يقتل.

هذا تأكيد لما قاله فى عددى (7،18) ردده الوحى لتقرير المعنى حتى يدقق الشعب فى تطبيق أحكام الله والعمل بها. وحتى لا يسوغ إنسان لنفسه قتل الذى يقتل بهيمته مبالغة فى الانتقام أو ظنا منه أن نفس الإنسان مساوية لنفس البهيمة.

22- حكم واحد يكون لكم. الغريب يكون كالوطنى. إنى أنا الرب إلهكم.

يجب أن يحكموا بالعدل وبدون محاباة وبدون أخذ بالوجوه. لا فرق بين الغريب النزيل بينهم واليهودى أصلا.(إنى أنا الرب إلهكم): أنا الرب العادل أحب العدل والحق ولا أرضى بالظلم فى الحكم أو بالجور فى القضاء.

تنفيذ الحكم فى الرجل المجدف (ع 23)

23- فكلم موسى بنى إسرائيل أن يخرجوا الذى سب إلى خارج المحلة ويرجموه بالحجارة. ففعل بنو إسرائيل كما أمر الرب موسى.

بناء على أمر الرب لموسى فى (ع 14-16) أمر موسى الشعب أن يخرجوا ابن شلومية إلى خارج المحلة ويرجموه بالحجارة. وفعل الشعب ذلك غيرة على مجد الله وتنفيذا لشريعته المقدسة.

دروس وتأملات

1- لقد رأينا خطورة الزواج من زوج شرير أو بزوجة شريرة أو بعيدة عن الإيمان. إن هذا فضلا على أن ينغص الحياة الزوجية ويتلفها. له تأثيره السئ أيضاً على النسل الذى يولد وينشأ فى وسط مضطرب. فينشأ حائر بين طرفين متناقضين. ويعيش مبلبل الفكر مشتت النفس. وكثيرا ما يتغلب الجانب الشرير على الجانب الصالح فى حياة النشئ البرئ. وهذا الذى جعل ابن شلومية ينحرف فيجدف على اسم يهوه العظيم إله أمه، لأن أباه كان وثنيا لا يعرف الله.

2- وما يقال عن اختيار الزوج أو الزوجة يقال أيضاً عن اختيار الأصدقاء. فإن الصديق له تأثير كبير على صديقه قد يؤثر على حياته تأثيرا صالحا إذا كان صالحا ويملأ حياة صديقه سعادة وتعزية وروحانية. أما إذا كان شريرا أو منحرفا فهناك الطامة الكبرى لأنه قد يسبب المفاسد الكبيرة فى حياة أصدقائه. ولهذا يحذر الرسول بقوله: (لا تضلوا فإن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة 1كو 33:15).

3- ورأينا أيضاً كيف يغار الله على مجده وعلى اسمه. إذ حكم على الرجل الذى جدف على الاسم القدوس بالموت رجما. ولقد أوصى الله قائلا: (لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا خر 7:20). ومما يؤسف له أن البعض يهينون اسم الله لأنهم شخصيا يخالفون هذه الوصية المقدسة. فينطقون باسم الله بدون داع، أحيانا يقسمون. وقد يجدفون. ليكن اسم الرب مباركا وعزيزا وغاليا فلا تنطق به إلا بكل إكبار وإجلال وتعظيم وفى المواقف الضرورية.

والبعض بسبب سلوكهم المنحرف يكونون وسائط التجديف على اسم الله وإهانته من الذين هم من خارج. إن سلوك المؤمنين الردئ قد يجعل الناس بقوله: (لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم رو 24:2). فلنمجد الله فى أنفسنا، ولتكن سيرتنا حسنه أمام جميع الناس حتى نكون وسائط مباركة تجعل البعيدين والقريبين يمجدون الله بسببنا. (فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكى يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات مت 16:5). وعندما يرى الجميع حياتنا المضيئة المشرقة، وأعمالنا الطيبة، يشهدون لنا، ولإلهنا، ولإيماننا الأقدس، ولديانتنا السمائية، ولكنيستنا المجيدة، ولا يسعهم إلا أن يشيروا إلينا معجبين قائلين: (هؤلاء الناس هم عبيد الله العلى أع 17:16).

Leave a Comment