تفسير سفر اللاويين – الأصحاح السابع عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

يتضمن هذا الأصحاح موضوعين خاصين بأكل لحوم الحيوانات :

الأول: من (ع1-9) فى الحديث عن ذبح الحيوانات التى كانت تقدم ذبائح ويؤكل لحمها عند خيمة الاجتماع. وهذه الحيوانات هى البقر والغنم والمعزى.

والثانى: التشديد بعدم أكل الدم تأكيداً لما أمرهم به فى ذلك من قبل وهذا الموضوع من ناحيته يتناول ثلاثة أمور:

( أ ) عدم أكل الدم من الحيوانات التى تذبح عادياً (ع10-12).

(ب) عدم أكل دم الحيوانات التى كانوا يصطادونها (ع13،14).

(ج) شريعة الأكل سهواً من الميتة أو الفريسة (ع15،16).

ذبح الحيوانات من البقر والغنم والمعزى (ع1-9)

1- وكلم الرب موسى قائلاً .

كلمه الرب بهذا بعد كلامه عن يوم الكفارة العظيم المذكور فى الأصحاح السابق.

2- كلم هرون وبنيه وجميع بنى إسرائيل وقل لهم : هذا هو الأمر الذى يوصى به الرب قائلاً .

كلم الرب موسى لأنه هو النبى الذى يتسلم الشريعة. وأمره أن يوصى هرون وبنيه لأنهم الكهنة وعليهم أن يعلموا الشريعة للشعب ويتابعوا مدى تنفيذها ويسهروا على تذكير الشعب بها وتحذيرهم من إهمالها، كما أمره أن يوصى الشعب جميعه أيضاً حتى يكون موسى قد أدى واجبه على الوجه الأكمل ولايكون للشعب عذراً إذا قصر.

(هذا هو الأمر الذى يوصى به الرب) أى المتعلق بأكل لحوم الحيوانات والتحذير من أكل الدم.

3- كل إنسان من بيت إسرائيل يذبح بقراً أو غنماً أو معزى فى المحلة أو يذبح خارج المحلة .

هذه هى الحيوانات الطاهرة من الدرجة الأولى التى كانت تؤكل وتقدم ذبائح للرب. سواء ذُبحت خارج المحلة أى فى البقعة التى يعيشون عليها ويقيمون خيامهم فيها. أو خارج حدود المحلة، فإن الشريعة التالية تنطبق عليها.

4- وإلى باب خيمة الاجتماع لايأتى به ليقرب قرباناً للرب أمام مسكن الرب يحسب على ذلك الإنسان دم. قد سفك دماً فيقطع ذلك الإنسان من شعبه .

معنى هذا أن كل من يذبح واحداً من هذه الحيوانات عليه أن يذبحه أمام خيمة الاجتماع ليكون ذبيحة سلامة للرب يوقد منه الشحم والأجزاء المقررة على المذبح (ص3) ويأخذ الكاهن نصيبه. ويأكل هو باقى لحم الذبيحة مع أحبائه وإلا فإن الرب .

( أ ) يحسب على ذلك الإنسان دم:

أى يكون فى نظر الرب كقاتل نفس وهذا يبين أنه حتى حياة الحيوانات لها قيمتها فى نظر الله العلى وعلى الإنسان أن يذبحها فى حدود الناموس الإلهى وفى حدود إطاعته ومخافته. كما أن الشخص الذى يخالف شريعة الله يكون بمثابة القتلة أو أشد الجناة ذنباً مهما بدت خطيته طفيفة فى نظره أو فى نظر الناس لأن (كل إثم هو خطية 1يو5: 17).

(ب) فيقطع ذلك الإنسان من شعبه:

فكان القضاة يقررون فرزه من جماعة الرب وأحياناً يحكمون بقتله بحسب اقترافه المخالفة بجهل أو سهواً أو تعمداً وإصراراً. وكان الله يعاقبه بنفسه أحياناً .

وهناك رأيان للعلماء بخصوص ذبح الحيوانات المذكورة فى هذا النص :

1- فالرأى الأول أن المقصود بذلك جميع الحيوانات التى كانوا يذبحونها سواء كان المقصود من ذلك تقديمها ذبائح أو مجرد الأكل العادى. والذين يرون هذا الرأى يقولون إن هذه الشريعة كانت خاصة بالمدة التى قضوهاً متجولين فى البرية فقط لأن الخيمة كانت فى وسطهم وكانت خيامهم قريبة منها ومحيطة بها ومن السهل عليهم أن يأتوا بحيواناتهم ليذبحوها عند الخيمة ليكون كل حيوان يُذبح بمثابة ذبيحة للرب والقصد من ذلك ألا يتعرضوا للذبح للأوثان كما كانت الأمم تفعل. والذين يرون هذا الرأى يقولون إن الشعب فى تجوله فى البرية كان لايذبح الحيوان كثيراً للأكل مثله فى ذلك كمثل جميع القبائل الرحالة .

وأما بعد وصولهم إلى أرض كنعان وتقسيم الأراضى على الأسباط حيث صار لكل سبط مدنه وأرضه وكان بيت الرب بعيداً عن الكثير من الأسباط فقد أمرهم الرب أن يأتوا بذبائحهم وتقدماتهم وباكوراتهم إلى بيت الرب فعلاً (تث12: 11-19، 26-27) وأمرهم أيضاً أن يحضروا إلى بيت الرب ليمثلوا أمامه ثلاث مرات فى السنة فى عيد الفصح وعيد الخمسين وعيد المظال (خر23: 14-17) .

أما الحيوانات التى يذبحونها لمجرد الأكل فقد صرح لهم أن يذبحوها فى مدنهم وعند بيوتهم وقد قال لهم فى هذا (إذا وسع الرب إلهك تخومك كما كلمك وقلت آكل لحماً لأن نفسك تشتهى أن تأكل لحماً فمن كل ما تشتهى نفسك تأكل لحماً. إذا كان المكان الذى يختاره الرب إلهك ليضع اسمه فيه بعيداً عنك فاذبح من بقرك وغنمك التى أعطاك الرب كما أوصيتك وكل فى أبوابك من كل ما اشتهت نفسك كما يؤكل الظبى والأيل هكذا تأكله. النجس والطاهر يأكلانه سواء تث12: 20-22) .

2- أما الرأى الثانى فيقول أصحابه إن المقصود فى هذا الأصحاح الحيوانات التى كانت تذبح لغرض تقديمها ذبائح فقط بصرف النظر عما كانوا يذبحونه للأكل حتى لايقدمونها إلا للرب وعلى مذبح الرب فقط. ويبنون رأيهم على قول الرب (لكى يأتى بنو إسرائيل بذبائحهم التى يذبحونها على وجه الصحراء ع5)، و(فريضة دهرية تكون هذه لهم فى أجيالهم ع7) أى مادامت طقوسهم قائمة. ولعل الرأى الأول أرجح.

5- لكى يأتى بنو إسرائيل بذبائحهم التى يذبحونها على وجه الصحراء ويقدموها للرب إلى باب خيمة الاجتماع إلى الكاهن ويذبحوها ذبائح سلامة للرب .

6- ويرش الكاهن الدم على مذبح الرب لدى باب خيمة الاجتماع ويوقد الشحم لرائحة سرور للرب .

1- كان الآباء قبل الشريعة مثل آدم وهابيل ونوح وابراهيم واسحق ويعقوب وأيوب وغيرهم يبنون مذابحهم ويقدمون ذبائحهم فى أى مكان، وكان رب البيت أو رئيس العشيرة يُعتبَر كاهناً لأسرته وعشيرته. أما بعد نزول الشريعة على موسى النبى فقد حدد الله الكهنوت فى بيت هرون وخص باقى سبط لاوى بالخدمة فى بيته، وأقام الرب لنفسه بيتاً خاصاً هو خيمة الاجتماع، ومذبحاً خاصاً تقدم عنده أو عليه الذبائح وهو مذبح المحرقة. فأصبح بنو إسرائيل مقيدين بتقديم ذبائحهم على هذا المذبح وحده، وعلى يد الكهنة الشرعيين فقط. وكان الكاهن يأخذ دم الذبائح ويرشه على المذبح، ويحرق شحم الذبيحة وأجزاءها الداخلية المقررة على مذبح المحرقة فيقبلها الرب رائحة سرور ورضى ولم يعد مصرحاً لأحد أن يقدم ذبائحه إلا فى بيت الله وعلى مذبحه وعلى يد كهنته.

(على وجه الصحراء): أى فى البرية لأنهم كانوا متجولين فى البرية من جهة، ومن جهة أخرى لئلا يشتركوا مع الشعوب التى كانت تقدم ذبائحها فى الصحراء للشياطين لأنهم كانوا يظنون أنها تسكن فى الأماكن المقفرة.

2- وتقديم الذبائح على مذبح الرب كان لحكم إلهية منها:

(أ) تحاشى تقديم ذبائحهم للأوثان وللشياطين كما سنرى.

(ب) الارتباط بناموس طقسى إلهى واحد.

(ج) حرص الرب على أن يكون له بيت يعبده فيه شعبه وحث الشعب على تقديس بيته المقدس ومذبحه وكهنته ولكى يذكروا أنها جميعاً مكرسة لخدمة الرب وعبادته.

(د) توطيد الشركة بينهم وبين الله.

(هـ) ضمان إعطاء كهنة الله حقوقهم من الذبائح ومن تقدمات الشعب.

(و) إقرارهم أن جميع ما فى أيديهم من نعم وبركات إنما هى من الله.

(ز) التقاء جميع شعب الله أمام مذبح واحد وفى رحاب الله الواحد وفى بيته المقدس فى أخوة ومحبة وسلام .

والكنيسة المسيحية المقدسة منذ تأسيسها ترتبط برباط السلام الواحد (أف4: 3)، وتجتمع فى كنيسته المقدسة بنفس واحدة للصلاة وكسر الخبز (أع1: 14،2: 42)، وتشترك فى مائدة واحدة هى شركة جسد المسيح الواحد وشركة دمه الواحد (1كو10: 16،17) .

3- قد يسأل البعض: لماذا بنى بعض رجال الدين فيما بعد المذابح وقدموا الذبائح أحياناً بعيداً عن بيت الله كما هو الحال مع سبطى رأوبين وجاد ونصف سبط منسى، ومع يشوع وجدعون ومنوح وصموئيل وداود وإيليا وغيرهم؟ وللجواب على هذا نقول إن هذه حالات استثنائية كان بعضها لظروف أو أغراض خاصة وبعضها كان تتميماً لمقاصد إلهية، وبعضها حدث على أيدى الأنبياء الملهمين أو الملائكة، فالمذبح الذى أقامه سبط رأوبين وجاد ونصف سبط منسى الذى كانت أراضيهم شرقى الأردن كان شبهاً ومثالاً لمذبح الرب الذى أقيم غربى الأردن. ولم يعملوه للعبادة أو تقديم الذبائح بل لكى يكون شاهداً بأنهم يعبدون الرب يهوه مثل باقى الأسباط وأن لهم نصيباً فى الرب مثلهم فلا تتهمهم بقية الأسباط بأنهم لاينتسبون إلى يهوه، ولاينسى بنوهم أيضاً عبادة الرب مدى الأجيال (يش22: 22-29). والمذبح الذى أقامه يشوع على جبل عيبال (يش8: 20) كان تذكاراً لانتصاراتهم العظيمة على الشعوب الوثنية وشاهدا على الشعب الذى كتب يشوع التوراة أمامه وقرأها عليه، وتقريراً للبركات واللعنات الموجودة فى شريعة موسى التى أعاد يشوع تلاوتها على مسامعهم فى ذلك الزمان.

والمذبح الذى أقامه جدعون كان تذكاراً لظهور الملاك الذى يرجح أنه الرب الكلمة نفسه، وتحدياً لعبادة الأصنام التى كانت قد تفشت فى الشعب. والملاك نفسه هو الذى أمره بهدم هيكل البعل وساريته وبناء مذبح الرب بدلاً منه (قض6: 25-27). وقد كان هذا أيضاً لتقوية إيمان جدعون وتشجيعه على قيادة الشعب ومحاربة الأعداء.

وكذلك الحال فى ذبيحة منوح التى قدمها ليكرم بها ملاك الرب، كان القصد من قبولها تقوية إيمان منوح وزوجته حتى يتأكد أن الوعد بولادة شمشون هو من الله حقاً ولذلك صعد أمامهم ملاك الرب فى لهيب النار (قض13: 15-23) .

وقد قدم صموئيل للرب ذبيحة فى المصفاة (1صم7: 5-11) لأن تابوت عهد الرب الذى يمثل حلول الرب فى خيمة الاجتماع لم يكن بالخيمة منذ أن استولى عليه الفلسطينيون، وحتى بعد أن ضربهم الرب بسبب التابوت وأعادوه إلى شعب إسرائيل جُعل محفوظاً فى قرية يعاريم (1صم4: 4،7: 1). وقد اضطر صموئيل لتقديم ذبيحته فى الوقت الذى كان يحارب فيه شعب الله ضد الفلسطينيين، وقدم الذبيحة مرة ثانية فى بيت لحم بناء على أمر الرب نفسه حيث كان يمسح داود ملكاً بدلاً من شاول الملك (1صم16: 5) .

أما داود فقد بنى مذبحاً فى بيدر أرونة اليبوسى بناء على أمر الرب أيضاً لكى تكف ضربة الوبأ عن الشعب (2صم24: 18-25) .

ورمم إيليا مذبح الرب فى السامرة وبنى مذبحاً هنالك تحدياً لعبادة الأصنام فى مملكة إسرائيل ولكهنة البعل الذين كانت تشجعهم ايزابل الملكة زوجة آخاب وقد طلب من كهنة البعل أن يقدموا ذبيحتهم على مذبح البعل ويطلبوا إلى البعل أن يقبلها ولما فعلوا هذا لم يستمع إليهم البعل ولا خرجت نار لقبول ذبيحتهم. ولما قدم إيليا ذبيحته للرب نزلت نار والتهمت الذبيحة، فتأكد الشعب أن الرب وحده هو الله المستحق العبادة واستطاع إيليا أن يقضى على كهنة البعل الذين كانوا يضللون الشعب (1مل18: 19-40). ويجب أن نذكر أيضاً أن هذا حدث فى مملكة إسرائيل بينما مذبح الرب كان فى أورشليم عاصمة مملكة يهوذا.

كل هذه ونظائرها حالات فردية تعتبر استثناءات مسموحاً بها من الله لأغراض خاصة مثل الاستثناءات التى تصحب جميع القوانين. أما الأمر هنا فى سفر اللاويين فكان القاعدة العامة التى يجب أن يتبعها الشعب جميعه فى عبادته وتقديم ذبائحه.

7- ولايذبحوا بعد ذبائحهم للتيوس التى هم يزنون وراءها . فريضة دهرية تكون لهم فى أجيالهم .

كانت شعوب كثيرة ومن بينها المصريون والفرس والرومان واليونانيون يتعبدون للحيوانات مثل التيوس ويعملون لها التماثيل ويقدمون لها الذبائح مثل الإله (بان) الذى اعتقدوا أنه يسكن الصحارى والجبال. والإله (فونس) وغيرهما. وكلمة (التيوس) ترجمت فى بعض الترجمات مثل الترجمة الإنجليزية إلى (الشياطين) فى صورة تيس له قرون وأظافر وذيل طويل. وقد تعلم بنو إسرائيل عبادة التيوس ومارسوها وقدموا لها الذبائح، والوحى هنا يحذرهم من ذلك. والمقصود من الوصية نهيهم عن عبادة الأوثان بوجه عام، وعن الاشتراك فى عادات وممارسات الشعوب الوثنية. وقد حذرهم فى نفس السفر بقوله (لاتلتفتوا إلى الأوثان وآلهة مسبوكة لاتصنعوا لأنفسكم 19: 4). ونهاهم عن تقديم أولادهم قرباناً لمولك إله العمونيين (لا20: 1-5)، وفى سفر الخروج يقول لهم (احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض فيزنون وراء آلهتهم ويذبحون لآلهتهم فتدعى وتأكل من ذبيحتهم خر34: 15) .

(التى هم يزنون وراءها) عبادة الأوثان عبر عنها مجازاً بالزنى. لأنها خيانة للرب والتصاق بالآلهة الكاذبة. كما أن الزنى هو خيانة الرجل لامرأته والتصاقه بامرأة أخرى أو خيانة المرأة لرجلها والتصاقها برجل آخر.(فريضة دهرية تكون هذه لهم فى أجيالهم) إن الأحكام المذكورة التى تأمرهم بتقديم ذبائحهم للرب وحده. وتنهاهم عن الذبح للتيوس والأصنام يجب أن يحفظوها كفريضة دائمة مادامت أمتهم باقية ونظامهم الطقسى قائماً.

8- وتقول لهم . كل إنسان من بيت اسرائيل ومن الغرباء الذين ينزلون فى وسطكم يصعد محرقة أو ذبيحة .

9- ولايأتى بها إلى باب خيمة الاجتماع ليصنعها للرب يقطع ذلك الإنسان من شعبه .

يجب على موسى أن ينبههم إلى أن هذه الشريعة يجب أن تسرى على (كل إنسان من بيت اسرائيل) أى يهودى الأصل و(من الغرباء الذين ينزلون فى وسطهم) أى الذين يتهودون من الشعوب الأخرى التى تعيش فى وسطهم وكانوا يدخلون الديانة اليهودية ويُختنون، وربما يشمل هذا التعبير أيضاً النزلاء الذين لم يتهودوا وكان لبنى إسرائيل سلطان عليهم كالجبعونيين (يش9: 3-15). كان على الجميع أن يقدموا ذبائحهم التعبدية ومحرقاتهم إلى خيمة الاجتماع وعلى مذبح الرب وحده وإلا يقطع ذلك الإنسان من شعبه (شرح ع4). وقد عمم الله هذا الأمر على الجميع حتى الغرباء بالنسبة لخطورته ولكى يقضى على كل أثر للمعصية وللعادات الوثنية فلا يتأثر بها شعبه أو يقلدها.

النهى عن أكل الدم بوجه عام (ع10-12)

10- وكل إنسان من بيت إسرائيل ومن الغرباء النازلين فى وسطكم يأكل دماً أجعل وجهى ضد النفس الآكلة الدم وأقطعها من شعبها .

يتكلم الوحى فى الأعداد من (10 إلى 12) عن تحريم أكل الدم بوجه عام، وفى الغالب يشير هنا إلى الحيوانات التى تذبح ذبحاً عادياً مما يؤكل ويقدم ذبائح.

وقد مرت بنا الحكمة من تحريم أكل الدم فى شرح (ص3: 17،7: 26) .

وقد حذر الرب اليهود والغرباء النازلين فى وسطهم من أكل الدم كما هو الحال فى شريعة وجوب ذبح الحيوانات عند خيمة الاجتماع (ع8). وأنذر الذى يتجاسر فيأكل الدم بقوله (أجعل وجهى ضد النفس الآكلة الدم وأقطعها من شعبها)، أى أن الله بنفسه يتصرف إزاءه ويغضب عليه ويميته ليقطعه من الشعب .

11- لأن نفس الجسد هى فى الدم فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم. لأن الدم يكفر عن النفس .

يقرر الوحى هنا كما رأينا أن (نفس الجسد هى فى الدم) أى أن حياة الإنسان والحيوان مرتبطة بدمه وإذا سفك دمه أو توقفت الدورة الدموية يموت .

ولأجل ذلك فقد أعطاهم الله الدم للتكفير على المذبح عن أنفسهم لتكون حياة الحيوان التى انتهت بسفك دمه فداء عن حياتهم التى تعفى من الموت ومن العقاب بذبح الحيوان وموته .

(لأن الدم يكفر عن النفس) أى أن دم الذبائح يكفر عن خطايا المذنب وقد عرفنا أن الدم المكفر الحقيقى والفعال هو دم المسيح، والواقع كما مر بنا أن الكتاب المقدس بجميع أسفاره يعطى الدم أهمية كبرى ويتكلم كثيراً عن الدم لكى يصل بالناس فى جميع الأجيال إلى فهم موضوع كفارة المسيح والإيمان به لكى ينالوا الخلاص.

12- لذلك قلت لبنى إسرائيل لاتأكل نفس منكم دماً ولايأكل الغريب النازل فى وسطكم دماً .

لأن نفس الحيوان فى دمه، ولأن الله خصص الدم لغرض مقدس. لذلك حذر جميع بنى إسرائيل والغرباء الذين بينهم من أكل الدم وقد حرمت المسيحية أيضاً فى المجمع الذى عقده الرسل فى أورشليم أكل الدم كما سنرى فى شرح عددى (15،16) .

دم الحيوانات التى تصطاد (ع13-14)

13- وكل إنسان من بنى إسرائيل ومن الغرباء النازلين فى وسطكم يصطاد صيداً وحشاً أو طائراً يؤكل بسفك دمه ويغطيه بالتراب .

كان مصرحاً لهم أن يصطادوا بعض الحيوانات كالغزال والوعل والطيور ليأكلوها بحسب ما هو مصرح فى الشريعة وحتى فى هذه الحالة كان عليهم :

أولاً : أن يأكلوا الطير أو الحيوان (بسفك دمه)  أى بذبحه ذبحاً عادياً .

ثانياً : ولكونها من الحيوانات التى لايكفر بدمها كان عليهم أن يغطوا دمها بالتراب بعد ذبحها، وكان بنو إسرائيل فيما بعد إذا غطوا دم الحيوانات يقولون (مبارك الرب إلهنا ملك العالمين الذى أمرنا أن نغطى الدم). وتغطية الدم كانت لحكم وأغراض إلهية منها :

1- احتراماً لحياة جميع الكائنات المرتبطة بدمها .

2- إقراراً بأن الله وحده هو رب الحياة ومالكها وأن الإنسان ليس له سلطان على حياته أو على حياة غيره من الأحياء .

3- ولكى لايشتركوا فى بعض أعمال الشعوب الوثنية التى كانت أحياناً تسكب الدم للآلهة، أو تستعمله لأغراض أخرى خاطئة أو خرافية.

4- ولكى يتذكروا أن الكائنات خرجت من الأرض إذ قال الله فى خلقها (لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها تك1: 24) وأنها ستعود أيضاً إلى الأرض التى أخذت منها كما يقول المرنم (تنزع أرواحها فتموت وإلى ترابها تعود مز104: 29) .

وما ينطبق على هذه الكائنات الحية ينطبق على الإنسان الذى يموت لأنه تراب وإلى التراب يعود (تك3: 19) وكما يقول ابن سيراخ (يرجع إلى الأرض أم الجميع سى40: 1) لكى بموته (يرجع التراب إلى الأرض كما كان وترجع الروح إلى الله الذى أعطاها جا12: 7) .

5- وتغطية الدماء بالتراب يحث الناس على احترام جثث الموتى أو القتلى وعدم التشهير بها للتشفى من أصحابها أو لغرض ما .

14- لأن نفس كل جسد دمه هو بنفسه . فقلت لبنى إسرائيل لاتأكلوا دم جسد ما . لأن نفس كل جسد هى دمه. كل من أكله يقطع .

عاد هنا فأوضح لهم أن نفس (حياة) الكائن الحى هى دمه أى أن حياته متوقفة على وجود دمه فيه وعلى استمرار الدورة الدموية فى عملها وقد كرر عليهم هذه الحقيقة لكى لايأكلوا الدم فيعاقبوا بالقطع .

(لأن نفس كل جسد دمه هو بنفسه) الضمير (هو) هنا يعود على (دمه) أى أن دم الحيوان هو بمقام حياته كلها لأن حياته متوقفة عليه وقد جاءت العبارة بالترجمة اليسوعية هكذا: (لأن نفس كل جسد هى دمه. إنه بمنزلة نفسه) .

أكل الميتة أو الفريسة (ع15،16)

15- وكل إنسان يأكل ميتة أو فريسة وطنياً كان أو غريباً يغسل ثيابه ويستحم بماء ويبقى نجساً إلى المساء ثم يكون طاهراً .

16- وإن لم يغسل ولم يرحض جسده يحمل ذنبه .

المقصود (بالميتة) الحيوان الذى يموت بدون أن يذبح ذبحاً عادياً كأن يموت موتاً طبيعياً أو يختنق أو يموت فى حادث وما شبه ذلك. والمراد (بالفريسة) الحيوان الذى يقتله وحش ما. ونلاحظ :

1- أن الشريعة حرمت حتى لمس جثة الحيوان الميت فى غير حالة الذبح الطبيعى (لا5: 2) .

2- حرم الله أكل الميتة تعمداً لأنها لم تذبح ذبحاً طبيعياً وبالتالى بقى فيها كل الدم أو بعضه فضلاً عن أن أكلها يدل على الشراهة وقد يضر صحياً بآكلها.

3- وحرم أكل الفريسة بالنسبة لاعتبارات منها :

( أ ) أن الدم بعضه أو كله حُبس بها ولم يسفك لأنها لم تذبح ذبحاً طبيعياً .

(ب) وأكل الفريسة نجس لأنها لامست الوحش النجس .

(ج) وتدل على الشراهة لأن آكلها يأكل من فضلات الوحوش .

(د) كما أنها قد تضر بصحتهم .

4- وقد أمرت الشريعة أن تطرح الفريسة للكلاب بمعنى أن تهمل ليأكلها الكلاب (خر22: 31)، كما أمرهم بألا يأكلوا جثة ما بل يعطوها للغريب الساكن قريباً منهم ليبيعها أو يأكلها لأنه غير ملتزم بالعمل بالناموس (لا24: 21) .

5- والنص فى هذين العددين والشريعة المقدسة بوجه عام يذكران ثلاث حالات بخصوص من يأكل من ميتة أو فريسة:

( أ ) إذا أكل سهواً أو بدون علم فعليه أن (يغسل ثيابه ويستحم بماء يبقى نجساً إلى المساء ثم يكون طاهراً ع15) .

(ب) أما من يرفض أن يغسل ثيابه ويستحم بعد علمه بأن ما أكله فريسة أو ميتة فيعتبر معانداً للحق الإلهى (فيحمل ذنبه ع16) أى يسلم للعقاب على أيدى الكهنة أو القضاة، وقد كانت العقوبة فى أيام السيد المسيح الجلد أو القطع من الشعب حسب حجم جرمه أو عناده.

(ج) أما من أكل من الميتة أو الفريسة بعلمه وتعمداً فكان يقطع من شعبه لأنه يعتبر مخالفاً للناموس .

6- وبعد بناء هيكل سليمان كان لمعلمى اليهود تفسيراً لهذه النصوص، فينهون الشعب عن أكل الحيوان الذى يموت موتاً طبيعياً والذى يموت بغير الذبح بطريقة ما أو الحيوان الذى يفترسه وحش .

7- وفى المسيحية قرر مجمع الرسل المنعقد فى أورشليم أن يمتنع المؤمن عن أكل الدم كما رأينا والمخنوق لأنه لم يذبح طبيعياً ودمه فيه، وما ذبح للأوثان استنكارا لعبادات الوثنيين وأعمالهم

ودحضاً لادعائهم بتأليه الآلهة الكاذبة (أع15: 20) .

تأملات

1- الوحى الإلهى حتم على الشعب الإسرائيلى قديماً أن يذبح ذبائحه كلها (أمام مسكن الرب) لكى يعلمهم أن تكون كل أعمالهم فى حدود طاعة الله ولأجل مجده، ويدربهم على الروحانية وعلى ذكر الله فى جميع أعمالهم وظروفهم. وقد تدربوا فعلاً حتى كانوا يطابقون كل ما يعملونه على نصوص كلمة الله وأحكام الناموس، وكانوا فى جميع مباشراتهم حتى فى ذبح الحيوان أو تغطية الدم يذكرون اسم الرب وأحكامه .

وما أجدر بأولاد الله أن يذكروا الله ووصاياه فى كل أعمالهم وتصرفاتهم وأن يملأوا حياتهم بذكر الله، ويجملوها بالروحانية والتقوى والبر.

إن الأعمال الجميلة التى يعتادها أولاد الله وقد يستهجنها البعض كأن يبدأوا أعمالهم أو يختتموها بالتسمية باسم الله، أو باسم الآب والابن والروح القدس، حتى إذا أكلوا أو شربوا أو ذبحوا حيواناً أو أدوا امتحاناً، وكأن يرشموا علامة الصليب من وقت لآخر، أو يقدموا عبارات الشكر للرب، أو أن يسلموا له بقولهم (لتكن مشيئة الله) أو (هو الرب ما يحسن فى عينيه يفعل )، أو أن يشجعوا أنفسهم بقولهم (الله موجود) (الله يفعل الخير) … (الله يدبر) … كل هذه وأمثالها تضفى على حياة المؤمنين الكثير من الروحانية ومخافة الرب .

2- كان عليهم أن يدققوا جداً فى تنفيذ أحكام الناموس وعدم مخالفته وشددوا حتى على الغرباء المتهودين الذين بينهم على عدم مخالفة الناموس حتى لايكونوا عثرة للآخرين. ونحن المؤمنين واجب علينا ألا نتصرف تصرفاً فيه عثرة لأحد لا لأولادنا ولا لجيراننا ولا لإخوتنا. للذين من الداخل أو من الخارج، لا فى أكلنا أو شربنا أو كلامنا أو مظهرنا أو لبسنا أو أى شئ، ولانستعمل سلطاننا وقوتنا الروحية فى إسقاط أو إعثار أو حتى تشكيك النفوس التى افتداها المسيح بدمه أو جعل الناس يحتقرون المسيحية ويزدرون بها .

3- ومنع الشعب عن أكل أنواع خاصة من الطعام كالحيوانات المفترسة أو الميتة أو الدم أو الشحم أو غير ذلك درب الشعوب على فضائل كثيرة مثل طاعة الرب والصبر والاحتمال والقناعة وعدم الشراهة وضبط النفس، وضبط أنفسهم فى أمور الأكل والشرب دربهم أيضاً على ضبط ذواتهم إزاء الغرائز والعادات والتصرفات المنحرفة مثل الغضب والميل إلى الانتقام أو الأخذ بالثأر وعلى قمع الجسد إزاء المطامع والخطايا والشهوات والنزوات المختلفة. والصوم فى الكنيسة المقدسة فضلاً على أنه فضيلة من الفضائل العظيمة وركن من أركان العبادة فإنه يدرب المؤمنين أيضاً على جميع هذه الفضائل وعلى غيرها. بل كثيراً ما يكون تدريب الجسد على تنظيم أكله وشربه فى مواسم الصوم وتحكمه فى أمر ثيابه وغيرها عاملاً على تدريب المؤمن على تنظيم حياته الروحية كلها وعلى تحمل ما قد يلاقيه من التجارب والضيقات والأمراض والاضطهادات والشدة. بل على التغلب على الشهوة الردية والخطية بأنواعها. لأن القسوة الظاهرية على الجسد إن جاز أن نسميها قسوة هى فى الحقيقة تنظيم وتدريب وهى فى الواقع معلم للجسد ومهذب للنفس ومنظم لغرائز الإنسان وميوله وعواطفه وتصرفاته (فإن من تألم فى الجسد كف عن الخطية 1بط4: 1) .

 

Leave a Comment