تفسير سفر اللاويين – الأصحاح السابع والعشرون – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

– وكلم الرب موسى قائلا.

يواصل الرب حديثه إلى موسى فى جبل سيناء.

وبهذا الأصحاح يختتم سفر اللاويين. ويتضمن الأصحاح الشرائع والأمور الآتية:

1 – شريعة النذر وتشتمل على:

( أ ) نذر الأشخاص من الناس (ع2 -8).

(ب) نذر الحيوانات (9 – 13).

(جـ)    نذر البيوت (14 – 15).

(د ) نذر الحقول (ع16 – 25).

2 – شريعة تقديس الأبكار للرب (ع26 – 27)

3 – شريعة الأشياء التى تحرم (ع28 – 29).

4 – شريعة تقديم العشور من المحاصيل (ع30 – 31).

5 – ومن الحيوانات (ع32 – 33).

6 – خاتمة الأصحاح.

النذر من الأشخاص (ع2-8)

2 – كلم بنى إسرائيل وقل لهم: إذا أفرز إنسان نذرا حسب تقويمك نفوسا للرب.

(إذا أفرز إنسان نذرا) أى إذا أوقف شيئا كنذر للرب ونطق بلسانه أن يقدمه لجلاله.

(حسب تقويمك): أى حسب تقويم موسى، وفيما بعد كان الذى يقوم النذر هو الكاهن. وفى الغالب كان مع الكاهن دليل به تقويمات للنذور المختلفة.

(نفوسا للرب ): النذر هنا من النفوس (الأشخاص)، كان ينذر الإنسان نفسه أو ابنه أو ابنته وما إلى ذلك، وكان نذر النفوس يتضمن:

(أ) نذر الأشخاص الذكور أو الأناث من سن العشرين إلى الستين (ع3، 4).

(ب) نذر الذكور ثم الأناث من سن الخامسة إلى العشرين (ع5)

(د ) نذر الذكور والأناث من ابن ستين سنة فأكثر (ع7).

ونلاحظ فى مسألة النذور:

أولا: النذور قديمة العهد جدا. مثال ذلك يعقوب فى بيت إيل (تك28: 20-22)، وحتى الشعوب الوثنية كانت تنذر نذورا  (يون1: 16).

ثانيا: والنذر اختيارى. وما دام المرء لا ينذر شيئا فلا يلتزم به. ولكن متى نذره يكون ملتزما بوفائه.

ولقد قالت الشريعة فى هذا: (إذا نذرت نذرا للرب إلهك فلا تؤخر وفاءه لأن الرب إلهك يطلبه منك فتكون عليك خطية. ولكن إذا امتنعت أن تنذر لا تكون عليك خطية. ما خرج من شفتيك احفظ واعمل كما نذرت للرب إلهك تبرعا كما تكلم فمك تث 23: 21 – 23). ويقول الحكيم (إذا نذرت نذرا لله فلا تتأخر عن الوفاء به إنه لا يسر بالجهال. فأوف بما نذرته. أن لا تنذر خير من أن تنذر ولا تفى (جا5: 4،5).

ثالثا: بعض النذور كانت ذبائح كما هو الحال فى بعض أنواع ذبائح السلامة (لا7: 16) وفى بعض المحرقات (ص22: 18) وبعضها لم يكن ذبائح.

رابعا: وكان الناس أحيانا ينذرون أنفسهم. وأحيانا ينذرون غيرهم كان ينذر الوالد ابنه أو ابنته كما مر بنا. ومثال ذلك نذر حنة لصموئيل (1صم1: 11).

خامسا: وكان يشترط فى الناذر أن يكون حرا ويملك القدر على الوفاء بنذره وإلا فيكون فى حل من وفاء نذر، فالفتاة إذا نذرت نذرا فى بيت أبيها. وكان أبوها يسكت وهى تنطق بنذرها كان سكوته دليل الموافقة على النذر ومن ثم فتكون ملزمة بوفاء نذرها. ولكن إن نهاها عن النذر فى وقت نطقها به لم تكن ملزمة بوفاء النذر. وكذلك كان شأن المرأة مع زوجها. وأما الأرملة أو المطلقة فكانت تفى بنذرها لأنها المسئولة عن نفسها (ع30).

سادسا: كانت بعض النذور إيجابية كان يثبت الشخص على نفسه أمرا ما إذا أنجز الله له شيئا وقد حفظ تقليد اليهود العبارات التى ينطق بها فى حالة النذر الإيجابى حيث يقول صاحب النذر مثلا: (أوقفت) للرب كذا إذا حقق لي كذا). وبعض النذور كان سلبيا ينذر فيه صاحبه أن يمتنع عن أمر ما، وصيغة النذر فيه هكذا: (إنى نذرت أن امتنع عن كذا لمدة كذا أو إلى الأبد إذا حقق لي الرب كذا).

سابعا: كان لا يكفى أن ينذر الإنسان فى نفسه. بل عليه أن يفوه بلسانه كل ما ينذر به.

ثامنا: لم يكن مصرحا فى الشريعة أن ينذر المرء نذرا من مال كسبه عن طريق غير شريف أو من تجارة غير لائقة كأجر المرأة الزانية أو ثمن كلب باعتبار أنه حيوان نجس فى العهد القديم (تث23: 18).

تاسعا: والنذور فى المسيحية جائزة، بل مستحسنة لأن الإنسان فى نذره يقر بقدرة الله ومراحمه، وفى وفائه بالنذر دليل على شكره لمراحم الله واعترافه بحسناته. ومن أمثلة النذور فى العهد الجديد نذر بولس الرسول (أع18: 18).

3 – فإن كان تقويمك لذكر من ابن عشرين سنة إلى ابن ستين سنة يكون تقويمك خمسين شاقل فضة على شاقل المقدس.الحالة الأولى لنذر الأشخاص أن يكون الشخص المنذور ذكرا من ابن عشرين سنة إلى ستين، وهذه المدة غالبا هى مدة الانتاج والقوة، وكانت السن المقررة للتجنيد. وفى هذه الحالة يكون تقويم موسى أو الكاهن فيما بعد خمسين شاقلا من الفضة، وهى مقدار الفدية التى تؤخذ عن الشخص المنذور، وإذا لم يفد الشخص بهذا المقدار من الفضة كان يكرس لخدمة الرب والشاقل أو المثقال يقدر تقريبا بخمسة عشر جراما.(على شاقل المقدس): وهو الشاقل المضبوط الذى جعل منه نموذج فى الهيكل ليكون نموذجا لكل الشواقل حتى لا يحصل غش فى الموازين. وقد مر هذا فى (خر30: 13).

4 – وإن كان أنثى يكون تقويمك ثلاثين شاقلا.

أما إذا كان المنذور أنثى فيكون افتداؤها ثلاثين شاقلا فقط، ويرجع هذا إلى أن الأنثى فى الغالب أقل قدرة على الخدمة وعلى احتمال المشقات وأقل إنتاجا بالنسبة لطبيعتها ولانشغالها الكثير المضنى فى تربية أولادها إذا كانت أما لأولاد.

5 – وإن كان من أبن خمس سنين إلى ابن عشرين سنة يكون تقويمك لذكر عشرين شاقلا ولأنثى عشرة شواقل.قد يكون المنذور حديثا يتراوح سنه ما بين الخمس سنين والعشرين سنة. فيكون أقل قدرة وإنتاجا وخبرة من الرجل. وفى هذه الحالة إذا كان المنذور ذكرا يكون فداؤه عشرين شاقلا من الفضة. وإذا كان أنثى يكون الفداء عشرة شواقل فقط.

6 – وإن كان من ابن شهر إلى ابن خمس سنين يكون تقويمك لذكر خمسة شواقل فضة ولأنثى يكون تقويمك ثلاثة شواقل فضة.

هذه السن المبكرة جدا يكون فيها الطفل عديم الإنتاج أو قليل الإنتاج جدا ولذلك ففداء الذكر خمسة شواقل وفداء الأنثى ثلاثة.

وقد قدم صموئيل للرب بمجرد أن فطم (1صم1: 22-24)، واختير شمشون ليكون نذيرا للرب من بطن أمه (قض13: 5)، وكذلك كان الحال مع يوحنا المعمدان الذى امتلأ من الروح القدس وهو فى بطن أمه (لو1: 15).

7 – وإن كان من ابن ستين سنة فصاعدا فإن كان ذكرا يكون تقويمك خمسة عشر شاقلا وأما للأنثى فعشرة شواقل.

فى سن الستين يدخل الشخص فى دور الشيخوخة. وفى الغالب تبتدئ قواه تضعف وإنتاجه يقل. وفى هذه السن يحال العاملون فى معظم الشعوب إلى المعاش لكى يأخذوا نصيبهم من الراحة. لذلك فكان افتداء الذين دخلوا فى الشيخوخة خمسة عشر شاقلا للذكر وعشرة شواقل للأنثى.

نلاحظ أن الفداء للأنثى من سن العشرين إلى الستين يقدر بثلاثة أخماس فداء الذكر، ومن سن الخمس سنين إلى العشرين كان يقدر بنصف فداء الرجل ومن سن شهر إلى خمس سنين بثلاثة أخماس الرجل. أما فيما بعد الستين فكان افتداؤها يقدر بثلثى افتداء الرجل بنسبة أكثر من الحالات المذكورة لأن المرأة فى سن الشيخوخة تكون بركة للبيت ولأنها فى الغالب لا تميل إلى البطالة فى سن الشيخوخة بل تعمل فى خدمة البيت وفى ترتيبه وتدبير أموره.

8 – وإن كان فقيرا عن تقويمك يوقفه أمام الكاهن فيقومه الكاهن. على قدر ما تنال يد الناذر يقومه الكاهن.(وإن كان فقيرا عن تقويمك): الحديث هنا إلى موسى أى إن كان الناذر أو الشخص المنذور نفسه فقيرا لا يستطيع أن يدفع قيمة التقويم فى الحالات المختلفة السالفة التى ذكرها الوحى. ففى هذه الحالة (يوقفه أمام الكاهن) أى يوقفه صاحب النذر أو يقف الناذر بنفسه أمام كاهن الرب. وقد يوقفه كاهن آخر كوكيل عنه أمام الكاهن الذى يقومه.

(وعلى قدر ما تنال يد الناذر يقومه الكاهن): كان الرب متساهلا جدا مع شعبه ويلاحظ ظروفهم المادية. فكان الكاهن يفحص حالة الناذر جيدا ومن ثم يقوم النذر، وقد رأى علماء الناموس فيما بعد أن يكون الحد الأدنى للتقويم شاقلا واحدا، وإن لم يملك الناذر شاقلا كان يأخذون عوضا عنه بعض أمتعته الغير ضرورية على شرط ألا يأخذوا شيئا من أدوات العمل التى يعيش منها أو حذاءه أو ملابس زوجته أو أولاده أو رقوقه المكتوبة. وكانوا يتركون له من الطعام ما يكفيه شهرا ومن الفراش ما يكفيه سنة.

 النذر من الحيوانات الطاهرة والحيوانات النجسة (ع9 -13)

9 – وإن كان بهيمة مما يقربونه قربانا للرب فكل ما يعطى منه للرب يكون قدسا.

إن كان النذر بهيمة من الحيوانات الطاهرة التى كانت تقدم ذبائح وتشتمل على البقر والضأن والمعز (فكل ما يعطى منه للرب يكون قدسا) أى كل ما نذر للرب يجب أن يقدم هو بنفسه لأنه مقدس للرب بموجب النذر.

10 – لا يغيره ولا يبدله جيدا بردىء أو رديئا بجيد، وإن أبدل بهيمة ببهيمة تكون هى وبديلها قدسا.

( أ ) لا يجوز لناذر البهيمة أن يبدلها ببهيمة أخرى سواء أكانت أجود أو أردأ منها بل يقدمها هى بعينها للرب.

(ب) وإن بدلها ببهيمة أخرى تكون البهيمة المنذورة وبديلتها قدسا للرب. وكانت هذه الحيوانات تباع للذين يريدون أن يقدموا منها ذبائح للرب وتدخل أثمانها إلى بيت الرب للإنفاق على بيت الرب وعلى احتياجات الخدمة كإصلاح البيت وترميمه أو عمل أدوات الخدمة المقدسة أو توفير احتياجات الكهنة وإقامة بيوتهم إلى غير ذلك (2مل12: 1-6).

11 – وإن كانت بهيمة نجسة مما لا يقربونه قربانا للرب يوقف البهيمة أمام الكاهن.

12 – فيقومها الكاهن جيدة أم رديئة. فحسب تقويمك يا كاهن هكذا يكون.

أما إذا كان المنذور بهيمة غير طاهرة مما لا يجوز تقديم الذبائح منه مثل الحمار والجمل وغيرهما وكان يدخل تحت هذا القانون الحيوانات الطاهرة التى تقدم منها ذبائح ولكن بها عيوب بحيث لا تصلح أن تقدم ذبيحة. فى هذه الحالات كان الناذر يوقف بهيمته المنذورة أمام الكاهن فيقدر الكاهن ثمنها وتباع ويدخل بثمنها إلى بيت الرب للإنفاق على احتياجات البيت والخدمة.

(جيدة أم رديئة ):  أى يقدر ثمنها بحسب حالتها سواء أكانت فى حالة جيدة أم فى حالة رديئة.

13 – فإن فكها يزيد خمسها على تقويمك.

قد يرغب الناذر فى أن يفك البهيمة التى نذرها ليحتفظ بها لنفسه أو لغيره من الناس. وكان على الكاهن فى هذه الحالة أن يقدر ثمنها أيضاً فيدفعه الناذر بزيادة الخمس على الثمن المقدر. وربما كان التزام الناذر بدفع هذه الزيادة لأنه يعتبر إلى حد ما نادما على نذره أو حانثا فيه ومشهيا له لنفسه. (أنظر شرح ص 5: 16).

نذر البيوت (ع14، 15)

14 – وإذا قدس إنسان بيته قدسا للرب يقومه الكاهن جيدا أم رديئا وكما يقومه الكاهن هكذا يقوم.

(إذا قدس إنسان بيته قدسا للرب): أى أفرزه وأوقفه للرب فيكون على الكاهن أن يقومه أيضا (يقدر ثمنه) حسب حالته. ويباع ويضم ثمنه لبيت الرب.

15 – فإن كان المقدس يفك بيته يزيد خمس فضة تقويمك عليه فيكون له.

أما إذا أراد صاحب البيت الذى قدسه للرب أن يفكه لنفسه أو لغيره. فعليه أن يدفع الثمن الذى قومه به الكاهن ويضيف إليه الخمس كما هو الحال فى نذر البهائم (شرح ع13).

المقصود بنذر الحقول وقفها لتزرع وتستغل لحساب بيت الرب، وفى تقديس الحقول للرب حالتان:

(الأولى) أن يوقف الشخص حقله الموروث له شرعا بحسب التقسيم الذى قسمت به الأراضى على الأسباط وهذه الحالة مفصلة فى العداد من (16-21).

(الثانية) أن يوقف الشخص حقلا ليس من ميراثه وإنما كان قد اشتراه من ماله الخاص.

وفى هذه الحالة حالتان أيضاً:

(الأولى) أن يوقف الشخص حقله الموروث ثم يفكه (يشتريه لنفسه) لتعود ملكيته إليه (ع16 – 19).

(الثانية) أن يشترى الحقل إنسان آخر. وفى هذه الحالة لايرجع الحقل إلى صاحبه فى اليوبيل. بل يصير ملكا للكهنة (ع20 – 21).

نذر الحقول (ع16 – 25)

16 – وإن قدس إنسان بعض حقل ملكه للرب يكون تقويمك على قدر بذاره. بذار حومر من الشعير بخمسين شاقل فضة.

قد يقدس (ينذر) شخص ما جزءا من (حقل ملكه) أى الحقل الذى ورثه شرعا عن آبائه ليكون وقفا للرب. ومن المعروف أن الحقول الموروثة كانت تعود إلى أصحابها إما فى سنة اليوبيل وإما بأن يفكها صاحبها لنفسه، وفى بعض الحالات كان صاحب الحقل لا يفك حقله فيتقدم لشرائه شخص آخر (ع20) ولذلك فكان الكاهن يقوم الحقل المقدس (المنذور).

وكان التقويم يقوم باعتبارين:

( أ ) باعتبار قيمة بذاره كما نرى فى هذه الآية.

(ب) ثم باعتبار السنين التى يستغل فيها الحقل حتى سنة اليوبيل كما نرى فى الأعداد القادمة.

(يكون تقويمك على قدر بذاره): أى على قدر البذار التى يمكن أن تبذر فى الحقل لأن البذار هى التى تحدد مساحته ومدى جودة  أرضه وصلاحيتها للزراعة.

(بذار حومر من الشعير بخمسين شاقل فضة): أى أن كل حومر من البذار مما يمكن بذره فى الحقل الموقوف كان يقدر بخمسين شاقل فضة. وكان هذا المبلغ عن المدة الكاملة من اليوبيل إلى اليوبيل أى مدة تسع وأربعين سنة فكان ما يؤخذ عن السنة للحومر الواحد

1 من الشاقل.

(الحومر) هو مكيال يسع عشر إيفات وسعة الإيفة الواحدة22.961 من اللترات. كما أن (الشاقل ) يقدر بنحو خمسة عشر جراما من الفضة تقريبا كما مر بنا.

( بعض حقل ملكه) لأنه كان لا يجوز  نذر الحقل كله حتى لا يفتقر هو وأسرته.

17 – إن قدس حقله من سنة اليوبيل فحسب تقويمك يقوم.

كان الكاهن يقدر ثمن الحقل لصاحبه إذا أراد أن يفكه أو لأى مشتر يريد أن يبتاعه بحسب السنين التى يستغل فيها الحقل إلى سنة اليوبيل.

فإن وقع تقديس البيت تقديمه للرب كنذر فى سنة اليوبيل كما هو مذكور فى هذه الآية كانت قيمة فكاك الحقل خمسين شاقلا لأن الذى يشتريه لنفسه سيستغله طوال الدورة من اليوبيل إلى اليوبيل أى تسعا وأربعين سنة. وإن كان صاحبه هو الذى يفكه فإنه يئول إليه نهائيا بدفع الثمن زائدا الخمس (ع15، 19).

18 – وإن قدس حقله بعد سنة اليوبيل يحسب له الكاهن الفضة على قدر السنين الباقية إلى سنة اليوبيل فينقص من تقويمك.

أما إذا كان تقديس (وقف) الحقل للرب قد تم بعد مرور مدة من سنة اليوبيل. فإن ثمنه الذى يقدره به الكاهن يقل بمقدار السنين التى لم يستغله فيها شاريه. وهى المدة من اليوبيل الأول إلى تاريخ تقديسه باعتبار  1 شاقل فضة عن السنة الواحدة عن كل جزء من الحقل يمكن أن يبذر فيه حومر من البذار. وبالتالى يكون التقدير بموجب السنين الباقية إلى اليوبيل الثانى التى يستغل فيها الشارى الحقل. فإذا كان الوقف مثلا قد تم بعد مرور عشر سنوات من اليوبيل الأول تكون مدة استغلال الحقل إلى الحومر الواحد من البذور  39  شاقلا من الفضة. باعتبار أن إستغلال الجزء من الأرض التى تبذر فيها بذار حومر من الشعير  1 شاقل فضة عن كل سنة كما مر بنا.

(فينقص من تقويمك): بمقدار السنين التى كان الحقل فيها فى يد صاحبه قبل أن يقدسه للرب وقبل أن يفكه المشترى. وفى المثال السابق ينقص التقويم بمقدار  10 من شواقل الفضة نظير العشر سنوات السابقة لتقديس الحقل.

19 – فإن فك الحقل مقدسه يزيد خمس فضة تقويمك عليه فيجب له.

إذا كان صاحب الحقل الذى قدسه للرب هو الذى يفكه لنفسه. عليه أن يدفع الثمن الذى قوم به الكاهن الحقل. ويزيد عليه الخمس (شرح ع 15).(فيجب له): فيصير الحقل من حقه.

20 – لكن إن لم يفك الحقل ويبيع الحقل لإنسان آخر لا يفك بعد.

21 – بل يكون الحقل عند خروجه فى اليوبيل قدسا للرب كالحقل المحرم. للكاهن يكون ملكه.

وإذا لم يبال صاحب الحقل أو أحد أقاربه بأن يفك الحقل لتعود ملكيته إلى صاحبه. واشتراه إنسان آخر. فإن صاحب الحقل لا يكون له الحق فى فكه بعد. ولا يعود إليه أيضاً حتى فى سنة اليوبيل ولا يبقى فى يد الإنسان الذى اشتراه بل يكون قدسا للرب. وتئول ملكيته إلى الكاهن الذى كان يزرعه فى مدة تقديسه ويحرم على أى شخص آخر.

وقد قضت الشريعة أن يعاقب صاحب الحقل الذى أهمل فك حقله بحرمانه من الحقل لأنه فرط فى ميراث آبائه ولم يبال بأن يحتفظ بملكية الأرض فى سبطه حسب التقسيم الذى جرى على أيدى موسى ويشوع.

وقد كانت هذه الشريعة حافزة للناس على أن يعملوا على فك أراضيهم التى قدسوها لكى يحافظوا على ملكية الأسرة لها. وعلى حفظ أسماء أسرهم ومكانتها. ولكى يتعلموا التدبير والحكمة فى معيشتهم.

2 –  وإن قدس للرب حقلا من شرائه ليس من حقوله ملكه

قد يقدس (ينذر) إنسان حقلا (ليس من حقول ملكه) أى ليس من مال الأسرة الموروث. بل كان قد اشتراه من شخص آخر. والمقصود بنذر الحقل هنا تقديمه للرب ليزرع ويستفاد بغلته. وكان هذا إلى سنة اليوبيل.

تقديس حقل مشترى

23 – يحسب له الكاهن مبلغ تقويمك إلى سنة اليوبيل فيعطى تقويمكم فى ذلك اليوم قدسا للرب.

كان على الكاهن فى هذه الحالة من النذر أن يقدر قيمة غلة الحقل من يوم تقديسه إلى اليوبيل

بحسب ما جاء فى (ع16) فيدفع ناذر الحقل مشترى وليس موروثا كما هو الحال فى (ع19).

24 – وفى سنة اليوبيل يرجع الحقل إلى الذى اشتراه منه إلى الذى له ملك الأرض.

تئول ملكية الحقل فى اليوبيل إلى وارثه الأصلى الذى اضطر إلى بيع حقله لفترة أو لعامل ما. وبهذا تحتفظ الأسباط والأسرة بأملاكها.

25 – وكل تقويمك  يكون على شاقل المقدس عشرين جيرة يكون الشاقل.

الحديث هنا إلى موسى. وإلى الكهنة بعده ويأمرهم الرب أن يكون تقويم جميع الأشياء على الشاقل المضبوط المودع فى القدس وقيمة الشاقل عشرون جيرة. والجيرة كانت تزن حبة الخروب الكبيرة.

الأبكار من الحيوانات الطاهرة والغير الطاهرة (ع 26 – 27)

26 – لكن البكر الذى يفرز بكرا للرب من البهائم فلا يقدسه أحد. ثورا كان أو شاة فهو للرب.

كانت أبكار الناس والحيوانات مقدسة للرب. فبكر الإنسان كان يفتدى بخمسة شواقل من الفضة حتى أخذ اللاويون بدلا من الأبكار. وأبكار الحيوانات الطاهرة كانت تقدم للرب أما بكر الحيوان النجس كالحمار فكان يفدى بشاة أو تكسر عنقه (خر13: 1 -16. عد3: 11-13، 40-51). وكان الثمن الذى يعطى فداء عن الحيوانات النجسة من حق الكهنة. أما أبكار الحيوانات الطاهرة فكان دمها يرش على المذبح. ويوقد الشحم أيضا على المذبح رائحة سرور للرب بينما يأخذ الكهنة اللحم لأنفسهم (ع18: 15-18).

ولأجل هذا كان لا يجوز لأحد أن يقدس (ينذر) بكر بهيمة ما لأنه ملك للرب بطبيعته وبموجب الشريعة وليس من حق صاحبه أن ينذره لأنه ليس ملكا له.

(الذى يفرز بكرا للرب): أى المفروز بطبيعته للرب لأنه بكر. وكانوا فى الغالب يفرزون الأبكار بوضعها فى مكان وحدها حتى لا تختلط بباقى الحيوانات.

27 – وإن كان من البهائم النجسة يفديه حسب تقويمك ويزيد خمسة عليه وإن لم يفك فيباع حسب تقويمك.

أبكار الحيوانات النجسة كانت مقدسة للرب أيضا كما عرفنا فى العدد السابق ولهذا ففى تفسير هذا النص عدة آراء:

(الأول): يرى البعض أن المقصود هنا البهائم النجسة فيما عدا الأبكار. فإذا نذر إنسان بهيمة نجسة وأراد أن يفديها ليحتفظ بها لنفسه يدفع الثمن الذى يقومها به الكاهن بزيادة الخمس. وإن لم يفدها تباع لأى شخص آخر بالثمن المقدر فقط. وقد قال بهذا الرأى علماء اليهود المتأخرون.

(الثانى): ويرى آخرون أن المقصود فى النص أبكار الحيوانات النجسة. فيكون لصاحبها أن يفديها لنفسه بزيادة الخمس على ثمنها وهذا الثمن هو شاة من الغنم (خر13: 13)، أو تباع لشخص آخر بشاة. وإن لم يظهر لها مشتر يكسر عنقها حتى لا يستعملها إنسان لغرض ما لأنها ملك للرب وحده. ولا يكون تناقض بين زيادة الخمس هنا وبين تقدير فدائه بشاة فقط فى (خر13: 13) لأن ما ذكر فى الخروج قد يكون الوحى قد ذكره إجمالا باعتبار أن الثمن المقدر لبكر الحيوان النجس هو شاة، أما ما ذكر هنا فهو كلام مفصل باعتبار أن الخمس يعتبر غرامة وتعويضا يدفعه صاحب الحيوان زيادة على الثمن إنه فى حكم الذى يعز عليه تقديم شئ من حقوق الرب (شرح ع13).

(الثالث): أما الرأى الأرجح فإن المقصود بكر البهيمة النجسة التى يكون صاحبها قد سبق وافتداها بشاة حسب الشريعة. ثم عاد ونذرها للرب. وحينئذ يدفع الثمن الذى يقدره الكاهن بزيادة الخمس أو تباع لشخص آخر بالثمن المقدر فقط. وإلا فتبقى لخدمة بيت الرب وكهنته. وبهذا يكون الفداء الذى ذكر فى الخروج هو شاة فقط بدون زيادة الخمس حسب منطوق النص.

28 – أما كل محرم يحرمه إنسان للرب من كل ما له من الناس والبهائم ومن حقول ملكه فلا يباع ولا يفك. إن كل محرم هو قدس أقداس للرب.

المحرم هو النذر الذى ينذره الإنسان بتصميم أو قسم أو لعن على ألا يكون له فكاك. بل يكون (قدس أقداس) لله وحده. أى مقدسا تقديسا كاملا للرب وملكا نهائيا لجلاله. فإن كان المحرم من الناس كان يقتل كما سنرى فى العدد القادم. وإن كان ذهبا أو فضة كان يئول إلى بيت الله أيضا.

29 – كل محرم يحرم من الناس لا يفدى. يقتل قتلا.

1 – تحريم الناس كان فى الغالب للأشخاص الخطرين أو للشعوب المتعادية فى الشر والتى يعتبر وجودها خطرا على المجتمع وعلى شعب الله بالخصوص. والرب برحمته كان يطيل أناته جدا على الأشرار حتى تكون لهم فرص للتوبة وحتى لا يكون لهم عذرا كما فعل مع الشعوب الكنعانية التى أمهلها عدة قرون (تك15: 16، 19، 21)، فإذا ما تكامل شرهم كان يقضى بهلاكهم رحمة بالشعوب والأشخاص الذين حولهم. وتحريم الناس كان بموجب تشريع إلهى. أو بناء على ما أمر الأنبياء والقضاة الملهمين. أو بموجب قرار المجمع. ومن الشعوب التى حرمت الشعوب الكنعانية التى أمر الرب موسى ويشوع بإبادتها (تث7: 1-4، يش9، 10، 11) وشعب عماليق (1صم15: 38) مدينة أريحا (يش6: 21). ومن أفراد الذين حرموا عخان بن كرمى (يش7: 25) وأجاج ملك عماليق (صم15: 32-33).

ونلاحظ أن الرب لم يأمر بتحريم كثير من الشعوب الوثنية المعادية لشعب الله. أما الشعوب الخطيرة جدا فقد حرمها.

2 – وبناء على هذا فكل محرم من الناس كان لا يفدى. بل كان يقتل وهو فى حكم المحكوم عليهم بالإعدام لخطورتهم.

3 – وكان بعض الناس ينذرون أو يحرمون بعجلة وبدون روية، من أمثلة هؤلاء يفتاح الجلعادى الذى خرج لمحاربة العمونيين ونذر إن هو انتصر عليهم يقدم أول من يقابله بعد عودته من الحرب محرقة للرب. ومن المؤلم أن أول من كان ابنته الوحيدة (قض11: 30-40)، ويرى بعض المفسرين أنه ربما افتداها بحسب ما جاء فى هذا الأصحاح من سفر اللاويين (ع2 -7) لأن نذره لم يظهر فيه صيغة التحريم. يرون أنه نفذ فيها نذره بالفعل. وكان هذا نتيجة لتسرعه وجهله خصوصا وأن الرب لم يأمرهم بتقديم الذبائح البشرية. ولعل الرأى الأخير هو الأرجح لأن الإنسان مهما كان تقيا لا تخلو حياته من الخطأ والزلل والرب فى كتابه المقدس النزيه يسرد جميع الحوادث كما وقعت حتى إن كانت تحكى عن ضعفات رجال الله وسقطاتهم والآخرون يرون أنها عاشت متبتلة وبدون زواج وحرم عليها إيجاد النسل الذى كان بنو إسرائيل يقدسونه وكانت كل فتاة أو امرأة تأمل أن تكون أما للمخلص المنتظر الذى يسحق رأس الحية القديمة أى إبليس، ولعل هذا الرأى هو الأرجح.

ومن أمثلة حوادث التحريم المتسرعة أيضاً لعن شاول لكل من يأكل طعاما حتى ينتهى من حربه مع الفلسطينيين والانتقام منهم. ولما عرف فيما بعد أن ابنه يوناثان ذاق عسلا بريا، أقسم أن يقتله ولكن الشعب افتداه وأبى أن يقتل لأن على يديه تم انتصار عظيم وخلاص للشعب (صم24-46).

فى عددى

(30، 31) يتحدث الوحى عن تقديم العشور من الغلات والثمار. وفى عددى (32، 33) يتكلم عن تقديم العشور من البهائم.

ونلاحظ الأمور الآتية المتعلقة بالعشور:وعشور المحاصيل كان يمكن لصاحبها أن يفتديها كلها أو جزءا منها. بينما عشور البهائم كان لا يمكن فداؤها. بل كان على صاحبها أن يؤديها.

أولا: إن تقديم العشر من موارد الإنسان المادية سواء من محاصيله أو من حيواناته أو من إيراده من العمل أو الغنائم فى الحرب أو غير ذلك كان قديم العهد جدا، وقد قرأنا أن ابرآم قدم العشر مما غنم لملكى صادق بعد عودته من حرب الملوك (تك14: 20)، وقد نذر يعقوب فى بيت إيل أن يقدم لله العشر من كل ما يعطيه من الرزق (تك28: 22).

وحتى الشعوب القديمة مثل فينيقيا وأهل قرطاجنة والشعب الرومانى والشعب اليونانى كانت تقدم العشور إرضاء للآلهة. وفى تقديم العشور لله إقرار بنعمه وبركاته وعلامة على شكره على حسناته وعلى تكريس ذواتنا وما تمتلك أيدينا لخدمته وإرضائه.

ثانيا: وفى شريعة موسى سنت فريضة تقديم العشور كضرب من تقديس جزء من دخلهم للرب. وهذا يشبه فريضة تقديس اليوم السابع من كل أسبوع. وتقديس السنة السابعة. والسنة الخمسين، وتقديس الأبكار من الناس ومن البهائم.

ثالثا : كانت العشور فى شريعة موسى على درجتين: العشر الأول والعشر الثانى:

( أ ) فالعشر الأول كان بتقديم العشر من كل شئ من البهائم ومحاصيل الأرض لللاويين لأنهم مفروزون لخدمة الرب وليس لهم ميراث فى إسرائيل، فكان معاشهم من العشور التى يقدمها الشعب لهم. وكانوا يأكلون من هذه العشور فى أى مكان (عد18: 21).

وفى نفس الوقت كان على اللاويين بدورهم أن يقدموا للكهنة العشر من العشور التى أخذوها من الشعب وكان الكهنة يأكلون هذه الأعشار فى المكان المقدس أى فى دار خيمة الاجتماع أو فى الحجرات المعدة لذلك فى الهيكل فيما بعد (عد18: 26-29).

(ب) أما العشر الثانى فهو ما عرف بعشر الفقراء فكان على الشعب أن يخصصوا عشرا من التسعة أعشار الباقية لكى يأكلوا منه فى احتفالات حبية جميلة مع اللاويين المغتربين ومع الفقراء واليتامى والأرامل والغرباء. وقد كان عليهم أن يحملوا هذه الأعشار إلى المكان الذى فيه بيت الرب حيث يوزعون عشورهم ويعملون ولائمهم. أما إذا طالت المسافة عليهم وصعب عليهم حمل الأعشار فكان لهم أن يبيعوها ويحملوا أثمانها ويشتروا ما يروق لهم من الطعام والشراب فى المكان الذى فيه بيت الرب ويأكلوا ويفرحوا مع اللاويين والفقراء والمحتاجين (تث12: 5-19، 14: 22-29، 26: 12-15).

وفى كل سنة ثالثه كانوا يعملون هذه الولائم فى مدنهم وفى بيوتهم بدلا من أن يعملوها عند الهيكل ولعل الله قد صرح لهم بذلك حتى لا يحرم العجزة ومن لا يستطيعون السفر من المشاركة فى هذه الاحتفالات المباركة ومعاينتها (تث14: 28، 29)، وبذلك كانت هذه الاحتفالات المحلية تقام مرتين بين كل سنتين سابقتين، حيث كانت تقام فى السنة الثالثة، وفى السنة السادسة، وكانت السنة التى تقام فيها تسمى (سنة الشعور تث26: 12). أما السنة السابعة فكانت تخلو من العشور لأن الأرض بطبيعة الحال كانت لا تزرع ولا تحصد وكانوا لا يقومون فيها بأى عمل يكسبون من ورائه مالا وفى الغالب كانت تعمل احتفالات السنة الثالثة قبل الفصح فصح السنة الرابعة.

وربما كان تقديم عشر السنة السادسة قبل فصح السنة نفسها، ويرى البعض أن العشرين شبيهان بخمس الغلال الذى كان المصريون يؤدونه لفرعون (تك47: 24 – 26).

رابعا: وبعض مفسرى اليهود يرون أن الأعشار كانت ثلاثة لا اثنين: أولها عشر اللاويين. والثانى عشر الفقراء الذى كان يحمل سنويا إلى الهيكل كما ذكرنا، والعشر الثالث إضافى. وهو الذى كان يؤدى فى مدنهم وبيوتهم كل ثلاث سنوات.

خامساً: وفى تقديم الشعب للعشور على أنواعها كانوا يقدمون لله صلاة يعترفون فيها بمراحمه وحسناته ويقرون فيها أنهم قدموا لله أقداسه ولم يقصروا فى أدائها، لأن كل شئ يجب أن يقدمن للرب بالشكر والتسبيح والصلاة (تث26: 12-15).

سادسا: وعندما كان الشعب يقصر فى أداء العشور كان الرب يوبخهم ويحثهم على تقديمها واعدا بالبركات والخير كما يقول فى سفر ملاخى: (أيسلب الإنسان الله؟ فإنكم سلبتمونى. هذه الأمة كلها. هاتو جميع العشور إلى الخزنة ليكون فى بيتى طعام وجربونى بهذا قال رب الجنود إن كنت لا أفتح لكم كوى السموات وأفيض عليكم بركة حتى لا توسع…. ملا3: 8-12).

وقد وجد غيورون للرب من رجال الله ومن الملوك كانوا يوبخون الشعب على تقصيره فى أداء العشور. وكانوا يقومون بجمعها وتنظيمها. من هؤلاء حزقيا ملك يهوذا (2 أى 31: 11-21)، ونحميا (نح10: 37 – 13: 10-14). وكان اليهود يعملون على تنظيم جمع العشور اللاويين والكهنة وتوزيعها بالعدل، ففى الهيكل الثانى (هيكل زربابل)، وربما فى الهيكل الأول (هيكل سليمان) أيضاً كانت توجد خزائن لحفظ العشور. وفى أيام نحميا كان اللاويون يجمعون العشور تحت إشراف أحد الكهنة حيث كانت تودع فى المخازن (نح10: 37-38، ملا3: 10). وقد أقام نحميا خزنة أمناء على المخازن لتنظيم استلام الأعشار وحفظها وتنظيم صرفها (نح12: 44-47، 13: 10-14).

سابعا: ومع كل ذلك فقد كانت الحالة الروحية تسوء جدا لدرجة أن الكهنة وأحيانا رؤساء الكهنة يحاولون أن يغتصبوا العشور كلها لأنفسهم متعدين بذلك شريعة الرب وأوامره.

ثامنا: وعن العشور فى المسيحية يمكننا أن نقرأ التأمل بعد تفسير العدد الثالث والثلاثين.

العشور من المحاصيل والبهائم (ع30 – 33)

عشور المحاصيل الزراعية

30 – وكل عشر الأرض من حبوب الأرض وأثمار الشجر فهو للرب. قدس للرب.

1 – كان عشر الحبوب مثل الحنطة والشعير وعشر الأثمار مثل العنب والزيتون وغيرها مقدسة للرب حيث كانت تعطى للاويين كما مر بنا. واللاويون من ناحيتهم كانوا يقدمون العشر من عشرهم للكهنة.

2 – وكان على بنى إسرائيل أن يقدموا بعد ذلك العشر الثانى أيضاً الذى يسمى عشر الفقير بالترتيب الذى وصف فى مقدمة هذا الموضوع.

3 – والأعشار يجب أن تقدم من أجود أنواع المحاصيل حيث يقول الوحى الإلهى: (من جميع عطاياكم ترفعون كل رفيعة الرب من الكل دسمه المقدس منه (عد18: 29).

و (دسمه المقدس): أى أجوده وأفخره.

4 – ومن هذا نرى أن الأعشاب كانت معفاة من التعشير، ومع ذلك فبعض اليهود كالفريسيين كانوا يعشرون مثل النعنع والشبت والكمون (مت23: 23).

وكانت العشور من الغلال تعطى حبوبا خالصة بعد درسها. أما عشور الثمار كالعنب والزيتون ففى الغالب كانت تعطى بعد عصرها. إلى عصير أو إلى زيت (عد18: 27)،  وربما أعطى بعضها ثمرا طازجا.

تأمل: المسيحيـــــة والعشــــــور

عشـــــــور البهائــــــــم

31 – وإن فك إنسان بعض عشره يزيد خمسه عليه.

كان بعض الأشخاص يرغبون فى فك (شراء) العشر كله أو بعضه لأنفسهم وفى هذه الحالة كانوا يدفعون ثمن المقدار الذى يفكونه ويضيفون عليه الخمس (شرح ع13).

32 – وأما كل عشر البقر والغنم فكل ما يعبر تحت العصا يكون العاشر قدسا للرب.

33 – لا يفحص أجيد هو أم ردىء ولا يبدله. وأن أبدله يكون هو وبديله قدسا لا يفك.

1 – كانت أعشار الأغنام من الضأن والمعز وأعشار الأبقار تقدم للرب. وفى الغالب كانت تقدم سنويا. وكان صاحبها يجعلها فى الحظيرة ويجعل أمهاتها خارج الحظيرة ويجعل الصغار تمر من باب ضيق لا يسع إلا واحدا منها عندما تسمع صوت أمهاتها، ويكون مرورها تحت عصا يرفعها صاحبها بيده. حيث يعد الحيوانات وهى خارجة، وكل عاشر منها يعلمه بعلامة حمراء ليكون عشرا للرب. وفى الغالب كانت العصا تغمس فى المغرة لهذا الغرض.

2 – كان العشر يخصص للرب ليعطى للاويين كالمعتاد سواء أكان جيدا أم رديئا، ذكرا أم أنثى. فالرب بذلك هو الذى كان يعين لذاته العشر الذى يخصه من بهائمهم.

3 – وإذا رغب صاحب الحيوان المقدم أن يبدله بآخر. كان عليه أن يقدمه ويقدم بديله، لأنه يعتبر معارضا لاختيار الرب للعشر الذى يخصه.

4 – يشبه الله تعامله مع أولاده أحيانا بالراعى الذى يمرر أغنامه تحت العصا، فيقول على فم إرميا النبى: (… فى مدن الجبل ومدن السهل ومدن يهوذا تمر أيضا الغنم تحت يدى المحصى إر33: 13)، ويقول على لسان حزقيال: (وأمركم تحت العصا وأدخلكم فى رباط العهد وأعزل منكم المتمردين والعصاة على … خر30: 37،38)، ويعنى كل هذا:

( أ ) أن الرب يعتنى بشعبه ويحصيهم ويعرف عددهم وظروفهم ومشاكلهم، لاشك فى هذا لأنه قد قال: (هوذا على كفى نقشتك أسوارك أمامى دائما أش49: 16)، (وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة. مت10: 20).

(ب) وأنه يقتنى شعبه كشعب مقدس له.

(ج) ويميزهم بعلامات روحية وسمات مقدسة تميزهم عن أهل العالم.

(د) ويفرز أولاده المجتهدين الذين يكرسون حياتهم وذواتهم لمجده عن غيرهم من المتهاونين والمتكاسلين.

(هـ ) وعصا الرب هى التى تهدى شعبه وترعاه وتقوده وتعزيه.

( و ) بل كثيرا ما يمدها الرب بمحبته الأبوية لتأديب أولاده وتقويمهم. ونحن ما أجمل بنا أن نخضع تحت يدى راعينا الحبيب والأمين. ونفرح بأن يرعانا بعصاه الأمينة. حتى إن مدها إلينا أحيانا للتأديب. وما أجمل أن نكون شعبا متميزا للرب. له ثماره التى تظهره وعلاماته التى تميزه حتى نكون فى كل حين مكرسين لمجده، وحاملين فى حياتنا وفى أجسادنا دائما سمات الرب يسوع.

فى العهد القديم، إذ كان الإنسان بالطبيعة ابنا للغضب (أف2: 3). وإذ لم يكتمل نضجه الروحى بعد. جعله الله تحت الناموس وكان مثله كمثل الطفل الذى يحتاج إلى قادة وأوصياء كثيرين ولأجل هذا قضت حكمة الله أن يعطيه فرائض وأحكام وشرائع عن كل ما يتعلق بحياته الروحية والاجتماعية تقريبا وكان عليه ألا يحيد عن شئ منها.

ولما كمل ملء الزمان وتجسد ابن الله وتأنس. بل مات ليعتق الإنسان ويغير طبيعته إلى طبيعة جديدة، أعطاه ناموس الحياة والحرية. وعلمه شريعة الكمال لكى يعبد الله لا مجرد عبادة جسدية بل بالروح والحق (يو4: 24)، ولكى يسلك لا بالحرف الذى يقتل بل بالروح الذى يحيى (2كو3: 6).

والمؤمنون يعرفون أنهم ليسوا ملكا لأنفسهم بل لذلك الذى اشتراهم بحياته وكما يقول الرسول (وهو مات لأجل الجميع كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذى مات لأجلهم وقام 2كو5: 15).

ولذلك فليس لله العشر أو أكثر من العشر مما فى أيديهم فقط. وإنما حياتهم وأجسادهم وأرواحهم وكل ما لهم لله. وحياتهم مكرسة تكريسا تاما لمجده. إذ يحيون فى حبه وطاعته وخدمته بكل ما يملكون من قوة وموهبة.

وأمر العطاء إن كان من جهة العشور أو غيرها متروك لضمير المؤمن التقى وحسب طاقته وظروفه وحسب ما يعمل فيه روح الرب.

وبعض المفسرين يرون أن الرب بإشارته إلى الفريسيين الذين كانوا يعشرون النعنع والشبت والكمون. بينما يهملون وصايا الرب. وبقوله لهم: (كان ينبغى أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك مت23: 23). إنما يشجع تابعيه على ألا ينسوا العطاء المقدس المقرون بمخافة الرب وبحياة القداسة خصوصا وأن الرب علم تابعيه ألا يكونوا أقل عطاء أو وفاء لحب إلههم من الكتبة والفريسيين حيث يقول لهم (إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات مت5: 20).

والكنيسة منذ تأسيسها كانت فى كل يوم أحد من كل أسبوع تجمع من المؤمنين ما تيسر لسد حاجة الخدمة والفقراء (1كو16: 3)، وقد اعتبر عطاء المؤمنين السخى نعمة، وشركة الخدمة التى للقديسين (2كو8: 4). واشتراكا فى احتياجات القديسين (رو12: 13)، وبركة (2كو9: 5). وقد امتدح الرسول المؤمنين فى مكدونية لأنهم أعطوا حسب الطاقة. بل وفوق طاقتهم (2كو8: 3) بل أعطوا أنفسهم. وطلب إليهم أن يزدادوا أكثر فى هذه النعمة (ع7).

ولهذا فإن معظم معلمى الكلمة ينصحون كل مؤمن أن يقدم لله العشر كحد أدنى، على أن يكون هذا عن رضى وإيمان  ورجاء حى فى الرب. وفى كل طرقه يجب أن يستخدم الحرية المقدسة التى أعطيت له فى عهد النعمة. فبما يئول لمجد الله، وما يؤكد محبته العميقة له. بحسب ما يرشده إليه روح الرب الساكن فيه، وبحسب ما يمليه عليه ضميره الحى وبحسب طاقته وظروفه وليكن العطاء دائما بسرور (رؤ12: 8، 2كو9: 7). وبسخاء (رو12: 8، 1تى6: 18). وعن اختيار لا عن حزن أو اضطرار (2كو9: 7).

خاتمة الأصحاح (ع34)

34 – هذه هى الوصايا التى أوصى الرب بها موسى إلى بنى إسرائيل فى جبل سيناء.

هذه هى  خاتمة الأصحاح وتتعلق جزئيا بالفرائض التى لقنها الرب لعبده موسى ليبلغها إلى شعبه فى هذا الأصحاح. كما أنها تتعلق بوجه عام بكل الفرائض والأحكام التى أعطيت فى سفر اللاويين وقد أعطيت كلها فى جبل سيناء بعد خدمة الاجتماع (خر40: 1، 17، لا1: 1).

خلاصــــة روحيـــة لسفــــر اللاوييــــــــن

إن سفر اللاويين الذى يشتمل على كثير من الشرائع مفصلة تفصيلا كاملا. يرسم أمام المؤمنين عدة صور واضحة جدا منها:

1 – القداسة الكاملة التى يجب أن يكون عليها شعب الله. فالسفر يشتمل على توضيح الشرائع الخاصة بالبرص. والسيل وغيرهما. والشرائع المتعلقة بالحيوانات الطاهرة والنجسة. والسفر يحث الشعب على القداسة والطهارة الكاملتين وينهاه عما يخدش قداسته حتى يكون دائما (شعبا مقدسا).

2 – والسفر فى نفس الوقت يأمر بالتدقيق الكامل فى حفظ وصايا الرب والعمل بها. وفى تأدية الطقوس المقدسة كاملة وصحيحة. وكثيرا ما يعرض أمثلة لرضى الله ومسرته بأولاده الذين يخضعون لمشيئته ويعلمون بنواميسه. وبالعكس لغضبه وانتقامه السريع لمن يخالفون وصاياه سواء أكانوا أفرادا كما هو الحال مع ناداب وأبيهو بنى هارون. أو كانوا الجماعة كلها.

3 – والسفر – كما رأينا – يقودنا إلى الإيمان بربنا يسوع المسيح، بلاهوته، وبعمله الفدائى إذ هو وحده الذبيحة الحية الحقيقية وبعمله الكهنوتى إذ هو رئيس كهنتنا الأعظم.

تمت بحمد الله

 

 

Leave a Comment