تفسير سفر اللاويين – الأصحاح السادس عشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

يتكلم هذا الأصحاح عن (يوم الكفارة) العظيم. وهو من أعظم أيام السنة. ومن أهم الأعياد فى شريعة موسى. لأن فيه كان رئيس الكهنة يكفر تكفيراً جماعياً عن نفسه وعن الكهنة وعن الشعب كله وعن قدس الأقداس والقدس ودار الخيمة بجميع مشتملاتها. وهذا التكفير يعنى غفران الخطايا التى عملت خلال السنة السابقة للعيد.

والكفارة بالعبرية (كبوديت) ومعناها تغطية أو غطاء (Cover) لأنه بالتكفير تغطى الخطايا وتستر وتغفر بمراحم الله.

وهذا العيد هو اليوم الوحيد فى السنة الذى كان رئيس الكهنة يضطلع فيه بالعمل بنفسه وبمفرده، وهو اليوم الوحيد الذى كان يخلع فيه ملابسه الفاخرة ويؤدى خدمة التكفير بملابس من الكتان. كما أنه اليوم الذى فرض فيه الصوم والتذلل فى شريعة موسى. واعتبر من المحافل المقدسة. ومن المناسب أن نذكر أن بعض علماء الكتاب يرون أن يوم الكفارة هو اليوم الذى سقط فيه أبوانا الأولان (تك3). والبعض يرون أنه اليوم الذى نزل فيه موسى من على الجبل لثانى مرة بعد أن سلمه الله لوحين آخرين للوصايا العشر بعد أن كان قد كسر اللوحين الأولين بسبب عبادة الشعب للعجل الذهبى (خر 34: 1-29) وكان يوم الكفارة يذكر الشعب بأن الإنسان جنح إلى الخطايا منذ حداثته. فآدم وحواء خافا الله فى الجنة، وآباؤهم أخطأوا فى البرية. وهم كثيراً ما يخطئون أيضاً. وبعض علماء المسيحيين يرون أن يوم الكفارة هو اليوم الذى اعتمد فيه المسيح فى نهر الأردن ووقف وهو البار وحده بين صفوف الشعب الذين جاءوا ليعترفوا بخطاياهم ليوحنا المعمدان. وقد فعل هذا بتواضعه وتدبيره لكى يكمل كل بر.

ولأهمية هذ العيد وشهرته يدعوه علماء التلمود بالعبرية (يوما) أى (اليوم) بصيغة التعريف وبدون أى وصف أو إضافة. كما نقول أحياناً عن الكتاب المقدس (الكتاب) لشهرته ومعرفة الناس له. ولأهميته أيضاً كان شيوخ السنهدريم السبعون يدربون رئيس الكهنة الجديد على طقوس هذا العيد وعلى تحفيظه جميع الأمور المتعلقة به.

وقد أفرد الوحى هذا الأصحاح السادس عشر لشرح ترتيب خدمة يوم الكفارة شرحاً مفصلاً كما ذكر فى (ص23: 26-32) ما يجب أن يكون عليه الشعب من الاستعداد والتذلل فى هذا اليوم. وفى سفر العدد (ص29: 7-11) ذكرت الذبائح الإضافية التى كانت تقدم فيه علاوة على ذبائح الكفارة.

الاستعداد للعيد

كان رئيس الكهنة يقضى السبعة أيام السابقة ليوم الكفارة فى استعداد تام. حيث كان يترك بيته ويعيش فى حجرة فى الهيكل ليعد نفسه لهذا اليوم العظيم. وفى مدة هيكل سليمان كان شيوخ السنهدريم لازمونه ويقرأون عليه أوامر الرب الخاصة بهذا اليوم مراراً وتكراراً. وكان يستظهرها ويمثلها حتى يحفظها جيداً ويتدرب على أدائها. وخلال هذه السبعة أيام كان يقوم بالخدمات اليومية الخاصة بالكهنة مثل إصلاح السرج ورفع البخور وتقديم الذبائح.

فى الليلة الأخيرة السابقة للعيد كان يظل مستيقظاً طول الليل زيادة فى التأهب وحتى لايعرض له حلم أو عارض يدنس جسده. وإذا غلب عليه النعاس كان رفقاؤه الكهنة والشيوخ ينبهونه. وأحياناً كان يمشى على البلاط البارد لكى يتنبه. ولأنه كان يقوم بالعمل وحده دون أن يراه أحد، كان الكهنة والشيوخ يستحلفونه أن يقوم بالخدمة بأمانة ودقة ولا يهمل شئ منها. وصيغة القسم الذى كانوا يستحلفونه به هى:

(نستحلفك بمن أسكن اسمه فى بيته أنك لاتغير شيئاً من كل ما نقوله لك)

طقوس الخدمة فى يوم الكفارة

كانت خدمة هذا اليوم عميقة ورهيبة ومجيدة وطويلة. وكانت تقوم على أربع خدمات هى:

1- الخدمة الصباحية الدائمة (اليومية).

2- خدمة يوم الكفارة وتعتبر الخدمة الرئيسية التى عنى بها هذا اليوم.

3- خدمة تقديم الذبائح الإضافية المقررة لهذا اليوم.

4- الخدمة المسائية الدائمة (اليومية).

وفيما يلى إيضاح لهذه الخدمات الأربع:

أولاً- الخدمة الصباحية الدائمة:

وهى الخدمة الدائمة التى كانت تقام يومياً على مدار السنة وكان يقوم بها الكهنة، لكن فى يوم الكفارة كان يقوم بها رئيس الكهنة. وفى مدة هيكل سليمان كان يلازم الهيكل كل أسبوع بالتناوب فرقة من فرق الكهنة الأربع والعشرين التى رتبها داود وعدد الكهنة فى الفرقة اثناعشر كاهناً بالإضافة إلى كاهن آخر يعتبر رئيساً للفرقة (1أى24). وكان هؤلاء الكهنة يستيقظون فى يوم الكفارة فى الصباح الباكر حيث يأمر رئيس الفرقة برفع التراب من على مذبح المحرقة لإعداده لخدمة اليوم. ثم يأخذون رئيس الكهنة إلى المغتسل فيغسل جسمه كله. ثم يديه ورجليه. ويلبس ملابسه الفاخرة التى للمجد والبهاء (خر28). ويدخل القدس ويصلح السرج ويرفع البخور. ثم يقدم المحرقة الدائمة المقررة يومياً فى الصباح وهى خروف حولى مع تقدمته عشر من الدقيق الملتوت بربع الهين من الزيت المرضوض وسكيبه ربع الهين من الخمر (خر29: 38-42). وكانت هذه تضاعف إذا كان اليوم سبتاً (عد28: 9،10).

ثانياً – خدمة الكفارة

وهى الخدمة الخاصة بهذا اليوم والتى كات تجرى مرة واحدة فى السنة. وكان رئيس الكهنة يقوم بها بعد الخدمة الصباحية. وسنرى أنه كان يدخل خلالها أربع مرات إلى قدس الأقداس. وخطوات ترتيب طقس هذه الخدمة المقدسة كالآتى:

1- يخلع رئيس الكهنة ثيابه الفاخرة ويتركها فى مكانها فى القدس. ثم يخرج إلى المغتسل ويغتسل ويلبس ملابس من الكتان (ع4).

2- يعرض أمام الرب ذبيحة الكفارة عن نفسه وعن الكهنة وهى ثور من البقر ويضع يديه على رأس الثور ويعترف بخطاياه وخطايا الكهنة.

3- ثم يعرض أمام الرب ذبائح الكفارة عن الشعب وهى تيسان من المعز. يلقى عليهما قرعة ليذبح الواحد ذبيحة خطية . ويخصص الثانى لعزازيل (ع7،8).

4- يذبح الثور ويحتفظ أحد الكهنة بجزء من دمه فى إناء ويحركه حتى لايجمد (ع11).

5- يأخذ رئيس الكهنة وعاء البخور والمجمرة ويدخل إلي قدس الأقداس للمرة الأولى ويبخر أمام تابوت عهد الرب فيمتلئ قدس الأقداس بالبخور (ع12،13) ويخرج خارجاً تاركاً المجمرة ووعاء البخور فى قدس الأقداس.

6- يأخذ من دم الثور ثم يدخل للمرة الثانية وينضح على غطاء التابوت وأمامه ثم يخرج تاركاً وعاء الدم فى القدس (ع14).

7- يذبح تيس الخطية أمام باب الخيمة. ويأخذ من دمه فى وعاء ويدخل إلى قدس الأقداس لثالث مرة وينضح أيضاً على غطاء التابوت وأمامه تكفيراً عن الشعب. ويخرج إلى القدس حيث يمزج الباقى من دم التيس بالباقى من دم الثور.

8- يكفر بالدم الممزوج عن القدس ومحتوياته بالنضح من الدم عليها. ثم يخرج إلى دار الخيمة ويكفر بالدم أيضاً عن مشتملاتها (ع17،18،19).

9- بقى دور التيس الحى . حيث يضع يديه عليه أيضاً معترفاً بخطايا الجماعة. ويرسله مع أحد الأشخاص حياً ليطلقه فى البرية لعزازيل (ع20-22) .

10- يدخل لرابع مرة داخل قدس الأقداس حيث يأخذ المجمرة ووعاء البخور ليضعهما فى مكانهما الخاص. ويخرج إلى القدس ويخلع ثيابه الكتان ويضعها فى مكانها الخاص فى القدس ويستعد للخدمة الثالثة (ع23) .

كان الثور وتيس الخطية يحرقان خارج المحلة. والذين يحرقونهما والذى يطلق التيس الحى كانوا لايدخلون المحلة إلا بعد أن يغسلوا أجسادهم وملابسهم .

11- يغسل رئيس الكهنة جسده ويلبس ثيابه الفاخرة من جديد ويقدم محرقة العيد عن نفسه ومحرقة عن الشعب. وكل منهما كبش من الغنم .

ثالثاً – خدمة تقديم الذبائح الإضافية

ثم يقدم عن نفسه وعن الشعب :

أولاً – محرقات إضافية وهى ثور وكبش وسبعة خراف حولية وتقدمتها ثلاثة أعشار دقيق ملتوت بالزيت عن الثور وعشران عن الكبش وعشر عن كل خروف وسكائبها من الخمر نصف الهين عن الثور وثلث الهين عن الكبش وربع الهين عن الخروف الواحد .

ثانياً – ذبيحة خطية أخرى من تيس من المعز .

وهذه الذبائح الإضافية موضحة فى (عد29: 7-11) .

رابعاً – الخدمة المسائية الدائمة

وهى الخدمة اليومية الدائمة التى كانت تقام فى المساء. وقرابينها مثل قرابين الصباح. وفى يوم الكفارة كان رئيس الكهنة هو الذى يقوم أيضاً بهذه الخدمة وهو مرتد ملابسه الفاخرة .

التفسير

تنبيه هرون بشأن الدخول إلى قدس الأقداس (ع1-3)

1- وكلم الرب موسى بعد موت ابنى هرون عندما اقتربا أمام الرب وماتا .

قد يكون كلام الرب لموسى بما جاء فى هذا الأصحاح قد وقع مباشرة بعد موت ابنى هرون ناداب وأبيهو بسبب تقديمهما ناراً غريبة (ص10). ويكون الوحى قد ذكره فى الكتاب بعد الكلام عن الطهارة والنجاسة ليتحدث بالتفصيل عن رسوم يوم الكفارة. وقد يكون الكلام قد وقع فيما بعد بمرة ما وتكون البعدية فى قوله (بعد موت ابنى هرون) تفيد البعدية البعيدة نوعاً ما. وفى أى الحالتين فإن الله قد خاطب موسى بكل ما جاء فى الأصحاح ليعلم هرون وبنيه كيف يدخلون إلى بيت الرب مستنيرين بتعليمات الوحى حتى لايعود أحد منهم فيدخل بدون مبرر أو يقدم خدمة لم يأمر بها الرب فتتكرر المأساة .

2- وقال الرب لموسى كلم هرون أخاك أن لايدخل كل وقت إلى القدس داخل الحجاب أمام الغطاء الذى على التابوت لئلا يموت . لأنى فى السحاب أتراءى على الغطاء .

يجب أن يحذر موسى أخاه وجميع خلفائه من رؤساء الكهنة ألا يدخلوا إلى (القدس) فى كل وقت والمقصود بالقدس هنا قدس الأقداس بدليل قوله (داخل الحجاب أمام الغطاء الذى على التابوت ). وقد أوضح الوحى فى هذا الأصحاح أن دخول رئيس الكهنة إلى قدس الأقداس كان مصرحاً به مرة واحدة فى السنة وذلك فى يوم الكفارة .

و(الحجاب) هنا هو الستر الفاصل بين القدس وقدس الأقداس و (الغطاء) هو غطاء تابوت عهد الرب الذى كان فوقه كروبا الذهب وقد دعى الغطاء كرسى الرحمة .

(لئلا يموت) إذا اقتحم قدس الأقداس بدون مبرر وفى غير يوم الكفارة وبغير التعليمات الخاصة بالدخول يميته الرب كما فعل مع أبيناداب وأبيهو. ويعلل الوحى حكمة تحذيره من دخول قدس الأقداس ومعاقبته للكاهن المعتدى بقوله (لأنى فى السحاب أتراءى على الغطاء) أى أن مجده تعالى يتجلى على الغطاء بين الكروبين. وهذا المجد هو ما دعاه اليهود (الشاخيناه) “السكينة”. وقد فسر بعض علماء اليهود (السحاب) بالسحاب المعجزى الطبيعى الذى يصحب ظهور مجد الرب وفسره البعض بالبخور الكثيف الذى كان يصعده رئيس الكهنة من المجمرة فيحجب غطاء التابوت عن عينيه. وقد يكون المقصود بالسحاب الاثنين معاً . وسنرى إيضاحاً لهذا فى عددى (12،13) .

3- بهذا يدخل هرون إلى القدس . بثور ابن بقر لذبيحة خطية وكبش لمحرقة .

بما أن هرون سيؤهل للدخول إلى قدس أقداس الرب. وهو المكان الذى يمثل السماء. ويحتوى على تابوت العهد وغطائه وهما يمثلان عرش الله الذى تخدمه الشاروبيم. ويتجلى فيه مجده. ويبين لعبيده مقاصده. بما أنه سيؤهل لذلك فعليه ألا يجرؤ على هذا إلا بالتكفير عن نفسه. ويقوم هذا التكفير بثور ابن بقر ليقدم ذبيحة خطية عن هرون وباقى الكهنة وهو الذى كان يذبح ويرش من دمه كما هو واضح فى (ع11 – 14). بالإضافة إلى كبش محرقة عن نفسه وعن الكهنة أيضاً وهو الذى كان يذبح بعد إتمام رسوم الكفارة (ع24). وقد كان على هرون أن يشترى الثور والكبش من ماله الخاص لأنهما خاصان بالتكفير عن العاملين فى الكهنوت .

ثياب يوم الكفارة (ع4)

4- يلبس قميص كتان مقدساً وتكون سراويل كتان على جسده ويتنطق بمنطقة كتان ويتعمم بعمامة كتان  إنها ثياب مقدسة . فيرحض جسده بماء ويلبسها .

يبتدئ الوحى من هذا العدد إلى العدد الثالث والعشرين بالكلام عن خدمة يوم الكفارة وهى الخدمة الثانية. وكان يؤديها رئيس الكهنة بعد الخدمة الصباحية التى يقرب فيها المحرقة الدائمة وقد عرفنا أنه كان يؤدى الخدمة الأولى بالملابس الذهبية الفاخرة. كان يبدأ خدمة الكفارة بخلع الملابس الفاخرة. بعد ذلك يرحض جسده أى يغسله غسلاً تاماً ويكون ذلك بتغطيسه تماماً فى مغطس معد لذلك. وقد عرفنا أن الكهنة كانوا يقودونه إلى المغطس. وكلمة (الرحض) هنا فى العبرية خلاف الكلمات التى تدل على الغسل فى مواضع متنوعة. وقد خصصت لحالات خاصة مثل حالة اغتسال الأبرص. وفى تقديس (رسامة) هرون. والرحض الجسدى كان يعنى تطهير الجسد. ويشير أيضاً إلى الطهارة الداخلية. طهارة الروح والنفس والقلب والفكر. لكى يكون رجلا لائقا للمثول أمام الله والقيام بخدمته .

وبعد الغسل كان يلبس ملابس من كتان نقى. وهى الملابس العادية التى للكهنة العاديين وتتكون من السراويل والقميص ومنطقة وعمامة (خر28: 40-42) ولبسه ثياب الكاهن العادى يشعره بخطيته التى يتقدم من أجلها إلى الرب ويكفر عنها. وأن مثله كمثل أى إنسان عادى خاطئ ومعرض للخطأ فلا يسوغ له أن يتعالى أو يتكبر. وأنه فى حاجة إلى التكفير عن خطاياه ومفتقر إلى رحمة الله وصفحه وغفرانه. (إنها ثياب مقدسة فيرحض جسده بماء ويلبسها): بما أن الملابس مقدسة فكان عليه أن يغتسل قبل أن يلبسها. والثياب المقدسة بمعنى:

أولاً- أنها مكرسة لغرض مقدس.

ثانياً- أنها معدة لخدمة إلهية مجيدة ومقدسة. والخدمة تكسبها القداسة والمجد. لأنها خدمة روحية تنتمى إلى رب المجد ملك الملوك ورب الأرباب .

الذبائح التى يأخذها من الشعب (ع5)

5- ومن جماعة بنى اسرائيل يأخذ تيسين من المعز لذبيحة خطية وكبشاً واحدا لمحرقة.

هذه الذبائح من أموال الجماعة. والتيسان ذبيحة خطية يذبح الواحد ويطلق الآخر حياً لعزازيل والكبش محرقة عن الجماعة بالإضافة إلى الذبائح الإضافية مع تقدماتها (عد29: 7-10) .

تقريب الذبائح أمام الرب (ع6-10)

6- ويقرب هرون ثور الخطية الذى له ويكفر عن نفسه وعن بيته .

(يقرب) الثور هنا. معناها أنه يوقفه أمام باب خيمة الاجتماع ويعرضه على الرب. والتكفير عن نفسه وعن بيته يقصد به الاعتراف هكذا: (أيها الرب قد خطئت وأثمت وعصيت أمامك أنا وبيتى، فيارب أسألك أن تغفر خطاياى وآثامى ومعاصى التى ارتكبتها أمامك أنا وبيتى بناء على ما كتب فى ناموس موسى عبدك لأنه فى ذلك اليوم يكفر عنكم ويغسلكم من كل خطاياكم). وكان يصلى هذا الاعتراف ووجهه إلى الغرب نحو الشعب. وكان يقوله بصوت مسموع فيرد عليه الشعب قائلين: (مبارك اسم ملكوته الجديد إلى الدهر والأبد). ويعود رئيس الكهنة ويقوله مرة أخرى ذاكراً أسماء أولاده الكهنة .

كل هذا يرينا كيف أن رئيس الكهنة ككل إنسان محاط بالضعف ومعرض للسقوط. ولذلك كان يكفر عن نفسه كما يقول الرسول (لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس فيما لله لكى يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا قادراً أن يترفق بالجهال والضالين إذ هو أيضاً محاط بالضعف ولهذا الضعف يلتزم أنه كما يقدم عن الخطايا لأجل الشعب هكذا أيضاً لأجل نفسه عب5: 1-3). ولكن واحداً فقط هو القدوس الذى بلا خطية الرب يسوع المسيح رئيس كهنتنا الأعظم الذى قدم ذاته كفارة عن خطايا جميع الناس (لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولادنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات عب7: 26) .

وقد كان يساعد رئيس الكهنة كاهنان. وعندما يقف على الجانب الشمالى للمذبح لتقديم الذبائح أو عندما يقف لدى باب خيمة الاجتماع كان واحد منهما وهو الأرفع مقاماً يقف على يمينه والثانى يقف على يساره .

7- ويأخذ التيسين ويوقفهما أمام الرب لدى باب خيمة الاجتماع .

8- ويلقى هرون على التيسين قرعتين قرعة للرب وقرعة لعزازيل .

كان التيسان لذبيحة خطية واحدة. أحدهما يذبح عن خطايا الشعب. والآخر يطلق لحمل الخطايا ورفعها وعمل الواحد يكمل عمل الآخر كما سنرى . وقد كان رئيس الكهنة يوقفهما أمام باب خيمة الاجتماع ووجهاهما إلى الغرب. وكانوا يحتفظون بصندوق صغير فيه قطعتان رقيقتان صغيرتان من الأبنوس وفيما بعد كانتا تصنعان من الذهب. كتب على واحدة منهما (للرب) وعلى الأخرى (لعزازيل). ويقف الكاهن الواحد عن يمين رئيس الكهنة والآخر عن يساره. وكذلك يوقف التيسان. ويهز رئيس الكهنة الصندوق عدة مرات ويمد يديه ليأخذ القطعتين المكتوب عليهما. ويضع الواحدة على أحد التيسين والأخرى على الآخر وهو يقول (للرب ذبيحة خطية) ويقرأ الكتابة على اللوحين. فإن كان اللوح الذى بيمينه هو المكتوب عليه (للرب) قال الكاهن الذى عن يمين رئيس الكهنة: (ارفع يمناك إلى أعلى). وإن كان الذى بيساره هو المكتوب عليه (للرب) قال الكاهن الآخر (ارفع يسراك). وحينئذ كانوا يجعلون خيطاً أحمر من الصوف حول رأس التيس الذى للرب أو على قرنيه. بينما يميزون تيس عزازيل بخيط من القرمز.

(عزازيل) لم تذكر هذه الكلمة إلا فى هذا الأصحاح. وهناك أكثر من رأى فى المقصود من معناها:

1- فالبعض يظنون أن المقصود بها نعت للشيطان بمعنى المعزول أو المبعد باعتباره معزولاً عن الشركة مع الله ومع القديسين. وبالاعتقاد أنه يسكن فى الأماكن الخربة والخالية مثل البرارى كما قال المخلص أن الروح النجس متى خرج من إنسان (يجتاز فى أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة ولايجد مت 12: 43). وفى الأماكن التى قضى الرب عليها بالخراب نتيجة لخطاياها مثل بابل الروحية المذكورة فى سفر الرؤيا (رؤ18: 2) وكان سكناه فيها لكى يرى ثمار أعماله الشريرة ولكى يرى الناس أن الأماكن التى لاترضى الله يهجرها تعالى لكى تصير مسكناً للشياطين. مثلها فى ذلك كمثل الإنسان الذى يفارقه روح الرب وتبغته الأرواح الشريرة .

2- ويرى بعض اليهود أن التيس دعى هكذا لوجود شيطان اسمه (عزازيل) أو (سمائيل). والذين يقولون بهذين الرأيين يقولون إن إرسال التيس إلى (عزازيل ) الذى يعتبر صفة أو علماً للشيطان ليس لغرض عبادة الشيطان كما يفعل الوثنيون. وإنما إرساله تحد وإغاظة للشيطان. لأنه بما أنه المحتج على البشركما نرى ذلك فى تاريخ أيوب (أى 1: 9-11، 2: 4-5). والمشتكى على القديسين (رؤ12: 10) وبما أن خطايا الشعب قد سترت وغفرت بدم التيس المذبوح فإن إرسال التيس الثانى وهو حامل الخطايا المغفورة إعلان عن رفع الخطايا وبالتالى إخجال للشيطان وإغلاق كل باب  أمامه للاحتجاج على شعب الله الذى سترت خطيته .

3- ويرى البعض أن تخصيص تيس من المعز لحمل الخطايا يرجع إلى أن الوثنيين كانوا يعتقدون أن الشياطين التى كانوا يعبدونها كانت تظهر فى هيئة التيوس فصرح لهم الرب بذبح التيوس لتقدم ذبيحة للرب لابعبادتها وتقديم الذبائح لها. كما أن التيوس أحياناً تنبعث منها رائحة كريهة. وفى كل هذا تنفير لشعب الله من عبادة الشياطين التى تعتبر أساساً لعمل الخطايا. وتنفير من الخطية التى لا تنبعث منها إلا الرائحة الكريهة .

4- وهناك رأى يقول أن كلمة (عزازيل) مصدر بمعنى (الإطلاق) بالنسبة لإطلاق التيس إلى البرية .

5- والرأى الخامس وهو الأرجح: أن كلمة (عزازيل) مصدر أيضاً بمعنى العزل والإزالة. لأن التيس الثانى كان يحمل خطايا الشعب ويلقيها بعيداً وبهذا يعلن أن الله قد غفرها وتركها كلية كما يقول فى وعده الإلهى .وعلى أى حال فإننا نرى:

أولاً- أن كلا التيسين للرب ويعرضان أمامه .

ثانياً- وهما معاً ذبيحة خطية واحدة. التيس الأول للتكفير عن الخطية وسترها ومغفرتها. والثانى لحمل الخطايا المغفورة بعيداً وطرحها عن عاتق الشعب .

ثالثاً- والتيس الأول يرينا الطريقة الوحيدة لمحو الخطية. وهى سفك الدم إذ (بدون سفك دم لاتحصل مغفرة عب 9: 22) والتيس الثانى يرينا فاعلية الدم المسفوك ونتيجته المباركة فى مغفرة الخطايا ورفعها .وسنرى أن هذه الذبيحة فى وجهيها تشير بوضوح إلى ذبيحة الصليب التى فيها الغفران والحياة والإنقاذ لجميع البشر

9- ويقرب هرون التيس الذى خرجت عليه القرعة للرب ويعمله ذبيحة خطية .

بعد خروج القرعة كان هرون (يقرب التيس الذى خرجت عليه القرعة للرب) وتقريبه أى تقديمه أمام الرب ليكون معداً للعمل العظيم. ثم يعمله ذبيحة خطية، أى يعينه ويخصصه ليذبح بعد ذبح الثور والدخول بدمه إلى قدس الأقداس (ع15) .

10- وأما التيس الذى خرجت عليه القرعة لعزازيل فيوقف حياً أمام الرب ليكفر عنه ليرسله إلى عزازيل إلى البرية .

كان التيس الثانى يوقف حياً أمام بيت الله حتى يطلق إلى البرية فى الوقت المناسب من الطقس المقدس أيضاً (ع21،22). وقوله (ليكفر عنه) أى ليقدم بوقوفه أمام المسكن المقدس ليكون لائقاً للعمل المقدس الذى عين له وهو حمل خطايا الشعب إلى عزازيل .

تقديم ذبيحة الخطية التى لهرون وبيته (ع11-14)

11- ويقدم هرون ثور الخطية الذى له ويكفر عن نفسه وعن بيته ويذبح ثور الخطية الذى له .

1- يعود هرون فيقدم الثور الذى أعده من ماله الخاص ليكون ذبيحة خطية عن نفسه وعن بنيه الكهنة وعن بيته. وقد دعى الكهنة بيت هرون لأنهم أبناؤه حيث يقول المرنم (يا بيت هرون باركوا الرب مز135: 19). ويضع يده على رأس الثور ويكفر عن نفسه وعن بيته والمقصود هنا أن يعترف ثانية بخطاياه وخطايا باقى الكهنة كما فعل عند تقديم الثور لأول مرة (ع6) وربما كان أبناؤه يضعون أيديهم معه على رأس الثور .

2- بعد الاعتراف كان يذبح الثور بنفسه لأنه ذبيحة عن خطيته وخطية بنيه وهو رئيسهم فى الكهنوت. وكان أحد الكهنة يستقبل الدم فى إناء خاص ويستمر فى تحريكه حتى لايجمد .

12- ويأخذ ملء المجمرة جمر نار عن المذبح من أمام الرب وملء راحتيه بخوراً عطراً دقيقاً ويدخل بهما إلى داخل الحجاب .

13- ويجعل البخور على النار أمام الرب فتغشى سحابة البخور الغطاء الذى على الشهادة فلا يموت .

1- كان عليه أن يملأ المجمرة الذهبية الخاصة به من جمر النار الذى على مذبح المحرقة. وهى النار التى أرسلها الله من لدنه (لا9: 24) كما يضع ملء حفنتيه من البخور العطر الدقيق (الناعم) (خر30: 34-37) فى إناء صغير من الذهب، فيحمل المجمرة فى يمينه وإناء البخور فى يساره ويدخل للمرة الأولى إلى قدس الأقداس على أن يكون دخوله جانبياً أى بجنبه. حتى لايتطلع بعينيه إلى تابوت العهد .

2- بمجرد دخوله كان يضع المجمرة على الأرض ويضع البخور بوفرة على الجمر فيمتلئ قدس الأقداس بالبخور. وتحجب سحابة البخور غطاء تابوت العهد عن عينى هرون فلا يراه لأنه الموضع الذى يتجلى عليه مجد الرب وجلاله. وقوله (لئلا يموت) أى لئلا يعاقبه الله بالموت لتجاسره على التطلع إلى المكان الذى يمثل عرشه المقدس السامى وقد رأينا أن مجد الرب كان يتراءى فى سحابة سماوية مضيئة بالإضافة إلى سحابة البخور المتصاعد من المجمرة (شرح ع2) .

3- وإذ يفعل هذا كان يخرج من قدس الأقداس إلى القدس. وكان يخرج بظهره إكراماً لقدس أقداس العلى. ومازال المؤمنون فى كنيسة العهد الجديد يفعلون هكذا فى خروجهم من الهيكل المقدس حتى لايجعلون ظهورهم نحو المذبح المقدس حيث ترفع الأسرار الإلهية. وفى القدس كان هرون يصلى صلاة قصيرة يقول فيها: (لترض أيها الرب إلهى أن تكون هذه السنة سنة مطر وخصب وأن لايموت رؤساء بيت يهوذا ولايكون شعبك فى احتياج لكى لايسألون الخبز إلى آخر أو إلى الغرباء ولاتسمع صلاة المسافرين) ويقصد طلبات المسافرين لكى لاتسقط الأمطار التى تعطلهم فى سفرهم .

4- من ثم يخرج إلى الدار الخارجية فيراه رفقاؤه الكهنة والشعب ويطمئنون إلى أنه أدى هذا الركن من الخدمة بأمانة ودقة ولم يمت .

14- ثم يأخذ من دم الثور وينضح بأصبعه على وجه الغطاء إلى الشرق . وقدام الغطاء ينضح سبع مرات من الدم بأصبعه .

1- يتسلم إناء الدم من الكاهن ويدخل للمرة الثانية إلى قدس الأقداس وينضح (يرش) بأصبعه مرة واحدة على غطاء التابوت من ناحيته الشرقية. أى المواجهة للخارج لأن قدس الأقداس كان فى الجهه الغربية. ثم ينضح سبع مرات على أرضية قدس الأقداس أمام التابوت. وكان يعد المرات التى ينضح فيها الدم بصوت مسموع. وربما كان نضحه على الغطاء للتكفير عن خطيته وخطية الكهنة. ونضحه على الأرض للتكفير عن قدس الأقداس بسبب خطايا الشعب ورؤسائه وكهنته .

2- بعد أن يؤدى هذا الطقس المجيد يعود فيخرج إلى القدس حيث يترك إناء الدم فى مكان ما معد لذلك. على مستقر من الذهب. ثم يخرج إلى الخارج .

تقديم التيس الأول (ع15)

15- ثم يذبح تيس الخطية الذى للشعب ويدخل بدمه إلى داخل الحجاب ويفعل بدمه كما فعل بدم الثور ينضحه على الغطاء وقدام الغطاء .

1- يذبح التيس الأول الذى وقعت قرعته للرب ويأخذ دمه أيضاً فى إناء من ذهب ويدخل إلى قدس الأقداس وينضح من دمه مرة على غطاء التابوت وسبع مرات أمامه كما فعل بدم ثور الخطية (ع14) وربما كان نضح الدم على الغطاء للتكفير عن خطايا الشعب. ونضحه أمام التابوت للتكفير عن قدس الأقداس بسبب خطاياهم .

2- يخرج إلى القدس ويضع إناء الدم على قاعدة ذهبية أخرى معدة لذلك .

التكفير عن البيت وعن مشتملاته (ع16-19)

16- فيكفر عن القدس من نجاسات بنى اسرائيل ومن سيآتهم مع كل خطاياهم . وهكذا يفعل لخيمة الإجتماع القائمة بينهم فى وسط نجاساتهم .

1- إن بيت الرب يحتاج إلى التكفير لأنه تلوث بخطايا الكهنة والشعب. أى لم يعد لائقاً لكرامة الله ومجد العبادة ولابسكناه أو تجلى مجده فيه كما مر فى (خر29: 12، لا8: 15). والرب أحياناً يرفض بيته بسبب خطايا الشعب. وقد أسلم تابوت العهد لأيدى الفلسطينيين (1صم4: 11)، وأسلم هيكله وأوانيه المقدسة لأيدى البابليين (2مل 25: 8-17)، وأخيراً قضى على ترك بيته خراباً (مت23: 38) وقد تم هذا على أيدى الرومانيين. كل ذلك بسبب الخطايا. ولذلك كان يكفر عن البيت من رجاسات الناس استمطاراً لمراحم الله والتماساً لغفران الخطايا .

2- وللتكفير كان رئيس الكهنة يمزج الباقى من دم الثور بالباقى من دم التيس وهو فى القدس، ثم ينضح ثمانى مرات على القدس ومشتملاته. ثم يخرج خارجاً وينضح أيضاً على خيمة الاجتماع بمشتملاتها والمقصود بالخيمة هنا دار الخيمة الخارجية حيث كانت مكاناً يجتمع فيه الشعب. وكانت قائمة فى وسطهم علامة على حلول الله بينهم .

(القائمة بينهم فى وسط نجاساتهم): إن الشعب يسئ إلى كرامة بيت الرب باستمرار بأعماله الشريرة التى تعتبر (نجاسة) فى عينى الرب. ولذلك كان من اللائق جداً التكفير عنها لتصبح لائقة لحلول مجد الرب ومناسبة لعبادته .

17- ولايكن إنسان فى خيمة الإجتماع من دخوله للتكفير فى القدس إلى خروجه . فيكفر عن نفسه وعن بيته وعن كل جماعة إسرائيل .

كان رئيس الكهنة هو المنوط وحده بعمل التكفير فى هذا اليوم. فلا يدخل معه أحد من الكهنة إلى القدس أو إلى قدس الأقداس بل كانوا يقفون فى الدار الخارجية بعيداً عن نطاق الخيمة إذ هم أنفسهم خطاة ورئيس الكهنة يكفر عنهم فى ذلك اليوم. ورئيس الكهنة فى انفراده بالعمل يشير بلا شك إلى أن خلاص البشر العام كان يحتاج إلى فرد واحد. هو الرب يسوع وسيط الخلاص الوحيد الذى داس المعصرة وحده (إش63: 3)، ومات وحده لأجل الفداء العجيب .

18- ثم يخرج إلى المذبح الذى أمام الرب ويكفر عنه . يأخذ من دم الثور ومن دم التيس ويجعل على قرون المذبح مستديراً .

19- وينضح عليه من الدم بأصبعه سبع مرات ويطهره ويقدسه من نجاسات بنى اسرائيل .

1- المذبح المذكور هنا هو مذبح البخور الذهبى وكان يكفر عنه فى كل سنة فى عيد الكفارة (خر30: 10) .

2- ومزج دم الثور بدم التيس إشارة إلى أن التكفير عن خطايا الكهنة والشعب معاً من كل ما يسبب عدم لياقة مقدساته فى نظر الرب .

3- كان التكفير يقوم بعملين:

( أ ) جعل الدم على قرون المذبح الأربعة التى على زواياه الشمالية الشرقية فالشمالية الغربية ثم الجنوبية الشرقية .

(ب) ثم النضح سبع مرات على وسط المذبح. وفى العملين إشارة إلى أن المذبح كله قد كفر عنه .

وبعد ما بنى الهيكل فى أورشليم كان المتبقى من الدم يصب على الناحية الغربية من المذبح حيث ينتقل إلى وادى قدرون فى قناة. ومن هذا التقليد يظهر أن مذبح البخور كان يكفر عنه إما مرتين مرة قبل خروج رئيس الكهنة إلى القدس ومرة بعد التكفير عن دار الخيمة بالنسبة لمواجهته لتابوت العهد. وإما كان يقدس آخر الكل. ولعل الرأى الأول أرجح.

تقديم التيس الثانى (ع20-22)

20- ومتى فرغ من التكفير عن القدس وعن خيمة الاجتماع وعن المذبح يقدم التيس الحى .

1- بعد عمليات التكفير عن قدس الأقداس والقدس ودار الخيمة وجميع مشتملاتها يأتى دور التيس الثانى وهو التيس الحى الذى أُعِد لعزازيل (ع10) .

والمقصود بالمذبح هنا إما مذبح البخور لأنه يكفر عنه أخيراً كما فى العددين السابقين. أو اسم جنس يقصد به مذبحا البخور والمحرقة لأنه قد كفر عنهما بالفعل .

2- ولقد مر بنا أن التيس الأول المذبوح والتيس الثانى الذى يطلق حياً ذبيحة واحدة يعملان عملاً واحداً هو التكفير عن الخطية بالموت والثانى يعلن رفع الخطية وإقصاءها بعيداً. الأول يشير إلى التكفير داخل الحجاب بين رئيس الكهنة وبين الله وحده والثانى يعلن هذا كعلامة منظورة أمام الشعب ليملأ قلوبهم أماناً واطمئناناً.

ولعل الأول يشير أيضاً إلى المسيح المصلوب عن خطايانا والثانى يشير إلى المسيح القائم حياً من الأموات .(يقدم التيس الحى) أى يوقفه أمام باب خيمة الاجتماع ليعرضه أمام الله كنائب عن الشعب فى حمل خطاياهم. واستعداداً لما يتبع ذلك من الطقوس .

21- ويضع هرون يديه على رأس التيس الحى ويقر عليه بكل ذنوب بنى اسرائيل وكل سيئاتهم مع كل خطاياهم ويجعلها على رأس التيس ويرسله بيد من يلاقيه من البرية .

1- يضع هرون يديه على رأس التيس الحى لأن هرون ينوب عن باقى الكهنة وعن الشعب، ووضع يديه على رأس التيس علامة على أنهم يلقون بخطاياهم على عاتقه كنائب عنهم .

2- ويعترف هرون بخطاياه وخطايا الشعب. وصيغة الاعتراف بعد بناء هيكل سليمان كانت هكذا: (أيها الرب إن شعبك آل إسرائيل قد أخطأ وأثم وعصى كما هو مكتوب فى شريعة عبدك موسى) فيرد عليه الكهنة والشعب (مبارك اسم ملكوته الجديد إلى أبد الأبدين)، ومن ثم يلتفت إلى الشعب ويقول: (قد غفر لكم) .وقوله (يجعلها على رأس التيس) أى أن الخطايا التى اعترف بها جعلها على التيس مؤمناً هو وشعبه أن التيس حملها بالفعل ليلقيها بعيداً .

3- ثم (يرسله بيد من يلاقيه إلى البرية)  يظن البعض أن المقصود بهذا أن يرسل التيس مع أى إنسان يصادف أن يلاقيه ليأخذه إلى البرية ويتركه هناك. والأرجح أن هذا الشخص رجل معين بالفعل كانوا قد عينوه لهذا العمل. حيث يكون فى انتظار أمر رئيس الكهنة ويلاقيه ليسلمه التيس. وقد عرف من التقليد أن هذا الشخص كان واحداً من الكهنة يعينه رئيس الكهنة .

وقد كان فى الترتيب المقدس الذى وضعه أن يتسلم الكاهن التيس ويقوده فى البرية إلى صخرة اسمها (زك) على جبل عال فى البرية. وهذه الصخرة تبعد عن أورشليم بمقدار اثنى عشر ميلاً. وتوجد على طول المسافة عشرة أكواخ. حيث يكون البعد بين المدينة والكوخ الأول ميلاً واحداً وبين آخر كوخ والصخرة ميلاً واحداً والبعد بين كل كوخين ميلاً. وكلما وصل الكاهن إلى أحد الأكواخ يخرج معه رجل من سكانه ليصحبه إلى الصخرة. وعندما يصلون إلى الصخرة التى على الجبل يقطع الكاهن خيط القرمز المربوط به التيس (شرح ع7) إلى جزءين ويربط جزء منهما إلى الصخرة. والجزء الآخر بقرنى التيس. ثم يلقى بالتيس من أعلى الجبل إلى أسفل فينزل ميتاً .

وعندما يرى سكان آخر كوخ أن التيس ألقى من على الصخرة يلوح أحدهم براية من الكتان الأبيض إلى سكان الكوخ الذى يليه. وهؤلاء بدورهم يلوحون إلى الكوخ التالى لهم. وهكذا حتى يلوح سكان الكوخ الأول إلى الكاهن الذى يراقب فى الهيكل. فيعلم الجميع أن الترتيبات المقدسة قد تمت فى التيس .

22- ليحمل التيس عليهم كل ذنوبهم إلى أرض مقفرة فيطلق التيس فى البرية .

إن الذنوب التى كفر عنها بدم التيس المذبوح يحملها التيس الثانى كما مر بنا حملها إلى (أرض مقفرة) أى إلى البرية. إشارة إلى المكان المهجور حيث تسكن الأرواح النجسة وإشارة إلى إبعاد الخطايا عنهم وعن مساكنهم .والمفهوم من قوله (فيطلق التيس فى البرية)  أنهم كانوا يتركونه حياً. ولكن من الترتيب الذى حفظوه بالتقليد يُفهم أنهم كانوا يقتلونه بطرحه من على الجبل. ويظهر أنهم رتبوا هذا الترتيب حتى لايتعرض التيس لأن يأخذه واحد من الشعب لنفسه أو أن يفترسه وحش أو أن يعرض له أى عارض آخر وبالجملة ليضمنوا أنه تكرس للغرض المقدس الذى جعل له.

تقديم المحرقات وذبيحة الخطية (ع23-28)

23- ثم يدخل هرون إلى خيمة الاجتماع ويخلع ثياب الكتان التى لبسها عند دخوله إلى القدس ويضعها هناك .بعد أن ينتهى هرون من خدمة الكفارة العظيمة. كان يدخل إلى القدس ويخلع ثياب الكتان التى كانت تلبس لهذا الغرض. وكان يضعها فى حجرة خاصة فى القدس. ويستعد للبس الثياب الفاخرة وتقديم المحرقات عن نفسه وعن الشعب.

24- ويرحض جسده بماء فى مكان مقدس ثم يلبس ثيابه ويخرج ويعمل محرقته ومحرقة الشعب ويكفر عن نفسه وعن الشعب .

إن المحرقات كانت تحرق كلها على المذبح وتصعد رائحتها رائحة سرور يشتمها الرب برضا عن شعبه ولم يكن لهرون أن يقدم محرقات السرور عن نفسه وعن الشعب إلا بعد أن يكون قد قدم ذبيحة الخطية التى للكفارة لأن فيها تكفيراً ورفعاً لخطاياهم. نعم فبعد ستر خطاياهم ورفعها بدم ذبيحة الخطية كان يسوغ لهم أن يقدموا محرقات السرور للرب. والمؤمن الذى يحب أن يقدم ذبائح حمده وشكره وعباداته للرب عليه أولاً أن يقر بخطاياه ويتركها بالحق بتوبة صادقة ومن ثم تكون عباداته مقبولة. وأن يعمل كل شئ متكلاً على دم المسيح المكفر والمطهر للخطايا.

وكان على هرون أن يتبع عدة خطوات فى تقديم المحرقات :

( أ ) بعد أن يخلع ثياب الكتان كان (يرحض جسده) أى يستحم استحماماً كاملاً بتغطيس جسده فى مغطس خاص وكان معداً لهذا الغرض (فى مكان مقدس) أى فى دار الخيمة .

(ب) ثم يلبس الثياب الفاخرة المصنوعة من الذهب والبز والأرجوان والقرمز والأسمانجونى. وهى الملابس المعدة للخدمة المقدسة العادية (خر28) .

(ج) ثم يخرج إلى دار الخيمة ويذبح محرقات يوم الكفارة عن نفسه وعن الشعب ويقدمها على المذبح كطقس تقديم المحرقات العادية. والمحرقات التى تخص هرون وبنيه الكهنة وبيته كانت (كبشاً) من ماله الخاص (ع3). ومحرقات الشعب كانت (كبشاً) من مال الشعب كحد أدنى (ع5) بالإضافة إلى ثور وسبعة خراف حولية (عد29: 8). وكانت الأسباط تشترك فى شرائها .تقديم الذبائح الإضافية

1- كان على هرون أن يقدم أيضاً المحرقات الإضافية للعيد وهى ثور وكبش وسبعة خراف حولية (عد29: 7-11) مع تقدماتها من الدقيق الملتوت بالزيت ثلاثة أعشار للثور وعشران عن الكبش وعشر عن الخروف وسكائبها من الخمر باعتبار نصف الهين عن الثور وثلث الهين عن الكبش وربع الهين عن الخروف (عد28: 12-14) .

يرى بعض المفسرين أن هذه المحرقات الإضافية كانت تقدم بعد المحرقة الصباحية اليومية (الدائمة) مباشرة أى قبل إجراء طقس يوم الكفارة . والأرجح أنها كانت تقدم هنا مع محرقة العيد .

2- ثم كان عليه أيضاً أن يقدم ذبيحة خطية إضافية وهى تيس من المعز (عد29: 10،11) ربما عن الأخطاء التى قد تكون قد تخللت خدمة اليوم سواء من جانب رئيس الكهنة أو من الكهنة أو من الشعب. وهكذا رغم أنه قدم ذبيحتى الخطية عن نفسه وعن الشعب وكفر بدمهما داخل قدس الأقداس فإننا نراه هنا يعود فيقدم هذه الذبيحة الإضافية. وهذا كله دليل على عدم كفاية الذبائح الحيوانية وعدم قوتها وعدم استطاعتها على وفاء عدل الله لأنه ليس كفئاً لكل هذا إلا دم ابن الله وحده .

25- وشحم ذبيحة الخطية يوقده على المذبح .

الشحم الذى لثور الكفارة الذى قدم عن هرون وبنيه ذبيحة خطية، وشحم التيس الذى قدم ذبيحة خطية أيضاً عن الشعب (ع3،5) كان يحرق على المذبح كما هو المتبع فى جميع ذبائح الخطية .

26- والذى أطلق التيس إلى عزازيل يغسل ثيابه ويرحض جسده بماء . وبعد ذلك يدخل إلى المحلة .

إن الذى قاد التيس الحى إلى البرية كان يتنجس بملامسته الحيوان الذى اعتبر ذبيحة خطية، والذى حمل الخطايا التى ترمز إلى اللعنة. فكان لذلك لايسوغ له أن يدخل المحلة (مساكن الشعب) إلا بعد أن يغسل ثيابه وجسده. وسنرى أن هذا الحكم يسرى أيضاً على الذين يخرجون لحم ذبائح الخطية لإحراقها (ع28) .

27- وثور الخطية وتيس الخطية اللذان أتى بدمهما للتكفير فى القدس يخرجهما إلى خارج المحلة ويحرقون بالنار جلديهما ولحمهما وفرثهما .

1- إن القاعدة العامة فى ذبائح الخطية العادية أن يكون لحمها وجلدها من نصيب الكهنة ولكن ذبيحة الخطية التى كان يدخل بدمها إلى (القدس) ويقصد بذلك إلى قدس الأقداس للتكفير عن الخطايا كان لحمها وجلدها يخرج إلى خارج المحلة ويحرق فى مكان معد لذلك (ص4: 11،12) و(الفرث) هو بقايا الطعام فى كرش الحيوان .

2- كان يحملهما بعد بناء هيكل سليمان أربعة من الكهنة الشبان. يحمل كل اثنين واحدة منهما على عصوين. وبعد إحراقهما فى المكان المخصص لذلك خارج أورشليم كانوا يغسلون ثيابهم وأجسادهم ويعودون إلى الهيكل حيث يقرأون على الشعب وجميع الشعب وقوف الفصول الخاصة بيوم الكفارة فى (سفر اللاويين 23: 26-32. وسفر االعدد 29: 7-11) ثم يباركون الشعب بالبركة الكهنوتية ويذكرون فى نهاية البركة الشريعة والخدمة، والاعتراف، ومغفرة الخطايا، وأورشليم، والهيكل، وشعب إسرائيل، والكهنوت المقدس.

3- وإحراق الذبيحة خارج المحلة كما رأينا فى (شرح ص4: 1) يشير من جهة إلى شناعة الخطية وقبحها ومن جهة إلى مغفرتها وإبعادها وإقصاءها عن الشعب. ويشير فى نفس الوقت إلى صليب ربنا يسوع المسيح خارج أورشليم على جبل الجلجثة (فإن الحيوانات التى يدخل بدمها عن الخطية إلى الأقداس بيد رئيس الكهنة تحرق أجسامها خارج المحلة . لذلك يسوع أيضاً كى يقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب. فلنخرج إذا إليه خارج المحلة حاملين عاره. عب13: 11-13) .

4- كان على رئيس الكهنة بعد ذلك أن يقدم بنفسه، وهو مرتد الثياب الفاخرة، المحرقة المسائية الدائمة كما فعل هذا فى خدمة المحرقة الصباحية. كما رأينا فى مقدمة الأصحاح. ويكون بذلك الطقس قد انتهى من خدمة ذلك اليوم المجيد التى كانت تستغرق النهار كله .

28- والذى يحرقهما يغسل ثيابه ويرحض جسده بماء وبعد ذلك يدخل إلى المحلة .

1- يقصد بذلك الأشخاص الذين حملوا الثور والتيس وأحرقوهما خارج المحلة. وقد أوضحنا هذا فى شرح العدد السادس والعشرين، وقد مر بنا أيضاً أنهم كانوا من الكهنة .

الكفارة كفريضة دائمة (ع29-34)

29- ويكون لكم فريضة دهرية أنكم فى الشهر السابع فى عاشر الشهر تذللون نفوسكم وكل عمل لاتعملون الوطنى والغريب النازل فى وسطكم .

1- جعل الله يوم الكفارة فريضة دهرية (أبدية) مادام الكهنوت اللاوى قائماً. وبمعنى آخر حتى يبطل الرمز بالمرموز إليه وهو الرب يسوع فى تقديم ذاته كفارة عن العالم بموته على الصليب .

2- وقد أمر الله الشعب اليهودى أن يعيدوا هذا العيد فى اليوم العاشر من الشهر السابع. والشهر السابع هو شهر (تسرى أو إيثانيم 1مل8: 2)، وترتيبه فى السنة الدينية السابع وفى السنة السياسية الأول (تفسير الخروج 12: 1-2) ويقع فى شهر سبتمبر أو أكتوبر من السنة الإفرنجية.

3- كان عليهم أن يذللوا أنفسهم بالصوم فى هذا اليوم لأنه جعل للتكفير عن خطاياهم طوال السنة التى تسبقه. وهذا هو الصوم الوحيد الذى ورد فى الشريعة الإلهية التى سلمت لموسى النبى عدا الأصوام التى فرضت عليهم فيما بعد على أيدى أنبياء الله ورجاله الصديقين بإرشاد من الروح القدس. وقد كانوا يصومون يوم الكفارة من مساء اليوم التاسع إلى مساء اليوم العاشر (ص23: 32) ويقرنون صومهم بالحزن والتنهد. ويعفى من الصوم المرضى والشيوخ الذين لايستطيعون أن يصوموا وكانوا لايقرأون فيه فصول الفرح. بينما اعتبرت باقى الأعياد للفرح لأنها رتبت لمناسبات مفرحة (لا23: 4). وربما كان توبيخ الرب لهم على لسان إشعياء النبى فى (ص58) بسبب عدم فهمهم روحانية الصوم والتذلل فى هذا اليوم. ويذكرهم إشعياء بأن يكون صومهم روحياً ومقروناً بالعمل الصالح والتوبة .

ومن التقاليد اليهودية الطريفة أنهم كانوا فى ذلك اليوم يعترفون بخطاياهم بطريقة خشوعية عجيبة. فكان كل شخصين يختليان فى مكان من المجمع حيث يجثو أحدهما بخشوع ويبتدئ بالاعتراف بخطاياه بينما يبتدئ صاحبه بضربه بالسوط نحو تسع وثلاثين سوطاً، وكلما ضربه سوطاً قرع المعترف على صدره بندم وتذلل، وفى نفس الوقت كان رفيقه يتلو عليه قول المرنم (أما هو فرؤوف يغفر الإثم ولايهلك وكثيراً ما رد غضبه ولم يشعل كل سخطه مز78: 38) وإذا ما فرغ الأول من اعترافه يقوم ويجثو الثانى ويعترف بخطاياه بينما يضربه رفيقه أيضاً تسعة وثلاثين سوطاً .

والصوم الذى صامه بولس الرسول مع رفاقه فى السفينة هو صوم الكفارة (أع27: 9).

4- كان عليهم أن يمتنعوا عن أعمالهم اليومية فى ذلك اليوم لأنه يوم اعتكاف، ومن المحافل المقدسة (شرح12: 16من الخروج). وكانت العطلة (للوطنى والغريب النازل فى وسطهم) والمقصود (بالوطنى) اليهودى الأصل. و(الغريب) المتهود من الشعوب الأخرى الساكنة بينهم (خر12: 19).

30- لأنه فى هذا اليوم يكفر عنكم لتطهيركم من جميع خطاياكم أمام الرب تطهرون.

لأن هذا اليوم يوم مقدس يصومون فيه. ويمتنعون عن أعمالهم وفيه تجرى جميع الطقوس المباركة لأنه فيه (يكفر) عنهم. والضمير فى يكفر يعود على الرب أو على رئيس الكهنة أو على كليهما معاً وبهذا التكفير يصيرون أطهاراً فى نظر الله الرحيم .

31- سبت عطلة هو لكم . وتذللون نفوسكم فريضة دهرية .

كلمة (سبت) معناها راحة. (وسبت عطلة) هنا أى يوم راحة يلزمهم فيه أن يستريحوا ويمتنعوا عن الأعمال اليومية (أعمال المعيشة). واعتبرت عطلتهم وراحتهم سبتاً حتى إن لم يقع يوم الكفارة فى يوم السبت أى فى اليوم السابع من الأسبوع. وهناك أيام أخرى دعيت سبتاً بهذا المعنى ولم يقصد بها اليوم السابع. وقد أوضح ذلك فى الأصحاح الثالث والعشرين بقوله عن عيد الكفارة (فى تاسع الشهر عند المساء من المساء إلى المساء تسبتون سبتكم 23: 32) أى تأخذون راحتكم. ومثال ذلك أيضاً السنة السابعة التى دعيت سبتاً (لا25: 1-6) .

32- ويكفر الكاهن الذى يمسحه والذى يملأ يده للكهانة عوضاً عن أبيه . يلبس ثياب الكتان الثياب المقدسة . ينتقل هنا إلى ذكر رئيس الكهنة الذى يخلف رئيس الكهنة المتوفى. ويبين أنه هو المكلف أيضاً بالتكفير عن البيت وعن الشعب فى يوم الكفارة مثل سابقه حيث أن هذا العمل كما ذكر آنفاً من اختصاص رئيس الكهنة وحده .

وقوله (ويكفر الكاهن الذى يمسحه ) أى الذى يمسحه رئيس الكهنة الأسبق ليخلفه. وقد أمر الرب موسى النبى لإقامة العازار بن هرون ليخلف أباه (عد20: 24-26) . وكان الابن البكر هو الذى يخلف أباه. أما إذا كان غير لائق فكان الشيوخ المكونون لمجمع السنهدريم يزكون غيره.

و (الذى يملأ يده) أى يغنيه بميراث الكهنوت بكل ما فيه من حقوق وامتيازات وبركات روحية ومادية .

وكان رئيس الكهنة المقام جديداً (يلبس ثياب الكتان الثياب المقدسة ) أى يلبس مثل أبيه ثياب الكتان فى يوم الكفارة. وكان يرث الملابس الفاخرة أيضاً كما خلع موسى عن هرون ثيابه قبل موته وألبسها لابنه العازار (عد20: 28)، ويقول بعض علماء اليهود إن ثياب الكتان كانت تصنع جديدة سنة بسنة فلا يلبسها رئيس الكهنة إلا عيداً واحداً ولايلبسها غيره.

33- ويكفر عن مقدس القدس . وعن خيمة الاجتماع والمذبح يكفر . وعن الكهنة وكل شعب الجماعة يكفر . مادام رئيس الكهنة الجديد قد تسلم وظيفته فكان من واجبه أن يكفر مثل أبيه فى يوم الكفارة عن البيت وعن الكهنوت وعن الشعب. والمقصود (بمقدس القدس) قدس الأقداس.

34- وتكون هذه لكم فريضة دهرية للتكفير عن بنى اسرائيل من جميع خطاياهم مرة فى السنة . ففعل كما أمر الرب موسى .

عاد الرب فشدد عليهم أن يفعلوا هذا فى كل سنة للتكفير عن خطاياهم. ومن المعروف أن المؤمنين فى عهد النعمة ليسوا فى حاجة إلى تكرار عمليات التكفير سنوياً لأن المسيح قدم ذاته على عود الصليب ونفس ذبيحته الواحدة هى التى يراها المؤمنون على المذبح. وينعمون بالتناول منها. والمؤمن فى ضعفاته يعترف بخطاياه ويتوب عنها ويتناول من جسد الرب ودمه فينال غفراناً بدالة الدم المسفوك المكفر عن جميع الخطايا .

(ففعل كما أمر الرب موسى) هذا دليل على طاعة موسى وتنفيذه لجميع أوامر الرب بالتدقيق .

رموز وتأملات تتعلق بالكفارة

يعلمنا الكتاب المقدس صراحة أن المسيح له المجد هو الكفارة الحقيقية الدائمة لجميع الناس. وقد رضى الآب السماوى أن يقدمه كفارة على الصليب لفرط محبته للبشر إذ (ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا 1يو4: 10)، كما أن الابن رضى بسرور أن يقوم بهذا العمل الفدائى العظيم لعظم محبته للناس لأنه: (ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه يو15: 13). وقد كان عمل المسيح المبنى على المحبة غنياً وعظيماً جداً برر به البشرية الخاطئة ونقل عنها ديونها. والرسول يصف مجانية عمل الله الخلاصى وغنى محبته ونعمته. ويحث الناس على أن يؤمنوا بهذا العمل لينالوا ثماره الطيبة فى الخلاص حيث يقول (متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذى بيسوع المسيح الذى قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله رو3: 24،25) .

ولأن الناموس ظل للخيرات العتيدة. فإن كفارة العهد القديم رمز واضح عن كفارة المسيح المخلص، مع وجود فوارق كبيرة تعلو بقدر ما يعلو شخص المسيح وعمله على ممارسات الناموس وطقوسه. وقد تكلم الوحى كثيراً عن هذه المقارنة خصوصاً فى الرسالة إلى العبرانيين. ولكى نستوعب هذا يمكننا أن نتأمل فى الأمور الآتية :

اولاً: ضرورة الكفارة

لقد أوضح الله لموسى أن التكفير كان عملاً لابد منه. ولم يكن فى إمكان هرون أن يدخل إلى قدس الأقداس إلا بدم الذبائح التى قررها الوحى. ولهذا يقول له (بهذا يدخل هرون إلى القدس. بثور ابن بقر لذبيحة خطية وكبش لمحرقة ع3) وقد حتم على هرون أن يكفر عن نفسه وعن شعبه وعن البيت بكل ما يحتوى. وجعل هذا فريضة دهرية (لأنه فى هذا اليوم يكفر عنكم لتطهيركم من جميع خطاياكم أمام الرب تطهرون ع29،30).

والكارثة الكبرى التى وقعت للبشرية هى كارثة سقوط أبوينا. وانتقال الخطية إلى جميع نسلهما وبذلك أصبحت البشرية تحت حكم اللعنة والموت. ولم يكن فى إمكان الإنسان أن يدخل أقداس الله ويرث أمجاد السماء ما لم تمح هذه الخطية بالتكفير عنها. ولقد كفر المسيح بالفعل عن خطايانا كما يقول الرسول (ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا رو5: 8) .

ثانياً: صانع الكفارة

1- خادم الكفارة فى العهد القديم هو رئيس الكهنة نفسه. والذى صنع التكفير عنا بموته هو الرب يسوع المبارك رئيس كهنتنا الذى قيل عنه أنه (كاهن عظيم على بيت الله عب10: 21) .

2- وكان هرون أو رئيس الكهنة الذى يأتى بعده يقوم بعمل التكفير من أوله إلى آخره وحده دون أن يدخل معه أحد إلى القدس أو إلى قدس الأقداس. والمسيح هو الذى اضطلع وحده بعمل الفداء. ولم يكن فى مقدور كائن ما أن يقوم بهذا العمل الذى فيه الوفاء للعدل الإلهى إلا شخصه المبارك إذ (ليس بأحد غيره الخلاص لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص أع4: 12). وقد تنبأ النبى عن هذا قائلاً: (فرأى أنه ليس إنسان وتحير من أنه ليس شفيع فخلصت ذراعه لنفسه وبره هو عضده إش59: 16).  ومن العجيب أن الرب قد أنبأ تلاميذه قائلاً (هوذا تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوننى وحدى . وأنا لست وحدى لأن الآب معى يو 16: 32). ولقد تحقق كل هذا لأنه إذ قبض عليه اليهود تركه التلاميذ وحده فجاز المحاكمة وحده. وقاسى الآلام وحده. وصلب ومات وحده، وتم فيه قول النبى (قد دست المعصرة وحدى ومن الشعوب لم يكن معى أحد إش63: 3) .

3- ويوم الكفارة هو اليوم الوحيد الذى يخلع فيه رئيس الكهنة ثياب المجد والبهاء ليلبس ثياب الكتان مثل باقى الكهنة. لأنه إذ هو محاط بالضعف وواقع تحت ثقل الخطية كان عليه أن يتواضع ويتذلل ويلبس الكتان مثل إخوته . وخلعه ثياب المجد يرسم صورة واضحة لتنازل ابن الله الكلمة الذى وهو صورة الآب وبهاء مجده ورسم جوهره، وهو الواحد معه فى الجوهر. إذ أراد أن يفدى البشر (أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب فى2: 7،8). وفى هذا التجسد الرهيب حمل فى جسم بشريته كل آلام البشرية ووقع باختياره تحت أتعابها وتجاربها لكى يكون واحداً منها إذ هو (مجرب فى كل شئ مثلنا بلا خطية عب 4: 15)، بل وحمل باختياره خطايا البشرية بتدبير الله الأزلى ليبرر البشر (لأنه جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه 2كو5: 21) .

ويقول الرسول فى هذا التنازل العجيب (من ثم كان ينبغى أن يشبه إخوته فى كل شئ لكى يكون رحيماً ورئيس كهنة أميناً فيما لله حتى يكفر خطايا الشعب عب2: 17) .

4- ومن الممارسات التى كان على رئيس الكهنة أن يعملها اغتساله لكى يكون لائقاً للقدوم أمام الله. والطهارة الجسدية إشارة إلى طهارة القلب والروح والسريرة. وابن الله الكلمة مع أنه حمل الله الخالى من الخطية وحده رضى أن يعتمد فى الأردن من يوحنا المعمدان لكى يكمل كل بر (مت3: 15)، فضلاً على أن اغتسال هرون رمز ظاهر لطهارة المسيح ونقاوته .

5- كان هرون إذا دخل قدس الأقداس ينشر سحابة كثيفة من البخور العطر أمام غطاء التابوت وربما كانت سحابة إلهية تصحب سحابة البخور أيضاً وكل ذلك لكى لايرى الغطاء بعينيه ويظل الغطاء الذى يمثل عرش الله وعليه كان مجده يتجلى يظل محجوباً عنه. لأن البشرية كانت لاتزال تحت اللعنة وكان بنو آدم جميعاً بالطبيعة أبناء الغضب (أف2: 3) ونرى فى هذا أيضاً صورة واضحة لما اقتضاه عدل الله وقبله ابنه الوحيد باختياره إذ رضى أن تجوز عليه جميع تيارات العدل الإلهى ولججه. وينال القصاص الذى كان على البشر أن ينالوه. ولأنه كان حاملاً خطاياهم فى جسم بشريته. ولأنه كواحد منهم ناب عنهم فى كل شئ قبل اللعنة. وفى نفس الوقت الذى كان فى الآب والآب فيه (يو14: 11) إذ هو الوحيد الذى فى حضن الآب (يو1: 18). فى نفس الوقت عامله الآب بالعدل وقاصصه نيابة عن البشر. وقد أعلن الرب وهو على الصليب هذا التدبير الإلهى العجيب بقوله (إلهى إلهى لماذا تركتنى مت27: 46). ليس لأن الآب ترك الابن تركاً جوهرياً أو أقنومياً لأن هذا لايكون مطلقاً وليس لأن لاهوته فارق ناسوته. ولكن لأن الآب لم يعف ابنه من الآلام ولاهوته المتحد بناسوته لم يخفف أوجاع الصلب عن ناسوته. بل ذاق ناسوته الطاهر كل الآلام المبرحة وتجرع كأسها حتى الثمالة .

ومن ناحية أخرى فالبخور رائحة زكية تقدم مع العبادة فى العهدين وهى رمز لإكرام الله. وعمل المسيح الفدائى كان رائحة زكية كاملة اشتمها الله للسرور والرضى بعمل الابن من ناحية، وعن البشرية من ناحية أخرى. كما أن هذا البخور يشير أيضاً إلى عمل المسيح الشفاعى بدالة وفاعلية عمله الكفارى .

6- يجب أن نذكر أن هرون ورؤساء الكهنة الذين جاءوا بعده كانوا مجرد بشر وكل واحد منهم كان محاطاً بالضعف والخطية. لأجل هذا لزم كل واحد منهم أن يقدم قربانه لاعن الشعب فقط بل وعن نفسه أيضاً ليكفر عن خطاياه (.. إذ هو أيضاً محاط بالضعف. ولهذا الضعف يلتزم أنه كما يقدم عن الخطايا لأجل الشعب هكذا أيضاً لأجل نفسه عب5: 2،3). أما المسيح فهو الإله المتأنس والابن الوحيد، وإذ قدم ذاته قرباناً عن خطايا العالم كان بلاضعف وبلا خطية ولذلك يقارن الوحى بين الحالتين ويقول (فإن الناموس يقيم أناساً بهم ضعف رؤساء كهنة. وأما كلمة القسم التى بعد الناموس فتقيم ابناً مكملاً إلى الأبد عب7: 28) .

7- ومن المعروف أن هرون كان كاهناً لعهد قديم هو عهد الناموس. بينما المسيح كاهن إلى الأبد لعهد أفضل هو عهد النعمة .

ثالثاً : مادة الكفارة

1- الدم للتكفير :

كان التكفير عن هرون بثور البقر والتكفير عن الشعب بالتيسين. وكان يدخل بدم الثور والتيس الأول إلى قدس الأقداس. وينضح منه هناك كما ينضح منه أيضاً فى القدس وفى دار الخيمة للتكفير عن البيت المقدس وعن كل ما يشتمل عليه. فسفك الدم كان أمراً لابد منه (وبدون سفك دم لاتحصل مغفرة) كما هو معروف (عب9: 22) .

ولكن ياترى هل كانت الحيوانات التى تقدم لها الكفاءة والقدرة فى ذاتها على مغفرة الخطية؟ طبعاً لا، وذلك من وجوه كثيرة: فالحيوانات أولاً ليست من الجنس البشرى حتى يكون لها الحق فى النيابة رسمياً عن البشر. وهى مخلوقات محدودة لاتفى العدل الإلهى الغير محدود، وما قيمة حيوان يذبح إزاء عصيان الإنسان لله وتمرده عليه تعالى؟ فضلاً على هذا فإن الحيوانات فى موتها كانت مجبرة لامريدة لأنها لاتملك الإرادة على هذا وإنما الإنسان هو الذى كان يذبحها بإرادته هو. ومع هذه الاعتبارات وغيرها فإن الله فرض على بنى إسرائيل تقديمها كذبائح. وسر بأن يقبلها ويعطيها فاعلية فى نظره… لامن ذاتها، ولكنها كانت رمزاً وصورة للذبيحة الحقيقية -ذبيحة ابن الله على الصليب- وقد أخذت هذه الذبائح القديمة قوتها وعملها وفاعليتها من نفس ذبيحة المسيح التى كانت فى قصد الله منذ الأزل. فدم المسيح وحده هو الذى يطهر من كل خطية. وذبيحته وحدها هى التى كانت فى قصدالله. وكل ذبائح الناموس وما قبل الناموس كانت تعد عقول البشر لقبول ذبيحة الصليب وفهمها. بل أن جميع الآباء والصديقين ماتوا على رجاء مجئ المسيا المنتظر… نسل المرأة الذى يسحق رأس الحية (تك3: 15). ولذلك فقد تكلم الوحى مراراً عن هذه الحقيقة: فقال ميخا النبى (بم أتقدم إلى الرب وأنحنى للإله العلى. هل أتقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة؟ هل يسر الرب بألوف الكباش بربوات أنهار زيت؟ هل أعطى بكرى عن معصيتى، ثمرة جسدى عن خطية نفسى؟ مى6: 6،7) ويقول الرب على لسان المرنم (هل آكل لحم الثيران أو أشرب دم التيوس؟ مز50: 13) .

فدماء الحيوانات كانت رمزاً لدم المسيح. أما المسيح فهو الكفارة الحية الحقيقية ودمه له القدرة العظيمة ومكانته العالية فى نظر الله. والمسيح إذ أراد أن يفدينا لم يفعل هذا (وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه عب9: 12). وقد أوضح الرسول أن المسيح قد مات بإرادته ومسرته إذ لم تكن الذبائح الدموية لائقة ولاكافية لعمل الفداء، حيث يقول مشيراً إلى نبوة داود فى المزمور الأربعين (ع6،7): (لذلك عند دخوله إلى العالم يقول هأنذا أجئ فى درج الكتاب مكتوب عنى لأفعل مشيئتك يا الله عب10: 5-7). وهو يوضح بذلك أن المحرقات والذبائح القديمة ليس لها القيمة الفعالة فى نظر الله ولكن الذبيحة الحقيقية هى المسيح نفسه الذى إذ جاء إلى العالم قدم ذاته طوعاً واختياراً وقدم نفسه راضياً لينفذ مشيئة الله فى خلاص البشر .

2- التيسان :

( أ ) كان التيس الأول يذبح للتكفير عن خطايا الشعب بنضح الدم كما رأينا بينما التيس الثانى الذى يطلق كان يحمل الخطية ويذهب بها بعيداً. وقد عرفنا أن التيسين كانا ذبيحة واحدة وقد عملا عملاً متكاملاً. والمسيح له المجد عمل على الصليب العملين لأنه مات عن خطايا العالم وفى نفس الوقت حملها عنهم لأنه حمل الله الذى يرفع خطايا العالم.

(ب) والتيس الأول كان يؤتى بدمه إلى ما وراء الحجاب. إلى قدس الأقداس ويرش به على الغطاء المحجوب عن الأبصار. والتيس الثانى كان يطلق علانية فيراه جميع الشعب.  وفى الصليب تمت مقاصد الله الخفية وسره الإلهى العالى وتجلت نعمته الغير منظورة. وفى نفس الوقت أُعلِنت لنا نحن الأطفال الصغار (مت11: 25)، وأصبح يُبشَر بها فى الملأ.

(ج) التيس الأول كان يذبح لأجل مجد الله الذى أهانه الإنسان بخطيته. والتيس الثانى كان يعلن الاطمئنان والارتياح لقلوب البشرية الجريحة بأن خطاياها قد كفر عنها. وفى موت المسيح أيضاً كان الوفاء الكامل لعدل الله، وفى نفس الوقت إعلان التحرير والعتق والخلاص للبشرية .

(د) كان رئيس الكهنة يذبح التيس الأول دون أن يضع يديه عليه للاعتراف بخطايا الشعب. بينما كان يضع يده على رأس تيس عزازيل ويعترف بخطايا جميع الشعب. ولعل فى عدم الاعتراف على رأس التيس الأول إشارة إلى أنه ذبيحة عن الخطية بوجه عام. ذبيحة عن الخطية كخطية وكمبدأ فاسد مضاد لقداسة الله. واعترافه على رأس التيس الثانى ربما كان إشارة إلى أن ذبيحة الخطية معدة لخطايا الشعب فرداً فرداً وخطية خطية. ونحن نؤمن أن المسيح فى موته كان ذبيحة عن الخطية الأصلية (الجدية)، عن الخطية بوجه عام كمبدأ فاسد شمل الجنس البشرى. ذبيحة خطية عن السقوط المؤلم لآدم ونسله. وفى نفس الوقت عن كل خطاياهم الفعلية، لكل واحد ولكل واحدة منهم فى كل الأزمان والأجيال .

(هـ) وفى هذا العمل المتكامل للتيس المذبوح والتيس الحى صورة لموت المسيح وقيامته. ولقد رأينا أن التيسين ذبيحة واحدة. الأول أساس للتكفير عن الخطية بالموت وسفك الدم. والثانى إعلان وبرهان وتحقيق لفاعلية الدم فى رفع عبء الخطايا عن عاتق الشعب. والرب يسوع بموته كفر عن الخطايا وبقيامته أعلن تبريرنا منها لأنه هو (الذى أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا رو4: 25) .

فيا لعمق محبة الله. ويالسمو حكمته أن يسوع المسيح هو الكاهن وهو الذبيحة. هو صانع التكفير وهو الكفارة نفسها !!

(و) بقى أن نذكر أن إحراق الثور والتيس خارج المحلة رمز واضح لصلب المسيح وموته خارجاً عن أوشليم على جبل الجلجثة. وقد كان هذا العمل يحمل معنيين تحققا أيضاً فى موت المسيح: الأول أن الخطية شئ شنيع ومكروه والمسيح قبل بإرادته أن يحملها حباً فينا، والثانى أنها غفرت وأبعدت عن الشعب، والمسيح بحمله خطايانا أبعدها وأقصاها عنا، والرسول يقول فى هذا (فإن الحيوانات التى يدخل بدمها عن الخطية إلى القدس بيد رئيس الكهنة تحرق أجسامها خارج المحلة لذلك يسوع أيضاً لكى يقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب . عب13: 11،12) والرسول يحث المؤمنين بقوله (فلنخرج إذا إليه خارج المحلة حاملين عاره عب13: 13) أى فلنخرج عن حظيرة الديانة اليهودية إلى الإيمان المسيحى ولنتبع المسيح مهما لاقانا فى سبيله من العار والتعيير الباطل والاضطهاد .

رابعاً: فاعلية الكفارة وحدودها

رغم أن الكفارة فى عهد الناموس كانت رمزاً واضحاً لكفارة الصليب. فإن هناك فروقاً كبيرة بين الاثنين. فبينما الذبائح قديماً لها محدوديتها وعدم كفايتها فإن ذبيحة المسيح غير محدودة بل هى كافية إلى التمام لسد مطالب العدل الإلهى. والكتاب يوضح هذا الأمر بعدة اعتبارات منها :

1- أن الذبائح القديمة لم تستطع أن ترفع الخطايا (لأنه لايمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا عب 10: 4). ورفع الخطية معناه التطهير منها وإبطال سلطانها على الإنسان لأن الحيوان وهو مخلوق أقل قدراً من الإنسان، ليس له فى ذاته القوة على محو الخطية، وقد مر بنا أن كل الذبائح كانت رمزاً لذبيحة المسيح. والمغفرة المحدودة والوقتية بها كانت جزئية عن بعض الأخطاء الفعلية وكانت مستمدة من عمل ذبيحة المسيح. ولم تستطع مع ذلك على محو الخطية الأصلية، وهذه المغفرة كانت تفضلاً من الله لابقوة الذبيحة .

وبينما يقول الوحى هذا عن عدم قدرة الذبائح الحيوانية لأن الكفارة قديماً كانت غطاء وستراً للخطايا فقط، يعلن أن المسيح وحده هو صاحب القدرة فى ذاته على إبطال الخطية عن الذين يؤمنون به ويسلمون له حياتهم ويسلكون حسب الدعوة المقدسة التى دعوا إليها. إذ أنه (مات ليبطل الخطية بذبيحة نفسه عب9: 26) .

2- من أجل ذلك كانت كفارة العهد القديم محدودة المدى من جهة المكان أى من جهة الوسط الذى تقدم فيه. لأنها كانت تقدم عن شعب واحد هو الشعب اليهودى أو المتهود. أما كفارة الصليب فقد صنعت لأجل العالم كله لأنه (هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية يو3: 16). وفى المسيح (كل من يدعو باسم الرب يخلص أع2: 21)، (وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً 1يو2: 2) ولقد علق الوحى على نبوة رئيس الكهنة رغم قلبه الشرير: (أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد يو11: 51،52) .

3- وكانت الكفارة أيضاً محدودة المدى من ناحية الزمان لأنها كانت تقدم لأجل خطايا سنة واحدة . فكان يلزم تكرار تقديمها كل سنة. بل ومع تكرار تقديمها كانت لاتعطيهم راحة ضمير كاملة. بل كان هناك دائماً ذكر خطايا، وضمير خطايا. أى أنهم كانوا يقدمونها وهم لايخلون من الخوف من الخطية، لامن خطية السنة السابقة التى يقدمون عنها كفارتهم الجديدة فقط بل حتى من خطايا السنين القديمة التى كانوا وقد سبقوا وكفروا عنها .

ولكن المسيح له المجد لم يكن له حاجة إلى أن يقدم ذاته مراراً (ولكنه الآن قد أظهر مرة عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه عب9: 26). وذبيحة المسيح هى التى قدمت مرة واحدة وفيها مات مرة واحدة، قد امتد ويمتد مفعولها فى الماضى السحيق وفى الحاضر. وفى المستقبل البعيد لأنها لخلاص الجنس البشرى من آدم إلى آخر من تناسل ويتناسل منه على وجه الأرض .

ولقد عبر الكتاب عن استفادة جميع الجنس البشرى حتى الذين كانوا فى عهد الناموس وما قبله من ذبيحة المسيح حيث يقول: (ولأجل هذا هو وسيط عهد جديد لكى يكون المدعوون إذ صار موت لفداء التعديات التى فى العهد الأول ينالون وعد الميراث الأبدى عب9: 15)، كما عبر عن كفاية هذه الذبيحة رغم وحدانيتها بقوله: (وأما هذا فبعد أن قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله عب10: 12)، ولم يعد مضطراً إلى تكرار تقديم ذاته للموت لأن موته على الصليب كان فيه الكفاية (لأنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين ع14)، وقد قال الكتاب أيضاً فى هذا الشأن (وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً عب9: 12) .

ولأجل هذا فالمؤمنون فى فرحهم العظيم بالخلاص الذى عمله المسيح ينتظرون مجيئه بالصبر، لأنه (بعد ما قدم مرة لكى يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه عب9: 28)

ويجب أن نذكر أن ذبيحة القداس الإلهى هى نفس ذبيحة الصليب الواحدة الدائمة المفعول والقائمة مدى الدهور. وقد أنعم المسيح بها على المؤمنين به لكى يتناولوا فيها جسد الرب ودمه اللذين بذلا على الصليب وفى نفس الوقت لكى تكون تذكاراً عينياً يذكرون به موته وقيامته وعمله العظيم لأجلهم.

4- وبينما الذبيحة القديمة لم تعط الراحة الكاملة لضمائر مقدميها كما رأينا، فإن ذبيحة المسيح التى طهرت وتطهر إلى التمام تعطينا اطمئناناً وسلاماً فى الرب كما يقول الرسول (فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح رو5: 1) .

5- والكتاب يعلمنا أيضاً أن الذبائح القديمة كانت لطهارة جسدية فقط لأنها كانت بدم ثيران وتيوس وبصورة وأوضاع جسدية. أما دم المسيح فله قدرة على تطهير الجسد والروح والفكر والضمير (لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد. فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحى عب9: 13،14) .

6- وبناء عليه فإن ذبائح الناموس لم تكمل الذين قدمت لأجلهم لأنها تركت فيهم وصمة العار بخطيتهم الأصلية اللاصقة بهم. وتركتهم فى طبيعتهم الفاسدة، ولم تخلقهم خلقاً جديداً لأنهم لم يتبرروا من خطاياهم، كما تركتهم فى قلقهم وخوفهم، وكذلك كان الحال حتى مع الكهنة الذين كانوا يقدمونها كما يقول الكتاب (الذى هو رمز للوقت الحاضر الذى فيه تقدم قرابين وذبائح لايمكن من جهة الضمير أن تكمل الذى يخدم عب9: 9). أما الذين هم فى المسيح يسوع فهم خليقة جديدة (2كو5: 17) لأنهم قد ولدوا من فوق ولادة جديدة. وكل هذا بفاعلية دم المسيح المسفوك .

7- ومن كل هذا نرى أن البشرية قد كسبت أشياء عظيمة جداً بكفارة موت المسيح. لأنها تصالحت مع الله بالدم. ونالت نعمة التبرير من الخطايا. ونعمة التبنى. وأصبح لها الحق فى الدخول إلى قدس أقداس السماء. ولم تغفر خطاياها فقط بل أقصيت عنها إقصاءً كاملا. لأن المسيح حملها على عاتقه. ومات عنها. وهو بذلك برر الخطاة. وسدد ديون المديونين. (ومن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حى فى كل حين ليشفع فيهم عب7: 25) .

خامساً : موضع التكفير

كان التكفير فى قدس الأقداس على غطاء التابوت الذى يدعى أيضاً (كرسى الرحمة) وأمامه. ولقد ذكر الكتاب فى كلامه فى هذا الموضوع خيمة الاجتماع بمشتملاتها. وكانت الخيمة تتكون من المسكن الأول (القدس) ومن المسكن الثانى (قدس الأقداس) وبينهما الحجاب. وكل منها لها معان روحية ورمزية فى عمل الفداء والكفارة الذى تم بيسوع المسيح كما سنرى:

1- فبينما كانت الخيمة بمشتملاتها موضوعة لخدمة رمزية وقتية اقتضاها عهد الناموس كانت خدمة المسيح روحية وأبدية لأن فيها الخلاص الأبدى الذى كان فى قصد الله أن يتممه للبشر. كانت الأولى (شبه السماويات عب8: 5) فقط وقد صنعت بأيدى البشر لأن موسى هو الذى أقام الخيمة وسليمان هو الذى بنى الهيكل. أما أمور العهد الجديد فكانت سماوية أعدها الله بنفسه لفدائنا. لأن رئيس كهنتنا جاء (خادماً للأقداس والمسكن الحقيقى الذى نصبه الرب لا إنسان عب8: 2)، وقد قال الرسول أيضاً فى هذا (وأما المسيح وهو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم والأكمل غير المصنوع بيد أى الذى ليس من هذه الخليقة عب9: 11) .

2- المسكن بأجزائه ومشتملاته يشير رمزياً وروحياً إلى عدة معان فى العهد الجديد: فهو يشير أولاً إلى خدمة المسيح فى وجوده على الأرض. ثم إلى كنيسته المجيدة التى أقامها وهى ملكوته المبارك. وبالتالى إلى عهد النعمة وحياة المؤمنين وخدمتهم فيه. ويشير أبضاً إلى جسد المسيح نفسه لأنه قال مرة (انقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمه يو2: 19) .

3- أما الحجاب فكان يحمل عدة معان سامية أيضاً:

( أ ) كان هذا الحجاب الفاصل قائماً ولايمكن لأحد أن يخترقه إلا رئيس الكهنة مرة واحدة فى السنة كما رأينا. والحجاب فى هذا يشير إلى أمرين :

أولهما: أن الله لايزال محجوباً عن شعبه. والثانى أن البشر ليس لهم استحقاق أن يدخلوا إلى قدس الأقداس بسبب العداوة والمخاصمة القائمتين بينهم وبين الله. ومن ثم فقد كانت الخيمة بالحجاب الذى فيها تعلن أن باب السماء لايزال موصداً دونهم كما يقول الرسول (معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد مادام المسكن الأول له إقامة عب9: 8) .

وقد كان على رئيس الكهنة أن يجتاز هذا الحجاب حتى يصل إلى قدس الأقداس.

(ب) ورغم أن الحجاب كان صورة للعداوة. فقد كان صورة لجسد المسيح أيضاً وبالتالى إلى تدبير محبة الله كما سنرى .

(ج) فنحن نعلم أن هذا الحجاب هو الذى انشق من أعلى إلى أسفل فى يوم صلب المسيح له المجد (مت27: 51). وكان انشقاقه إشارة واضحة إلى انتهاء أمر الكهنوت اللاوى وعهد الناموس ليحل محله عهد النعمة وكهنوت العهد الجديد. وإلى نقض السياج الذى كان بيننا وبين الله. والى حقنا الجديد فى دخول السماء بالعمل العظيم الذى عمله المسيح على الصليب حيث صالحنا مع الآب (عاملا الصلح بدم صليبه كو1: 20).

وما أجمل ما يقوله القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات وتردده الكنيسة فى القداس الإلهى: (وصرت لنا وسيطاً مع الآب والحاجز المتوسط نقضته والعداوة القديمة هدمتها. وأصلحت الأرضيين مع السمائيين. وجعلت الاثنين واحداً. وأكملت التدبير بالجسد).

(د) فاجتياز رئيس الكهنة قديماً من الحجاب برفعه أو إزاحته، ثم انشقاق الحجاب فى يوم الصلب يمثلان صلب المسيح على الصليب. وتسميره بالمسامير. وطعن جنبه بالحربة. وكل من المسامير والحربة شقت أجزاء من جسده الطاهر… فالحجاب من هذه الناحية الثانية يرمز إلى جسد المسيح كما مر بنا. وكما كان اختراق الحجاب هو الطريق الوحيد الموصل إلى قدس الأقداس، كذلك موت المسيح هو الطريق الوحيد المؤدى إلى الحياة الأبدية. والصليب وحده هو طريق الخلاص وقد رأينا فى طريق الصلب (طريقاً كرسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أى جسده عب10: 20). وليس أحد يستطيع أن يجتاز إلى الحياة الأبدية وإلى السماء وإلى بيت الآب السماوى إلا عن طريق المسيح المخلص الذى قال عن نفسه  (أنا هو الباب إن دخل بى أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى يو10: 9) (أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى يو14: 6) .

(هـ) وفى موت المسيح على الصليب (نزل أيضاً أولاً إلى أقسام الأرض السفلى أف4: 9)، و(وسبى سبياً وأعطى الناس عطاياع8) وكما يقول القداس الإلهى الذى للقديس باسيليوس (نزل إلى الجحيم بالصليب). والسبى الذى أخذه هو نفوس الأبرار والصديقين الذين ماتوا على رجاء القيامة وقد أخذهم لينقلهم إلى الفردوس ثم ليأخذهم معه فى المجد فى مجيئه الثانى العظيم. والمسيح الذى مات قام من الأموات واجتاز السموات المادية وصعد إلى سماء المجد وجلس عن يمين الله (مر16: 9). ولذلك فاجتياز رئيس الكهنة الحجاب إلى قدس الأقداس رمز آخر إلى صعود المسيح إلى السموات. ولكن عن أى طريق؟ عن طريق الصليب والموت أيضاً (لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية بل إلى السماء عينها ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا عب9: 24). والرسول يقول أيضاً عن هذه الحقيقة (وأما رأس الكلام فهو أن لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس فى يمين عرش العظمة فى السموات عب8: 1)، ( أما هذا فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى                الأبد عن يمين الله عب10: 12)، ويحث الرسول المؤمنين على الإيمان والاعتراف بموت المسيح وقيامته وصعوده وكل ما عمله لفداء البشر فيقول (إذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار عب4: 14) .

(و) والمسيح فى اجتيازه إلى السماء فتح الطريق للمؤمنين أن يدخلوا أيضاً لأنه فعل هذا كله لأجلهم . ليأخذهم معه فى السماء. وقد أعد لنا الموضع الأبدى والبيت السماوى الذى سنسكن فيه معه إلى الأبد حسب وعده الصادق الذى سبق فوعد به (أنا أمضى لأعد لكم مكاناً. وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتى أيضاً وآخذكم إلىَّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً يو14: 2،3) .

سادساً: موقف المؤمنين

بعد أن أوضح الرسول العمل العظيم الذى عمله الله لأجل البشر بذبيحة ابنه الوحيد والذى كانت كل أعمال التكفير قديماً تشير إليه، يرسم أمام المؤمنين الطريق الذى يسلكونه لكى يتمتعوا بنعمة الخلاص ولايحرموا منه. وهذا الطريق يرسمه فى صورة حية متكاملة تليق بحياة المؤمنين، وتوضح هذه الصورة أموراً لايجب أن تنفصل عن بعضها من بينها:

أولاً : الإيمان الكامل :

(فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم المسيح. طريقاً كرسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أى جسده. وكاهن عظيم على بيت الله. لنتقدم بقلب صادق فى يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقى (عب10: 19-22) (والقلب الصادق) أى المخلص والغير مرتاب حتى يكون إيماننا نابعاً من الداخل لامجرد الإيمان الشفاهى المتزعزع.

ثانياً: فاعلية الدم:

(مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقى) ذلك لأن الدم يطهرهم روحاً وجسداً. والاغتسال بالماء يقصد به المعمودية التى بعملها السرى تلد المؤمنين ولادة جديدة وتغسلهم من الخطية بفاعلية دم المسيح وعمل الروح القدس وقوته .

ثالثاً: الرجاء الحى:

(لنتمسك بإقرار الرجاء راسخاً لأن الذى وعد هو أمين) لأن حياة الإيمان يجب أن تبنى على الرجاء الكامل لأن (الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لاترى عب11: 1)، وعلى الرجاء يحيا المؤمنون ويجاهدون ويصبرون ويحتملون وهم فى سلام كامل يفوق كل عقل إذ (الرجاء هو لنا كمرساة للنفس عب 6: 19) يعطيها اطمئناناً واستقراراً بل فرحاً فى الرب فى كل حين، والإيمان والرجاء يبعثان المؤمن على (الإقرار) والاعتراف والشهادة علناً كما يقول المرنم (آمنت لذلك تكلمت مز116 : 10، 2كو4: 13) وكما يوصى الرسول قائلاً (مستعدين دائماً لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذى فيكم بوداعة وخوف 1بط3: 15) (لأن القلب يؤمن به للبر والفم يعترف به للخلاص رو10: 10)، و(نحن أيضاً نؤمن ولذلك نتكلم أيضاً 2كو4: 13) .

والكنيسة المقدسة حكيمة جداً فى تلاوة قانون الإيمان المقدس مراراً وتكراراً على لسان بنيها فى عبادتهم الفردية والعائلية والجمهورية. وهو الذى يحكى عن تجسد ابن الله وتأنسه وعن عمله الكفارى العظيم بموته عن البشر، وعن قيامته من الأموات وصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمين أبيه ومجيئه الثانى ليدين الأحياء والأموات… وترديده باستمرار يدعم حبهم لفاديهم. وفيه اعتراف حى بإيمانهم وتبشيرهم بالثالوث القدوس وبالعمل الفدائى العظيم الذى عمله الرب يسوع

رابعاً: موضوع الخدمة الروحية:

(ولنلاحظ بعضنا بعضاً للتحريض على المحبة والأعمال الحسنة عب10: 24). فحياة المؤمنين يجب أن تكون حياة تكريس وخدمة. وفى خدمتهم المقدسة يجب أن يحرضوا الإخوة على:

( أ ) (المحبة) التى هى ثالثة للإيمان والرجاء وأعظمهن المحبة (1كو13:13) .

(ب) وعلى (الأعمال الصالحة) لأن حياة المؤمن الخالية من الأعمال الحسنة تكون حياة عقيمة غير مثمرة. وبالتالى يكون إيمانه ميتاً (يع2: 20) ويكون هو ذاته غصناً بدون ثمر ويستحق أن يقطع ويلقى فى النار (لو3: 9، يو15: 1) .

خامساً: العبادة القوية:

والعبادة الجمهورية المقدسة المتكاملة لايجب أن تكون مجرد صلاة أو صوم بل يجب أن تقترن أيضاً بالوعظ الذى ينبه المؤمنين ويحذرهم ويحكمهم (غير تاركين اجتماعنا كما لقوم عادة بل واعظين بعضنا بعضاً وبالأكثر على قدر ما ترون اليوم يقرب عب10: 25). ولاشك فى أن كلمة الله تعمل كثيراً فى القلوب، فى تثبيت المؤمنين وتقويتهم  وتنبيههم وتعزيتهم لأن (كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذى حدين عب4: 12).

سادساً: الحرص الكامل:

يجب أن تكون حياة المؤمنين حياة سهر وحرص. لأنه ياللأسف كم من أناس بعد أن يقبلوا الإيمان بفرح ويتمتعوا بنعم المسيح ومواهب الروح القدس يخدعهم الشيطان والعالم فينكصون إلى الوراء ويرتدون فيخسرون جعالتهم المقدسة. ولقد نبه الرسول كثيراً عن هذا الارتداد فى نفس الرسالة. فقال (فإنه إن أخطانا باختيارنا بعدما أخذنا معرفة الحق لاتبقى بعد ذبيحة عن الخطايا عب10: 26) ومعنى هذا:

( أ ) أن اقتراف الخطية يكون باختيار الشخص نفسه وبمحض إرادته وحريته .

(ب) وفى خطئه (لاتبقى بعد ذبيحة عن الخطايا) لأنه لاتوجد إلا ذبيحة واحدة للخلاص هى ذبيحة المسيح وليس بغيرها الخلاص. وهو يحرم نفسه من فاعلية هذه الذبيحة ومن الخلاص المعطى مجاناً. كما أن هذا القول يرد أيضاً على الذين كانوا يخطئون ويظنون أن المسيح سيعود ويموت لأجلهم لأن المسيح مات مرة واحدة (رو6: 9،10) وعلى أمثالهم ممن يخطئون ويظنون أنه يمكنهم أن يعتمدوا كلما أخطأوا لإعادة تجديدهم لأن المعمودية التى هى مثال لموت المسيح لاتعاد وإنما تكون مرة واحدة أيضاً. وماذا تكون عاقبة المرتدين المساكين؟ (قبول دينونة مخيف وغيرة نار عتيدة أن تأكل المضادين عب10: 27)

والرسول لايحذر من خطية الارتداد فقط وإنما من جميع الخطايا أيضاً التى قد يقع فيها المؤمنون ولذلك تراه فى نفس الرسالة ينبه المؤمنين على وجوب التمسك بقداسة حياتهم فيقول (اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التى بدونها لن يرى أحد الرب عب12: 14) ثم يحذرهم من الميل عن القداسة والكمالات المسيحية لئلا (يخيبوا) من نعمة الله أى يحرموا منها وبالتالى يحرمون من امتيازاتهم كعيسو الذى فقد بكوريته ومن ميراث السماء فيقول (ملاحظين لئلا يخيب أحد من نعمة الله) لئلا يطلع أصل مرارة ويصنع انزعاجاً فيتنجس به كثيرون لئلا يكون أحد زانياً أو مستبيحاً كعيسو الذى لأجل أكلة واحدة باع بكوريته (عب12: 15،16) .

ولامناقضة بين القول بارتداد البعض ونقصان محبتهم أو وقوعهم فى الخطأ وبين قول المسيح تبارك اسمه (خرافى تسمع صوتى وأنا أعرفها فتتبعنى. وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولايخطفها أحد من يدى يو10: 27،28). لأن قول المسيح يعنى أن الذين يمسكون به بمحبة كاملة ورغبة أكيدة وعزم ثابت تعمل فيهم نعمته وترعاهم وتحفظهم. ولكنهم إذا أخطأوا باختيارهم وارتدوا عنه ولم يثبتوا فى محبته رغم وسائط النعمة التى يهيئها لهم وصوت الروح القدس الذى فى داخلهم. فماذا يعمل الرب معهم؟ إنه لايجبرهم لأن المسيحية ليس فيها إجبار. وإنما تتخلى عنهم نعمته ويسلمهم الرب إلى ذهن مرفوض (رو1: 28) .

سابعاً: قياس عجيب:

يعرض الرسول العقاب الذى كان يعاقب به الذى كان يخالف ناموس موسى. وقد كان هذا العقاب الموت لمن تثبت إدانته. مع أن ناموس موسى لم يكن إلا ظلاً ورمزاً وقتياً لعهد النعمة. ثم يعلن العقاب الأشد الذى يستحقه الذين يخالفون ناموس المسيح. لأنهم يرفضون الإيمان بابن الله الوحيد ويستهينون بدم الكفارة الثمين ويحتقرون عمل الروح القدس (من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة. فكم عقاباً أشد تظنون أنه يحسب مستحقاً من داس ابن الله وحسب دم العهد الذى قدس به دنساً وازدرى بروح النعمة) (عب10: 28،29) .

ثامناً: تذكير وتشجيع:

يذكر الوحى الإلهى المؤمنين بواجباتهم كأولاد الله، وكجنود فى جيش الخلاص ويضع أمامهم عدة اعتبارات وصور تزيد من حماسهم الروحى وتشجعهم على السير فى طريقهم سيراً مقبولاً أمام الرب. ومن بين هذه الاعتبارات:

1- النظر إلى الرب يسوع:

قد تضعف قواهم، أو تخور عزائمهم. وقد يجدون الطريق صعباً أمامهم. والرسول يضع الرب يسوع أمامهم لينظروا إليه فى حمله الصليب وعبوره طريق الألم  ليجعلوه مثلهم الأعلى فلا تكل عزائمهم أو تخور قواهم (ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذى من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزى فجلس عن يمين عرش الله. فتفكروا فى الذى احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا تكلوا وتخوروا فى نفوسكم عب12: 2،3) .

2- صورة من عالم الأرواح:

وفى الأصحاح الحادى عشر من رسالة العبرانيين يعرض الرسول عينات وفيرة من أبطال الإيمان الذين أكملوا جهادهم ووصلوا إلى الكنيسة المنتصرة. ثم يذكر أن هؤلاء القديسين مع ربوات الملائكة كسحابة من الشهود الذين يتطلعون إلينا نحن فى جهادنا على الأرض، كما يتطلع المشاهدون إلى المتسابقين والمتبارين فى ميادين المباريات المتنوعة. لكى يفرحوا إذا رأوا فوزنا ويساندونا بصلواتهم لأجلنا. (لذلك نحن أيضاً إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا عب12: 1)، ونحن إذ نرى هذه الأرواح المحبة لنا، بماذا نشعر، وماذا يجب علينا أن نفعل ؟ إن نظرنا إليهم وهم فى عالم الانتصار بعد أن جاهدوا وتعبوا يستحث عزائمنا وينهض قوانا الروحية لكى نتعب مثلما تعبوا ونعمل مثلما عملوا حتى ننال ما نالوه من مجد ونكلل بأكاليل البر التى بها كللوا. ولذلك يقول الرسول فى نفس العدد (لنطرح كل ثقل) أى لنتخلص من الأحمال الثقيلة التى تعوق سعينا وتثقل خطواتنا، (والخطية المحيطة بنا بسهولة) أى لنقلع عنا خطايانا ونتوب عنها، و(لنحاضر بالصبر فى الجهاد الموضوع أمامنا) أى لنواظب على الجهاد والعمل كجنود أمناء للرب .

3- صورة من ماضينا المجيد:

وزيادة فى استنهاض همم المؤمنين يرسم الرسول أيضاً أمامهم صوراً مجيدة لحياتهم الأولى التى عاشوها فى الإيمان لكى يقارنوا بين ماضيهم وحاضرهم. فيستعيدوا قوتهم إن كان قد أصابها شئ من الوهن ويرجعوا إلى الماضى المجيد إن كانت الضعفات قد تخللت حياتهم ويقول فى هذا (ولكن تذكروا الأيام السالفة التى فيها بعدما أنرتم صبرتم على مجاهدة آلام كثيرة …عب10: 32).

ومراجعتنا لأنفسنا كأفراد فيه نفع روحى كبير لأنها وسيلة للاطمئنان على مدى تقدمنا الروحى حتى نهذب أنفسنا ونعوض ما كنا فقدناه أو قصرنا فيه. ولقد نبه الله ملاك كنيسة أفسس بقوله (عندى عليك أنك تركت محبتك الأولى فاذكر من أين سقطت وتب واعمل الأعمال الأولى وإلا فإنى آتيك عن قريب وأزحزح منارتك من مكانها إن لم تتب رؤ2: 4،5) .

ومراجعتنا لأنفسنا كشعب لله أيضاً يهيئ لنا فرصة مباركة لما كان عليه آباؤنا من القداسة والروحانية والإيمان ويحثنا على أن نقتدى بهم ونسلك كما سلكوا فى مخافة الرب. ولقد قال الله مرة لبنى إسرائيل (انظروا إلى الصخر الذى منه قطعتم والى نقرة الجب التى منها حفرتم. انظروا إلى ابراهيم أبيكم وإلى سارة التى ولدتكم. لأنى دعوته وهو واحد وباركته وأكثرته …إش51: 1،2) .

4- النظر إلى مجئ الرب:

إن ما يشجع المؤمنين ويملأهم قوة أن يتأملوا فى مجئ الرب وما فيه من عذاب للأشرار ونعيم للأبرار. والمؤمنون يحييون على الأرض كغرباء منتظرين وطنهم الأسنى (لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة عب13: 14)، وعلى هذا الرجاء الحى يعملون ويجاهدون ويصبرون ويشكرون .

5- النظر إلى المسيح الشفيع:

لقد طهرنا المسيح بدمه من خطايانا. ولكننا كثيراً ما نضعف ونخطئ من جديد، ونهين كرامة الذى أحبنا وبذل ذاته لأجلنا. ولقد كانت الكفارة تتكرر كل سنة لأجل خطايا بنى إسرائيل. ولكن المسيح قدم ذاته مرة واحدة للتكفير عنا. وليس ثمة داع لأن يقدم نفسه مرات كثيرة لأن فى موته مرة الكفاية والكفاءة. فماذا يا ترى يكون موقفنا إزاء خطايانا التى نبغضه بها مراراً وتكراراً؟ إن أصررنا على الخطية وعاندنا نجلب على أنفسنا دينونة ونحرم أنفسنا من الميراث السماوى لأن السماء (لن يدخلها شئ دنس ولا ما يصنع رجساً وكذباً رؤ21: 27).

ولكن شكراً للرب لأنه فتح أمامنا باب التوبة. علينا أن نعترف بخطايانا ونتوب عنها ونرجع إلى حضن فادينا (وإن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم1يو1: 9). ونحن فى اعترافنا وتوبتنا إنما نبنى رجاءنا على فاعلية دم المسيح أيضاً. والمسيح رئيس كهنتنا الأعظم والذبيحة والكفارة فى نفس الوقت يعطينا أيضاً غفراناً بدالة عمله الكفارى ودمه المسكوب (فمن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حى فى كل حين ليشفع فيهم عب 7: 25) .

ولو لم يصلب المسيح ويمت لما كان غفران لابالذبائح ولا بالتقدمات ولابالصلوات ولاحتى بالتوبة. لأن الطبيعة البشرية كانت فاسدة بالوراثة. ولكن المسيح إذ مات عنا أعطانا بموته طبيعة جديدة وقد نلنا هذه الطبيعة بإيماننا واعتمادنا باسمه. وإذ مات المسيح عنا أيضاً أصبح لموته الفاعلية العظيمة فى مغفرة جميع الخطايا إذا كنا نعترف بها ونتوب ونقلع عنها بقلب طاهر ونية صادقة. ويسوع بعمله الكفارى ودالة جراحاته المحيية وفاعلية دمه المسفوك. بكل هذا الحق العظيم الجليل شفيع فى المؤمنين لدى الآب، يقبل توبتهم، ويغفر لهم خطاياهم. نعم هذا هو عزاؤنا فى ضعفنا. ورجاؤنا فى اعترافنا وتوبتنا وشركتنا مع الله لأننا نبنى رجاء على إله حى. وعلى قلب محب. ودم مطهر. ومحور إيماننا ورجائنا هو المسيح شفيعنا العظيم كما يقول القديس يوحنا الحبيب: (يا أولادى أكتب إليكم هذا لكى لاتخطئوا وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً 1يو2: 1،2) .

6- والخلاصة من كل هذا أن الحياة المسيحية حياة مقدسة جادة عاملة مجاهدة. حياة نقية طاهرة، حياة معترفة تائبة. ليست فيها مماحكة ولاتوان ولافتور. والذين يماحكون فى الدين يشوهون جمال المسيحية، ويهينون كرامة العمل الفدائى العظيم الذى عمله المسيح ويحاولون أن يتنصلوا من السلوك المقدس حسب الدعوة العليا التى بها دعينا (أف4: 1) .

 

 

 

Leave a Comment