تفسير سفر اللاويين – الأصحاح السادس والعشرون – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

يعتبر هذا الأصحاح خلاصة طبيعية لما جاء فى سفر اللاويين، والقصد منه حث الشعب على العمل بأحكام الرب وشرائعه لما فى ذلك من البركة، وتحذيرهم من مخالفة أحكامه لما فى ذلك من الضرر، وقد جاءت مثل هذه الخلاصة المنبهة للشعب فى سفر الخروج كخلاصة لكتاب العهد المقدس الذى أوصى به الرب شعبه (خر23: 20-33)، وفى الأصحاحين السابع والعشرين والثامن والعشرين من سفر التثنية كخلاصة لشرائع التثنية. والله بمحبته ينبه أولاده فى شتى المناسبات إلى العمل بوصاياه لأجل بنيانهم الروحى وسعادتهم وهذا الأصحاح يتضمن عدة أمور هى:

1- أمور تتعلق بعبادته تعالى، وتتضمن تحذيرهم من عبادة الأوثان، وحثهم على حفظ سبوته (ع1،2).

2- البركات التى يكافئهم بها الرب نتيجة لطاعتهم (ع3-17)

3- العقوبات واللعنات التى تصيبهم نتيجة للعصيان (ع18-39)

4- قبولهم فى رحمته إذا رجعوا إليه بالتوبة، وتذكروا مواعيده معهم (ع40-45)

5- خاتمة الأصحاح (ع46)

التحذير من العبادة الوثنية (ع1)

1- لا تصنعوا لكم أوثاناً ولا تقيموا لكم تمثالاً منحوتاً أو نصباً ولا تجعلوا فى أرضكم حجراً مصوراً لتسجدوا له. لأنى أنا الرب إلهكم.

ينهاهم الرب هنا عن عمل أى شئ يجذبهم إلى عبادة الأوثان، وعن محاكاة الشعوب الوثنية مثل المصريين الذين عاشوا بينهم أجيالاً طويلة، ومثل الشعوب الغريبة التى ستصادفهم فى طريقهم أو التى سيكونون مجاورين لها بعد استقرارهم فى أرض كنعان. وقد أوصاهم الرب بهذا الشأن فى مواضع كثيرة من الأسفار الخمسة، مثال ذلك ما جاء فى (خر21: 4،5،23: 24،لا19: 4،عد33: 52،تث5: 8،9،16: 22،27: 15…)

(لاتصنعوا لكم أوصاناً): يحذرهم من صناعة الأصنام مثل الشعوب البعيدة عن الله ومثل ذلك ما جاء فى الوصية الثانية (لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة مما فى السماء من فوق وما فى الأرض من تحت وما فى الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن خر20: 4،5).

(ولاتقيموا لكم تمثالاً منحوتاً): كانت الشعوب تنحت الحجارة لتصنع منها آلهة تتعبد لها، والرب يحذر شعبه من هذا أيضاً.(أو نصباً): (النصب) بفتح النون والصاد أو صمهما، وتجمع على (أنصاب) وأحياناً يكون المفرد بفتح النون وتسكين الصاد والجمع على (نصب) بضم الاثنين، والمقصود بالنصب كل ما يقام من الأشجار أو من الأعمدة من الخشب كالسوارى أو الحجارة كالمسلات وغيرها، تذكاراً لحادث تاريخى، أو لشخص ما، أو للآلهة. والمقصود هنا ما كان يقيمه الوثنيون منها لآلهتهم، ليعبدوها، أو ليعبدوا آلهتهم أمامها، وأحياناً كانوا ينقشون عليها عبارات لتمجيد آلهتهم، والتعبد لها.

(ولا تجعلوا فى أرضكم حجراً مصوراً لتسجدوا له): الحجارة المصورة هنا هى الأحجار التى كانت تنحت أيضاً لتصير صوراً وتماثيل مجسمة للآلهة، أو ما كان ينقش عليها الرسوم والصور للعبادة، وكانت هذه الحجارة المنحوتة أو المنقوشة تقام أحيانا ليعبدها ذووها، وأحياناً كانت تبلط بها الأرض، ويسجد ذووها للرسوم التى عليها.

وقد سبق الرب فحذرهم فى الوصيتين الأولى والثانية من الشرك بالله، ومن عمل الأوثان والصور التى تجتذبهم إلى عبادة الأوثان حيث قال لهم (أنا الرب إلهك الذى أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامى خر20: 2،3)

(لأنى أنا الرب إلهكم): ليس لكم إله غيرى، وليس لكم الحق فى أن تعبدوا سواى.

ونلاحظ أن هذا الأمر الإلهى لا يتنافى مع وضع الصور المقدسة للرب يسوع المسيح وقديسيه وملائكته فى الكنائس، لتكون تذكارات مباركة لأصحابها، ووسائل توضيحية جليلة للمؤمنين.

الحث على تقديس السبوت (ع2)

2- سبوتى تحفظون ومقدسى تهابون أنا الرب.

(سبوتى تحفظون): يذكرهم هنا بتقديس يوم السبت كما جاء فى الوصية الرابعة (خر20: 8-11)، ويدخل تحت هذا الأمر الإلهى أيضاً تقديس السنة السابعة وسنة اليوبيل، وتذكرهم يوم الرب يثبتهم فى عبادته تعالى لأنه اليوم الذى ميزهم به الرب عن الشعوب.

(ومقدسى تهابون): أى تحترمون بيتى الذى يعتبر علامة على سكناى فى وسطكم، وفيه أجتمع بكم. ولقد قال الكتاب (ببيتك تليق القداسة يا رب مز93: 5)

والرب فى كل الأجيال يغار على بيته المقدس وعلى جميع مقادسه، حيث يقول الوحى الإلهى (غيرة بيتك أكلتنى مز69: 9)، ولقد غار الرب يسوع على بيته المقدس حينما كان اليهود يبيعون ويشترون فيه، وصنع سوطاً وطردهم، قائلاً (مكتوب بيتى بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص مت21: 13)(أنا الرب): أغار على سبوتى التى رتبتها لكم لتقديسى وعبادتى ولكى تتذكروا فيها أعمالى، وعلى بيتى المقدس الذى قدسته لعبادتى وتمجيدى.

وعده لهم بالبركات كثمر لطاعتهم (ع3-13)

3- إذا سكلتم فى فرائضى وحفظتم وصاياى وعملتم بها.

1- أى إن كنتم تسلكون فى أحكامى وتحفظون وصاياى وتعملون بها. ونلاحظ فى هذا الأصحاح تكرار لصيغ الشرط (إن، إذا) مرات كثيرة، لأن رضى الرب وبركاته، وكذلك غضبه وعقوباته كثيراً ما تتجلى إزاء سلوك الإنسان وموقفه إزاء وصايا الرب وكلمته المقدسة. وهذا دليل قاطع على حرية الإرادة التى أوجدها الله فى الإنسان كصفة تتميز بها طبيعته، وعلى وجوب حرص المؤمنين على أن يكون إيمانهم بالله وبكلمته ومواعيده مقترناً بالطاعة والعمل الصالح والسوك الحسن.

(وحفظتم وصاياى وعملتم بها): لا يكفى أن يحفظ المؤمنون كلام الله، بل يجب أن يعملوا بها أيضاً (لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون رو2: 13).

2- وفى مواعيد الله المباركة المتعلقة بطاعته، يعدهم الله إذا هم ساروا كأبناء مطيعين له ببركات وخيرات كثيرة منها:

(أ) وفرة المطر (ع4).

(ب) وفرة الغلة (ع4،5،10)

(ج) الأمان والسلام ودرء الخطر عنهم سواء من ناحية الشعوب المعادية أو حتى من وحوش الأرض (ع5،6).

(د) انتصارهم على أعدائهم المعتدين عليهم (ع7)

(هـ) البركة فى نسلهم وتذكر الرب ميثاقه مع آبائهم (ع9).

(و) سكناه فى وسطهم والسير معهم وحفظ شركته المقدسة معهم ورضاه الدائم عليهم (ع11).

4- أعطى مطركم فى حينه وتعطى الأرض غلتها وتعطى أشجار الحقل أثمارها.

إن أرض كنعان التى وعدهم بها الرب لاتعتمد فى زراعتها على ماء الأنهار فقط كما هو الحال فى مصر التى تعتمد على ماء النيل، وإنما معظمها يعتمد على ماء المطر (تث11: 10)، والرب يعدهم هنا إذا هم سلكوا فى طاعته أن يعطيهم المطر فى حينه (المبكر والمتأخر 11: 14، إر5: 24) وحينئذ تعطى الأرض غلتها، والأشجار ثمارها، بل يكثر أيضاً العشب لتجد البهائم مراعى خضراء جيدة  (تث11: 15)

5- ويلحق دراسكم بالقطاف ويلحق القطاف بالزرع فتأكون خبزكم للشبع وتسكنون فى أرضكم آمنين.

يقصد (بالدراس) درس الحبوب مثل القمح والشعير، وكان موسم الدراس يمتد فى أرض كنعان من منتصف ابريل حتى أوائل يونيو. و (القطاف) هنا جنى ثمار الأشجار كالعنب والزيتون، وكان العنب يجنى فى آخر يوليو كما كانوا يبدأون الزرع فى يناير.

والمقصود أن دراس الحبوب يمتد حتى يلحق بقطاف الثمار، أى حتى يدركه ويصل إليه من كثرة الغلة، كما أن القطاف يمتد حتى يصل إلى موسم الزراعة من وفرة المحصول. ومعنى هذا أنه لا تكون هناك فترة قحط أو احتياج، وإنما يفتح لهم الرب كوى السموات حتى لا توسع (ملا3: 10).

(فتأكلون خبزكم للشبع): يأكلون ويشبعون ويكمل القول الإلهى (يأكل الودعاء ويشبعون مز 22: 26)

(وتسكنون فى أرضكم آمنين): يعيشون فى مأمن من الجوع والعوز، وفى نفس الوقت فى مأمن من الأعداء والمخاطر.

6- وأجعل سلاما فى الأرض فتنامون وليس من يزعجكم. وأبيد الوحوش الرديئة من الأرض ولا يعبر سيف فى أرضكم.

يستتب الأمن والسلام حتى أنهم ينامون ملء جفونهم دون أن يزعجهم أحد من الناس أو من الوحوش، لأن الرب يعطيهم هيبة (فلا يعبر سيف فى الأرض) أى لا تفكر الشعوب فى محاربتهم، ولا يحاول الغزاة غزو أراضيهم أو نهب محاصيلهم وأمتعتهم، بل يرد الرب عنهم كيد المعتدين، ويخلصهم حتى من الوحوش المفترسة، وهى تكثر فى أرض كنعان، بل يبيدها من ديارهم.

7- وتطردون أعداءكم فيسقطون أمامكم بالسيف

قد يحاول الأعداء الاعتداء عليهم، فيعطيهم الرب قوة، ويقاتل عنهم أعداءهم، فيسقطون أمامهم كما سقط العمالقة والشعوب الكنعانية على أيدى موسى ويشوع، والمديانيون أمام جدعون، والفلسطينيين أمام شمشون، وكما قتل جليات بيد داود، وكما أعطاه القوة مراراً كثيرة فغلب الفلسطينيين، إلى غير ذلك من الأمثلة.

8- يطرد خمسة منكم مائة ومائة منكم يطردون ربوة ويسقط أعداؤكم أمامكم بالسيف.

إن الرب يعطيهم من القوة أضعاف ما لأعدائهم. حتى أن عدداً قليلاً منهم يهزم عدداً كبيراً جداً من الأعداء، ولقد قتل شمشون بمفرده مثلاً ألوفاً من الفلسطينيين، واستطاع جدعون بثلاثمائة رجل غير مسلحين أن ينتصر على جيوش المديانيين (قض7)، واستطاع يوناثان بن شاول أن يقتل عدداً كبيراً من جيوش الفلسطينيين، ولقد قال بلغة الثقة والإيمان: (لأنه ليس للرب مانع عن أن يخلص بالكثير أو بالقليل) (1صم14: 6).

(الربوة) عشرة آلاف. والأعداد هنا تشير بوجه عام إلى القلة أو الكثرة، وانتصارهم بالعدد القليل يعنى معاونة الرب لهم، ويشير إلى يده الرفيعة التى تعمل معهم وتسندهم.

9- وألتفت إليكم وأثمركم وأكثركم وأفى ميثاقى معكم.

(وألتفت إليكم) أى أنظر إليكم دائماً وأتعهدكم، ووجه التفاتى إليكم أننى:

(أ) (أكثركم وأثمركم) أى أتعهدكم بالبركة فيكثر نسلكم ويزيد عددكم فتصبحون شعباً كبيراً.

(ب) (وأفى ميثاقى معكم) وهو الميثاق الذى قطعه الرب مع ابراهيم واسحق ويعقوب بأن نسلهم يكون كنجوم السماء وكالرمل الذى على شاطئ البحر وأنه بنسلهم تتبارك أمم الأرض (تك22: 16-18،26: 2-5،28: 13-15) وكذلك ميثاقه معهم على يد موسى النبى بأنه يتعهدهم ويعتنى بهم ويرعاهم ليكون لهم إلهاً ويكونوا له شعباً.

10- فتأكلون العتيق المعتق. وتخرجون العتيق من وجه الجديد.

(العتيق) يقصد به المحاصيل والغلات القديمة. (المعتق) أى المتوغل فى القدم والمخزون لمدة طويلة. والرب يعدهم هنا بأنه يبارك فى غلات الأرض فتكثر جداً لدرجة أن المخزون منها يبقى لعام أو لأعوام قادمة، حتى أنهم يأكلون منه لعدة أعوام.

(وتخرجون العتيق من وجه الجديد) أو (من أمام الجديد): أى يخرجون الغلات القديمة من الأهراء (المخازن) ليخزنوا مكانها غلات العام الجديد.

أما يذكرنا هذا بوعد الله الصادق والأمين أن (بركة الرب هى تغنى ولا يزيد معها تعباً؟ أم 3: 9،10)، ومن ثم أما تملأ هذه المواعيد المباركة نفوسنا اطمئناناً وسلاماً، وقلوبنا فرحاً ونعيماً؟

11- وأجعل مسكنى فى وسطكم ولا ترذلكم نفسى

(وأجعل مسكنى فى وسطكم): أجعل بيتى المقدس فى دياركم علامة على رضاى عليكم وسكناى فى وسطكم.

(ولا ترذلكم نفسى): لا أرفضكم لأنكم تسلكون فى طرقى وتطيعون وصاياى.

12- وأسير بينكم وأكون لكم إلهاً وأنتم تكونون لى شعباً

(وأسير بينكم) تعبير بلغة البشر يعنى أن الرب يكون معهم دائماً، ويصحبهم أينما حلوا وحيثما توجهوا.

(وأكون لكم إلهاً وتكونون لى شعباً) وهذا أعظم امتياز يتميزون به عن الشعوب لأن الرب يكون لهم إلهاً، ينتسبون إليه، ويدعى اسمه عليهم، وهم يكونون له شعباً وخاصة يتعبدون له، ويعيشون فى حماه وفى رعايته، وليس هذا الحال مع الشعوب الأخرى التى كانت تتعبد للآلهة الكاذبة.

13- أناالرب إلهكم الذى أخرجكم من أرض مصر. من كونكم لهم عبيدا. وقطع قيود نيركم. وسيركم قياما.

(1) (أنا الرب الهكم الذى أخرجكم من أرض مصر): يذكرهم الرب بعمله العجيب معهم فى إخراجهم من مصر وتخليصهم من عبودية فرعون:

(أ) وكما عمل معهم فى الماضى بقوته ورحمته يستطيع أن يعمل معهم أيضاً فى حاضرهم وفى مستقبلهم.

(ب) وإذا كان الرب قد صنع معهم هذا الصنيع العظيم وأخرجهم من عبودية فرعون، فمن الواجب عليهم أن يرعوا جميله ويسلكوا فى محبته وفى طاعته.

(من كونكم لهم عبيدا): أى أخرجكم من مصر وحرركم بعد أن كنتم عبيدا للمصرين.

(وقطع قيود نيركم ): أى قطع الحبال التى كانت تربط النير إلى أعناقكم و (النير) هو خشبة مستعرضة توضع على رقبتى الثورين أو البقرتين وهما تجران المحراث أو النورج لتقيد حريتهما ويسيرا بانتظام. والمقصود أن الرب حرر شعبه من عبودية فرعون.

(وسيركم قياما) أو (منتصبين): أخرجهم الرب من مصر، وجعلهم يسيرون فى طريقهم منتصبين لا منحنين من المذلة ومن العبودية كما كان حالهم فى مصر. وسيرهم منتصبين علامة للعزة والكرامة والقوة.

(2) إن كلا من العهد القديم والعهد الجديد يتحدث عن معاملة الله لشعبه فى موضوع أساسى هام هو (الفداء)، فالرب فى العهد القديم فدى شعبه من عبودية فرعون والمصريين بإخراجهم من أرض مصر. وبتحررهم من العبودية صاروا أمة لله، وهذا الصنيع الإلهى معهم يستوجب أن يعيشوا فى طاعته.

والعهد الجديد مبنى أيضاً على فداء الله للبشر، ليس من عبودية فرعون، وإنما من عبودية ابليس، والخطية، والموت. والرب يسوع هو الذى أجرى هذا الفداء العجيب بموته عن البشر، وهو بعلمه هذا قد اقتنى له شعبا مختارا من كل المؤمنين به فى جميع الأمم. وهذا العمل العظيم الذى به أصبح المؤمنون شعبا وكنيسة للرب مشتراه بدمه يستوجب منا أيضاً أن نسلك فى محبة الرب وطاعته.

(3) وما دمنا قد تحررنا بالمسيح وأعطانا طبيعة جديدة هى طبيعة أولاد الله فلا يجب أن نعود إلى فعل الشر من جديد لئلا نفقد حريتنا ونصبح عبيدا من جديد إذ أن (كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية يو 34:8).

إنذارات بالعقاب إذا خالفوا وصاياه (ع 14-39)

14-لكن إن لم تسمعوا لي ولم تعملوا كل هذه الوصايا.

15- وإن رفضتم فرائضى. وكرهت أنفسكم أحكامى. فما عملتم كل وصاياى بل نكثتم ميثاقى.

(1) بعد أن أوضح الرب لهم البركات والمكافآت السنية التى يكافئهم بها عن طاعتهم، يبين لهم ابتداء من العدد الرابع عشر إلى نهاية العدد التاسع والثلاثين اللعنة والعقوبات التى تحيق بهم إذا هم عصوا وتمردوا.(إن لم تسمعوا لي): أى إذا رفضتم الاستماع إلى كلمتى والعمل بها، (وإذا لم تعملوا كل هذا الوصايا) أى إذا عاندتم وخالفتم وصاياى، والرب يشترط أن يعمل أولاده (بكل وصاياه) لاببعضها، لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر فى واحدة فقد صار مجرما فى الكل (يع 10:2)، ولأن كل إثم هو تعد على حقوق الله واستهانة بمجده وخروج عن طاعته، ولأن الرب يريد أن يكون أولاده كاملين فى كل عمل وفى كل تصرف. (وإن رفضتم فرائضى): والإنسان يرفض وصايا الله وينبذها نتيجة للكبرياء والعناد والتمرد.(وكرهت أنفسكم أحكامى): لأن الإنسان أيضاً يعاف أحكام الرب ونواميسه ويكرهها نتيجه لعدم محبته لله وعدم تأصله فى الشركة العميقة معه، ولذلك يقول السيد (إن أحبنى أحد يحفظ كلامى …. والذى لايحبنى لايحفظ كلامى) (يو 23:8،24)

(فما عملتم كل وصاياى، بل نكثتم ميثاقى): إن مخالفة وصايا الرب أو التقصير فى عملها يعتبر نكثا لميثاق الله أى نقضا لعهده. والمؤمن يجب أن يكون أمينا فى عهده مع الله كما أن الله أمين معنا فى كل مواعيده

(2) فى إنذارات الله يهدد العصاة بعقوبات كثيرة تتضمن:

(ا) الرعب والمرض والأوبئة (ع 16،25)

(ب) نهب الأعداء لغلات أرضهم.(ع 16)

(ج) الهزيمة والاستعباد للأعداء (ع17)

(د) االعار والخزى (ع 19)

(هـ) قسوة الأرض والطبيعة عليهم فلا تعطيهم المطر أو المحاصيل الكافية (ع 20)

(و) الجوع والقحط اللذين يتبعان ذلك (ع 26،29)

(ز) افتراس والوحوش لهم (ع 22)

(ح) موتهم وسقوط أصنامهم (ع30)

(ط) الخراب الشامل (ع 32)

(ى) السبى والتشتت والهلاك فى أرض الأعداء (ع33-39)

16- فإنى أعمل هذا بكم. أسلط عليكم رعبا وسلا وحمى تفنى العينين وتتلف النفس. وتزرعون باطلا زرعكم فيأكله أعداؤكم.

يعاقبكم الرب عن عصيانهم عقوبات:

(أ) بعضها نفسية لأنه يسلط عليهم (رعبا) أى خوفا وجزعا. وبينما يكون الأبرار فى سلام واطمئنان يعيش الأشرار فى رعب وخوف وقلق، وقد يرتعب الذين يضربون بالأمراض منهم هم وذووهم من هول الأمراض وخوفا من الموت

(ب) وبعض هذه العقوبات صحية لأنه يسلط عليهم (سلا وحمى).

(والسل) هو المرض المعروف الذى يسبب الضعف والهزال وفقر الدم وفى الغالب يؤدى إلى الموت، وإصابتهم به نتيجة للقحط وسوء التغذية وعدم الاستقرار الروحى والنفسى. و(الحمى) معرفة وهى بأنواعها المختلفتة تسبب ارتفاعا فى درجة الحرارة وإرهاقا وتعبا واضطرابا فى أعضاء الجسم.

وهذه الأمراض النفسية والجسدية (تتلف العينين) أى تعملان على ضعف البصر وربما فقدانه من الحزن المفرط أو من بكائهم المستمر على حالتهم أو من تأثير ميكروبات المرض نفسه أو من الجوع، كما أنها (تتلف النفس) أى تجعل حالتهم النفسية سيئة جدا فيعيشون فى ضيق وسآمة، ولقد قال أيوب وهو يعبر عن كآبة نفسه بسبب ما ألم به من أمراض وتجارب وتعييرات: (روحى تلفت أيامى انطفأت. إنما القبور لي. أى 1:17)

(ج) والرب زيادة على ذلك يعاقبهم بعقوبات اقتصادية حيث أنه يقول لهم (وتزرعون باطلا زرعكم فيأكله أعداؤكم): أى أنهم يزرعون بدون جدوى لأن الغزاة والناهبين يهجمون على ديارهم وينهبون زرعهم ومحاصيلهم.

17- وأجعل وجهى ضدكم فتنهزمون أمام أعدائكم ويتسلط عليكم مبغضوكم وتهربون وليس من يطردكم.(وأجعل وجهى ضدكم): يقف الله ضدهم لأنهم سلكوا بعيدا عنه وقاوموا مسرته، وويل لذلك الإنسان الذى يقف الله ضده، لأن معنى ذلك الخصومة وعدم الائتلاف. قال أشعيا النبى عن الإنسان الذى يفكر فى مخاصمة الله: (ويل لمن يخاصم جابله خزف بين أخزاف الأرض أش9:45)، ويعلن الرب عن ضعف الإنسان الذى يقاومه الرب ويخاصمه، لأنه لايستطيع الثبوت أمام غضبه أو انتقامه لأن الرب يذله ويسحقه حيث يقول فى ذلك: (الحجر الذى رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية. كل من يسقط على ذلك الحجر يترضض ومن قط هو عليه يسحقه لو20: 17،18)

(فتنهزمون أمام أعدائكم ويتسلط عليكم مبغضوكم): عندما تتخلى عنهم عنايه القدير وقوته تضعف قواهم وتنهزمون أمام أعدائكم حتى إن كان أعداؤهم أضعف منهم. فيتسلطون عليهم ويستعبدونهم. وقد سلم الرب شعبه فى القديم مرارا كثيرة فى عهد الملوك إلى أيدى أعدائهم.

(وتهربون وليس من يطردكم): ما دام الله ليس معهم. تضعف قوتهم وتنهار نفسيتهم وتمتلىء حياتهم قلقا وجبنا وخوفا. ويزعجهم أى شىء وأى ظرف فيهربون حتى إن لم يطاردهم أحد كما يقول سليمان الحكيم: (الشرير يهرب ولاطارد أم 1:28). وبينما يقول الكتاب هذا عن الأشرار يقول عن الإنسان الواثق فى الله والمرتبط به: (ذو الرأى الممكن تحفظه سالما سالما لأنه عليكم متوكل أش3:26).

18- وإن كنتم مع ذلك لا تسمعون لي أزيد على تأديبكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم.

(وإن كنتم مع ذلك لا تسمعون لي): إن التأديبات التى يؤدب بها الرب عبيده أحيانا يجب أن توقظ ضمائرهم وتنبههم إلى أخطائهم فيرجعوا إلى الرب إلههم بالتوبة والطاعة كما فعل أهل نينوى (يون3) والرب ينذرهم هنا بتأديبات وعقوبات مضاعفة إن هم قسوا قلوبهم وتمادوا فى خطاياهم رغم تأديبه لهم. والكتاب يحثنا دائما أن نقبل التأديبات التى نقاصص بها ونجعلها  عاملا على إصلاح سيرتنا (هوذا طوبى لرجل يؤدبه الله فلا ترفض تأديب القدير أى 17:5) (يا ابنى لا تحتقر تأديب الرب ولا تكره توبيخه لأن الذى يحبه الرب يؤدبه وكأب بابن يسر به أم 11:3،12).

(أزيد على تأديبكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم): أى يضاعف لهم التأديب أضعافا مضاعفة حسب جرمههم وعصيانهم له. والسبعة فى الكتاب المقدس تعتبر عددا كاملا تشير كثيرا إلى التمام والكثرة. والمعنى أن عقاب الله لهم يصل إلى ذروة عالية جدا.

19- فأحطم فخارر عزكم وأصير سماءكم كالحديد وأرضكم كالنحاس.

(فأحطم فخار عزكم): يذل الله كبرياءهم. ويفقدهم قوتهم الشامخة وعزتهم لأنه يصير لهم السماء كالحديد فلا تمطر على أرضهم مطرا. ويجعل أرضهم كالنحاس فتفقد خصوبتها وتقصو عليهم فلا تعطيهم الغلة. الجوع والقحط والفقر كلها عوامل تذل الإنسان وتحطم كبرياءه وتحنى نفسه.

إن الله يسخر ضدهم حتى السماء والأرض وقوى الطبيعة لتعمل جميعها على تنفيذ مقاصده وأحكامه العادلة فى مضايقتهم وإذلالهم.

20- فتفرغ باطلا قوتكم وأرضكم لاتعطى غلتها وأشجار الأرض لاتعطى أثمارها.

هذا تفصيل لما قاله لهم فى العدد الماضى من قسوة السماء والأرض عليهم. وقوله (فتفرغ باطلا قوتكم) أى أنهم يبذلون قوتهم فى العمل فى الأرض ويستنفزونها ولكن يا للأسف باطلا وعبثا لأن الأرض (لا تعطى غلتها وأشجار الأرض لاتعطى ثمرها). قد لاتعطى الغلة والثمار على الإطلاق. وقد تعطى النزر اليسير جدا، وقد يسلط الله عليهم الآفات الضارة فتتلف ما زرعوا. وقد سبق الرب وقال لقايين من قبل فى هذا المعنى: (ملعون أنت من الأرض التى فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك. متى عملت الأرض لاتعود تعطيك قوتها تك 11:4،12).

21- وإن سلكتم معى بالخلاف ولم تشاءوا أن تسمعوا لي أزيد عليكم ضربات سبعة أضعاف حسب خطاياكم.(وإن سلكتم معى بالخلاف): أى إن عاندوا واستمروا فى خطاياهم وساروا فى طريق مضاد لمسرته وأحكامه.(ولم تشاءوا أن تسمعوا): أى إذا لم تلن قلوبهم إزاء التأديبات والعقاب. وتأديبات الرب. ومعجزاته وأعماله جميعا تعتبر كلها أصواتا تدعوهم للتوبة ولتمجيد الله. وهى بالتالى صوت الله نفسه. والرب يعلمنا:(إن سمعتم صوته فلا تقسو قلوبكم مز8:95،9،عب8:3،9). فلا يجب أن نقف جامدين إزاء كلمة الله وتنبيهاته وأعماله العظيمة.

(أزيد عليكم ضربات سبعة أضعاف حسب خطاياكم): يضاعف لهم الرب الضربات بحسب اتساع جرمهم وحجم خطاياهم (شرح ع18).

22- أطلق عليكم وحوش البرية فتعدمكم الأولاد وتقرض بهائمكم وتقللكم فتوحش طرقكم.

يسلط الرب عليهم الوحوش. وهى كثيرة فى أرض كنعان. فتعدمهم الأولاد لأنها تفترسهم وتأكلهم. و(تقرض) البهائم أى تفنيها لأنها تفترسها أيضاً. وحينئذ يقل عددهم بسبب موت الكبار والصغار الذين تفترسهم الوحوش. فتصبح الأرض موحشة لا يعبر فيها الناس بسبب خوفهم من الحيوانات المفترسة من جهة، ولأن عدد الشعب أصبح قليلا من جهة أخرى.

ولقد تعامل الله مع الناس بمثل هذا النوع من العقاب فسلط الحيات المحرقة لتلدغ بنى إسرائيل بسبب تذمرهم على الرب (عد5:21،6). وأرسل دبتين قتلتا من أولادهم اثنين وأربعين طفلا بسبب تعييرهم لأليشع النبى (2 مل23:2،24). ولما أرسل ملك آشور أناسا من الشعوب الوثنيين ليسكنوا فى أرض كنعان بعد أن سبى شعب إسرائيل إلى بلاده. أرسل الله على هؤلاء الناس الوحوش لتفترسهم لأنهم لم يكونوا قد تعلموا شريعة الرب بعد(مل24:17،26).

23-وإن لم تتأدبوا منى بذلك بل سلكتم معى بالخلاف.

24- فإنى أنا أسلك معكم بالخلاف وأضربكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم.

إن لم يرتدعوا ويصلحوا طرقهم بعد تأديبهم بالضربات التى ذكرها. فإن الله يسلك معهم أيضاً (بالخلاف) أى فى طريق مضاد لما فيه راحتهم وسلامتهم كما أنهم سلكوا بالخلاف مضادين لمشيئته المقدسة. ومعنى ذلك أن الرب يزيدهم بؤسا وعقابا بحسب خطاياهم.

25- أجلب عليكم سيفا ينتقم نقمة الميثاق فتجتمعون  إلى مدنكم وأرسل فى وسطكم الوبأ فتدفعون بيد العدو.(أجلب عليكم سيفا): أى يترك الأعداء لكى يحاربهم.

(ينتقم نقمة الميثاق): إن السيف يعمل فيهم وينتقم للميثاق المقدس الذى بينهم وبين الله لأنهم خانوه بمخالفتهم وصاياه. والرب دائما يغار على وصاياه وأحكامه وينتقم لمجد كلمته المقدسة وشرائعه الحية.

(فتجتمعون إلى مدنكم وأرسل فى وسطكم الوبأ فتدفعون بيد العدو):

يجتمعون إلى المدن لكى يتحصنوا فيها. ولكنها ياللأسف لا تستطيع أن تحميهم لعدم مناعتها ولأن الله تخلى عنهم فيفقدون القوة على الدفاع، وزيادة على ذلك فإنه يرسل إليهم (الوبأ) متمثلا فى الأمراض المختلفة الفتاكة. فيقل عددهم وتنحل قواهم أكثر. ويقعون بسهولة فى يد الأعداء.

26- بكسرى لكم عصا الخبز تخبز عشر نساءخبزكم فى تنور واحد ويرددن خبزكم بالوزن فتأكلون ولاتشبعون.يهددهم الرب هنا بالجوع والقحط فى قوله (بكسرى لكم عصا الخبز) أى بقطع الخبز عنهم ومعنى ذلك تقليل غلة الأرض التى يصنعون منها خبزهم حتى لاتكفيهم. وقد أضيفت كلمة العصا إلى الخبز لأن الخبز هو قوام الحياة وهو كالعصا التى تعتمد عليها حياة الإنسان.

(تخبز عشر نساء فى تنور واحد): مفروض أن التنور العادى يكفى بيتا واحدا ليخبز فيه. والرب هنا يبين لهم أن الغلة تقل لدرجة أن الفرن الواحد يكفى لأن تخبز فيه عشر نساء وباتالى عشر أسر حيث تخبز فيه كل أسرة القدر الضئيل جدا من العجين.

(ويرددن خبزكم بالوزن فتأكلون ولاتشبعون): وعلاوة على ذلك فبالنسبة لحالة القحط تضطر النسوة إلى وزن الخبز بعد خبزه ليوزع بالميزان على كل شخص. فيأكل كل شخص قدرا ضئيلا لايشبعه.

ما أعظم الفرق بين هذه الحالة من الضنك وبين حالة أولاد الله المباركين المطيعين الذين يفتح لهم كوى السموات حتى لا توسع فيأكلون ويشبعون ويفضل عنهم الخبز.

27- وإن كنتم بذلك لا تسمعون لي بل سلكتم معى بالخلاف.

28- فإنى أسلك معكم بالخلاف ساخطا وأؤد بكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم.

مر شرح هذا فى تفسير(ع23). والرب فى هذه المرة يعلن أنه يسلك معهم بالخلاف (ساخطا) أى يغضب وعنف. وتأديبات الرب قد تكون أحيانا مصحوبة بالرفق خصوصا لأولاده (لأنه هو يجرح ويعصب. يسحق ويداه تشفيان أى18:5). ولكن أحيانا تتصاعد خطايا الأشرار تصاعدا كبيرا فيؤدبهم بسخط وغضب شديدين. ولهذا يصرخ داود النبى قائلا: (يارب لاتوبخنى بغضبك ولا تؤدبنى بغيظك. مز1:6)، ويعلق القدس يوحنا فم الذهب فى صلواته على هذا النص المقدس فيقول: (ولهذا أسال: يارب لابغضبك توبخنى. ولست التمس أن لا توبخنى البتة لأن هذا من غير الممكنات ولكنى التمس أن لاتوبخنى بغضبك. وأنت أيها السيد الرب أعلم بذنونى الظاهرة والخفية ومع كثرتها أجرؤ بدالة العبد على سيده الكريم سائلا عطفك الإلهى لكى لا توبخنى بغضبك ولا تشهر نفاقى ولاتفضحنى أمام ملائكتك ولا توبخنى بغضبك. لأنه إن كان غضب ملك أرض لا يحتمل فكم يكون غضب رب السموات والملوك، ولهذا أسأل: لا توبخنى بغضبك ولا برجزك تؤدبنى. لست أقول لا تؤدبنى البتة لأنى أهل لكل تأديب وعقاب. بل لاتؤدبنى برجزك….).

29- فتأكلون لحم بنيكم ولحم بناتكم تأكلون.

يشتد بهم الجوع فيفقدهم تعقلهم وعواطفهم حتى يأكلون لحم أولادهم وبناتهم. وقد حدث هذا فى زمن يهورام بن آخاب ملك إسرائيل عندما شدد بنهدد ملك آرام الحصار على السامرة عاصمة إسرائيل، ولما اشتد الجوع والغلاء بالناس اتفقت امرأتان أن تطبخ كل منهما ولدها فى يوم لتأكلاه معا. وفعلت الواحدة منهما ذلك بابنها. ورفضت الثانية أن تفعل، فشكت الأولى الأمر إلى الملك (2مل24:6-30). ويظهر من مراثى إرميا أن مثل هذا حدث أيضاً فى حصار ملك بابل لأورشليم عاصمة مملكة يهوذا وما صاحب ذلك من الخراب والدمار والمحن حيث يقول: (كانت قتلى السيف خيرا من قتلى الجوع لأن هؤلاء يزوبون لعدم إثمار الحقل. أيادى النساء الحنائن طبخت أولادهن. صاروا طعاما لهن فى سحق بنت شعبى مرا 9:4،10). وحدث أيضاً فى حصار تيطس الرومانى لأورشليم أن النساء كن يذبحن أولادهن ويأكلنهم. وحدث أن مر الجنود ببيت امرأة اسمها مريم. وكانت قد أكلت جزءا من ابنها وحفظت الباقى لتأكله. وفتش الجنود بيتها علهم يجدون طعاما يأكلونه فكشفوا هذا الأمر المريع المؤثر.

30-وأخرب مرتفعاتكم وأقطع شمساتكم وألقى جثثكم على جثث أصنامكم وترزلكم نفسى.

(المرتفعات): كانت أماكن عالية كالجبال أو الهضاب أو المبانى الشاهقة تبنى عليها المذابح.

وكانت مذابح الرب تقام غالبا على مرتفعات. فالمذبح الذى أراد ابراهيم أن يقدم عليه ابنه اسحق أقيم على جبل المريا (تك1:22،2)، والذبيحة التى عملها يعقوب فى وداعه لخاله لابان كانت فى الجبل (تك54:31). وقد أمر الرب جدعون ببناء مذبح على رأس الحصن (قض26:6). وكان بنو إسرائيل يقيمون مذبحهم على المرتفعات فى أيام سليمان قبل بناء الهيكل (2مل31:1-33).

واتخذت الشعب الوثنية المرتفعات لتقيم عليها مذابحها. مثال ذلك المرتفعات التى أخطأ سليمان وأقامها للأصنام مجاملة لنسائه (1مل7:11). والمرتفعات التى أقامها يربعام ونصب عليها العجلين اللذين صنعهما. كما أنه أقام كهنة للمرتفعات (1مل31:14-32). ومثل مرتفعات البعل التى كانت لشعب موآب (عد41:22). إلى غير ذلك. ولذلك فقد حذر الله شعبه مرارا بهدم مرتفعات الشعوب الوثنية.

أما (الشمسات) فهى كل ما كان يقام بقصد إكرام الشمس أو عبادتها. مثل الأعمدة العالية. وكانت أحيانا تدعى (السوارى) ومفردها السارية (قض25:6). وبعضها كان بشكل حجرات صغيرة، وبعضها بشكل أهرام صغيرة أو مركبات. وكانت كلها توضع فوق الأماكن أو البروج أو المبانى العالية حتى تأخذ أكبر نصيب من ضوء الشمس. ولكى تظهر الشمس فيها بوضوح. بل أن بعض الشعوب كانت تظن أن عبادة الآلهة كالشمس فى الأماكن العالية تجعل الإنسان قريبا من مقر الآلهة لكى يمكنهم أن تسمع صلواته بوضوح. وبعض الشمسات كان أصناما وتماثيل وصورا للشمس تقام فوق المذبح (اى5:14،7:3). وقد أباد بعض الملوك الغيورين مثل يوشيا ملك يهوذا مثل هذه المرتفعات والشمسات (2مل11:23،15،2اى4:34،7).

وفى النص الإلهى هنا ينذر الرب إسرائيل بأنه سيضرب مرتفعاتهم التى يبنونها للآلهة الكاذبة كالشعوب فيهدمها ويدمرها. ويقطع شمساتهم. أى يزيلها.

(وألقى جثثكم على جثث أصنامكم): أى يقتلهم بالجوع والوبأ ويحطم أوثانهم. ويلقى جثثهم على حطام أصنامهم. فتبقى الجثث بدون أن يدفنها أحد وتظهر فى شكل تعافه النفس. (وترذلكم نفسى): أى يبغضهم ويحتقرهم من نعمته.

31- وأصير مدنكم خربة ومقادسكم موحشة ولا أشتم رائحة سروركم.

(وأصير مدنكم خربة): تخرب المدن من جراء الجوع والحروب والسبى والأوبئة التى تقضى على الناس والبهائم.

(ومقادسكم موحشة): المقادس هى الأماكن المقدسة مثل هيكل أورشليم. وقد أصبح أكثر من مرة موحشا أى خاليا من العابدين ومهدما بسبب السبى وما أصاب البلاد من الويلات (2مل8:25-17).

(ولا أشتم رائحة سروركم): لا أعود أشتاق إلى محرقاتكم وذبائحكم. وحتى إن قدمتموها لا أقبلها. ولقد قال لهم الله أيضاً فى هذا المعنى (رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسى. صارت علىّ ثقلا مللت حملها فحين تبسطون أيديكم أستر عينى عنكم وإن كثرتم الصلاة لا أسمع أش14:1) ولماذا ؟ (لأن ذبيحة الأشرار مكرهة الرب أم8:15).

32- وأوحش الأرض فيستوحش منها أعدائكم الساكنون فيها.

سيخرب الأرض ويجعلها خالية من الناس ومسكنا للوحوش (ويستوحش منها) حتى الأعداء الذين يحتلونها أويسكنونها. وقد ترجمت أيضاً (وينذهل لها أعداؤكم) والمقصود أنهم يندهشون لما حل بها من الدمار والمحن ويسأمون ويملون من الإقامة فيها لما يسودها من الكآبة.

33- وأذريكم بين الأمم وأجرد وراءكم السيف فتصير أرضكم موحشة ومدنكم تصير خربة.

(وأذريكم بين الأمم): بمعنى أنه يشتتهم فى الشعوب سواء شعوب الذين يسبونهم أو فى الأرض التى  يهربون إليها. ومن العجيب أنهم حتى فى سبى آشور وسبى بابل كانوا متفرقين فى أنحاء هذه البلاد. وقد ظهر تشتتهم بصورة أوضح بعد الفتح الرومانى لبلادهم سنة 70م حيث تفرقوا فى أنحاء كثيرة من المسكونة.

(وأجرد وراءكم السيف): تجريد السيف فى الأصل إخراجه من غمده للحرب والقتل. والمعنى أن الرب يسلط عليهم سيف الأعداء فيحاربونهم ويطاردونهم الكثيرين منهم حتى وهم مشتتون بعيدا عن بلادهم.

(فتصير أرضكم موحشة): أى خالية من السكان. (ومدنكم تصير خربة) ليس فيها إنسان ولاحيوان وبالتالى ليس فيها عمران ولامدينة.

34- حينئذ تستوفى الأرض سبوتها كل أيام وحشتها وأنتم فى أرض أعدائكم. حينئذ تسبت الأرض وتستوفى سبوتها.

35- كل أيام وحشتها تسبت ما لم تسبته من سبوتكم فى سكنكم عليها.

كان اليهود يهملون تنفيذ أوامر الله بشأن تقديس السنة السابعة وسنة اليوبيل التى أمرهم ألايزرعوا الأرض فيهما أو يحرثوها. ولذلك فعندما يسبيهم إلى أراضى الأعداء ويبعدهم عن أرضهم.

(تسبت الأرض) بطبيعة الحال أى تستريح من الزراعة بل وتستوفى سبوتها. لأن مدة إبعادهم عنها تطول حتى تستوفى سنوات الراحة التى أهملوا تقديسها. لأنهم كانوا يعاندون الرب فيعملون فى أرضهم وهم يسكنون فيها قبل أن يطردوا منها. ألانرى أن الله لايسر بالإنسان الذى يأكل حقوقه فيسلبه أضعاف ما أكله من حقوق إن لم يكن ماديا. فإنه يسلبه رضاه ونعمته وسلامه الذى يفوق كل عقل؟

(كل أيام وحشتها): طوال الأعوام التى يعيشون فيها بعيدين عن ديارهم حيث تكون أرضهم خربة بلا ساكن.

36- والباقون منكم ألقى الجبانة فى قلوبهم فى أراضى أعدائهم فيهزمهم صوت ورقة مندفعة فيهربون كالهرب من السيف ويسقطون وليس طارد.

وحتى الذين يبقون على قيد الحياة فى أرض الأعداء. يلقى الله الجبانة (الجبن) فى قلوبهم. من هول ما قاسوه من الآلام والضيق. فتضعف معنوياتهم وتمتلىء حياتهم خوفا واضطرابا ووهما. حتى أنهم يرتعدون لصوت ورقة شجرة تدفعها الريح. وتذوب قلوبهم لصوتها كأنها سيف الأعداء يعمل فيهم.

(ويسقطون وليس طارد): إن أقل ما يعترض حياتهم حتى صوت الورقة المندفعة يجعلهم يسقطون مرتعدين مستسلمين. وقد يصدمهم فيصابون بالمرض أو بالموت مع أن أحدا لايطاردهم. أليس فى هذا تطبيق على ما قاله الوحى: (لاسلام قال الرب للأشرار أش22:48).

37- ويعثر بعضهم ببعض كما من أمام السيف وليس طارد. ولايكون لكم قيام أمام أعدائكم.

(ويعثر بعضكم ببعض كما من أمام السيف وليس طارد): من شدة الخوف يصطدم الواحد منهم بالآخر وهم هاربون كما هو الحال فى الهروب فى ظروف الهزيمة فى الحرب. مع أنه ليس ما يدعو إلى الهروب والخوف لأنه لايوجد من يطاردهم.

(ولا يكون لكم قيام أمام أعدائكم): بسبب انفصالهم عن الله لايستطيعون أن يثبتوا أمام الأعداء لأنهم يفقدون كل قوتهم ومكانتهم.

38- فتهلكون بين الشعوب وتأكلكم أرض أعدائكم.

(فتهلكون بين الشعوب): يبادون بين الشعوب التى تشتتوا بينها من كثرة وطول ما يلاقيهم من المحن والضيقات.

(وتأكلكم أرض أعدائكم): تأكلهم الأرض بمعنى مزدوج:

(ا) لأن الكثيرين منهم يموتون بالفعل من المذلة والضغط اللذين يقابلانهم فى أرض الأعداء التى تصبح مقبرة لهم.

(ب) ولأنهم بتغربهم عن ديارهم وفقدانهم الحرية واندماجهم فى الشعوب الغريبة واشتراكهم فى عاداتها وتقاليدها. يفقدون شيئا فشيئا انسابهم وأصلهم كأمة لها كيانها وكشعب الله المختار.

39- والباقون منكم يفنون بذنوبهم فى أراضى أعدائكم. وأيضا بذنوب آبائهم معهم يفنون.

(والباقون منكم يفنون بذنوبهم): البقية الباقية بعد هذه المحن يبيدون بسبب تمسكهم بخطاياهم وعدم توبتهم فى أرض الأعداء.

(وأيضا بذنوب آبائهم معهم يفنون): إنهم يبيدون أيضاً بذنوب آبائهم:

(ا) لأنهم لايزالون متمسكين بها ولم يقلعوا عنها فهم بالتالى يكملون مكيال آبائهم فتلحق بهم العقوبات التى لحقت بآبائهم (مت32:23).

(ب) وكنتيجة طبيعية لذنوب الآباء وجناياتهم فى حق نسلهم الذى يأتى بعدهم. يجنى الأبناء والأحفاد الثمار المرة من الفقر والعار والمرض والمذلة وينطبق عليهم القول (الآباء أكلوا حصرما وأسنان الأبناء ضرست إر29:31) ويكمل فيهم قول الله أيضاً (لأنى أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء فى الجيل الثالث والرابع من مبغضى وأضع إحسانا إلى ألوف من محبى وحافظى وصاياى خر5:20،6).

بئست الخطية لأنها تسبب الضياع والبوار للناس أفرادا وجماعات. بل أن آثارها السيئة كثيرا ما تمتد إلى أجيال قادمة فيرث أبناؤها البؤس والشقاء.

تعامل الله معهم إذا تابوا (ع40-42)

40- لكن إن أقروا بذنوبهم وذنوب آبائهم فى خيانتهم التى خانونى بها وسلوكهم معى الذى سلكوا بالخلاف.

41- وإنى أيضاً سلكت معهم بالخلاف وأتيت بهم أرض أعدائهم إلا أن تخضع حينئذ قلوبهم الغلف ويستوفوا حينئذ عن ذنوبهم.

بعد أن ذكر الوحى البركات العظيمة التى يكافئهم بها الرب إذا سلكوا فى طاعته، ثم اللعنات والويلات التى يعاقبهم بها إذا تركوه وعصوا وصاياه. ويعود هنا فيذكر مراحمه الكثيرة إذا هم تابوا وأصلحوا طرقهم. وهذه معاملات الله دائما مع عبيده. فمهما اشتد زيغان الناس وبعدهم عنه. يشفق عليهم ويرحب بهم إذا رجعوا إليه بالتوبة. لأنه إله طويل الروح وكثير الرحمة ومحب. وهو الذى قال عن نفسه: (حى أنا يقول السيد الرب: إنى لا أسر بموت الشرير بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا حز 1:33).

وقد أوضح الوحى الإلهى جلال هذا التعامل الإلهى مع أولاده فقال: (الرب معكم ما كنتم معه وإن طلبتموه يوجد لكم وإن تركتموه يترككم. 2أى 2:15).

(لكن إن أقروا بذنوبهم وذنوب آبائهم) ذكر هذا النص فى النسخة العبرية هكذا (ويقرون بذنوبهم وذنوب آبائهم)، وقد جاءت العبارة فى الترجمة اليسوعية وترجمة واطس هكذا (حتى يقروا بإثمهم وإثم آبائهم). والمقصود من هذا أن اجتيازهم الضيقات والتأديبات المرة يجعلهم يرجعون إلى الله ليستمطروا رحمته. وفى يقظة ضميرهم يعترفون:

(ا) بذنوبهم التى عملوها.

(ب) وبذنوب آبائهم.

(ج) ويقرون أنهم فى اقترافهم الآثام كانوا يسلكون مع الله بالخلاف. أى كانوا معاندين ومضادين لشخصه المبارك ولمشيئته الصالحة.

(د) وبناء على هذا فإنهم كانوا يستوجبون حكم الله العادل لأن الله سلك معهم أيضاً بالخلاف وأخرجهم من أرضهم. وأتى بهم إلى أرض أعدائهم حيث يقاسون المر والهوان.

(إلا أن تخضع حينئذ قلوبهم الغلف ويستوفوا حينئذ عن ذنوبهم):

إنهم كانوا بعنادهم سيظلون تحت طائلة العقاب الإلهى حتى تتواضع قلوبهم القاسية وتتذلل وتعترف بالخطايا وتتوب عنها. وحتى (يستوفوا) عن ذنوبهم. أى وبعد أن يكونوا قد نالوا من العقاب ما يستحقونه وما يتناسب مع خزيهم وعنادهم.

(قلوبهم الغلف): أى الغير مختونة. ويقصد بها القلوب الغير كاملة والغير متجددة والمعاندة والشريرة والتى لم تقبل عهد الله. ومثلها فى ذلك كمثل الشعوب البعيدة عن الله التى لم تدخل معه فى عهد الختان.

42- أذكر ميثاقى مع يعقوب وأذكر أيضاً ميثاقى مع اسحق وميثاقى مع ابراهيم وأذكر الأرض.

1- بتوبتهم ورجوعهم يذكر الله عهده الذى قطعه مع آبائهم ويذكر أيضاً الأرض المقدسة التى سبوا بعيدا عنها. وذكر الرب للميثاق لايعنى أنه ينسى. إذ (ليس الله إنسان فيندم عد 19:23)، وإنما معناه أنه يفى لهم بالميثاق.

2- نلاحظ أن الرب فى هذا الموضع من الكتاب المقدس يذكر لهم آباءهم مبتدئا من يعقوب. وهو أبو الأسباط لأنه هو الذى سموا باسمه إسرائيل. ووعد الله مع يعقوب كان فى بيت إيل حيث وعده بالبركة له ولنسله، وبتوريث نسله الأرض (تك 9:35-15). ثم يذكر ميثاق مع اسحق. وقد كان هذا فى جرار (تك 1:26-6) وهو نفس الوعد الذى تكلم الله به مع ابراهيم فى جبل المريا (تك 16:22-18)، ثم يذكر لهم أيضاً ميثاق مع جدهم ابراهيم بعد محاربته للموك (تك 18:15-19). وفى المواضع الأخرى من الكتاب المقدس كان يذكر آباءهم ابراهيم واسحق ويعقوب بالترتيب التاريخى.

3- إن الرب كان يذكر شعبه من أجل خاطر آبائهم القديسين الذين أحبهم وأحبوه. ومن أجل عهده معهم. ولقد قال الرسول فى هذا (من جهة الإنجيل هم أعداء من أجلكم. وأما من الاختيار فهم أحباء من أجل الآباء رو28:11).

4- والله أيضاً فى رحمته (يذكر الأرض). أرض كنعان التى أبعدهم عنها بسبب خطاياهم. لأنها أرض الموعد المقدس. والكنيسة المقدسة تعتز بالأراضى المقدسة. التى جرت فيها الحواث الكريمة. حيث عاش الأنبياء فى العهد القديم. وحيث ولد مخلصنا الصالح. وعمل معجزاته. وبشر وعلم. وحيث صلب وقام من الأموات وصعد إلى السموات. ونحرص على زيارتها لنتبارك، ولنتذكر كل هذه الذكريات النافعة. (وأذكر الأرض): والرب لا يذكر أولاده كشعب فقط. بل يذكر حتى الأرض التى يعيشون عليها. والكنائس التى يصلون فيها لأنها جميعا تحت حمايته وعنايته. وهى عزيزة فى عينيه. والمؤمنون أيضاً يذكرون الأماكن والكنائس والأديرة والمغاير التى يعبد فيها الله أو التى عاش فيها قديسون أتقياء. أو جرت فيها أحداث تحمل إليهم ذكريات مباركة. فيزورونها أيضاً ويترددون عليها لكى يأخذوا بركتها ويستفيدوا روحيا بزيارتها والتأمل فيما تحمل من ذكريات ترسم أمامهم حياة هؤلاء القديسين أو تعبدهم أو جهادهم أو معجزاتهم أو استثهادهم.

الحديث أيضاً عن ميثاق الله مع الآباء (ع43-45)

43- والأرض تترك منهم وتستوفى سبوتها فى وحشتها منهم وهم يستوفون عن ذنوبهم لأنهم قد أبوا أحكامى وكرهت أنفسهم فرائضى.

هذا العدد مقدمة للأعداد التالية التى تتحدث عن حفظ الله ميثاق مع الآباء، وفى نفس الوقت عاد بهم يؤكد لهم ما ذكر آنفا من القصاص العادل الذى يستحقونه عن عصيانهم حيث (الأرض تترك منهم) بإجلائهم عنها وتغربهم وتشتتهم فى أرض غريبة. و(تستوفى سبوتها فى وحشتها) لأنهم فى بعدهم عنها لا يزرعونها وحتى الشعب التى كانت تسكن بدلا منهم كانوا لا يعتنون بها العناية الكاملة لأنها ليست أرضهم. و(هم يستوفون عن ذنوبهم) لأنهم ينالون القصاص العادل من الله. والرب فى عقابه لهم ليس ظالما. لأنهم بعصيانهم يبرهنون على أنهم (أبوا) أحكامه أى رفضوها. و(كرهت أنفسهم) فرائضه. أى يتلذذوا بها ولم يحبوا أن يعملوا بها.

44- ولكن مع ذلك أيضاً متى كانوا فى أرض أعدائهم ما أبليتهم. ولاكرهتم حتى أبيدهم وانكث ميثاق معهم لأنى أنا الرب إلههم.

1- مع كل معاصيهم وعنادهم. ورغم أنهم (أبوا) أحكام الله ورغم أنهم متغربون ومشتتون فى الأرضى. فإن الله يحفظ بهم كشعب دعى اسمه عليه. ويحفظ رحمته معهم. حيث يقول تبارك اسمه: (ما أبيتهم) أى ما رفضتهم. والحديث هنا فى صيغة الماضى ولكنه يقصد به تعامل الله المستمر مع شعبه. (ولا كرهتهم حتى أبيدهم وأنكث ميثاقى معهم) أى أنه لايبغضهم لدرجة الإبادة ولدرجة نقض عهده الذى قطعه مع آبائهم.(لأنى أنا الرب إلههم): سبق ودعوتهم وأخبرتهم ودعى اسمى عليهم. وقد استؤمنوا على أقوال الله (رو2:2) ولذلك يعز على أن أتخلى عنهم وأنبذهم وأبيدهم إلى التمام.

ولقد لمسنا هذا فى التاريخ العجيب للشعب اليهودى. فرغم أنهم تشتتوا. وضاعت معالم أسباطهم. وقاسوا اضطهادات وآلاما عنيفة فى مختلف العصور. فإن الله رغم كل هذا حفظهم كجنس خاص وكشعب متميز، ولايزالون يعبدون الرب إلههم. ويحملون نفس اسمهم القديم. والرب برحمته يحفظهم لكى يؤمنوا بالرب يسوع المسيح وبعمله الفدائى. وحينئذ فالبقية منهم تخلص (رو27:9). ولقد وبخ الرسول المتنصرين من الأمم الذين كانوا أحيانا يتكبرون على المتنصرين من اليهود أو من الذين لم يتنصروا منهم حيث يقول: (فإنى لست أريد أيها الإخوة أن تجهلوا السر لئلا تكونوا عند أنفسكم حكماء إن القساوة قد حصلت جزئيا لإسرائيل إلى أن يدخل ملؤ الأمم وهكذا ستخلص جميع إسرائيل كما هو مكتوب سيخرج من صهيون المنقذ ويرد الفجور عن يعقوب. وهذا هو العهد من قبلى لهم متى نزعت خطاياهم من جهة الإنجيل هم أعداء من أجلكم وأما من جهة الاختيار فهم أحباء من أجل الآباء لأن هبات الله ودعوته هى بلا ندامة. فإنه كما كنتم أنتم مرة لاتطيعون الله ولكن الآن رحمتم بعصيان هؤلاء أيضاً الآن لم يطيعوا لكى يرحموا هم أيضاً برحمتكم لأن الله أغلق على الجميع معا فى العصيان لكى يرحم الجميع رو25:11-32).

2- إن الله الذى لم يرض أن ينكث عهده مع شعبه القديم. لايرضى أيضاً أن يتخلى عن كنيسته وعن شعبه فى العهد الجديد. فلقد وعد بيعته أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها (مت 18:16). ووعد شعبه قائلا (ها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر مت 20:28)، وهو الساهر على أولاده يحرسهم ويعتنى بهم لأنهم  باسمه آمنوا. ودعوا مسيحيين (أع26:11). فلتطمئن قلوبنا. ولنتكل على صخر الدهر راعينا الأمين وحبيب نفوسنا

45- بل أذكر لهم الميثاق مع الأولين الذين أخرجتهم من أرض مصر أمام أعين الشعوب لأكون لهم إلها. أنا الرب.

أذكر لهم العهود التى قطعها مع آبائهم ابراهيم واسحق (شرحع42). وأذكر أسلافهم الذين أخرجتهم من مصر بذراع رفيعة. وبآيات ومعجزات عجيبة وقعت أمام شعوب كثيرة (لأكون لهم إلها) يعبدوننى ويدعى اسمى عليهم. وبالتالى لكى يكونوا لي شعبا خاصا مقدسا متميزا عن الشعوب التى تعيش فى الحماقة وعبادة الأوثان.

(أنا الرب): الصادق فى مواعيدى. والأمين فى طرقى. والحافظ لعهدى وميثاقى.

خاتمة الأصحاح (ع46)

46- هذه هى الفرائض والأحكام والشرائع التى وضعها الرب بيته وبين بنى إسرائيل فى جبل سيناء بيد موسى

هذه هى الخاتمة الطبيعة التى اعتاد الوحى أن يختم بها أحكام الرب ووصاياه، وهى تشير إلى الجزء من الأحكام التى بدأت من الأصحاح الخامس والعشرين (ع1). والعبارة تؤكد أن الكتاب المقدس هو كلام الله، الذى أوحى به إلى عبده موسى وسيط العهد. وقد وضع الرب شرائعه وأحكامه (بينه وبين بنى إسرائيل) لأن حفظها والعمل بها من مواد الميثاق المقدس بين الله وبين شعبه، لكى يستحقوا أن يكونوا له شعبا ويؤهلوا لنعمه وبركاته وعناتيه.

تأملات

1- إننا كشعب ممتاز ومقدس للرب، لنا حياتنا الخاصة، وسلوكنا الخاص الذى يمجد الرب ويظهرنا كأبنائه الحقيقيين: (لاتشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هى إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة رو2:12).

2- والرب يريد أن يحبه المؤمنون بكل قلوبهم، ويعيشوا دائما فى طاعته.

3- وطاعة الرب تقترن بالبركة. وإن كان الرب فى العهد الجديد لم يركز كثيرا فى مواعيده لنا على البركات الزمنية مثلما كان يفعل مع بنى إسرئيل بالنسبة لعدم نضجهم الروحى، وإنما وعدنا بما هو أعظم وأسمى، وعدنا بالسلام الذى يفوق كل عقل (فى7:4)، السلام إلذى يقوينا ويبهج قلوبنا ويطمئنها حتى فى الضيق حيث يقول (قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فىّ سلام. فى العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم يو3:16)، وعدهم بالخير الروحى العظيم إذ (باركنا بكل بركة روحية فى السماويات أف3:1). ومن ناحية أمور الجسد والتزامات الحياة الزمنية، فقد وعدنا بأنه لن يتركنا أو يهملنا، وأعطانا روح الإيمان والاتكال لنلقى كل همنا عليه لأنه هو يعتنى بنا (1بط7:5)، كما أعطانا روح الشكر والقناعة حتى إن كان لنا القوت والكسوة نكتفى بهما (1تى8:6)، وما أجمل نصحه السامى المقرون بوعده المعزى المشجع: (اطلبوا أولا ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم مت33:6).

4- وحياتنا أحيانا تكتنفها ضيقات وشدائد وتجارب، قد يكون معظمها من طبيعة العالم الذى نعيش فيه كحملان فى وسط ذئاب (لو3:10)، ولأن حياة أولاد الله الناصعة تخالف حياة الأشرار القاتمة المظلمة، ولقد قال المخلص لتلاميذه (لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم يو19:15).

وقد تكون هذه الضيقات نتيجة طبيعية لظروف الحياة الحاضرة. وفى كثير من الأحيان قد تكون تأديبا وعقابا عن بعدنا عن الله وعصياننا له. وأولاد الله بدل أن يشكوا ويتذمروا يجب أن يفحصوا طرقهم ويراجعوا أنفسهم ليعرفوا مدى طاعتهم للرب أو مخالفتهم له، ويقفوا على سر البلاء المحيط  بهم، فلعله مسبب عن بعدهم عن الله: (لماذا يشتكى الإنسان الحى الرجل من قصاص خطاياه؟ لنفحص طرقنا ونمتحنها ونرجع إلى الرب. لنرفع قلوبنا وأيدينا إلى الله فى السموات مرا 39:3-41).

ولقد يكون ما يضايقنا لأجل امتحان إيماننا ولكى نشترك فى الآلام المسيح لنحظى بالمجد معه (1بط 14:1)، أو لأى حكمة إلهية سامية. ونحن فى كل طرقنا يجب أن نقبل التأديب بفرح، ونرضى بكل ما يصيبنا بشكر وتسليم كاملين.

5- ونحن أيضاً إن كنا نطيع الرب ونخضع له لايجب أن نبنى طاعتنا على الخوف من العقاب لأنه (لاخوف فى المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج 1يو18:4)، ونحن لسنا عبيدا وإنما أبناء لله. كما أننا لانطيعه لأجل خير نرجوه زمنيا كان أو أبديا، وإنما نطيعه لأننا نحبه حسب قوله الإلهى: (إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى يو15:14)، (إن حفظتم وصاياى تثبتون فى محبتى كما إنى أنا قد حفظت وصايا أبى وأثبت فى محبته يو10:15)، (إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى وإليه نأتى وعنده نصنح منزلا يو23:14).

6- وأخيرا لنثق دائما فى مواعيد الله الصادقة والأمينة: إنه حتى إن سمح للعالم أن يقسو علينا، وإن أدبنا كبنين له. أو عاقبنا لأجل خيرنا الروحى. فقد وعد بأن يصحبنا فى رحلتنا فى هذا العالم وإلى إنقضاء الدهر. فيجب أن نعيش له. ثابتين فى محبته وطاعته. وهو لن يتركنا ولن يتخلى عنا. من أجل اسمه القدوس الذى علينا. ومن أجل الدم الذى سفك على الصليب. ومن أجل قديسيه الذين أرضوه بالحقيقة منذ البدء.

Leave a Comment