تفسير سفر اللاويين – الأصحاح العاشر – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

خطية ابنى هرون وموتهما (ع1-7)

1- وأخذ ابنا هرون ناداب وأبيهو كل منهما مجمرته وجعلا فيهما ناراً ووضعا عليها بخوراً وقربا أمام الرب ناراً غريبة لم يأمرهما بها.

1- فى هذا الأصحاح ذكر لحادثة تاريخية من حوادث السفر هى فى الحقيقة مأساة أليمة سببها تعدى ابنى هارون الأكبرين (ناداب وأبيهو). ومما يؤسف له أن الشخصين العظيمين اللذين صعدا مع موسى على الجبل ورأيا مجد الرب (خر24: 1) يقعان فى خطية المخالفة بعد رسامتهما التى استغرقت سبعة أيام، وبعد تقديم ذبائح اليوم الثامن مباشرة. وهذه صورة مما يعمله الشيطان دائماً مع كهنة العلى وخدام مذبحه وكلمته، لأنه لا يتورع عن أن يحارب أقرب الناس من الخدمة المقدسة، وفى أقدس الأماكن، وفى أقدس المناسبات كما فعل ذلك مع أولاد عالى (1صم2: 12-25)ومع زكريا الكاهن (لو1: 18-20) ومع غيرهم.

2- كانت خطية هذين الكاهنين أنهما قدما فى المجمرتين (ناراً غريبة وبخوراً غريباً) أمام الرب أى أمام باب الخيمة أو ربما فى داخلها. وهناك آراء بخصوص النار والبخور اللذين قدماهما وبخصوص مخالفتهما بوجه عام :

( أ ) فالبعض يرون أنهما حملا كل واحد مجمرته، ولا يصح أن يحمل المجمرة إلا رئيس الكهنة (لا16: 12،13) أما الكهنة العاديون فيحملون النار والبخور فى إناءين مقدسين للتبخير على مذبح البخور الذهبى الذى فى القدس (خر30) فكأنهما بهذا اعتديا على وظيفة ليست لهما هى وظيفة رئيس الكهنة ويجب أن نذكر أن السماح لقورح وداثان وأبيرام وأتباعهم بحمل المجامر كان لغرض خاص وفى حالة استثنائية (عد16).

(ب) ويرى البعض أن الكاهن الخديم للذبيحة آنئذ كان هو المكلف بتقديم البخور، والمعروف أن هرون هو الذى قدم الذبائح فكان على أولاده أن يساعدوه فقط، وقد مر فى تفسير الأصحاح السابق أن موسى وهرون ربما قدما البخور فى دخولهما الخيمة (ص9: 23).

(ج) أو أن كاهناً واحداً كان الذى يقدم البخور لا اثنين.

(د ) ويرى البعض أن النار والبخور كانا غريبين لأن النار لم تكن من النار المقدسة التى خرجت من عند الرب وأكلت الذبيحة وكانوا يحفظونها دائماً للاستعمال المقدس (ص9: 24،16: 12،عد16 :46)، وكذلك البخور قد يكون غير البخور المقدس بمواصفاته التى حددها الرب لموسى (خر30: 34-38).

(هـ) ويرى البعض أن النار والبخور الغريبين قد يقصد بهما ذبيحة محرقة إضافية لم يأمر بها الرب أيضاً. وقد تكون خطيتهما قد تضمنت كل هذه الأوامر أو بعضها.

(و) وقد تكون النار والبخور غريبين لأنهما قدما فى غير الأوقات التى أمر الرب بها وكأنهما اخترعا ذلك بأنفسهما تهوراً وكبرياءً أو غروراً بمركزهما ويوضح ذلك قول الكتاب (لم يأمرهما الرب بها)، ولعل هذا الرأى هو الأرجح.

ويرى البعض من علماء اليهود أن الذى دفعهما على اقتراف هذه المخالفة أنهما كانا سكرانين ويستدلون على ذلك بما جاء فى الأعداد (من8-11).

ومها يكن الأمر فإن الرب غيور على مجده وعلى طاعة كلمته، ومن الواجب أن يدقق كهنة الله وخدامه فى تنفيذ أوامر الله وفى تتميم الطقس المقدس والخدمة الروحية، ومن الخطأ أن يخترع الإنسان بنفسه أشياء يضيفها إلى الترتيب المقدس أو يحذفها منه.

3- ما أعظم الفرق بين قول الوحى فى كثير من فقرات الأصحاحات السابقة إن موسى وهرون وبنيه كانوا يعملون (كما أمر الرب موسى) (ص8 :13،21،26،9 :10،21)، وقوله هنا عن ابنى هرون إنهما قدما ناراً غريبة (لم يأمرهما بها)، فالحالة الأولى توضح حلاوة الطاعة والامتثال لأوامر الرب والخضوع لكلمته، بينما الحالة الثانية ترسم صورة مؤلمة للمخالفة والتمرد والعصيان واعتماد الإنسان على أفكاره.

4- وقدما نارا غريبة : ما أكثر أن نقدم لله ناراً غريبة فى حياتنا اليومية كمؤمنين: فالعبادة الظاهرية المبنية على الرياء والنفاق، والعبادة الآلية الصورية التى نقوم بها لمجرد العادة وليست للشركة العميقة مع الله، والخدمة المبنية على الذاتية أو حب الظهور أو الكسب المادى، وسلوك المؤمن فى حياته اليومية كأهل العالم وهو لا يميز بين اللائق وغير اللائق….. كل هذه نار غريبة وبخور غريب لم يأمر الرب بهما، لا يقبلهما الرب ولا يسر بهما، بل بالعكس يجلبان غضب الرب وسخطه. فانظر أيها الحبيب لئلا تتصرف بغير لياقة فتقدم لله ناراً غريبة بقصد أو بغير قصد، بعلم أو بجهالة فى عبادتك أو فى خدمتك، واحذر أن تكون هناك تصرفات غريبة لم يأمر بها الرب، تشوه جمال حياتك كابن من أبناء الله.

2- فخرجت نار من عند الرب وأكلتهما فماتا أمام الرب.

1- كان عقابهما أن (خرجت نار من عند الرب) أى من قدس الأقداس أو من القدس و (أكلتهما) أى قتلتهما ولكنها لم تحرق جسديهما ولا حتى ملابسهما. (فماتا أمام الرب ) أى فى الموضع الذى أخطأا فيه ويغلب أن يكون هذا فى الدار الخارجية أمام باب الخيمة (ع4).

2- لقد عاملهما الله بالعدل لأنه بنفس الشىء الذى أخطأا فيه عاقبهما الله، فلقد قدما ناراً غريبة فقتلتهما (نار من عند الرب)، وهكذا الشرير يعلق بعمل يديه (مز9: 16).

3- ما كان أعظم الفرق بين النار التى خرجت من عند الرب وأحرقت الذبائح وكانت علامة مسرة الرب ورضاه (ص9: 24)، وبين هذه النار التى أكلت ناداب وأبيهو وكانت علامة غضب الرب وانتقامه، ولماذا ؟ لأن الجميع كانوا أولاً مطيعين للرب عاملين بما أمر به، ولكن إذ أخطأ الكاهنان حاق بهما هذا العقاب.

4- لم يكن الرب قاسياً فى معاملته لهما، لأنهما كانا كاهنين للرب، بل من ضمن المؤسسين للكهنوت اللاوى، إن هرون وبنيه كانوا باكورة هذا الكهنوت، وقد عمل ابناه هذه المخالفة فى أول حياتهما الكهنوتية وأمام الشعب، وبالتالى كان استهتارهما برتبتهما وبواجبهما عثرة لشعبهما، بل ولجميع الأجيال التى تأتى بعدهما، لذلك كان عقابهما عادلاً ورادعاً لكل من تسول له نفسه أن يستهين بوصايا الله وبكلمته أو بالخدمة المقدسة، أو بمجده تعالى.

5- قتلتهما النار ولكنهما لم يحترقا، وحتى ملابسهما لم تحترق مع أن النار من طبيعتها أن تحرق وتلاشى وتدمر، وهذه صورة من صور كثيرة نرى فيها أشياء تتغير فى طبيعتها وإن كانت تبقى على حالتها مثال ذلك النار التى اشتعلت فى العليقة ولم تحرقها (خر3: 2)، ومياه البحر الحمر التى وقفت ندين كأنها يابسة، ونار آتون بابل التى لم تحرق الفتية الثلاثة، ومثال ذلك أيضاً الخبز والخمر فى سر العشاء الربانى اللذين يتحولان إلى جسد الرب ودمه حقيقة مع بقائهما على شكليهما (انظر شرح خر15: 8).

3- فقال موسى لهرون هذا ما تكلم به الرب قائلاً فى القريبين منى أتقدس وأمام جميع الشعب أتمجد فصمت هرون.

تكلم موسى إلى هرون باعتباره الوسيط بين الشعب وكهنته وبين الله والنبى الذى يبلغهم كلمة الرب ويرشدهم، وفى كلامه إلى هرون تذكير بأعمال الله وأحكامه العادلة وشريعته المستقيمة، وبالتالى فيه تعزية ومواساة لهرون. والكتاب المقدس يقول (عزوا بعضكم بعضاً بهذا الكلام اتس4: 18).

(هذا ما تكلم به الرب) مما يدل على أن الرب كان قد لقن موسى مثل هذا القول وربما لقنه موسى لأخيه من قبل، وقد سبق الرب فأنذرهم بإنذارات كثيرة مماثلة منها قوله (وليتقدس أيضاً الكهنة الذين يقتربون إلى الله لئلا يبطش بهم الرب خر19: 22).

(فى القريبين منى أتقدس) إن القريبين منه هم أتقياؤه وخدامه وهم أولى الناس بإطاعة وصاياه، والرب يتقدس فيهم سواء بإكرامهم إزاء تقواهم وأعمالهم الحسنة، أو بمعاقبتهم سريعاً إذا أخطأوا وزلوا، والمؤمن إذا قصر فى تمجيد الله فى حياته تمجد الله فيه بمعاقبته وتأديبه لأن الله يغار على مجده.

(وأمام جميع الشعب أتمجد) إن خطايا القريبين من الله خصوصا من كهنته وخدامه تكون ظاهرة جداً أمام الشعب لأنهم المعلمون والقادة، بل قدوته ومثله العليا، وخطيتهم تكون عثرة لشعبهم، ولذلك يعاقبهم الله علناً أمام شعبه حتى يتأكد الشعب من غيرته تعالى على مجده وكرامة خدمته.

(فصمت هرون) صمت إزاء أحكام الله العادلة لأنه لمس تعدى ابنيه.

ولقد كان موقفه كموقف أيوب الذى لم يعارض عمل الله بل قال ( ماذا أفعل لك يا رقيب الناس أى7: 20)، وكموقف عالى الكاهن الذى إذ أعلن الله سخطه عليه وعلى ابنيه قال (هو الرب، ما يحسن فى عينيه يعمل 1صم3: 18) وكموقف داود الذى قال (صمت لا أفتح فمى لأنك أنت فعلت مز39: 9). والمؤمن إذا عوقب إزاء ذنب اقترفه، أو إذا جرب بتجربة ما، يجب عليه أن يصبر ويصمد ولا يقاوم ولا يعارض.

4- فدعا موسى ميشائيل والصافان ابنى عزيئيل عم هرون وقال لهما : تقدما ارفعا أخويكما من قدام القدس إلى خارج المحلة.

5- فتقدما ورفعاهما فى قميصيهما إلىخارج المحلة كما قال موسى.

1- (ميشائيل والصافان) هما ابنا (عزيئيل) عم هرون ورد ذكرهما فى سفر الخروج (ص6: 18-22) ويعتبران بالتالى ابنى العم لأولاد هرون، وقد دعاهما موسى لحمل ناداب وأبيهو لدفنهما خارج المحلة، ولم يدع أخويهما اليعازار وإيثامار بالنسبة لجرحهما الدامى فى موت أخويهما من جهة وبالنسبة لأنهما كانا كاهنين ولم يكن للكاهن الذى يؤدى الخدمة المقدسة أن يترك بيت الله إذا نعى إليه أحد أقاربه (شرح ص21: 12).

وقد قال لهما موسى (تقدما وارفعا أخويكما من قدام القدس إلى خارج المحلة) والمقصود بذلك قريبيكما وقد دعى القريب أخا فى مواضع كثيرة (تك13: 8،29: 15، تث18: 7،15….) ومثل ذلك دعوة أقارب الرب يسوع بالجسد إخوة له (قارن مت12: 46،13: 55 مع مت27: 56، مر6: 3،15: 40،47، يو19: 25).

¥ (ومن قدام القدس) أى من أمام باب الخيمة، و(إلى خارج المحلة) أى إلى المقابر، وفى الغالب كان الموتى يدفنون فى الرمال بالنسبة لارتحالاتهم وعدم استقرارهم.

2- تقدم ميشائيل والصافان ورفعا الكاهنين فى قميصيهما، أى فى الملابس الكهنوتية، وكان هذا علامة مجد وتكريماً لرجال الكهنوت.

أمر موسى لهم بعدم البكاء (ع6-7)

وقال موسى لهرون والعازار وإيثامار ابنيه لاتكشفوا رؤوسكم ولاتشقوا ثيابكم لئلا تموتوا وبسخط على كل الجماعة. وأما إخوتكم كل بيت إسرائيل فيبكون على

الحريق الذى أحرقه الرب.

1- أمر موسى هرون وابنيه الباقيين ألا يكشفوا رؤوسهم أو يشقوا ثيابهم من أجل الكاهنين الميتين، وقد كان الناس يكشفون الرؤوس وينكشون الشعر ويشقون الثياب فى حالات الحزن، وكهنة العلى، بل وجميع أولاد الله لا يليق بهم أن يتشبهوا بأهل العالم. وقد أضاف إلى ذلك قوله (لئلا تموتوا ويُسخط على كل الجماعة)، لأن خطية الكاهن مخالفة قد يعاقب عليها بالموت، بل قد يغضب الرب على الشعب كله بسببها لأنه ممثل الشعب ونائبه.

2- أما باقى الشعب فقد صرح لهم أن يبكوا على (الحريق الذى أحرقه الرب )، أى على الكاهنين اللذين قتلتهما النار. وقوله (وأما إخوتكم) أى باقى الشعب من جميع الأسباط، ومثل ذلك قول الكتاب على لسان موسى النبى (يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك مثلى له تسمعون تث18: 15) وبكاء الشعب كان تكريماً للكاهنين الميتين ومشاركة للأسرة المكلومة فى حزنها. والرب يقول (فرحاً مع الفرحين وبكاءً مع الباكين رو12: 15).

7- ومن باب خيمة الاجتماع لا تخرجوا لئلا تموتوا. لأن دهن مسحة الرب عليكم. ففعلوا حسب كلام موسى.

أمرهم ألا يخرجوا من باب الخيمة، والمقصود ألا يخرجوا خارج دار الخيمة. وأنذرهم قائلاً (لئلا تموتوا) لأن مخالفتهم للرب تعرضهم للموت.

(لأن دهن مسحة الرب عليكم):

( أ ) إنهم دهنوا بالمسحة المقدسة وأصبحوا مكرسين ومقدسين للرب. وأولاد الله فوق جميع الظروف، وخدمة الرب فوق جميع العلاقات البشرية، لأن نعمة الرب تعطى قوة لجميع كهنته وخدامه فلا يحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم (1تس4: 13)، وجميع ما يقع لخدام الله لا يقعدهم عن واجبهم الروحى أو عن خدمتهم، فضلاً على أن لمس جثث الموتى بوجه عام كان يعتبر نجاسة (عد19: 11-13) فلا يسوغ لكاهن فى الخدمة أن يأتيه، وحتى العامى كان لا يجوز له أن يأكل من الأشياء المقدسة فى ظروف الحزن فبالأولى الكهنة (تث26: 14).

(ب) إن دهن المسحة يشير إلى الروح القدس، والروح القدس هو المعزى (البارقليط) الذى يمنح المؤمنين تعزية فى أحرج الأوقات ويضئ لهم فى أحلك الظروف.

(ج) لقد علمنا السيد المسيح أن خدمته يجب أن تكون فوق كل الاعتبارات وكل العلاقات حتى أنه قال للشاب الذى تردد فى أن يتبعه محتجاً بأنه ماضٍ ليدفن أباه : ( دع الموتى يدفنون موتاهم وأما أنت فاذهب وناد بملكوت الله لو9: 59،60)، كما سن قانوناً إلهياً بقوله (إن كان أحد يأتى إلىَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً لو14: 26)، وهو لا يقصد بذلك أن يقسو الإنسان على أقاربه أو يجفوهم، بل ألا يجعل علاقته بهم تعوقه عن خدمته.

أمر الرب لهم بعدم شرب الخمر (ع8-11)

8- وكلم الرب هرون قائلاً.

9- خمراً ومسكراً لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكى لا تموتوا. فرضاً دهرياً فى أجيالكم.

10- وللتمييز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر.

11- ولتعليم بنى إسرائيل جميع الفرائض التى كلمهم الرب بها بيد موسى.

1- تكلم الرب هنا إلى هرون مباشرة دون أن يوسط موسى لأن هرون أصبح رئيس كهنة من جهة، ولكى يرفع من معنوياته ويعزيه فى ظرفه المؤلم، ولكى يذكره بواجبات الخدمة المقدسة ويحذره مما قد يعرضه للخطأ. وقد نبهه ألا يشرب هو أو أحد رجال الكهنوت الخمر عند دخولهم خيمة الاجتماع لئلا يعاقبهم الرب بالموت. ولماذا ؟ لأنها قد تفقد الكاهن صوابه فلا يستطيع التمييز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر، وبالتالى لا يستطيع أن يعلم شعبه فرائض الله. ويا ليت شعرى كيف يليق بالشفتين اللتين تنطقان بكلمة الله أن ترشفا من كأس الخمر، وكيف يسوغ لخدام الله أن يحثوا الشعب على البعد عن الخمر وهم لا يستطيعون أن يحكموا أنفسهم.

ويستنتج بعض المفسرين من هذا النص أن ابنى هرون ربما كانا سكرانين فأتيا عملهما المخالف لأوامر الله.

2- وإذا كان هذا واجب الكهنة وخدام الله فهو أيضاً واجب كل المؤمنين الذين يعتبرون أولاد الله وهياكل للروح القدس ورسائل حية للرب يسوع. وقانوننا نحن المؤمنين أن نتباعد لاعن الشر فقط، بل أيضاً عن شبه الشر (1تس5: 22)، وعما قد يؤدى إلى الشر، وعما فيه أية عثرة للآخرين أو تشويه لسمعتنا كأولاد الله (مت18: 7، رو14: 21).

موسى يأمرهم بأكل نصيبهم من التقدمة وذبائح السلامة (ع12-15)

12- وقال موسى لهرون والعازار وإيثامار ابنيه الباقيين خذوا التقدمة الباقية من وقائد الرب وكلوها فطيراً بجانب المذبح لأنها قدس أقداس.

13- كلوها فى مكان مقدس لأنها فريضتك وفريضة بنيك من وقائد الرب.

14- وأما صدر الترديد وساق الرفيعة فتأكلونها فى مكان طاهر أنت وبنوك وبناتك معك لأنهما جُعلا فريضتك وفريضة بنيك من ذبائح سلامة بنى إسرائيل.

15- ساق الرفيعة وصدر الترديد يأتون بهما مع وقائد الشحم ليرددا ترديداً أمام الرب. فيكونان لك ولبنيك معك فريضة دهرية كما أمر الرب.

ذكَّر موسى هرون وابنيه أن يأكلوا أنصبتهم من التقدمة الطعامية ومن ذبائح السلامة وهى عبارة عن :

1- التقدمة الطعامية الملتوتة بالزيت كلها (ص9: 4) فيما عدا تذكارها الذى كان يوقد على المذبح مع اللبان ومقداره قبضة اليد (ص2: 1-3،9: 4)، وكان هذا النصيب قدس أقداس فلا يأكله إلا الكهنة والذكور من بنيهم (بجانب المذبح) أى فى دار الخيمة (ص6: 14-18).

2- صدر الترديد وساق الرفيعة من ذبيحة السلامة وكانت ثوراً وكبشاً (ص9: 4)، وكان الصدر والساق يرددان مع الشحم أمام الرب ثم يوقد الشحم على المذبح للرب ويأكل الكهنة الصدر والساق. وكان هذا النصيب يؤكل فى مكان طاهر من المحلة ويشترك فيه الكهنة وبنوهم وبناتهم (ص7: 28-35).

وقد اعتبرت هذه الأنصبة فريضة دهرية مادام الكهنوت اللاوى قائماً.

الحديث عن تيس الخطية (ع16-20)

16- وأما تيس الخطية فإن موسى طلبه فإذا هو قد احترق. فسخط على العازار وإيثامار ابنى هرون الباقيين وقال.

17- ما لكما لم تأكلا ذبيحة الخطية فى المكان المقدس لأنها قدس أقداس وقد أعطاكما إياها لتحملا إثم الجماعة تكفيراً عنهم أمام الرب.

18- إنه لم يؤت بدمها إلى القدس داخلاً. أكلاً تأكلانها فى القدس كما أمرت.

1- كانت القاعدة أن الكهنة يأكلون لحم ذبائح الخطية التى لا يدخل بدمها إلى القدس وكان أكلهم لأنصبتهم من الذبائح يعتبر قبولاً من الرب للذبيحة، مثله كمثل أكل نار الرب لها، ومثل إيقادها على المذبح. أما ذبائح الخطية التى يُدخل بدمها إلى القدس فلا يسوغ لأحد الأكل منها بل كان لحمها يحرق خارج المحلة ( ص4: 11،12،21،16: 27). وقد كانت ذبيحة الخطية عن الجماعة عن خطية عُملت سهواً ثم عُرفت، ثوراً من البقر وكان لحمه يحرق خارجاً لأن دمها يُدخل به إلى القدس (ص4: 13-21).

أما ذبيحة الخطية عن الجماعة فى هذه المرة فكانت تيساً من المعز، ولم يُدخل بدمها إلى القدس ربما لأنها لم تكن عن خطية محددة بل كانت عن الخطايا بوجه عام، ولذلك كان من الواجب على هرون وبنيه أن يأكلوها لأنها قدس أقداس أى كاملة القداسة ومقدسة لهم تقديساً كاملاً. وقد كان يأكلها الذكور فقط والمقصود (بالمكان المقدس) و(بالقدس) هنا دار الخيمة.

2- والتمس موسى التيس الذى ذبح ذبيحة خطية فعرف أن هرون وبنيه أمروا بحرقه ربما على المذبح أو فى الغالب خارج المحلة، فسخط موسى على ألعازار وإيثامار وانتهرهما ووبخهما على عدم أكل لحم التيس، وربما لم يسخط على هرون مراعاة لمركزه كرئيس كهنة ومراعاة لظرفه القاسى أيضاً.

19- فقال هرون لموسى. إنهما اليوم قد قربا ذبيحة خطيتهما ومحرقتهما أمام الرب وقد أصابنى مثل هذه فلو أكلت ذبيحة الخطية اليوم هل كان يحسن فى عينى الرب .

تكلم هرون نيابة عن ابنيه لأنه كان شريكاً لهما ومرشداً لهما فى العمل وقد قال لموسى فى تبرير عدم أكلهم للذبيحة:

¥ (إنهما اليوم قد قربا ذبيحة خطيتهما ومحرقتهما أمام الرب وقد أصابنى مثل هذه): أى أنهما لم يقصرا فى الطقس المقدس بل قدما مع أخويهما ذبيحة الخطية والمحرقة، وقد أدينا جميعاً واجبنا على خير وجه ومع ذلك عاقبنا الله بفقد اثنين من الأسرة.

(فلو أكلت ذبيحة الخطية اليوم هل كان يحسن فى عينى الرب ؟ ): أى فلو إننا تجاسرنا وأكلنا من ذبيحة الخطية اليوم ونحن مثقلون بالحزن وقلوبنا مشغولة بالتجربة، بل وفى نفس الوقت ونحن موصومون بعار الخطية الذى أخطأ به ابناى والعقاب الذى حاق بهما، هل كان يليق بنا الأكل من الذبيحة وهو جزء من العبادة ؟ وهل كان الله يرضى بالعبادة بقلوب مشغولة، ومن أشخاص يشملهم عار الخطأ ؟

20- فلما سمع موسى حسن فى عينيه.

1- سمع موسى اعتذار هرون فاقتنع. واقتناع موسى دليل على تواضعه وإنكاره لذاته. والرؤساء يجب ألا يتشبثوا بآرائهم، بل يقبلوا الحق حتى إن كان من مرؤوسيهم.

2- كان استحسان موسى لرأى هرون أيضاً تقديراً لظروفه وتجربته، ومن اللائق بنا أن نلاحظ ظروف الناس ونقدرها حتى إن صدر منهم أحياناً شئ من الخطأ أو التقصير، ولقد قال أيوب الصديق (حق المحزون معروف من صاحبه أى6: 14)، وقال بطرس الرسول (ولكن قبل كل شئ لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا 1بط4: 8).

مسائل روحية ورمزية تتعلق بالكهنوت

المسألة الأولى هرون كمثال للرب يسوع المسيح

فى حياة هرون، وفى الكهنوت اللاوى بوجه عام، رموز تشير إلى المقاصد الإلهية التى تحققت فى عهد النعمة. ومما نلاحظه فى هذا الشأن :

يرمز هرون إلى الرب يسوع من نواحٍ كثيرة وإن كانت هناك فروق عظيمة بين المرموز إليه وبين الرمز. ومن أوجه الرمز ما يأتى :

1- فى وظيفته كرئيس كهنة: كان هرون هو المفرز على يد موسى لرئاسة الكهنوت لشعب الله القديم ومن المعروف أن ربنا يسوع المسيح هو رئيس كهنة كنيستنا فى العهد الجديد. ولقد تكلم الرسول فى رسالته إلى العبرانيين بوضوح وتفصيل عن كهنوت المسيح (ص4-10)، وهو يحث المؤمنين على أن يعترفوا بفاديهم ويتمسكوا به كرئيس كهنتهم الأعظم حيث يقول (فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار عب4 :14)، (من ثم أيها الإخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية لاحظوا رسول اعترافنا ورئيس كهنته المسيح يسوع عب3: 1).

2- فى الدعوة للخدمة: إن هرون دعى من الرب ليكون رئيساً للكهنة، كما دعى أولاده ليكونوا كهنة معه. ويقول الرب لموسى فى ذلك الشأن (وقرب إليك هرون أخاك وبنيه معه من بين بنى إسرائيل ليكهن لي. هرون ناداب وأبيهو العازار وإيثامار بنى هرون خر28: 1). لم يعينه موسى من تلقاء نفسه. ولم يقتحم هو وظيفته اقتحاماً، وإنما كان تعيينه وتعيين بنيه بأمر من الله نفسه، وبدعوة خاصة منه، وفى هذا يقول الرسول (ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضاً عب5: 4).

وعندما تذمر قورح وداثان وأبيرام على هذا الأمر وفكروا فى أن يغتصبوا وظيفة الكهنوت لأنفسهم دانهم الله وعاقبهم (عد16).

وكهنوت المسيح له المجد معين فى قصد الله وتدبيره وعلمه السابق منذ الأزل لكى يكمل به فداء البشر وخلاصهم، ولذلك فالرسول بعد أن تكلم عن دعوة الله لهرون وتعيينه قال : (كذلك المسيح أيضاً لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذى قال له أنت ابنى أنا اليوم ولدتك، كما يقول أيضاً فى موضع آخر أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق عب5: 5،6).

3- المشاركة المقدسة: كان هرون من بين إخوته بنى إسرائيل، لأنه من سبط لاوى أحد أسباطهم، كان واحداً منهم يشترك معهم فى التاريخ الواحد، وفى الانتساب المبارك لأبينا إبراهيم، وله نفس مشاعرهم وصفاتهم وآمالهم، وبذلك يستطيع أن يرثى لهم ويرعاهم برفق وحنو كواحد منهم (لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس فيما لله لكى يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا، قادر أن يترفق بالجهال والضالين إذ هو أيضاً محاط بالضعف عب5: 1،2).

والرب يسوع إذ دبر أن يصير رئيس كهنة للخيرات العتيدة، سر بأن يكون منا، من لحمنا ودمنا، يشترك معنا فى العواطف وفى التعب وفى كل شئ ماخلا الخطية وحدها. وهنا حكمة إلهية بالغة فى سر التجسد المنيف حيث رضى الذى لا يُرى أن يُرى، والذى لا يحد سر أن يظهر فى صورة الإنسان المحدود، والغير الزمنى ولد من العذراء البتول لما كمل ملء الزمان.

بهذا التجسد العجيب دعى يسوع أخاً بكراً للمؤمنين (رو8: 9)، ودعاهم جميعاً إخوه له (عب2: 11)، وجعلهم ينتسبون مثله إلى الآب السماوى، وإذ هو ابن الله بالطبيعة والجوهر، جعلهم أيضاً أبناء الله بالنعمة والتبنى لأن كل الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه (يو1: 12) ويقول الرسول عن هذه المشاركة السامية والوحدة العجيبة بين الرب وبين شعبه : (لأن المقدس والمقدسين جميعهم من واحد فلهذا السبب لا يستحى أن يدعوهم إخوة قائلاً : أخبر باسمك إخوتى وفى وسط الكنيسة أسبحك، وأيضاً أنا أكون متوكلاً عليه، وأيضاً ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله عب2: 11-13).

وفى سر التجسد أمر عجيب للغاية. لأن محبة ابن الله ألزمته أن يشترك معنا فى لحمنا وفى دمنا لكى يبيد الشيطان وأعمال الظلمة التى حاكها لنا منذ القدم، ولكن كيف تم ذلك ؟ بموته عنا على الصليب (فإذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت أى إبليس عب2: 14).

وفى تجسده العجيب قبل متاعبنا وتجاربنا، وصار كواحد منا، يرثى لضعفاتنا ويعيننا فى تجاربنا ويسندنا فى سيرنا فى أضيق المسالك وأحلك الطرق، لأنه سار فيها قبلنا، والشخص الذى جاز الألم بذاته واختبره، يسر بحق أن يواسى المتألمين، ويعزيهم ويساندهم، ( من ثم كان ينبغى أن يشبه إخوته فى كل شئ لكى يكون رحيماً ورئيس كهنة أميناً فيما لله حتى يكفر خطايا الشعب، لأنه فيما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين عب2: 17،18)

ونحن نفتخر جداً بهذه الشركة المقدسة التى جعلتنا واحداً مع رئيس كهنتنا، بل أهلتنا لنكون شركاء الطبيعة الإلهية (2بط1: 4)، وصيرتنا واحداً مع الآب والابن والروح القدس الله الواحد، حسب قوله المبارك فى طلبته من أجل شعبه : (ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط بل أيضاً من أجل الذين يؤمنون بى بكلامهم، ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فىَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا يو17: 20،21).

ونحن نتشجع ونتقوى جداً بمخلصنا الذى يبالى بنا، ويرثى لضعفاتنا، إذ أخذ طبيعتنا التى جعلها واحداً مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير وإذ صار واحداً منا، وأخاً بكراً لنا، يسر ويرضى أن يخلصنا إلى التمام بقدرته الإلهية الفائقة ( لأنه ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثى لضعفاتنا بل مجرب فى كل شئ مثلنا بلا خطية. عب4: 15).

4 – ثياب رئيس الكهنة: أمر الرب موسى أن يقرب هرون وبنيه لتقديسهم لخدمة الكهنوت. وقد كان من أهم الخطوات فى طقس التقديس أن يلبسهم ثياباً كهنوتية مقدسة للمجد والبهاء (خر28: 2) لكى يخدموا الرب فى زينة مقدسة (مز29: 2). وكانت ثياب هرون كما رأينا فى سفر الخروج (ص28) تشتمل على:

( أ ) الرداء (الأفود): وكان منسوجاً من خيوط الذهب والأسمانجونى والبوص والقرمز والأرجوان.

والذهب : يشير إلى المجد والجلال، كما أنه يشير إلى ملك المسيح الأبدى. ولقد قدم المجوس ذهباً بين هداياهم للمسيح الملك المولود (مت2: 11)، وأعلن الملاك فى بشارته قائلاً : (ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولايكون لملكه نهاية لو1: 32،33).

وقد أعلن المسيح عن ذاته أنه ملك، ولكن مملكته ليست من هذا العالم الزائل (يو18: 36)، وأعلن الوحى عنه أنه ملك الملوك ورب الأرباب (1تى6: 15، رؤ17 :14،19: 16).

والأسمانجونى هو اللون الأزرق الذى يمثل زرقة السماء، ويشير إلى سماوية الخدمة وروحانيتها، ومن الناحية الرمزية يشير إلى سماوية المسيح وخدمته، لأن المسيح قد جاء بالحقيقة من السماء وخرج من عند الآب لفداء البشر  وهو فى نفس الوقت مالئ السموات والأرض حيث يقول عن نفسه ( وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء يو3: 13)، كما يعلن عن سر تجسده وتأنسه بقوله (خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم وأيضاً أترك العالم وأذهب إلى الآب يو16: 28)، ولأن خدمة المسيح سماوية، فقد حدث المؤمنين به عن الله الواحد المثلث الأقانيم (مت28: 19) وحدثهم أحياناً عن الآب وأحياناً عن الابن (يو5: 19-23، 11: 4، 15: 1…..إلخ ) أو عن الروح القدس (يو14: 26،15: 26)، وأعطاهم أن يعرفوا أسرار ملكوت السموات (مت13: 11)، وحدثهم عن كل ما هو سماوى ينير الأذهان البشرية ويرفع من مكانتها ويوسع مداركها الروحية، كحديثه مثلاً عن الولادة الجديدة التى يولد بها الإنسان من فوق، ومن الماء والروح (يو3: 3-7)، وعن جسده ودمه اللذين يتناولهما المؤمنون تحت أعراض الخبز والخمر (مت26: 26-29، يو6: 32-58…..)، وعن السلوك المسيحى السامى، وعن محبة الله الفائقة للبشر التى دفعته حتى إلى بذل ابنه الوحيد لأجلها (يو3: 16)، وعن الخلاص العجيب، وعن قيامته من الأموات، ومجيئه الثانى ليدين العالم، وعن حياة الدهر الآتى إلى غير ذلك. ومن ثم فإن أتباع المسيح يتمتعون بهذا الجلال الروحى، ويشعرون وهم على الأرض أن قلوبهم فى السموات حيث كنوزهم السماوية الثمينة (مت6: 21)، بل أن ملكوت السموات ذاته داخل قلوبهم (لو17: 21)، ومن أجل ذلك يحيون حياة أولاد الله، كأنهم ليسوا من العالم (مت15: 19) إذ أن (سيرتنا نحن هى فى السموات فى3: 20).

أما القرمز والأرجوان : وهما درجتان من درجات اللون الأحمر، فهما من ثياب الملوك والعظماء أيضاً، ولكنهما فى نفس الوقت يشيران إلى الدم وإلى التضحية والبذل والفداء. وكل هذه قد ظهرت فى موت المسيح معلقاً على الصليب لأجل فداء البشر وخلاصهم.

والبوص: هو الكتان النقى ويشير إلى النقاوة التى يجب أن يكون عليها كهنة الله وخدامه وشعبه، ولذلك فهو مثال لحياة الرب يسوع البار القدوس (أع3: 14،7: 52)، وهو يشير أيضاً إلى تبررات القديسين التى بررهم بها مخلصهم الصالح (رؤ19 :8). وليس من يعطى البشرية عتقاً من خطاياها وتبريراً من آثامها وتطهيراً من لوثاتها إلا شخصه المبارك الأحد إذ “ليس بأحد غيره الخلاص” (أع4: 12) وفى هذا يقول الوحى الإلهى (فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح رو5: 1).

(ب) الجبة: وقد كانت من القماش الأزرق وبأهدابها رمانات وأجراس، والرمانات تشير إلى الحياة والأجراس تشير إلى المجاهرة بكلمة الله فى خدمة الكهنوت المقدسة. والمسيح له المجد هو رب الحياة ومانحها، بل هو الحياة نفسها إذ أعلن عن نفسه قائلاً (أنا هو القيامة والحياة يو11: 25) و(أنا هو الطريق والحق والحياة يو 14: 6)، وقد جاء إلى العالم ليعلن كلمة الحياة وينادى بالعتق والحرية للمأسورين (لو4: 18)، كما أعطى لرسله وخدامه أن ينادوا هم أيضاً ببشارة الملكوت، وينشروا إنجيل الخلاص بالتعليم والتبشير والكرازة فى جميع العالم (مت28: 19-20).

(ج ) القميص والسراويل: وكانت أيضاً من البوص النقى.

(د ) أما العمامة: التى كان يلبسها رئيس الكهنة على رأسه فكانت كتاج، إشارة إلى سلطته الروحية على شعبه، وإكليل الذهب الذى كتب عليه (قدس للرب) فيه إعلان إلى أنه هو وشعبه وخدمته، كل هذا مقدس للرب. والمسيح ملك الملوك ورب الأرباب قدس ذاته لأجل تنفيذ مقاصد الله فى خلاص البشر، وقدس ذاته لأجل شعبه كما أعلن بفمه الطاهر : (لأجلهم أقدس أنا ذاتى ليكونوا هم أيضاً مقدسين فى الحق يو17: 19).

(هـ) ورئيس الكهنة كان يلبس على صدره صدرة القضاء التى كان بداخلها الأوريم والتميم، وكان هذا يعنى أمرين : (الأول) أنه كان يعلن للناس عن طريق الأوريم والتميم مقاصد الله ومشيئته فى الأمور التى كانوا يطلبون الاستنارة من أجلها (والثانى) أن رئيس الكهنة كان له سلطان القضاء والحكم بموجب النور والإرشاد اللذين ينير الله بهما الطريق أمامه.

والمسيح إلهنا هو الذى فى تجسده أعلن لنا الله الآب، والروح القدس الذى وعد به تابعيه، وكشف لنا عن مقاصد الله فى خلاص البشر، وبالجملة فقد أعطى المؤمنين به أن يعرفوا أسرار ملكوت السموات كما مر بنا. وفى نفس الوقت فإن للمسيح وحده الحق فى أن يقضى للمسكونة ويدين العالم إذ هو الديان العادل الذى يأتى ويجازى كل واحد كما يكون عمله (رؤ22: 12).

(و) وقد كان هرون يشد الرداء بزنار (خر28: 8) ويتمنطق أيضاً بمنطقة على وسطه (خر28: 39) وفى كل من الزنار والمنطقة صورة للتأهب للعمل والخدمة بعزم وقوة واستعداد كامل. والمسيح كان يجول يصنع خيراً (اع10: 38) ولطالما خدم البشرية بمسرة حتى قال عن نفسه ( لأن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين مر10: 45) وقال لتلاميذه ( طعامى أن أعمل مشيئة الذى أرسلنى وأتمم عمله يو4: 34).

(ز) ولا يجب أن ننسى أن أسماء أسباط بنى إسرائيل الاثنى عشر قد نقشت على حجرين من الجزع يثبتان على كتفى هرون، كما نقشت أيضاً على اثنى عشر حجراً كريماً مرصوصة على الصدرة التى كان يلبسها على صدره ولقد عرفنا أن الكتف رمز القوة والصدر والقلب رمز المحبة والحنان، ومن هذا فكان رئيس الكهنة يحمل شعبه بكل متاعبهم ومشاكلهم وخطاياهم بكل قوته وعزيمته، وفى قلبه وأحشائه التى اتسعت لهم.

وهذه بلا شك صورة باهتة جداً بالنسبة لمحبة ابن الله للكنيسة التى أحلها فى قلبه، وحمل كل أثقالها ومشاكلها وخطاياها وأوزارها ونقائصها، لا كإنسان محاط بالضعف مثل هرون وخلفائه من بعده، بل كابن الله الوحيد القادر أن يخلص إلى التمام.

ومن جهة الثياب البهية بوجه عام فإن الله الكلمة قد تجلى فى العهدين بأنواع وطرق متنوعة، ورآه رجال الله وهو يلبس ثياباً للمجد والبهاء. فإشعياء رآه جالساً على  كرسى عال وأذياله تملأ الهيكل (إش6: 1)، وحزقيال رأى شبه مجد الرب له لمعان باهر فى شبه منظر النار ولها لمعان من حولها كمنظر قوس قزح البهى (حز1: 27-28)، وبطرس ويعقوب ويوحنا رأوا سيدهم يتجلى على الجبل حيث أضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وكالثلج (مت17، مر9)، ورآه يوحنا الحبيب أيضاً فى رؤياه وهو فى وسط السبع مناير التى تشير إلى كنائس آسيا وقتئذ وهو يتسربل بثوب إلى الرجلين ومتمنطق بمنطقة من ذهب عند ثدييه، ورأسه وشعره أبيضان كالصوف الأبيض وكالثلج وعيناه كلهيب نار ورجلاه شبه النحاس النقى ووجهه كالشمس وهى تضئ فى قوتها ( رؤ 1: 12-16)، وقد رآه مرة أخرى وهو يلبس على رأسه تيجاناً كثيرة إشارة إلى سلطانه العام على كل الخلائق (رؤ19: 12).

ومن العجيب أنه حتى الهدايا التى قدمها المجوس للمسيح الملك المولود كانت تشير إلى وظائفه وأعماله: فالذهب يشير إلى ملكه، واللبان إلى ألوهيته وإلى كهنوته أيضاً، والمر يشير إلى وظيفته النبوية، وفى نفس الوقت إلى آلامه.

5- مسح رئيس الكهنة بالدهن المقدس: كان على موسى أن يمسح هرون بالدهن المقدس (خر29: 21) لكى يتقدس تقديساً كلياً للخدمة، ولكى يحل عليه روح الرب بمواهبه ويسنده بالنعم التى تؤهله للخدمة. وقد كان هذا صورة للرب يسوع الذى دعى وحده (المسيح) لأنه مسيح الرب فعلاً، ولكنه لم يمسح بدهن صنعه موسى من مواد عينها له الله، بل مُسح بالروح القدس نفسه لأنه واحد بالجوهر مع أبيه الصالح والروح القدس. وقد ولد له المجد من العذراء البتول ومن الروح القدس الذى حل عليها وطهر أحشاءها (لو1: 35)، وفى عماده نزل الروح القدس من السماء فى شبه حمامة واستقر عليه (مر1: 10، يو1: 32) وهو الذى أعلن عن ذاته وعن عمله قائلاً (روح الرب علىَّ لأنه مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب لأنادى للمأسورين بالإطلاق وللعمى بالبصر وأرسل المنسحقين فى الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة لو4: 18،19) بل قد وعد رسله أن يرسل إليهم الروح القدس (يو15: 6) وقد أعدهم لقبوله بالفعل إذ نفخ فى وجوههم وقال لهم (اقبلوا الروح القدس لو20: 22).

واتحاد الروح القدس بالمسيح اتحاد ذاتى جوهرى أزلى أبدى إذ هو واحد من الثالوث الأقدس وحلوله على المسيح ليس كحلوله على البشر، فالبشر إذ يحل عليهم روح الرب يحل بنعمته وقوته ومواهبه لأنهم ليسوا أقانيم إلهية، أما حلوله فى المسيح فهو حلول أقنومى ذاتى، ونزوله على المسيح أمام الناس كان كعلامة ظاهرة أمامهم ليروا ويؤمنوا ويفهموا حقيقة شخص المسيح وحقيقة رسالته وعمله.

6- غسل هرون وبنيه : غسل موسى هرون غسلاً كاملاً (خر29: 4) لأن الاغتسال الخارجى يشير إلى الاغتسال الداخلى ويحث عليه. وهذا الاغتسال يرمز إلى طهارة المسيح ونقاوته. والغسلات قديماً كانت تشير إلى حد كبير إلى المعمودية فى العهد الجديد التى فيها غسل حقيقى من الخطايا (اع22: 16، 1بط3: 21) ويرتكز عملها على الإيمان بابن الله وفاعلية دمه الكفارى. أما معمودية يوحنا فكانت بماء للتوبة (مر1: 8)، وكانت نوعاً من الغسلات اليهودية، ولذلك جاء اليهود إلى يوحنا معترفين بخطاياهم ومعتمدين منه (مت3: 5). ومخلصنا الصالح رضى أن يعتمد من يوحنا فى نهر الأردن، ليس لأنه كان يحتاج إلى العماد أو إلى الاعتراف أو التوبة، حاشا، لأنه الحمل الذى بلا عيب ولا دنس (1بط1: 19) وهو الذى أشار إليه يوحنا المعمدان نفسه قائلاً (هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم يو1: 29)، ولكن المسيح اعتمد لكى (يكمل كل بر مت3: 15) ولكى يحمل الفرائض برضاه وتدبيره وتواضعه ولكى يعلمنا أن التوبة لازمة لنا، وأن اغتسالنا من الخطية أمر لازم، وأنه إنما جاء لكى يحمل خطايا البشر الذين ينوب عنهم كواحد منهم، ويجعل ذاته كواحد من المذنبين ويموت عنهم، ولكى يعلن فى معموديته الله الواحد المثلث الأقانيم حيث رأى الناس الابن يعتمد فى نهر الأردن والروح القدس فى هيئة جسمية فى شبه حمامة والآب يشهد من السماء قائلاً ( أنت ابنى الحبيب الذى به سررت مر1: 11)، والمسيح اعتمد أيضاً لكى يكون هذا كتأسيس لسر المعمودية المجيد فى عهد النعمة.

فما أعظم وأسمى البر الذى تممه الرب يسوع فى عماده، بل وفى كل خطوة من خطوات حياته المبرورة على الأرض.

7- الخدمة المقدسة: كانت خدمة هرون متشعبة النواحى. وهى تشير إلى حد كبير أيضاً إلى الأعمال التى قام بها الرب يسوع المسيح كاهن شعبه. ونرى من هذه النواحى :

( أ ) النيابة عن الشعب: كان هرون يمثل شعبه وينوب عنهم أمام الله، كما يقوم بالأعمال الروحية التى تشكل واجبات الشعب نحو الله وعلاقتهم به، ويقول الكتاب فى هذا ( لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس فيما لله عب5: 1). ولقد ناب المسيح المبارك عن البشر إذ حمل خطاياهم ورثى لحالهم وتكلم عنهم ومات عوضاً عنهم.

(ب) الرعاية: رئيس الكهنة اعتُبِر راعياً لشعبه، ولقد امتدح الرب كثيراً الرعاة الأمناء، كما ندد بالرعاة المقصرين وهددهم بالعقاب الشديد. والمسيح رئيس كهنتنا هو راعى نفوسنا الأمين وأسقفها البار (1بط2: 25) وقد أعلن عن ذاته (أنا هو الراعى الصالح والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف يو10: 11).

(ج) معلم الشريعة: سلم الرب شريعته لعبده موسى، وكثيراً ما أوصاه أن يخبر هرون لكى يحفظها ويعلمها للشعب، وكثيراً ما وجه كلامه إلى موسى وهرون معاً (لأن شفتى الكاهن تحفظان معرفة ومن فمه يطلبون الشريعة لأنه رسول رب الجنود ملا2: 7).

والمسيح إلهنا إذ تجسد وتأنس كان المعلم الكامل الذى أعطى البشرية شريعة الكمال.

(د) القضاء للشعب: ولقد رأينا أن من عمل رئيس الكهنة القضاء لشعبه، وأنه كان يلبس صدرة القضاء لكى يطلب من الله أن يعرفه مقاصده، ولكى يعلن أيضاً أنه القاضى لشعبه. ولقد عرفنا أيضاً أن المسيح له المجد القاضى العادل لجميع المسكونة الذى يحكم وحده بدون ظلم أو محاباة.

(هـ ) التكفير عن الشعب داخل الأقداس: كان الكهنة العاديون يكفرون عن الشعب باستمرار على مذبح المحرقة النحاسى، ويبخرون على مذبح البخورالذهبى الذى فى القدس. أما رئيس الكهنة فكان وحده هو الذى يجتاز الحجاب إلى قدس الأقداس ليكفر بالدم أمام تابوت عهد الرب كما رأينا فى شريعة يوم الكفارة العظيم (لا16). والرب يسوع هو الذى اضطلع وحده بعمل الكفارة الحقيقى واجتاز أقداس السماء بعد أن شق الحجاب الحقيقى أى جسده. وباجتياز المسيح الأقداس السماوية أصبح لنا الحق فى أن نجتاز إلى السماء أيضاً لأن قائدنا ونائبنا جاز أمامنا وأعد لنا الطريق حسب وعده الصادق ( فى بيت أبى منازل كثيرة وإلا فإنى كنت قد قلت لكم. أنا أمضى لأعد لكم مكاناً وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتى أيضاً وآخذكم إلىَّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً يو14: 2،3). والطريق الوحيد لدخول السماء هو الإيمان بابن الله وقبوله مخلصاً وفادياً والثقة فى دمه وعمله الفدائى، والسير حسب ما يليق بأولاد الله الأمناء إذ قال عن نفسه : (أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى يو14: 6)، (فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أى جسده وكاهن عظيم على بيت الله، لنتقدم بقلب صادق فى يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقى. لنتمسك بإقرار الرجاء راسخاً لأن الذى وعد هو أمين ولنلاحظ بعضنا بعضاً للتحريض على المحبة والأعمال الحسنة…..عب10: 19-24).

(هـ) التشفع فى شعبه: ورئيس الكهنة كأب لشعبه كان يشفع فيهم. والرب يسوع يقوم بنفس العمل بصورة أروع وأسمى وأبقى، فالمؤمنون قد يضعفون ويخطئون، ويعترفون ويتوبون، والمسيح من ناحيته يشفع فيهم دائماً بدالة عمله الكفارى الدائم المفعول، وبه يقبل اعترافنا وتوبتنا فى مراحم الله وفى هذا الأمر العجيب يقول الرسول أيضاً ( وأما هذا فمن أجل أنه يبقى إلى الأبد له كهنوت لا يزول فمن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حى فى كل حين ليشفع فيهم عب7: 24،25)، ويقول القديس يوحنا الحبيب (وإن أخطأ أحد. فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار 1يو2: 1)

8- عصا هرون: عندما تذمر قورح وداثان وأبيرام وجماعتهم على موسى وهرون، وأراد الرب أن يعلن أحقية هرون وبنيه وحدهم فى الكهنوت  إذ هم المدعوون منه فأمر أن يأخذ كل من رؤساء الأسباط عصاه ويضعها فى القدس، وفى اليوم التالى وجدوا أن عصا هرون قد أفرخت وأخرجت فروخاً وزهراً ولوزاً(عد17: 1-8) دليلاً على حقه المقدس فى الكهنوت. وقد كانت لهذه العصا صور معجزية ورمزية عظيمة فى عهد النعمة أيضاً منها:

( أ ) إن العصا كانت تشير إلى حد ما إلى الرب يسوع نفسه الذى قيل عنه (نبت قدامه كفرخ وكعرق من أرض يابسة إش53: 2).

(ب) وهى إذ أورقت وأثمرت تشبه خشبة الصليب التى لم تخرج مجرد أوراق وأزهار وثمر وإنما أنتجت أثماراً أعظم،  هى خلاص البشرية ونجاتها وحياتها. وفى هذا تقول الكنيسة المجيدة فى ألحانها (جابوا عصا هرون على خشبة الصليب التى صلب ربى عليها حتى خلصنا)، والمقصود أنهم طبقوها على خشبة الصليب ومثلوها بها.

(ج) وقد أجمع الآباء على أن عصا هرون التى أزهرت دون أن تزرع فى الأرض أو تسقى بالماء ولم يتعهدها فلاح، رمز واضح إلى العذراء البتول التى حملت وولدت الله الكلمة بدون زرع بشر، وبالتالى فهى دعامة من دعائم الإيمان بسر التجسد العجيب. وفى هذا تقول الكنيسة أيضاً : (أيتها الحمامة النيرة أيتها النعمة الكاملة، يا قضيب هرون الذى أزهر وأثمر ).

9- مجمرة هرون: كان يحمل المجمرة، وفيها جمر النار، وفيها يتضوع البخور الذكى الذى كان يصحب العبادة والصلاة والتشفع من أجل الشعب.

والعذراء أم المخلص شبهت أيضاً بالمجمرة الذهبية، لأنها حملت فى أحشائها جمر اللاهوت دون أن تحترق، ومنها ولد المخلص الذى صار بموته الخلاص للعالم، وهو بفاعلية عمله الفدائى يشفع فى ضعفات المؤمنين وتقصيراتهم وخطاياهم. وما أجمل ما يترنم به المؤمنون : (هذه المجمرة الذهب النقى حاملة العنبر التى فى يدى هرون الكاهن يرفع بخوراً على المذبح )، وما يترنمون به أيضاً ( المجمرة الذهب هى العذراء. وعنبرها هو مخلصنا. ولدته وخلصنا وغفر لنا خطايانا )، و (أنت هى المجمرة الذهب النقى الحاملة جمر النار المبارك ).

المسألة الثانية امتيازات المسيح عن هرون

وإن كان هرون يرمز إلى المسيح من عدة نواح كما رأينا، فإن المسيح يمتاز عن هرون بما لا يقاس وكهنوته يمتاز عن كهنوت هرون وأكثر فاعلية منه من وجوه متعددة، من بينها:

1- نقائص هرون وضعفاته: فهرون كواحد من البشر كان خاطئاً بطبيعته من ناحية الخطية الجدية التى ورثها جميع بنى آدم، وكان علاوة على ذلك معرضاً للضعف والسقوط فى خطايا وزلات شخصية، ولهذا يقول الكتاب (إذ هو أيضا محاط بالضعف عب5: 2).

وقد قرأنا فى الكتاب المقدس أن هرون ضعف أمام إرادة الشعب وصنع لهم العجل الذهبى الذى عثروا به، وقد وبخه موسى على ذلك (خر32)، وقد حرمه الرب من دخول أرض كنعان كما حرم موسى أيضاً لأنهما خانا الرب ولم يمجداه عند ماء مَريبة قادش (عد20: 12) وتكلم مع أخته مريم على أخيهما موسى بسبب زوجته الكوشية فغضب الرب عليهما (عد12: 1،9)، هذا بالإضافة إلى أخطائه التى لم يذكرها الكتاب.

ولأجل هذا الضعف قدمت ذبائح متعددة فى طقس رسامته، محرقات وذبائح خطية وذبائح ملء، وتكرر تقديمها لمدة سبعة أيام (خر29: 35-37)، وحتى بعد رسامته كان عليه أن يقدم باستمرار ذبائح عن نفسه وعن شعبه. وفى هذا يقول الرسول (ولهذا الضعف يلتزم أنه كما يقدم عن الخطايا لأجل الشعب هكذا أيضاً لأجل نفسه عب 5: 3).

أما الرب يسوع فهو وحده البار والقدوس المنزه عن الخطأ أو النقص. لم توجد به الخطية الجدية التى لصقت بالجنس البشرى لأنه ابن الله الوحيد منذ الأزل، وفى تجسده ولد من الروح القدس ومن عذراء بتول لم تعرف رجلاً قدس الروح القدس أحشائها، وبذلك أخذ بإرادته إنسانية كاملة طاهرة اتحدت بلاهوته اتحاداً إلهياً مجيداً. والمسيح الطاهر أيضاً لم يفعل أى خطية فعلية، وقد تحدى اليهود بقوله ( من منكم يبكتنى على خطية ؟ يو 8: 46)، وقد شهد عنه الرسول قائلاً : ( لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات عب7: 26). وانفصال المسيح عن الخطاة يعنى تنزهه عن عمل الخطايا وكماله الذاتى وبره وقداسته إذ هو ابن الله. ويستطرد الرسول فيقول فى مقارنته بين الضعفات التى كانت تحيط بهرون وبنيه وخلفائهم  وبين بر المسيح  ونقاوته : ( الذى ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح أولاً عن خطايا نفسه، ثم عن خطايا الشعب لأنه فعل هذا مرة واحدة إذ قدم نفسه، فإن الناموس يقيم أناساً بهم ضعف رؤساء كهنة. وأما كلمة القسم التى بعد الناموس فتقيم ابناً مكملاً إلى الأبد عب7: 27،28).

وثمة نقطة هامة فى حياة رؤساء الكهنة : إنهم بناء على طبيعتهم البشرية الناقصة كانوا يتعرضون لأن يتنجسوا إذا لمسوا أو تعرضوا لشىء من الأشياء التى اعتبرها الناموس نجسة كجثة الإنسان الميت أو أحد الحيوانات النجسة وما إلى ذلك، وبالتالى فقد كانوا فى حاجة دائمة إلى التطهير من نجاستهم، أما الرب يسوع وحده فلا ينجسه شئ وليس فى حاجة إلى التطهير إذ هو نفسه ينبوع الطهارة، وهو المقدس للأرواح والنفوس.

2- طبيعة الخدمة ومداها: كانت خدمة هرون رمزية إذ أن الناموس ظل للخيرات العتيدة (عب10: 1) أما خدمة المسيح فهى الخدمة الحقيقية الثابتة.

وبناء على هذا فقد كان كهنوت هرون وقتياً، لأن الناموس بكل ما يشتمل عليه من أمور رمزية كان موضوعاً لوقت الإصلاح (عب9: 10)، أى للوقت الذى يتجسد فيه ابن الله. بل إن غاية الناموس هى المسيح (رو10: 4) ولذلك فقد كان الكهنة قديماً يخدمون (شبه السَّمويَّات وظلها عب8: 5) أما كهنوت المسيح فهو الكهنوت السماوى بالنسبة لطبيعته، وهو فى نفس الوقت بالنسبة لمداه الكهنوتى الأبدى الدائم.

3- فى طبيعة هرون كإنسان يموت: إن هرون كبشرى كان معرضاً للموت، وقد مات بالفعل وتولى رئاسة الكهنوت بعده ابنه ألعازار (عد20: 24-29)، وكل رئيس كهنة كان تحت هذا الحكم بعينه كما يقول الكتاب ( وأولئك قد صاروا كهنة كثيرين من أجل منعهم بالموت عن البقاء عب7: 23).

أما ابن الله الكلمة الحقيقى فهو الإله الحى إلى الأبد، الذى وإن كان قد قبل أن يموت على الصليب بالجسد بإرادته، إلا أنه حى فى ذاته، وهو الذى قال عن نفسه (أنا هو الأول والآخر والحى وكنت ميتاً وها أنا حى إلى أبد الآبدين آمين ولى مفاتيح الهاوية والموت رؤ1: 17، 18)، بل هو رب الحياة، والحياة نفسها إذ قال عن ذاته كما رأينا أيضاً ( أنا هو القيامة والحياة يو11: 25)، وهو إذ قام من الموت داس الموت بموته، وصار باكورة الراقدين ( 1كو15: 20) وقد شهد الكتاب عنه قائلاً (الذى وحده له عدم الموت 1تى6: 16).

معنى هذا أن عمل هرون ككاهن كان عملاً وقتياً انتهى بموته، أما كهنوت المسيح فكهنوت أبدى إذ قال عنه الوحى ( أقسم الرب ولن يندم أنت الكاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق مز110: 4)، وذلك لأن فاعلية ذبيحة المسيح فاعلية دائمة، وشفاعته فى أولاده شفاعة دائمة (إذ هو حى فى كل حين ليشفع فيهم عب7: 25)، بل أنه بشخصه وقوته معهم باستمرار، يسندهم ويؤازرهم حسب وعده الصادق : ( وها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر مت28: 20).

4- طبيعة عمله: كان هرون يقدم ذبائح وتكفيرات عن الشعب، ولكن لأجل أى شئ ؟ لأجل الخطايا التى يفعلونها، ثم يعودون فيقعون فيها أو فى غيرها، مما يجعله يعود فيقدم مثل هذه الذبائح باستمرار، وأما الخطية الجدية فلم تستطع دماء كل الحيوانات أن تمحوها. أو تغسلها، ومن المعروف أن الذبائح لم يكن لها فى ذاتها قوة على محو الخطايا التى كان الإنسان يقع فيها، ولكن الله بفرط محبته ورحمته قبلها كفارة عن الخطايا لا لقوة فيها، بل لأنها تحمل الرمز المقدس، الرمز إلى الذبيحة المقدسة الكاملة: ذبيحة ابن الله على الصليب، التى فيها كل القوة وكل الكفاية نحو جميع الخطايا الأصلية والفعلية.

وكان هرون يدخل الأقداس مرة كل سنة ليكفر عن نفسه وعن خطايا شعبه التى فعلوها فى عامهم المنصرم ولكن يا للأسف كان يعود فيقدمها فى العام التالى، وفى العام الثالث وهكذا بدون انقطاع أو توقف. وإلى أى أقداس كان هرون يدخل ؟ إلى الأقداس المصنوعة بيد الإنسان، التى هى جزء من خيمة الاجتماع أو من الهيكل العظيم الذى بنى فى أورشليم. ولكن خدمة المسيح كانت فى قدس أقداس السماء، إذ أن كفارته صعدت إلى عرش الله. هذا هو المسكن الدائم الحقيقى كما يقول الرسول : ( وأما المسيح وهو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم والأكمل غير المصنوع بيد أى الذى ليس من هذه الخليقة عب9: 11).

والفداء الذى صنعه المسيح لم يكن وقتياً بل أبدياً، ولم يكن فردياً أو جماعياً لشعب واحد، بل للعالم كله، ولم يكن عن خطية يوم أو شهر أو سنة، بل عن خطايا جميع الأجيال من آدم إلى آخر من يولد من نسله، ولهذا يواصل الرسول كلامه فيقول (وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءً أبدياً ع12).

ولقد رأينا أن رئيس الكهنة كان يدخل من الحجاب المادى الذى كان يفصل القدس عن قدس الأقداس. وهذا الحجاب قد انشق من أعلى إلى أسفل فى يوم صلب مخلصنا، وحينما أسلم روحه بإرادته على الصليب (مت27: 51) كمعجزة سمائية، وكعلامة لانتهاء الكهنوت اللاوى الناقص ليحل محله كهنوت مخلصنا وكهنوت العهد الجديد. وهذا الحجاب فى عهد النعمة كما عرفنا أيضاً هو جسد مخلصنا (عب10: 20) الذى رضى أن يعلق على الصليب بإرادته، وأن تخترقه المسامير والشوك، وأن تشقه الحربة.

المسألة الثالثة المسيح رئيس كهنة على طقس ملكى صادق

يعلن الوحى أن السيد المسيح رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق، ففى المزمور الذى يتحدث فيه المرنم عن ألوهية الله الكلمة يقول : (قال الرب لربى اجلس عن يمينى حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك..) يتحدث فيه فى نفس الوقت عن كهنوته حيث يقول : ( أقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق مز110: 1-4)، وفى الأصحاح السابع من الرسالة إلى العبرانيين يتحدث الرسول فى نواح كثيرة تتعلق بهذا الأمر، من بين هذه النواحى :

1- معنى الاسم (ملكى صادق): معناه ملك البر. والرب يسوع بلا شك هو وحده ملك البر، إذ هو البار القدوس، بل به يتبرر الناس من خطاياهم كما يقول الوحى (متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذى بيسوع المسيح رو3: 24).

2- موطن ملكى صادق: كان ملكى صادق ملك (ساليم) ومعنى ( ساليم ) سلامة، بذلك دبرت نعمة الله أن يكون معناه بالنسبة لمقر ملكه (ملك السلام). وليس من شك أيضاً أن ملك السلام الحقيقى هو المسيح نفسه، (لأنه هو سلامنا الذى جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أى العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا فى فرائض لكى يخلق الاثنين فى نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً ويصالح الاثنين فى جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به. فجاء وبشركم بسلام أنتم البعيدين والقريبين لأن به لنا كلينا قدوماً فى روح واحد إلى الآب اف 2: 14-18)، وهو الذى صالحنا مع الله الآب بموته، وقد صالح الجميع فى شخصه المبارك لا فرق بين أمة وأمة، وبين لسان ولسان، وهو الذى أعطى سلامه الكامل منحة للعالم إذ يقول لتلاميذه : ( سلاماً أترك لكم، سلامى أعطيكم. ليس كما يعطى العالم أعطيكم أنا يو14: 27).

3- من جهة وظيفته: كان ملكى صادق ملكاً وفى نفس الوقت كاهناً، وهاتان الوظيفتان من وظائف المسيح فى تجسده العجيب. فالمسيح كما نعلم قام بوظيفة النبى، وفى نفس الوقت قام بوظيفة الملك، ولكن ملكه ليس ملكاً أرضياً يزول، وإنما مملكته ليست من هذا العالم (يو18: 36)، وملكوته ليس له نهاية (لو1: 33)، بل هو فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة (اف1: 21)، وله تجسوا كل ركبة ممن فى السماء وعلى الأرض ومن تحت الأرض (فى2: 10)، وهو الذى قيل عنه أنه (ملك الملوك ورب الأرباب 1تى6: 15، رؤ17: 14،19: 16). والمسيح أخذ أيضاً وظيفة الكاهن إذ هو رئيس كهنتنا الأعظم. ومن العجيب أنه الكاهن والذبيحة فى الوقت الواحد، لأنه قدم ذاته بإرادته ومسرته وذبيحة حية على الصليب لأجل خلاص العالم.

4- من جهة أصله ونسبه: قيل عن ملكى صادق أنه (بلا أب بلا أم بلا نسب لا بداءة أيام له ولانهاية حياة بل هو مشبه بابن الله عب7: 3)، وليس معنى هذا أنه وجد بدون أب أو أم أو أنه ليس له قرابة بإنسان ما، وإنما دبرت حكمة الله أن يُذكر فى سفر التكوين دون أن يذكر الوحى شيئاً عن نسبه أو عن أبيه أو أمه أو عشيرته أو ممن تسلم كهنوته، لكى يكون (مشبهاً بابن الله ) فى أزليته وأبديته، إذ هو الألف والياء، البداية والنهاية الأول والآخر (رؤ22: 13)، فضلاً عن ذلك فإن الرب يسوع لم يأخذ كهنوته، من إنسان ولا ورثه عن أحد لأنه بتدبيره صار لأجلنا رئيس كهنة على طقس ملكى صادق. وبينما كان الكهنوت اللاوى وراثياً وبموجب وصية أوصى بها الرب على يد موسى، فإن كهنوت المسيح لم يكن هكذا لأن المسيح جاء من سبط يهوذا لا من سبط لاوى المختص بالكهنوت القديم، وجاء بقوته وبتدبير الله الأزلى كما يقول الرسول أيضاً: (لأن الذى يقال عنه هذا، كان شريكاً فى سبط آخر لم يلازم أحد منه المذبح، فإنه واضح أن ربنا قد طلع من سبط يهوذا الذى لم يتكلم عنه موسى شيئاً من جهة الكهنوت. وذلك أكثر وضوحاً أيضاً إن كان على شبه ملكى صادق يقوم كاهن آخر. قد صار ليس بحسب ناموس وصية جسدية بل بحسب قوة حياة لا تزول، لأنه يشهد أنك كاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق عب7: 13-17).

5- فى تقدمته: إذ تقابل أبونا إبراهيم مع ملكى صادق، قدم ملكى صادق خبزاً وخمراً (تك14: 18)، ويرجح الكثيرون من المفكرين أن الخبز والخمر كانا تقدمة للرب من أنواع ذبائح السلامة، وأكل منها أبونا إبراهيم، لأن الترجمة السبعينية لهذا النص هكذا : (وأخرج ملكى صادق خبزاً وخمراً لأنه كان كاهناً لله العلى )، وفى حاشية الكتاب المقدس ذى الشواهد (إذ كان كاهناً لله العلى). ومن العجيب أنه لم يذكر تقديم الخبز والخمر أنه كان لإبرام، بل ذكره لتقديم مطلق، حيث يقول (وأخرج أو ” وقدم ” خبزاً وخمراً )، مما يرجح جداً أن التقدمة كانت للرب، وأكل منها إبرام كما هو الجارى فى ذبيحة السلامة. ومن المعروف أن الرب قدم جسده ودمه إلى تلاميذه فى صورة الخبز والخمر.

6- فى سمو كهنوت ملكى صادق: يوضح الكتاب سمو كهنوت ملكى صادق وامتيازه عن الكهنوت اللاوى من عدة وجوه وهى :

( أ ) أن ملكى صادق بارك إبرام بقوله: (مبارك إبرام من الله العلى مالك السموات والأرض. ومبارك الله العلى الذى أسلم أعداءك فى يدك تك14: 19،20). ومن المعروف أن الكبير هو الذى يبارك الصغير، وهذا يدل على أن ملكى صادق أعظم شأناً من إبرام، ويقول الرسول فى هذا الشأن (وبدون كل مشاجرة الأصغر يبارك من الأكبر عب7:7).

(ب) ورغم أن إبرام كرئيس أسرته كان كاهناً لله، فإنه مع ذلك قدم العشور لملكى صادق (تك14: 20) إقراراً بأفضليته على نفسه، وقد كان إبراهيم جداً للاوى الذى خرج منه الكهنوت اللاوى، وبالتالى فقد كان نائباً عن حفيده لاوى وعن الكهنة الخارجين منه فى قبول البركة من ملكى صادق وفى تقديم العشور له، وهذا دليل على أن كهنوت ملكى صادق أعظم شأناً من الكهنوت اللاوى كما يقول الرسول فى هذا الشأن أيضاً : ( ثم انظروا ما أعظم هذا الذى أعطاه إبراهيم رئيس الآباء عشراً أيضاً من رأس الغنائم. وأما الذين هم من بنى لاوى الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أى أخوتهم مع أنهم قد خرجوا من صلب إبراهيم. ولكن الذى ليس له نسب منهم قد عشر إبراهيم وبارك الذى له المواعيد وبدون كل مشاجرة الأصغر يبارك من الأكبر وهنا أناس مائتون يأخذون عشراً وأما هناك فالشهود له أنه حى حتى أقول كلمة أن لاوى أيضاً الآخذ الأعشار قد عشر بإبراهيم لأنه كان بعد فى صلب أبيه حين إستقبله ملكى صادق عب7: 4-10).

7- من جهة العهد المقدس: وفيما يتعلق بكهنوت المسيح على طقس ملكى صادق يبين الرسول أيضاً أن كهنوت المسيح كان بقسم حسب قول المرنم ( أقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق مز110: 4)، بينما الكهنوت اللاوى لم يكن يقسم، وفى هذا يقول الرسول : (فلذلك إذ أراد الله أن يظهر أكثر كثيراً لورثة الموعد عدم تغير قضائه توسط بقسم لاوى كان مؤقتاً كما عرفنا، وكان ينتهى بموت أى رئيس كهنة من اليهود، كما انتهى بوجه عام بإنتهاء عهد الناموس وحلول عهد النعمة بمجىء رب المجد رئيس الكهنة الأعظم يسوع المسيح، وتقديمه ذبيحته الباقية إلى الأبد، ذبيحة ذاته على الصليب ( فإن الناموس يقيم أناساً بهم ضعف رؤساء كهنة وأما كلمة القسم التى بعد الناموس فتقيم ابناً مكملاً إلى الأبد عب7: 28).

8- فى كماله: ويعلق الرسول على الوعد الإلهى بقيام كاهن على رتبة ملكى صادق بحقيقة واضحة هى نقص كهنوت لاوى وعدم كماله، لأن هرون وخلفاءه لم يكونوا أكفاء لأن يقدموا الفداء الكامل والدائم للبشر، وجميع ما كانوا يقدمونه من ذبائح لم تكن فيها الكفاية للخلاص، لأنهم جميعاً كانوا مثالاً للآتى، وكل ما فى خدمتهم كان ظلاً للخيرات العتيدة (عب10: 1). ولأجل ذلك كان لابد من قيام كاهن آخر على طقس ملكى صادق كما يقول الوحى الإلهى (فلو كان بالكهنوت اللاوى كمال إذ الشعب أخذ الناموس عليه ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكى صادق ولا يقال على رتبة هرون لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً عب7: 11-12).

المسألة الرابعة الكهنوت العام والكهنوت الخاص فى العهدين

والرب لعظم محبته لشعبه أقام الكهنوت الفعلى فى بيت هرون فى العهد القديم كما رأينا، ولقد عاقب قورح وداثان وأبيرام وجماعتهم عندما تكلموا متذمرين على هذا الترتيب الإلهى (عد16)، ولكن بجانب الكهنوت الفعلى الخاص أقام أيضاً لبنى إسرائيل جميعاً كهنوتاً روحياً عاماً لكى يكون جميع شعب الله ملوكاً وكهنة روحيين حسب قوله على فم عبده موسى: ( فالآن إن سمعتم لصوتى وحفظتم عهدى تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب فإن لي كل الأرض وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة خر19: 5،6) وقد ظل الشعب ينعم بهذا الامتياز الجميل الأجيال الطويلة التى كان يعيش فيها مع الرب إلهه، وكان الكهنوت الخاص الذى فى بيت هرون يسير جنباً إلى جنب مع الكهنوت الروحى العام الذى أنعم به الرب على الشعب كله.

ولأن الكنيسة القديمة أساس لكنيسة العهد الجديد، فالرب برحمته الفائقة أيضاً أعطى للمؤمنين فى عهد النعمة كهنوتاً روحياً عاماً ليكونوا ملوكاً وكهنة لله (رؤ1: 6، 5: 10). ومعنى كونهم ملوكاً أنهم يُعطون أن يسودوا ويتسلطوا على إبليس وجنوده الذى أعلن الرب أنه رآه ساقطاً مثل البرق من السماء (لو10: 18)، وعلى الخطية وعلى أهواء الجسد وكل أبواب الجحيم التى لن تقوى على كنيسة العلى (مت16: 18)، بل ليدوسوا على الحيات والعقارب وكل قوات العدو ولا يضرهم شئ (لو10: 19) كما أن لهم الحق فى أن يرثوا مع المسيح ملك الملوك ورب الأرباب الملكوت المعد لهم منذ تأسيس العالم (مت25: 34)، وأن يجلسوا معه على عرشه (رؤ3: 21) ويلبسوا أكاليل البر (2تى4: 8) فى السموات ويتمتعون بالمجد الذى لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل (1بط1: 4). وهم فى نفس الوقت كهنة بمعنى روحى مجازى، لأنهم يخدمون الرب، ويقدسون حياتهم ويكرسونها له، ويقدمون له ذبائح الحمد والتسبيح والعطاء المقبول ( مز50: 14، فى4: 18، عب13: 16). وفى هذا يقول القديس بطرس الرسول (كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح 1بط2: 5) ويقول أيضاً ( وأما أنتم فجنس مختار كهنوت ملوكى أمة مقدسة. شعب اقتناء ع9).

وقد وعد الرب كنيسته المجيدة بهذا الكهنوت العام المجيد فقال إشعياء النبى مشيراً إلى السيد المسيح : ( روح السيد الرب علىَّ لأن الرب مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأعصب منكسرى القلب لأنادى للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق. لأنادى بسنة مقبولة للرب وبيوم انتقام لإلهنا، لأعزى كل النائحين )، ثم يستطرد حديثه العجيب عن شعب الله فى عهد النعمة، وهم إسرائيل الروحى الجديد شعب الله من جميع الشعوب فيقول ( أما أنتم فتدعون كهنة الرب تسمون خدام إلهنا….إش 61: 1-6).

ولقد قرأ الرب يسوع فقرات من هذه النبوات المقدسة الصادقة وقال للشعب: (إنه اليوم قد تم هذا المكتوب فى مسامعكم لو4: 21).

وبجانب الكهنوت الروحى العام أقام الرب فى كنيسته الكهنوت الخاص الذى يدعى إليه أشخاص مقدسون للخدمة المقدسة، لكى يعلموا شعبه ويرعوا كنيسة الله التى اقتناها بدمه (أع20: 28) ولكى يكونوا وكلاء سرائر الله (1كو4: 1). وكما تنبأ الأنبياء عن الكهنوت العام فى كنيسة العهد الجديد تنبأوا أيضاً عن الكهنوت الخاص فيها، فقال إشعياء النبى وهو يرى بعين الإيمان ما يكون عليه شعب الله الجديد فى عهد النعمة الذين يقبلون المسيح رباً ومخلصاً سواء من إسرائيل الفعلى أو من الأمم : ( ويحضرون كل إخوتكم من كل الأمم تقدمة للرب على خيل وبمركبات وبهوادج وبغال وهجن إلى جبل قدسى أورشليم قال الرب. وأتخذ منهم أيضاً كهنة ولاويين قال الرب) (إش66: 20، 21)، ويقول إرميا الجديد فى الأنبياء عن هذه المواعيد أيضاً مشيراً إلى دوام ملك المسيح الحقيقى على كرسى داود: (لأنه هكذا قال الرب لا ينقطع لداود إنسان يجلس على كرسى بيت إسرائيل)، ثم يتكلم عن دوام الكهنوت فى عهد النعمة بقوله : (ولا ينقطع للكهنة اللاويين إنسان من أمامى يصعد محرقة ويحرق تقدمة ويهئ ذبيحة كل الأيام ) ويؤكد وعد الله تأكيداً عظيماً فيقول: ( هكذا قال الرب إن نقضتم عهدى مع النهار وعهدى مع الليل حتى لا يكون نهار ولا ليل فى وقتهما، فإن عهدى أيضاً مع داود عبدى ينقض فلا يكون له ابن مالكاً على كرسيه ومع اللاويين الكهنة خادمى. كما أن جند السموات لا يعد ورمل البحر لا يحصى هكذا أكثر نسل داود عبدى واللاويين خادمى) (إر33: 17-22).

ومعنى كل هذا أنه كما يستحيل أن ينقض الرب عهده مع النهار والليل، كذلك يستحيل أن ينقض عهده مع داود حتى لا يثبت مملكته، أو مع الكهنة الذين من سبط لاوى فلا يثبت كهنوتهم، ومن المعروف أن الملك قد زال بالفعل من بيت داود والكهنوت اللاوى القديم كانت له نهاية، فالنبوة إذن عن ملك المسيح الأبدى وعن الكهنوت المقدس فى كنيسته المجيدة.

وقد أرى الرب عبده ملاخى النبى ما كان مزمعاً أن يكون فى ملء الزمان، وما تحقق بالفعل بمجئ يوحنا المعمدان، وبمجئ المسيح ملاك العهد فنطق بالنبوة قائلاً: (هأنذا أرسل ملاكى فيهئ الطريق أمامى ويأتى بغتة إلى هيكله السيد الذى تطلبونه، وملاك العهد الذى تسرون به. هوذا يأتى قال رب الجنود…..)، ثم يستطرد ويصف ما يكون عليه كهنوت العهد الجديد فيقول: (فيجلس ممحصاً ومنقياً للفضة فينقى بنى لاوى ويصفيهم كالذهب والفضة ليكونوا مقربين للرب تقدمة بالبر ملا3: 1-3) ومن المعروف كما ذكرنا أن الكهنوت اللاوى القديم قد انتهى أمره بمجئ المسيح ابن الله المبارك وبعمله الكفارى على الصليب، ولقد كان انشقاق حجاب الهيكل إعلاناً عن إنتهاء هذا الكهنوت ليحل محله كهنوت أكمل وأعظم هو كهنوت المسيح القدوس وكهنوت عهد النعمة، ويهوذا وإسرائيل فى هذا الفصل المبارك هما شعب الله فى عهد النعمة، وبنو لاوى الذين ينقيهم الرب هم كهنته المدعوون لخدمته.

وقد حقق الرب مواعيده الأمينة فأعطى رسله وخلفاءهم كهنوتاً فعلياً حقيقياً ومنحهم من لدنه أن يحلوا ويربطوا بما فيه بنيان الكنيسة وخيرها الروحى، وأن يغفروا أو يمسكوا الخطايا بما فيه خير النفوس (مت16: 19، يو20: 22،23، 1كو5:5، 2كو5: 2-12….)، ولكى يسوسوا كنيسة الله ويدبروها. وقد أعلن الرسول عن نعمة الكهنوت المجيد التى أعطيت له ولرفقائه حيث يقول : ( ولكن بأكثر جسارة كتبت إليكم جزئياً أيها الأخوة كمذكر لكم بسبب النعمة التى وهبت لي من الله حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم مباشراً لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدساً بالروح القدس رو15: 15،16)، وقوله (ككاهن) هنا أى باعتبارى كاهناً، وهى مثل قوله الوحى الإلهى (والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً يو1: 14)، وهى مثل قول أحد الأطباء مثلاً : ( إننى كطبيب أنصح بكذا وكذا…) وكما ندد الرب بخطية قورح وقومه لافتئاتهم على التدبير الإلهى فى وضع كهنوت العهد القديم، أعلن أيضاً أن قوماً يقومون فى كنيسته المباركة فيقومون فى نفس الخطأ الذى وقع فيه قورح فيقول القديس يهوذا الرسول أنهم (هلكوا فى مشاجرة قورح يه11).

فشكراً للرب الذى أقام فى كنيسته كهنوتاً مقدساً مجيداً لتدبير أمر شعبه ورعايته كآباء روحيين عاملين ومسئولين، وفى نفس الوقت أعطانا جميعاً أن نكون روحياً ملوكاً وكهنة لله أبيه، وأن نكون كما كان شعبه فى القديم (مملكة كهنة) وأمة مقدسة للرب.

 

 

 

 

 

Leave a Comment