تفسير سفر اللاويين – الأصحاح العشرون – الأرشيذياكون نجيب جرجس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تفسير سفر اللاويين – الأرشيذياكون نجيب جرجس” field=name]

فى الأصحاح الثامن عشر أعطى الرب عدة تحذيرات لشعبه من الوقوع فى الخطايا الشنيعة التى كانت الشعوب الوثنية غارقة فيها. وفى الأصحاح التاسع عشر زودهم بعدة وصايا روحية وإنسانية لبنائهم كأفراد وكجماعة، والأصحاح العشرون يرتبط بالأصحاحين السابقين ولا سيما بالأصحاح الثامن عشر ويشتمل على عدة مسائل من بينها:

1- بيان العقوبات التى يجب أن يعاقب بها الأشرار الذين يخالفون التحذيرات الواردة فى الأصحاح الثامن عشر.

2- حثهم ثانية على حفظ فرائض الرب ليكونوا شعباً مقدساً للرب.

3- وتحذيرهم من جديد من مشابهة الشعوب الوثنية فى شرورها.

العقاب عن تقديم الزرع لمولك (ع1-6)

1- وكلم الرب موسى قائلاً … باعتباره المسئول عن شعبه وعن تعليمهم.

2- وتقول لبنى إسرائيل. كل إنسان من بنى إسرائيل ومن الغرباء النازلين فى إسرائيل أعطى من زرعه لمولك فإنه  يقتل. يرجمه شعب الأرض بالحجارة.

1- كان على موسى أن يبلغ الشعب كلام الرب الإله إما مباشرة أو بتلقين الكهنة والرؤساء. والعقوبة هنا عن تقديم الزرع (النسل) لمولك. وتستكمل العقوبة (كل إنسان من بنى إسرائيل) أى يهودى الجنس أصلا، و (ومن الغرباء النازلين فى إسرائيل) أى المتهودين. وقد مر الكلام عن (مولك) والتحذير من تقديم نسلهم له فى (ص18: 21) وفى هذا الأصحاح يبين العقوبة على هذه الخطية. وهو الرجم بالحجارة… وقد كان المحكوم عليه بالرجم بموجب شهادة شهود يطاف به فى المدينة ليرجم خارجها. وينادى مناد أمامه بأنه وقع فى الخطأ الفلانى وأنه حكم عليه بالرجم لكى تتاح الفرصة لمن يعارض فى هذا الحكم أن يتقدم بالشهادة لصالح الإنسان. ولكى يكون من ناحية أخرى عبرة للناس.

وإذا اقترب من مكان تنفيذ الحكم كان عليه أن يعترف بخطيته ليظهر أن الحكم عليه عادل من جهة ولكى تتزكى روحه بالاعتراف بخطاياه لعل الله يغفرها له، وفى الغالب كانت هناك طريقتان للرجم: أولهما أن يؤخذ إلى مكان مرتفع فى أسفله حجر كبير. وتربط يداه ويطرحه أول الشهود إلى أسفل فيرتطم بالحجر ويموت. وإن لم يمت يضع شاهد آخر حجراً كبيراً على صدره. فإن لم يمت ترجمه الجماعة حتى يموت.

والطريقة الثانية وربما كانت الشائعة خصوصاً فى القضايا المستعجلة كانت برجمه بالحجارة بدون أن يلقى من أعلى مثلما كان الحال فى رجم استفانوس رئيس الشمامسة (أع7) وفى رجم القديس بولس الرسول (أع14: 19). وكانوا فى الغالب يسقون المرجوم خمراً ممزوجة بمر حتى يخدر ويخف ألمه.

وعقوبة الرجم كانت العقوبة الشائعة عن معظم الخطايا. والعقاب بالقتل الذى لم يذكر فيه نوع القتل كان فى الغالب يقصد به القتل رجماً بالحجارة.

وقد أوضح مفسرو اليهود أن الخطايا التى يعاقب عليها بالرجم هى تقديم الزرع لمولك (لا20: 2) والزنى مع الأم (20: 11) أو مع زوجة الأب (20: 12) أو الكنة (20: 12) أو بعذراء مخطوبة (22: 23،24) أو مضاجعة الذكور (20: 15) والبهائم (20: 16) أو طلب الجان والتوابع سواء أكان الساحر رجلاً أو امرأة (20: 27) أو سب الوالدين (لا20: 9) أو ادعاء النبوة (تث13: 6) والتجديف (لا24: 10-16) أو كسر السبت (تث20: 32-36) أو حث الناس على عبادة الأوثان (تث13: 6-11) أو عبادة الأوثان (تث17: 2-5) أو تمرد الأولاد على والديهم (تث21: 18-21) أو خطية العرافة (18: 10).

3- وأجعل أنا وجهى ضد ذلك الإنسان وأقطعه من شعبه لأنه أعطى من زرعه لمولك لكى ينجس مقدسى ويدنس اسمى القدوس.

(وأجعل أنا وجهى ضد ذلك الإنسان) أى أقف ضده (وأقطعه) من شعبه أى أبيده وألاشيه بطريقة ما.

(لكى ينجس مقدسى) أى ينجس بيتى المقدس المقام فى وسطهم. لأنه عمل عملاً أثيماً لايليق بكرامة بيت الله. ولم يراع كرامة ذلك البيت. وخطايا الناس تنجس مقادس العلى بمعنى أنهم لايحترمونها ويحطون من مقامها فى نظرهم وفى نظر الشعوب وتصبح كأنها مساوية لأى بيوت أخرى للآلهة الكاذبة، ولسبب خطايا الناس لاتعود لائقة لحلول الله فيها ولا لتجلى مجده.

(ويدنس اسمى القدوس) أنظر شرح (ص18: 21).

4- وإن أغمض شعب الأرض أعينهم عن ذلك الإنسان عندما يعطى من زرعه لمولك فلم يقتلوه.

5- فإنى أضع وجهى ضد ذلك الإنسان وضد عشيرته وأقطعه وجميع الفاجرين وراءه بالزنى وراء مولك من شعبهم.

(إن أغمض شعب الأرض أعينهم) أى إن غضوا الطرف عن خطية ذلك الإنسان الذى تجاسر وقدم من أولاده لمولك إما رأفة به. أو مجاملة له أو لأقاربه. أو خوفاً منه أو لعامل آخر. فإن الله يقوم بالعمل بنفسه فيجعل وجهه ضده ويبيده بطريقة يهيئها بحكمته. ويقف ضد عشيرته أيضاً لأنها رأت خطيته وغضت الطرف عنها وكان من الواجب عليها أن تكون أول الناس الذين يبلغون عنها. كما ينتقم الله أيضاً من (جميع الفاجرين وراءه) أى الذين اتبعوا ذلك الرجل فقدموا أولادهم لمولك.

(بالزنى وراء مولك) أى بعبادته وتقديم ذبائح من أولادهم له. وقد شبه ترك الرب وعبادة غيره بالزنى الذى هو خيانة أحد الزوجين للآخر كما مر بنا.

(من شعبهم) يقطع الرب من بين الشعب الشخص المعتدى هو وعشيرته الذين كانوا عثرة للآخرين وبسببهم سقط الكثيرون فى هذه الخطية.

أمور تتعلق بالجان والتوابع والتقديس (ع6-8)

6- والنفس التى تلتفت إلى الجان وإلى التوابع لتزنى وراءهم أجعل وجهى ضد تلك النفس وأقطعها من شعبها .. سبق الرب فحذرهم من الالتفات إلى الجان والتوابع فى (ص19: 31) وقد مر شرح معنى الجان والتوابع. وهنا يبين أنه يجعل وجهه ضد ذلك الإنسان الذى يتبع مثل هذه الأعمال الشيطانية فيقطعه من شعبه وقد كان عقاب أصحاب الجان والتوابع الرجم بالحجارة (ع27).

7-فتتقدسون وتكونون قديسين لأنى أنا الرب إلهكم.إنكم (تتقدسون) بحفظكم وصاياى وابتعادكم عن العادات الوثننية من تقديم بنيكم للأصنام وابتعادكم عن الاتكال على الشيطان بأعمال السحر والالتفات إلى الجان والتوابع ومعنى تتقدسون:

(أ) تكونون شعباً مكرساً لي.

(ب) وفى نفس الوقت (تكونون قديسين) أى أطهاراً وأنقياء وتكون حياتكم خالية من كل زغل ومن كل عمل غريب لايليق بأولاد الله.(لأنى أنا الرب إلهكم) قدوس وليس لكم إله غيرى لتعبدوه وتقدموا ذبائحكم له وتتبعوه وتطلبوا منه ما تحتاجون إليه.

8- وتحفظون فرائضى وتعملونها. أنا الرب مقدسكم.

(وتحفظون فرائضى وتعملونها) لأن الإنسان المقدس للرب والقديس فى سلوكه وطرقه يكون قد أرضى الرب وحفظ فرائضه وعمل بها (راجع شرح ص19: 37).

(أنا الرب مقدسكم) قدستكم لأنى قدوس. وقد أعطيتكم شريعة الكمال والقداسة. وأعطيتكم نعمتى وقوتى لكى تساندكم. وقدستكم أيضاً لذاتى لتكونوا لي شعباً

عقوبات عن خطايا اجتماعية وزيجات محرمة (ع9-21)

9- كل إنسان سب أباه أو أمه فإنه يقتل. قد سب أباه وأمه. دمه عليه.

نصت الوصية الخامسة على إكرام الوالدين (خر20: 12)، وفى الأصحاح التاسع عشر (ع3) قال الوحى الإلهى (تهابون كل إنسان أمه وأباه). وهنا يبين الوحى عقاب الذى يجرؤ على سب أبيه أو أمه. وكان عقابه القتل رجماً بالحجارة. وقد فسر علماء اليهود هذا النص بأن المقصود بالسب الذى يستوجب القتل السب المقترن باسم الرب (يهوه) العظيم كأن يسب الابن أحد والديه مقسماً باسم الرب مثلاً أو أن يقول أن أحد والديه ملعون من الرب وما إلى ذلك. أما من يسب أحد والديه سباً مجرداً من اسم الرب أو مقترناً بصفة من صفات الله فقط دون ذكر اسمه فكان عقابه الضرب بالسياط.

وقد شدد الوحى فى الأمر باحترام الوالدين لأنهما يمثلان السلطة الحاكمة فى الأسرة ولهما الفضل الأول على أولادهم. وعدم احترامهم يعنى فصم الروابط الأسرية والتجرؤ على السلطات الحاكمة وسلب المهابة ممن يستحقون المهابة. وفى كل هذا خطورة على سلامة المجتمع والشعب.

(دمه عليه) لأن الرب سبق فحذره مراراً وتكراراً. ومع ذلك فقد وقع فى الخطأ بمحض إرادته واختياره.

10- وإذا زنى رجل مع امرأة فإذا زنى مع إمرأة قريبه فإنه يقتل الزانى والزانية.

1- فى قول الوحى (وإذا زنى رجل مع امرأة) تنبيه الشعب إلى خطية الزنا المرذولة من الله ومن الناس. وفى قوله (فإذا زنى مع امرأة قريبه) تحديد للحالة التى يحكم فيها بالقتل على الرجل والمرأة. والمعنى المقصود إذا كانت امرأة متزوجة. لأن الوحى أوضح حالات أخرى لهذه الخطية. منها إذا كانت المخطئة فتاة مخطوبة لرجل وأخطأت بإرادتها فكانت تقتل أيضاً (تث22: 23-24)، أما إذا كانت الفتاة غير مخطوبة فكان على المعتدى دفع غرامة والزواج من الفتاة (ع28،29). وقد سبق الله فحذرهم من هذه الخطية فى (ص18: 20).

2- كان العقاب على كل من الرجل والمرأة الخائنين القتل رجماً بالحجارة (تث22: 22). (يو8: 5) ويرى مفسرو اليهود أن العقاب كان الخنق. ولذلك فيرجح أنهم كانوا يقتلونهما خنقاً ثم يرجمونهما. وكانوا يعاقبون بالخنق ثم الرجم أيضاً من يضرب أباه أو أمه ومن يسرق (يخطف) واحداً من شعبه. ومن يدعى النبوة. ومن يتنبأ باسم إله غير الرب. ومن لايبالى بكلام الكهنة أو القضاة (تث 17: 12).

3- وخطية الزنى والاعتداء على أعراض الناس ممقوتة بجميع صورها منذ قديم الأزمان حتى أن أيوب الذى عاش قبل نزول الشريعة بأجيال طويلة يبين أن الضمير الإنسانى يستنكر مثل هذه الخطية حيث يقول (إن غوى قلبى على امراة أو كمنت على باب قريبى فلتطحن امرأتى لآخر ولينحن عليها آخرون. لأن هذه رذيلة وهى إثم يعرض للقضاة لأنها نار تأكل حتى إلى الهلاك وتستأصل كل محصولى أى31: 9-12)، ويقول أيضاً (عهداً قطعت لعينى فكيف أتطلع فى عذراء أى31: 1).

11- وإذا اضطجع رجل مع امرأة أبيه فقد كشف عورة أبيه. إنهما يقتلان كلاهما. دمهما عليهما.

النهى هنا عن الزواج بامرأة الأب وقد سبق فحذرهم الوحى من هذا فى (ص18: 8) وكان العقاب

على ذلك قتل الاثنين لأنهما فعلا الخطية بإرادتهما فدمهما على رأسيهما. (أنظر شرح ص18: 8)

12- وإذا اضطجع رجل مع كنته فإنهما يقتلان كلاهما. قد فعلا فاحشة. دمهما عليهما.العقوبة هنا لمن يتزوج بكنته (زوجة ابنه) وعلى الكنة أيضاً وقد سبق الرب فحذر من ذلك فى (ص18: 15) ويمكننا أن نراجع شرح هذا العدد.(قد فعلا فاحشة) أى شراً فظيعاً (أنظر شرح ص18: 23).

13- وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجسا إنهما يقتلان دمهما عليهما.

حذرهم من هذه الخطية الدنيئة فى (ص 22:18) وكان العقاب الرجم بالحجارة. ومما يؤسف له أن جماعات من بنى إسرائيل كانوا يقعون فى هذه الفاحشة كما نرى ذلك فى تصرف سبط بنيامين فى عهد القضاة وكان ذلك سببا فى حرب أهلية طاحنة بين الأسباط وبين هذا السبط وقتل فى هذه الحرب أعداد طائلة من بنيامين (19،20).

14- وإذا اتخذ رجل امرأة وأمها فذلك رذيلة. بالنار يحرقونه وإياهما. لكى لا يكون رذيلة بينكم.

1- كان من الزيجات المحرمة أيضاً أخذ امرأة وبنتها (17:18) سواء كان الرجل قد تزوج الأم قبل الابنة أو الابنة قبل الأم (تث23:27). وسواء تزوج بهما معا وهما على قيد الحياة أو تزوج الواحدة ثم تزوج الثانية بعد وفاة الأولى. وكان العقاب لكل من الرجل والمرأة بإحراقهما بالنار.

ويرى بعض المفسرين أن الإحراق كان بصب الرصاص المنصهر فى فم المعتدى حتى يموت لكى يبقى جسده صحيحا كما أحرقت نار الرب ناداب وأبيهو ابنى هرون وبقى جسداهما صحيحين (لا1:10-5) والأرجح أن المحكوم عليه كان يرجم أولا بالحجارة حتى يموت ثم تحرق جثته كما فعلوا ذلك مع عخان بن كرمى (يش 25:7).

2- كان العقاب بالحرق كما يرى علماء اليهود على الزنى، أو الزواج من امرأة وبنتها كما هو ثابت فى هذا النص، وعلى ابنة الكاهن إذا وقعت فى خطية الزنى (تث 9:21)، وعن زواج الرجل أو زناه مع ابنته أو حفيدته ابنة ابنه أو ابنة ابنته أو بابنة ابن زوجته أو بابنة ابنة زوجته أو بحماته كما هو واضح من هذا النص أو بأم حميه (صهره).

15- وإذا جعل رجل مضجعه مع بهيمة فإنه يقتل والبهيمة تميتونها.

16- وإذا اقتربت امرأة إلى بهيمة لنزائها تميت المرأة والبهيمة إنهما يقتلان. دمهما عليهما.حذر الرب الشعب من هذه الصور الدنيئة من الخطية فى (ص 23:18) وقد سبق التعليق عليها.وكان الحكم على من يجروء على فعل هذه الخطية القتل مع البهيمة. ومع أن البهيمة بريئة. لكن الرب قضى بقتلها لأنها تنجست بفعل الإنسان. والرب لايحب أيضاً أن يبقى أى أثر من هذه الأفعال الدنيئة التى كانت تمارسها الشعوب الوثنية المتخلفة روحياً. كما أن قتل البهيمة مع الإنسان المذنب يعتبر استنكار كبير للخطية واشمئزاز منها وخسارة مادية للرجل ولبيته من بعده.

(دمهما عليهما) أى ليس على من يقتلهما مسئولية لأنهما مذنبان. والقتل كان على أيدى الكهنة أو القضاة.

17- وإذا أخذ رجل اخته بنت أبيه أو بنت أمه ورأى عورتها ورأت هى عورته فذلك عار.

يقطعان أمام أعين بنى شعبهما. قد كشف عورة أخته. يحمل ذنبه.حذر الرب من زواج الشخص من أخته الشقيقة من أبيه وأمه أو من نصف الأخت أى أخته من الأب أو من الأم فقط. وقد مر شرح هذا

فى شرح ص (9:18).(ذنبه عليه) لأنه أخطأ بإرادته.

18- وإذا اضطجع رجل مع امرأة طامث وكشف عورتها عرى ينبوعها وكشفت هى ينبوع دمها يقطعان كلاهما من شعبهما.

مر التحذير من مضاجعة الرجل لزوجته فى حالة الطمث (الحيض) سواء كان فى دورته الطبيعية أو كان ناجما عن مرض فى (ص24:15، 19:18). وكان عقاب الرجل والمرأة المخطئين فى هذه الحالة الموت.(ينبوع دمها) أى أعضاءها التناسلية التى يخرج من دم الحيض الطبيعى أو النزيف.

19- عورة أخت أمك أو أخت أبيك لا تكشف. إنه قد عرى قريبته. يحملان ذنبهما.

حذر الوحى من الزواج بالخالة أو بالعمة فى (ص12:18،13).

(إنه قد عرى قريبته) أى قريبة لحمه من الدرجات الأولى المحظور الزواج منها.

(راجع شرح ص 6:18).

20- وإذا اضطجع رجل مع امرأة عمه فقد كشف عورة عمه يحملان ذنبهما. يموتان عقيمين.

مر التحذير من الزواج بامرأة العم فى (ص 14:18) ويراجع الشرح هناك.(يموتان عقيمين) أى بدون نسل وكان الرب:

(أ) إما يضربهم بالعقم فلا يلدان مطلقا (هو 10:4).

(ب) وإما يموت النسل الذى يلدونه وحرمانهم منه.

(جـ) وحتى إن عاش فيعتبر النسل نفولا أى أولادا غير شرعيين لأن الزواج غير شرعى وهو فى حكم الزانى  ولا يكون لهم حقوق النسل الطبيعى فكأنهما فى هذه الحالات عقيمان.

21- وإذا أخذ رجل امرأة أخية فذلك نجاسة. قد كشف عورة أخية. يكونان عقيمين.

مر الحديث عن هذا فى شرح (ص 16:18).

(يكونان عقيمين) كما شرح ذلك فى تفسير (ع 20).

توصيتهم بحفظ الوصايا وتحذيرهم من مشابهة الشعوب الوثنية (ع 22- 26)

22- فتحفظون جميع فرائضى وجميع أحكامى وتعملونها لكى لا تقذفكم الأرض التى أنا آت إليها بكم لتسكنوا فيها.(فتحفظون جميع فرائضى وجميع أحكامى وتعملونها) مر شرح هذه العبارة فى تفسير (ص 26:18، 37:19).(لكى لاتقذفكم الأرض) أى لكى لا تتقيأكم وتطردكم من عليها أو تبيدكم وقد

مر شرح هذا فى تفسير (ص 25:18،28).(التى أنا آت بكم إليها لتسكنوا فيها) أى أرض كنعان التى وعدهم بها.

23- لا تسلكون فى رسوم الشعوب الذين أنا طاردهم من أمامكم. لأنهم قد فعلوا كل هذه فكرهتهم.

إنكم باتباع أوامرى تحفظون أحكامى وفرائضى ولا تسلكون فى (رسوم) الشعوب الوثنية التى أطردها من أمامكم. و(رسوم) الشعوب أى تقاليدها وعاداتها.

(لأنهم قد فعلوا كل هذه فكرهتهم) لقد كرهت هذه الشعوب لأنهم تنجسوا بكل النجاسات وعملوا كل الشرور التى حذرتكم منها.

24- وقلت لكم ترثون أنتم أرضهم وأنا أعطيكم إياها لترثوها أرضا تفيض لبنا وعسلا. أنا الرب إلهكم الذى ميزكم عن الشعوب.توغلت الشعوب الوثنية فى شرورها فكرهتها بسبب أعمالها واخترتكم شعبا لي وقضيت بأن أطرد هذه الشعوب من أراضيها ووعدتكم بأراضيها لكى تكون لكم ميراثا، وهى أرض تفيض لبنا وعسلا أى تفيض بالخيرات.

وقد كان هذا الوعد للآباء ابراهيم واسحق ويعقوب (تك 7:12، 3:26، 13:28) وتجدد للشعب على يد موسى النبى (خر 8:3، 17).

(أنا الرب إلهكم الذى ميزكم عن الشعوب): ميزهم لأنه اختارهم لنفسه شعبا. وميزهم بشرائع مقدسة. وخصهم بأحكام سامية تسمو على الأحكام الأرضية التى كانت للشعوب الأخرى.

25- فتميزون بين البهائم الطاهرة والنجسة وبين الطيور النجسة والطاهرة. فلا تدنسوا نفوسكم بالبهائم والطيور ولا بكل ما يدب على الأرض مما ميزته لكم ليكون نجسا.

إن شريعتى بينت لكم الحيوانات والطيور الطاهرة والنجسة. فيجب أن تميزوا بين هذه وتلك.

(ولا تدنسوا نفوسكم) بالحيوانات أو الطيور أو الأحياء النجسة.

(مما ميزته لكم ليكون نجسا) أى مما أوضحت لكم فى شريعة عبدى موسى إنها أحياء نجسة.

26- وتكونون لي قديسين لأنى قدوس. أنا الرب. وقد ميزتكم عن الشعوب لتكونوا لي.

(وتكونون لي قديسين لأنى قدوس. أنا الرب) أنا الرب القدوس فيجب أن تكونوا (قديسين) أى أطهارا وأنقياء ومكرسين لي ولمجدى.(وقد ميزتكم من الشعوب): اخترتكم وفرزتكم لنفسى وميزتكم بتعاليم سامية وشرائع سمائية وأرسلت وسأرسل أنبيائى إليكم. بل والأعظم من ذلك أن الرب قد خصهم بنعمة عظيمة لأن المسيح الله الكلمة يتأنس ويتجسد من عذراء بتول من شعبهم.

(لتكونوا لي): لتكونوا شعبا خاصا لي، لي وحدى لكى أملكه. ويدعى اسمى عليه. إن هذه كانت نعمة عظيمة أنعم بها الرب على بنى إسرائيل لأنه جعلهم له شعبا مختارا مكرسا. وما أعظم النعم التى أعطيت لنا فى العهد الجديد حيث اختار الله له شعبا من المؤمنين من جميع الشعوب والأمم. واختارهم بمحبته الفائقة حسب قوله: (ليس أنتم اخترتمونى بل أنا اخترتكم يو16:15). اختار كل من يؤمن به. ويقبل المسيح ربا ومخلصا وفاديا. ويسلك كما يحق لهذه الدعوة المقدسة لكى يكونوا شعبا مقدسا لجلاله وكنيسة أبكار مكتوبين فى السموات (عب 22:12).

فلنقدر هذه النعمة الإلهية المقدسة. ولنحافظ على مركزنا السامى، ولنشكر الرب على محبته التى تفوق كل تعبير. ولنذكر دائما أننا شعب الله القدوس. لا نعبد سواه. ولا نسلك سلوكا لا يرضيه.

النهى ثانية عن أعمال السحر (ع 27)

27- وإذا كان فى رجل أو امرأة جان أو تابعة فإنه يقتل. بالحجارة يرجمونه. دمه عليه.

1- مر التحذير من اتباع الجان أو التوابع فى (ص31:19).

2- وكان عقاب من به جان أو عرافة القتل رجما بالحجارة لأنه كان يعثر الناس ويضللهم بصرفهم عن الاتكال على الله والالتجاء إلى الشيطان. والواقع أن الالتجاء إلى الشيطان هى ثقة فيه وخضوع له. وبالتالى فهو عبادة أوثان وشرك بالله الواحد.(دمه عليه) أى هو المسئول عن ذنبه لأنه يضلل الناس.

مســــائل القصاصات بين عهد الناموس وعهد النعمة

المسألة الأولى : هل من عنف فى القصاص فى الناموس

قد يسأل البعض : لماذا كانت أحكام الناموس شديدة فى بعض حالات الخطايا. كالحكم بالموت رجما أو حرقا إلى غير ذلك؟ ونجيب:

1- يجب أن نذكر أن الله فى العهد القديم كان يقيم لنفسه شعبا مختارا من اليهود ومن الذين يقبلون الإيمان اليهودى ويتهودون من الشعوب الأخرى. وقد كان هذا الشعب محاطا بشعوب استغرقت فى الوثنية والنجاسات بدرجة لا يتصورها عقل، وفى نفس الوقت كان اليهود كبشر سريعى التقلب وميالين إلى تقليد الشعوب الأخرى فى الوقت الذى كانوا يجب أن يكونوا شعبا مختارا مقدسا للرب. ومن ثم فكان من المحتم أن تكون شريعة العهد القديم حازمة غاية الحزم. وصارمة غاية الصرامة. حتى تشعر المؤمنين بالخوف وتصونهم من التردى والسقوط.

2- ويجب أن نذكر أيضاً أن الإنسان كان ساقطا بسقوط أبوينا الأولين وكان تحت حكم الغضب الإلهى واللعنة. والله بمحبته ورحمته دبر فداءه بموت المسيح المخلص ليرد الإنسان إلى طبيعته الأولى ورتبته المفقودة ويجعل له الحق فى الدخول إلى السماء التى كان مقصيا عنها بسبب الخطية. ولذلك رأى بحكمته أن يربى الشعب الإسرائيلى لذاته ويبنيه بناء خاصا متينا. فيكون شعبا للرب دون الشعوب الخاطئة المعاندة ويكون هو لهم إلها دون الآلهة الكاذبة. لكى يكون هذا الشعب المربى تربية خاصة مدرسة للعالم وخميرة تخمر عجين البشرية كلها. فهيأ عقولهم لقبول الأنبياء الذين أرسلوا إليهم، ولقبول كلمته التى ينطق بها الأنبياء …. وكل ذلك لكى يتهيأوا لظهور المسيح من بينهم عندما يجئ فى الموعد المعين حسب قصده الإلهى. ومن ثم تخرج منهم البشارة إلى جميع أمم العالم لكى تنال هى أيضاً نعمة الإيمان والخلاص الذى أعد للجميع.

ومن هنا كان الله يغار جدا على قداسة هذا الشعب حتى لا يهدم البناء الذى بناه وكان يأخذ بالشدة كل من يأتى عملا خطيرا يهدد قداسة الشعب. ويعرضهم للفشل الروحى ويعرض كيانهم كشعب مختار للانهيار.

ولأجل هذا فقد علمهم أن هذه الموبقات تدنسهم كشعب مختار للرب (لا 43:11، 24:18، 25:20) وتدنس الأرض التى اختارها لهم (لا 25:18، 27، عد 33:25)، وتدنس المقدس وهو البيت المقدس الذى جعل لعبادة الله فلا يعود يصلح لعبادة الله ولا بسكنى الرب ولا لحلول مجده فيه (لا 3:20)، بل وتدنس اسمه القدوس ويساوون بين شريعته وشرائع الآلهة الكاذبة (لا12:19، 6:21).

3- ولقد تدرج الله مع البشرية فى إعطاء الشريعة ملاحظا استعدادهم ونضجهم الروحيين. فمنذ القدم أعطاهم بعض الشرائع القويمة لحفظ كيانهم كأفراد وكجماعات مثل قانون الزواج المقدس عندما قال (ليس جيدا أن يكون آدم وحده فأصنع له معينا نظيره (تك 1:2)، وقد قال أبونا آدم بعد خلق حواء (لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدا واحدا ع 24). وحتى فى موضوع الطعام أعطاهم أولا أن يأكلوا نباتات الحقل وثمار الأشجار (تك 29:1)، وبعد الطوفان أعطاهم أن يأكلوا لحوم الحيوانات (تك 3:9)، وسن شريعة قتل من يعتدى على حياة الإنسان ويقتله لأن (سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه تك 6:9). ولا شك فى أنه علم الناس كيف يعبدونه ويبنون له مذابح ويقدمون الذبائح إلى غير ذلك .. وفى الكثير من الأمور السلوكية والأخلاقية تركهم تحت حكم الضمير.

ولما أراد أن يقيم لنفسه شعبا أعطاه شريعته على يد عبده موسى. ومما لاشك فيه أن هذه الشريعة كانت مناسبة جدا للشعب تتمشى مع استعدادهم الذهنى ونضجهم الروحى أيضاً. لأنه الله هو البصير بالإنسان والعليم بحالته واحتياجاته، وهو بعلمه وحكمته رأى أنه لا توجد أحكام وشرائع تليق بحالتهم آنئذ غير هذه الشريعة.

4- ونلاحظ أيضاً أن الأخطاء التى كان الناموس يعاقب عليها بالقتل كانت خطايا فظيعة جداً وخطيرة على الأفراد وعلى الشعب وعلى المجتمع. فالزواج من قريب أو قريبة اللحم مثلا فضلا على أنه يضر بهم صحيا كان فيه تهديد لنظام الأسر. وإهانة كرامة الوالدين كان يضر بالأسرة وبالتالى يقود إلى التمرد على الهيئات الحاكمة. والفسق مع ذكر أو مع بهيمة، وعبادة الأوثان أو الالتجاء إلى الشيطان وأعماله أو ماشاكل ذلك من النجاسات كان يهدد سلامة الشعب كشعب مقدس ومختار للرب، وهكذا فحتى لا يتمادى الناس فى غيهم. وينهدم كيان الشعب الذى ينشئه الرب ويربيه، قضى بحكمته أن يسن لهم ناموسا عادلا رادعا.

5- ولأن الإنسان خاطئ وفاسد بسقوط أبويه كان كل خطأ يعمله يحتاج إلى تكفير. وإن كانت كل أعمال التكفير قبل المسيح لا تسدد مطالب العدل الإلهى لأنها محدودة، إلا أن فيها شيئا من الإرضاء للعدل الإلهى وردا جزئيا لاعتباره وكرامته. وكان الإنسان يكفر عن أعماله بتقديم القرابين والذبائح حتى عن الأعمال التى يقع فيها سهوا. وكانت الكفارات تصنع عن الأفراد العاديين وعن الكهنة وعن الرؤساء وعن الجماعة كلها. حتى عن بيت الله وعن الأرض. وهناك خطايا مثل خطية القتل التى يعتبرها الرب مدنسة للأرض كان لا يكفر عن الأرض فيها إلا بقتل القاتل كما يقول سفر العدد (لأن الدم يدنس الأرض وعن الأرض لا يكفر لأجل الدم الذى سفك فيها إلا بدم سافكه ع33:35).

ولئن كانت هذه الكفارات فى حد ذاتها غير كافية وليست أهلا لسد حاجة العدل الإلهى ولا لرد اعتباره تماما كإله عظيم ولا لتعويض الإهانة التى كان الإنسان يهين بها اسم الله ويتعدى بها شريعته المقدسة وكلمته الحية. إلا أن الله برحمته عينها ورتبها له. وقبلها منه لكى تكون وضعا وقتيا وصورة ومثالا لكفارة المسيح الحقيقية التى فيها كل الكفاية وكل الكفاءة وكل اللياقة. وكل المغفرة لجميع الناس من جميع الأمم الذين يؤمنون به ويقبلون عمله الفدائى ويسلكون حسب دعوته المقدسة، ولم تكن لهذه الكفارات فاعليتها وقبولها بفاعلية ودالة كفارة المسيح التى كانت فى قصده الإلهى أن يصنعها.

6- ومن العجيب أن هذه القصاصات التى تظهر شديدة لم تكن لأجل مجد الله فقط. ولا لخير الجماعة وحفظ كيان شعبه فقط. بل حتى للخير الروحى للشخص المعاقب نفسه لأن الشريعة أمرت أن يعترف هذا الشخص بخطاياه قبل تنفيذ الأحكام فيه حتى فى حالات السهو والجهل التى كان عليه أن يكفر بتقدمة وبتعويض أحيانا. والاعتراف بالخطية فى الغالب يكون باعثا على ندم الإنسان وانسحاقه وتوبته داخليا. فتتزكى روحه ويقبله الله فى رحمته.

7- ولكن هل معنى هذا أن الله أهمل باقى الشعوب. وهل لم يوجد أناس صديقون فى هذه الشعوب بالمرة؟ الحقيقة أن الله لم يهمل شعوب العالم لأنها خليقته ولكنه بعلمه الغير المحدود، وبمقتضى حكمته كان يهيئ للشعوب فرصا لمعرفته وللرجوع إليه: أحيانا كان يرسل أنبياءه إليهم لإنذارهم إذا عرف أن قلوبهم قد تقبل الإنذار كما هو الحال مع نينوى التى أرسل إليها يونان النبى، وجميع النبوات والأقوال التى تكلم بها أنبياء العهد القديم عن الشعوب الوثنية. والمعجزات التى كان يجريها موسى وهرون فى مصر. والتى كان يجريها الأنبياء عبر العصور القديمة. كل هذه كانت تنبيهات للشعوب لكى تتوب. وغير ذلك كان هناك الناموس الطبيعى. ناموس الضمير فى كل شعوب الأرض، كما أن وجود شعب الله فى وسط هذه الشعوب ومجاورته لها كان منبها قويا لها. وكان من الواجب أن تستفيد من ذلك.

والذى عرفناه أن هذه الشعوب لم تخل من أناس عرفوا الله وعبدوه. إما عن طريق التقليد الذى تسلموه من الآباء، وإما عن طريق الضمير، وإما عن طريق المجاورة والتعامل مع شعب الله كما هو الحال مع الجبعونيين ومع راعوث الموآبية.

المسألة الثانية : العهد الجديد والقصاصات

قد يسأل السائل: ما هو موقف عهد النعمة إزاء الأرجاس التى يقع فيها الإنسان؟ وللجواب على ذلك نقول أيضاً :

أولا : الناحية المدنية

1- لاشك أن البشرية قد كسبت مكاسب عظيمة بالمسيحية. لأن الإنسان بعد أن تدرج الله معه تدرجا روحيا عبر العصور. تم فى المسيحية بلوغه ونضجه الروحيان، وبتجسد المسيح وموته الكفارى انتقل الإنسان من عبودية الخطية ومن عبودية الناموس إلى حياة الحرية. حرية مجد أولاد الله ولم يعد شعب الله محصورا فى أمة واحدة من الناس وفى مكان واحد. بل أصبح شعبه هو جميع المؤمنين به فى كل الشعوب والأمم فى كل أنحاء العالم.وليس معنى الحرية فى المسيحية أن المسيحية تتساهل فى الخطية. بل بالعكس فإن المسيحية فى قداستها وسمو وعلو مبادئها تسمو بالإنسان إلى القداسة الكاملة. وتنفره من الشر وحتى من شبه الشر لكى يكون كاملا كما أن الله كامل وقديسا كما أن الله قدوس (مت 48:5، 1بط 15:1، 16).والمسيحية لأنها دين الحرية الروحية والنضج الروحى الكامل، فإن الله قد جعل الإنسان تحت حكم الروح القدس وتحت حكم الضمير المسيحى. الضمير الذى بلا عثرة من نحو الله والناس (أع 16:24).والله بحكمته إن كان قد أعفى الذى يسقط فى بعض الانحرافات من القتل، فى حين أن ناموس موسى كان يأمر بقتله. فلأن دم المسيح قد أعتق الإنسان من أحكام الناموس من جهة. ولأن الله قد هيأ وسائل جديدة لعلاج الإنسان بما يتناسب مع نضجه الروحى الجديد ومع حياة النعمة الجديدة. وليس هناك فى ذلك نسخ لشريعة الله أو تغيير فى فكر الله: حاشا. بل هناك تكميل لناموس الله مع الإنسان لأن المسيح لم يأت لينقض الناموس والأنبياء بل ليكمل (مت 17:5) ليس لأن الناموس ناقص. ولكن لأن الإنسان هو الذى كان غير مستعد لقبول شريعة الكمال. فلما كمل تدريبه، أعطاه الله ما يناسب حالته الروحية الجديدة، وحياة النعمة التى فى العهد الجديد أيضاً.

والله برفعه قصاص القتل عن النجاسات فى المسيحية يهيئ للإنسان فرصة لكى يتوب. وعندما قال لليهود عن المرأة الزانية (من كان منكم بلا خطية فليرمها أولا بحجر) لم يقصد أن يشجعها على التمادى فى خطاياها. بل قصد أن يظهر رياء الذين فكروا أن يجربوه فاشتكوا على المرأة ودانوها فى حين أنهم كانوا جميعا خطاة مثلها، وقد أعطاهم بذلك فرصة لكى يشعروا بخطاياهم إذ تبكتهم ضمائرهم عليها، كما أراد أيضاً أن يحث المراة على التوبة، وفعلا قال لها أخيرا: (أين هم المشتكون عليك، أما دانك أحد؟) ولما قالت (لا أحد ياسيدى) قال لها (ولا أنا أدينك اذهبى ولا تخطئى أيضاً يو 3:8-11).

وفى رحاب محبة الله وطول أناته فى المسيحية كم تاب أناس خطاة وأصبحوا أعلاما فى الإيمان والقداسة والبر.

2- نعود فنقول إن هذا ليس معناه أن المسيحية تفتح الباب على مصراعيه أمام الإنسان لينحرف كما يشاء أو أن المسيحية تركت الحياة فوضى بدون رابط ولا ضابط أو أن الخطايا الخطيرة أو غير الخطيرة لا تستحق العقاب. لأن المسيحية علمت أن الخطايا لها قصاصها من الله إذا لم يتب عنها صاحبها وكثيرا ما عاقب الله أناسا خطاة أو يعاقبهم عقابا فوريا فى هذا العالم مثلما عاقب حنانيا وسفير بالموت (أع 5) ومثلما أنذر أساقفة بعض الكنائس بالعقاب الذريع إذا لم يتوبوا ويصلحوا أمورهم (رؤ 5:2، 3:3، 16….) ومثلما يعاقب أحيانا بالأمراض أو بالموت الذين يستخفون بكرامة سر الشركة المقدسة ويأكلون جسد الرب ويشربون دمه بدون استحقاق (1كو 30:11) وما أقسى العذاب الذى يلقاه الخاطئ الغير التائب فى آخرته حيث يجازى الله كل إنسان كما يكون عمله، فضلا على ذلك فإن الله فى المسيحية إذ نقل الإنسان إلى عهد النعمة والحرية أعلن المبادئ السامية والأسس القويمة التى يبنى عليها ملكوته على الأرض: مبادئ القداسة والاستقامة والبر والعدل. ولكى يكون كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب (1كو 40:14)، ترك للحكام والحكومات الحرية لتسن القوانين المختلفة الخاصة بالعقوبات وبغيرها. مبنية على الأسس والمبادئ التى وضعها بما يضمن سلامة الأفراد والأسر والمجتمعات.

ومن ثم فان الشعوب تسن قوانينها على حسب ظروف الناس وثقافتهم وأحوالهم المختلفة وليس هناك ما يتنافى مع العدل مادامت الشعوب تعمل على نور كلمة الله. ومبادئ الحق المسيحى. وبالضمير الحى.

ونرى معظم الشعوب تقاصص القاتل أو أصحاب الفتن الخطيرة التى تهدد سلامة الناس والمجتمع بالموت لأنهم يعتمدون على أرواح العباد وعلى حياتهم. والبعض يرى تخفيف الحكم بأحكام أخرى. كما أن القوانين تختلف من بلد إلى بلد ومن شعب إلى شعب. وكلها تعمل لخير الشعوب وبنيانها وسلامتها إذا سنت بالنزاهة وبروح القداسة كما عرفنا. والمسيحية إزاء هذا علمت الخضوع للحكومات والسلاطين فى حدود طاعة الله (لأنه ليس سلطان. إلا من الله والسلاطين الكائنة هى مرتبة من الله رؤ 1:13)، (والحاكم لا يحمل السيف عبثا إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذى يفعل الشر ع4).

ومن كل هذا نرى حكمة الله الفائقة وسعة محبته للبشر سواء فى عهد الناموس الذى جعله تحت قوانين اجتماعية وجنائية محددة لكى يكون لذاته شعبا واحدا بقوانين محددة، أم فى عهد النعمة الذى أصبح فيه شعبه فى كل مكان وفى كل قطر. وأصبح فيه الإنسان فى رشده الروحى يعمل ويسلك تحت إرشاد الروح القدس وتحت وحى ضميره الحى ليرسم ما فيه خيره وسعادته وبناؤه من قوانين وأسس وتشريعات، على ضوء المبادئ والأسس السامية التى أوضحتها كلمة الله فى الكتب المقدسة.

ثانيا : من الناحية الكنسية

1- أما من الناحية الكنسية فإن المسيحية أوصت الكنيسة أن تحاول إصلاح الانحرافات وفاعليها بروح المحبة والوداعة والحلم وفى نفس الوقت بالحكمة والفهم، بإرشاد الخاطئ ووعظه. وتذكيره بمواعيد الله ومحبته. وغيرته على مجده. وليس ذلك فقط بل بالصلاة أيضاً من أجله. وبافتقاده وتعهده.

والكنيسة مسئولة عن كل نفس من النفوس لكى تتعهدها وتعمل لأجل هدايتها وجذبها إلى الله.

2- وقد هيأ الله فى عهد النعمة أسرارا مقدسة لتقويم الخطاة وبنيانهم الروحى منها سر التوبة وفيه يعترف الخاطئ بخطاياه ويتوب عنها. وينال بعمل الروح القدس نعمة الحل من خطاياه بالسلطان الذى أعطى من الله لكهنة العلى ليحلوا أو يربطوا الخطايا (مت 19:16، 17:1،18 يو 21:20-23).

3- وقد يحتاج الخاطئ إلى إرشادات ونصائح. وأحيانا إلى تأديبات كنسية لتدريبه روحيا وتقويم أموره وسلوكه.

4- وفى الحالات الخطيرة التى يصر فيها الخاطئ على عناده. قد تفرزه الكنيسة بالسلطان الذى أعطى لها من الله أيضاً كما وقع ذلك مع الرجل الذى عاش فى كورنثوس وتجاسر وتزوج بامرأة أبيه. ومما ضاعف خطيته أن أباه كان على قيد الحياة. وقد قال الرسول فى الحكم على هذا الشخص المستهتر وعلى أمثاله أن يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكى تخلص الروح فى يوم الرب يسوع (1كو 5:5) ومعنى هذا أن يفرز من جماعة المؤمنين فيصير فى يد الشيطان الذى يضر به بالأمراض أو بضربات ومتاعب أخرى حتى يتوب ويرجع فينال رضى الرب.

5- ولذلك فإن رجع الإنسان الخاطئ وتاب عن خطيته تقبله الكنيسة فى أحضانها وتعامله بروح المحبة والرفق لأن كل الغرض من تأديبه ليس الانتقام منه أو التشهير به بل إصلاح أموره وكسب نفسه. وقد قال الرسول فى هذا فى شأن نفس الرجل المستهتر فى كورنثوس بعد ما رجع عن خطيته وتاب (مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذى من الأكثرين حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحرى وتعزونه لئلا يبتلع مثل هذا من الحزن المفرط لذلك أطلب أن تمكنوا له المحبة 2كو 6:2-8).

 

Leave a Comment